عراق ما بعد الانتخابات.. بين الاستحقاقات الداخلية والضغوط الإقليمية

::cck::3069::/cck::
::introtext::

شهد العراق خلال السنوات السبع المنصرمة ثلاث عمليات انتخاب لمجلسه التشريعي، أو بما يفيد انتخاب الحكومة نظراً للواقع البرلماني الذي أقر كإطار منظم للعمل السياسي. وفي أول عمليتي انتخاب حدثت مقاطعة انتخابية ومشاركة على أساس عاملي العرق والمذهب، فبرزت نتائج مشوهة في العملية السياسية على أساس نسب جرى شحن الشارع للوصول إليها، مما أدى إلى صعود مجموعة قوى طائفية سيست المذهب بنسب تصل إلى 65 في المائة، وأيضاً صعود قوى عرقية بنسب تصل إلى 20 في المائة، وصعود قوى علمانية بنسب 15 في المائة من إجمالي مقاعد البرلمان.

::/introtext::
::fulltext::

شهد العراق خلال السنوات السبع المنصرمة ثلاث عمليات انتخاب لمجلسه التشريعي، أو بما يفيد انتخاب الحكومة نظراً للواقع البرلماني الذي أقر كإطار منظم للعمل السياسي. وفي أول عمليتي انتخاب حدثت مقاطعة انتخابية ومشاركة على أساس عاملي العرق والمذهب، فبرزت نتائج مشوهة في العملية السياسية على أساس نسب جرى شحن الشارع للوصول إليها، مما أدى إلى صعود مجموعة قوى طائفية سيست المذهب بنسب تصل إلى 65 في المائة، وأيضاً صعود قوى عرقية بنسب تصل إلى 20 في المائة، وصعود قوى علمانية بنسب 15 في المائة من إجمالي مقاعد البرلمان.
كما ظهر تحالف طائفي-عرقي، عماده تحالف قوائم لها خطاب فئوي وسلوكيات فئوية تجمعهما الرغبة في الانتقام من كل شخوص وأوضاع ما قبل إبريل 2003، بل حملوا التاريخ أكثر مما حمل رغبة في الحصول على المنصب والثروة، فأعطوا شرعية غريبة لتدخل الأجنبي وتغيير حكم داخلي، والأخطر أن هذا التحالف جمعته علاقات عميقة بالجوار الإقليمي وارتباط أكثر من ارتباطه بالعراق كدولة ووطن، مما دفعه إلى فتح العراق أمام السياسات الإقليمية على مصراعيه، فنفذ ذلك الجوار سياسات تجريد لكل ما يستطيع بقصد ضمان رابط دائم يعيد قراءة تاريخ العراق وينفي أصوله العربية. وهكذا أدخل العراق عنوة إلى ميدان لعبة دولية – إقليمية طوال المرحلة بين (2003- 2009)، أسهمت فيها القوى الدولية والإقليمية والمحلية بتصفية عريضة دموية لكل ما وقعت عيناها عليه من حضارة وهوية العراق، بل قدراته على إعادة إنتاج ذاته خلال السنوات المقبلة. وكانت مخرجات ذلك الفعل أن انسحب المثقف العراقي والوطني العراقي والقومي العروبي العراقي والإسلامي العراقي من ميدان العمل السياسي الرسمي، وبات الطرف الغائب والخيار الأضعف بل المضمر في اللعبة السياسية هو الوطنية العراقية، مقابل انسحاب منظم من قبل الدول العربية؛ سواء بفعل إرادي أم بفعل ضغط أمريكي ليس هنا محل للنقاش حوله ولا نقاش بشأن أخلاقية ما عمله أي طرف بشأن واقع ومستقبل البلاد.
إلا أن قواعد اللعبة بدأت مؤشراتها تتحرك وبشكل أولي منذ عام 2008، نحو سعي أمريكي لاحتواء تأثيرات دول الإقليم السلبية في العراق، وتقليل تمددها فيه، وتوسيع المشروعية للعملية السياسية، فكان هناك انفتاح محسوب على الدول العربية وأيضاً انفتاح محسوب على بعض القوى الفاعلة التي سبق أن قاطعت الانتخابات على أساس مذهبي، وكذلك سعي أمريكي للحوار مع القوى الأقل تطرفاً في تنفيذ المشروع الإقليمي في العراق، بل دعم تلك القوى وإن حملت أجندات طائفية. فكان مما ظهر وضع سياسي توافقي معطل للحياة السياسية العراقية، وانشقاقات وإعادة ائتلاف بين بعض القوى السياسية. وقد ظهر الوضع الجديد على الساحة السياسية مع مطلع العام 2009. إذ تبين أن هناك ضعفاً في التيار السياسي المندمج بشكل تام في إطار اللعبة الإقليمية، وحدث انشقاق فيه ظهر منه على أثره قوى طائفية فاعلة قابله ظهور تيار سياسي عرقي له طموحات في جزء من العراق، أكثر منه بحث عن إقامة دولة إقليمية ممتدة في هذه المرحلة التاريخية. في المقابل اندمج تأييد أغلب القوميين العرب، والإسلاميون منهم، لصالح إعلاء تيار علماني ضعيف، سعى إلى ربط نفسه بالمحيط العربي عنوة، وظهرت هذه الخريطة بشكل أولي في انتخابات مجالس المحافظات عام 2009، ثم تأكد هذا التوجه في الانتخابات التشريعية عام 2010، إذ حصل التيار العلماني في الانتخابات الأخيرة على 28 في المائة من مقاعد البرلمان، وحصل تيار المالكي المرتكز على اعتبارات الطائفة (مهما كان شكل مساحيق التجميل التي أضيفت إليه) على 27.3 في المائة من مقاعد البرلمان، وحصل التيار الذي يهيمن عليه المجلس الأعلى المقرب من إيران على 21.5 في المائة، وحصل التحالف الكردستاني على 13.2 في المائة، والقوى الكردستانية الأخرى مجتمعة على 4.3 في المائة، والقوى الطائفية السنية على 1.8 في المائة.
العراق بين نقيضين: احتياجات الداخل والإقليم
المعروف أن الانتخابات ونتائجها دالة على رغبات المواطنين باعتماد برامج محددة تلبي مصالحهم. فهل عكست الانتخابات التشريعية لعام 2010 هذا الواقع؟ وما هي احتياجات العراق والعراقيين خلال المرحلة المقبلة؟ هل يحتاج العراق خلال المرحلة المقبلة إلى معالجة قضايا الداخل، أم إلى تنظيم العلاقة مع الإقليم؟ وهل عوامل ضغط مطالب الداخل أقوى على أعمال السياسة الحكومية، أم أن مطالب الإقليم ستكون أقوى على أعمال تلك السياسة؟
المتفق عليه أكاديمياً، أن الداخل هو الذي يعطي خصوصية للنظام السياسي وللسياسات التي تعتمد، ويعطي شرعية لهما. وتاريخياً، أي نظام سياسي أراد أن يكون معتداً بذاته مخلصاً لقيمه وقيم شعبه أعطى لاعتبارات الداخل ومطالبه واحتياجاته الأولوية. ويكاد حجم الشذوذ عن ذلك حالات هي بحد ذاتها غير طبيعية، والمشهد العراقي كان ضمنها طوال المرحلة بين (2003- 2009)، فهو مشهد احترم بل نفذ سياسات رسمية راعت مصالح وسياسات إقليمية بأيد عراقية. وتبارى عراقيون كثر على نفي تدخل أو تورط الإقليم بشأنهم، رغم الدلائل ورغم تصريحات دولية متعددة بذلك، بدل استغلال ذلك لضمان الحصول على أوراق عراقية، للضغط على الإقليم من أجل ضمان أمن العراق ومصالحهم؛ وهو ما أعطى انطباعاً بأن العراق مرحلة عابرة في تاريخ أولئك الأشخاص والقوى.
إن قراءة لنتائج الانتخابات في مجالس المحافظات ثم لنتائج الانتخابات التشريعية، تعطي مؤشراً إلى إرادة شرائح واسعة من العراقيين في تغليب مصالح الإقليم على مصالحهم الوطنية، عن جهل أو عن سوء نية، ليس هذا موضع تحليله؛ إذا ما عذرنا أو أوجدنا مبرراً لتصويت الناخب الكردي ضمن قوائم عرقية ضيقة الأفق في تعاملها مع العراق ككيان موحد.
لقد استثمرت قوى إقليمية في العراق بنسب متفاوتة، إلى درجة بات معها استئصال نفوذ تلك القوى عاملاً قادراً على التسبب بنتائج غير مقبولة في واقع ومستقبل العراق أرضاً وشعباً. إذ أغدقت بصرف الأموال والتدريب والتنشئة والمعلومات، بل تمكين بعض القوى الداخلية من أجل السيطرة على سلطة وثروة العراقيين. فأصبح العرفان واجباً مفروضاً؛ أما الانتشار الاستخباري وتطويع العامل المذهبي، فيكاد يكون التقدير والتحليل بشأنهما غير قابل للدحض.
إزاء ذلك، لا يمكن تجاهل أن المصالح الإقليمية ومطالبها ستكون الأعلى في أي شأن أو سياسة عراقية. وتعزز من هذا الاتجاه تفاعلات العلاقة بين البعدين الدولي والإقليمي، والتي كان العراق في جانب مهم منها ميداناً للمساومات ولتصفية حساباتها؛ طالما استرخصت القوى السياسية العراقية المتحكمة في القرار الرسمي حرمة دماء وأراضي ومصالح العراقيين.
أين سنجد العراق؟
إن ما يميز العراق هو التنوع، وقد شكلت أحزاب عريضة وقوى على أساس ذلك التنوع، مما لا تستطيع معه أن تحظى بأغلبية، كما أن النظم الانتخابية التي اعتمدت جاءت لتبقي على التنوع والتعددية بدلاً من تقييده.
وأصبح وضع العراق كنتيجة بعد الانتخابات أمام حيرة، بل أمام معضلة، فلا يمكن تشكيل حكومة فاعلة ومستقرة من نتائج الانتخابات التي ظهرت. وهذه هي خيارات الناخب العراقي، إذا ما استثنينا حدوث التزوير أو الضغط الذي طال بعضاً من إرادات الناخبين. فالعراق بات بفعل هذه الخيارات الانتخابية أمام بدائل محددة لتشكيل الاستحقاق الدستوري (أغلبية الثلثين أو حتى الأغلبية المطلقة) عند بدء المرحلة السياسية الجديدة، فالاحتمالات التي أفرزتها الانتخابات باتت لا تتعدى الآتي:
* الاحتمال الأول، قيام حكومة ائتلافية بقيادة التيار العلماني (28 في المائة من المقاعد) والذي يريد إعادة ربط العراق بمحيطه العربي، وتضم إليها تياراً طائفياً محلياً بزعامة المالكي (27.3 في المائة من المقاعد)، راغباً في السيطرة على مقاليد الثروة والسلطة أو عدم عزله عنهما. وهكذا احتمال وإن قام على تحالف نقيضين إلا أن ما سيجمعهما حجم الاتفاق على تقاسم السلطة والثروة، فهو موضع الخلاف الرئيسي لدى التيار الثاني، ويمكن إرضاؤه بالتالي بجزء منها، ومن ثم يمكن قيام حكومة فاعلة إن تمكنوا من الاتفاق على خيارات وبرامج وسطية، وأهمها تحييد تأثير القوى الإقليمية في العراق.
* الاحتمال الثاني، قيام حكومة ائتلافية بقيادة التيار العلماني، وتيار له ولاؤه السياسي المسبق لإيران بمركزية المجلس الأعلى (21.5 في المائة من مقاعد البرلمان)، وقوى صغيرة لإكمال النصاب الدستوري. وهذا الاحتمال يتطلب تحالفاً علمانياً راغباً في ربط العراق بالمحيط العربي وتيار ما زال يقدم الاعتداد والعلاقة مع إيران، وكلا التوجهين من الصعب اعتمادهما في حكومة واحدة تحظى بالفاعلية والاستقرار، ولضمان الوصول إلى أحدهما يتطلب الحال حصول تنازلات ضخمة في أجندتهما الإقليمية، ومن ثم فإن الاستقرار ممكن والفاعلية غير ممكنة في تحالفهما.
* الاحتمال الثالث، قيام حكومة ائتلافية بقيادة التيار العلماني، وتستثني تيار المالكي والائتلاف العراقي الذي يتمركز حول المجلس الأعلى، وتقوم برامج وسياسات هكذا ائتلاف على عامل أساسي هو استبعاد إيران من العراق؛ وما قد يواجهه قيام هذا التحالف أن الائتلافات الكردية ذاتها متورطة بسياسات إدخال إيران وتعظيم دورها في العراق. وللوصول النظري إلى هكذا تحالف يتطلب الحال تقديم تنازلات حيوية ومؤلمة للقوى الكردية قد لا يرغب في تقديمها التيار العلماني أو العرب السنة وتحديداً في أراضي الموصل وديالى وكركوك.
* الاحتمال الرابع، قيام حكومة على أسس طائفية، يديرها إما حزب الدعوة تنظيم المالكي أو المجلس الأعلى، ويضم إليه التحالف الكردستاني. وهذا التحالف يمكن إقامته على أساس استبعاد الخيار العربي من سياسات العراق، ورعاية تفضيلية لمصالح إيران. ويكاد يكون حجم المصالح بين هذه القوى هو الأعلى في أي معادلة عراقية، نظراً للاتفاقيات السابقة بحدود قسمة عاملي ثروات وسلطة العراق فيما بينها، كما أنها جميعها مُلتزمة من قبل إيران، ومن ثم فإنها قادرة على تشكيل حكومة الأكثر استقراراً من بين كافة التحالفات المفترضة.
* الاحتمال الخامس، قيام حكومة توافقية قائمة على أساس المحاصصة السياسية، تضم كل الراغبين، وكل منها يعطى له وزن في التشكيلة الحكومية. ونتائج هذا الخيار ستكون حكومة غير فاعلة، بل غير مستقرة، لأن ذلك سيتطلب توزيع (استحواذ) عريضاً للثروات وللسلطة وهو ما بات لا يتحمله الشارع العراقي، فهذا التوزيع وصل إلى دالة سالبة قد تفقد العملية السياسية برمتها الشرعية بسبب عدم تخصيص ثروات مناسبة لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات وتعطيل السلطات نتيجة لتصادم الصلاحيات.
إن الخوض في هذه الاحتمالات وبيان مدى جديتها، لا يجعل أي توقع يتجاهل ان المشهد العراقي لم يكن بعيداً عن كونه شأناً صراعياً بالمعنى الإقليمي والدولي وليس شأناً عراقياً فقط. فإذا كانت الكتلة العلمانية تصر على حقها في تشكيل الحكومة باعتبارها الفائز الأكبر، فإن القوى المتمحورة حول اعتبارات الطائفة وإيران تراجعت بدورها عن أولوية ائتلافاتها نحو تحالف مع بعضها لتشكيل حكومة بعيداً عن التيار العلماني. والذي لا يمكن تجاهله أن السياسة العراقية لا تدار كلها على أرض العراق، إذ إن كل طرف داخل العراق موصول بالخارج الإقليمي والدولي بدرجات مختلفة. وإيران والولايات المتحدة من بين الدول الأكثر تأثيراً في الشأن العراقي. فالولايات المتحدة هي التي أدخلت العراق في تعددية غير منضبطة، أما إيران فإنها تساند كتلاً وطوائف وشخصيات عراقية بعينها بكل قوة إلى درجة تمكينها من الهيمنة والسيطرة على العراق. مع الأخذ في الاعتبار أن الهيمنة الإيرانية على بعض الشخصيات والقوى العراقية هي جزء من استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بالمواجهة مع الولايات المتحدة من جانب وبممارسة النفوذ على الدول العربية وبخاصة الخليجية منها انطلاقاً من الأرض العراقية من جانب آخر. فإيران تتحسب كثيراً للحظة التي ستلي انسحاب معظم القوات الأمريكية، ويهمها أن تكون حكومة العراق التي سترث هذا الانسحاب، ليست صديقة وحسب، بل شريكة إن لم تكن عميلة.
وبعيداً عمن سيتولى رئاسة الحكومة، فإن كل من القوى السياسية يفترض بها أن تخضع لمنطق تقديم استحقاقات الداخل، بمعنى إعلاء شأن المصالح الوطنية واستنهاض العراق مما وقع به، إلا أن الملاحظ أن أغلب القوى السياسية الطائفية والعرقية قد تسابقت على الحج إلى إيران في وقت مبكر جداً بعد تأكد نتائج الانتخابات التشريعية لبيان حدود حركتها، واستطلاع الآراء، وأخذ الأوامر في حدود التعامل مع القوى العلمانية، بمعنى المدى الذي يمكنها السماح به لظهور توجه يدعو إلى ربط العراق بمحيطه العربي على ساحة العمل الرسمي؛ ولا يمكن تقديم تفسير آخر في حدود ما يمكن تحميله على أعباء التحليل السياسي. فهناك قوى عدة تدرك أن إيران خيارها الوحيد من أجل التمكن من القبض على مقاليد السلطة والثروة في العراق؛ وأن أي توجه آخر فيه لا يناسب احتمالات بقائها فاعلة في البلاد. والأكثر أهمية أنها تدرك أن إيران خيارها الوحيد إذا ما ساءت الأوضاع في العراق.
هذا الموقف جعل عامل المرونة أمام تيار القوى العلمانية التي تصدرت القوائم الانتخابية في التحرك لتشكيل أغلبية برلمانية تمكنها من تشكيل حكومة، في أضعف ما يكون عليه الحال كنتيجة لقوة الضغط والأوراق الإقليمية التي تتمتع بها إيران داخل العراق. وأعطى قوة تفاوض للقوى الطائفية والقوى المقربة من إيران لامتلاك المبادرة لتشكيل الحكومة.
التوقعات لسياسات العراق الإقليمية
إن تشكيل حكومة فاعلة ومستقرة في العراق هو احتمال ضعيف، والعامل الذي يمكن اللعب عليه من قبل الوطنيين العراقيين والدول العربية خلال الأعوام الأربعة المقبلة سيكون خيار القوى السياسية بين تفضيل تغليب مصالح إيران في العراق أو تغليب مصالح العرب فيه. وأمر هذا الخيار مرهون بأبعاد خارجة على وضع العراق ذاته ومتعلق بأضلاع المثلث (الدول العربية، الولايات المتحدة وإيران)، فكلما زاد تأثير العرب في الولايات المتحدة من أجل تقليل الأدوار الإيرانية بشكل حقيقي زاد اتجاه قوى عراقية نحو تغليب مصالح العرب في العراق، وكلما زاد تأثير إيران في القرار الأمريكي المتعلق بالشأن العراقي نتيجة مساومات جانبية في قضايا كلية تحكم علاقة الطرفين بانت فاعلية مضافة للقوى التي تغلب مصالح إيران في العراق. بمعنى آخر، إن هذا الأمر متوقف على حجم الضغوط بين ثلاث أضلاع المثلث السابق. والراجح أن الخيار العربي الذي يقف خلفه العلمانيون ما زال الأضعف والأقل تماسكاً واستقراراً، فهو من جانب لم يمارس إلى هذه اللحظة ضغوطه على الولايات المتحدة بشكل جدي من أجل كبح جماح إيران في العراق، وخاصة أن اللعبة الإيرانية في العراق تسير بدراية أمريكية كاملة، كما تدرك الدول العربية أن التيار العلماني في العراق الملتزم بالمصالح العربية أو بربط العراق عربياً، يتألف من خليط ضبطه تفاقم السلبيات في العراق وتأثير المال السياسي والضغوط الأمريكية والخشية من الأسوأ، أكثر من اعتقاده بالتيار العلماني ومتطلبات بنائه وتقويته داخل العراق. وتفككه عند أول مواجهة أمر يصعب إنكاره من أي حسابات عملية، ولا يمكن وضع كامل البيض في سلته.
أما القوى التي تدعم المشروع الإيراني ضمناً أو صراحة، أو التي تحمل أجندات طائفية ضيقة، فإنها لا تزال الأكثر تنظيماً، بما حصلت وتحصل عليه من عامل سياسي موحد (إيران)، وعامل مذهبي موحد (المرجعيات المذهبية)، وعامل عاطفي جامع (تشبث بتسييس الطقوس المذهبية الدورية)، وعامل سياسي (مؤطر بأحزاب طائفية) بصورة رسمية. ويثبت هذه الرؤية ما استطاعت ان تحصل عليه هذه القوى في المناطق المذهبية التي تنتشر فيها، إذ يكاد ما فقدته من مقاعد تشريعية لصالح التيار العلماني لا يتجاوز 11 في المائة (12 مقعداً من مجموع 107 مقاعد في محافظات الجنوب).
ولا يمكن لتحالف هذه القوى أن ينشق إلا بتحالف مصالح يضمن ضرب الأسس والعوامل الثلاثة السابقة، وهذا مستحيل خلال الدورة الانتخابية الحالية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3069::/cck::
::introtext::

شهد العراق خلال السنوات السبع المنصرمة ثلاث عمليات انتخاب لمجلسه التشريعي، أو بما يفيد انتخاب الحكومة نظراً للواقع البرلماني الذي أقر كإطار منظم للعمل السياسي. وفي أول عمليتي انتخاب حدثت مقاطعة انتخابية ومشاركة على أساس عاملي العرق والمذهب، فبرزت نتائج مشوهة في العملية السياسية على أساس نسب جرى شحن الشارع للوصول إليها، مما أدى إلى صعود مجموعة قوى طائفية سيست المذهب بنسب تصل إلى 65 في المائة، وأيضاً صعود قوى عرقية بنسب تصل إلى 20 في المائة، وصعود قوى علمانية بنسب 15 في المائة من إجمالي مقاعد البرلمان.

::/introtext::
::fulltext::

شهد العراق خلال السنوات السبع المنصرمة ثلاث عمليات انتخاب لمجلسه التشريعي، أو بما يفيد انتخاب الحكومة نظراً للواقع البرلماني الذي أقر كإطار منظم للعمل السياسي. وفي أول عمليتي انتخاب حدثت مقاطعة انتخابية ومشاركة على أساس عاملي العرق والمذهب، فبرزت نتائج مشوهة في العملية السياسية على أساس نسب جرى شحن الشارع للوصول إليها، مما أدى إلى صعود مجموعة قوى طائفية سيست المذهب بنسب تصل إلى 65 في المائة، وأيضاً صعود قوى عرقية بنسب تصل إلى 20 في المائة، وصعود قوى علمانية بنسب 15 في المائة من إجمالي مقاعد البرلمان.
كما ظهر تحالف طائفي-عرقي، عماده تحالف قوائم لها خطاب فئوي وسلوكيات فئوية تجمعهما الرغبة في الانتقام من كل شخوص وأوضاع ما قبل إبريل 2003، بل حملوا التاريخ أكثر مما حمل رغبة في الحصول على المنصب والثروة، فأعطوا شرعية غريبة لتدخل الأجنبي وتغيير حكم داخلي، والأخطر أن هذا التحالف جمعته علاقات عميقة بالجوار الإقليمي وارتباط أكثر من ارتباطه بالعراق كدولة ووطن، مما دفعه إلى فتح العراق أمام السياسات الإقليمية على مصراعيه، فنفذ ذلك الجوار سياسات تجريد لكل ما يستطيع بقصد ضمان رابط دائم يعيد قراءة تاريخ العراق وينفي أصوله العربية. وهكذا أدخل العراق عنوة إلى ميدان لعبة دولية – إقليمية طوال المرحلة بين (2003- 2009)، أسهمت فيها القوى الدولية والإقليمية والمحلية بتصفية عريضة دموية لكل ما وقعت عيناها عليه من حضارة وهوية العراق، بل قدراته على إعادة إنتاج ذاته خلال السنوات المقبلة. وكانت مخرجات ذلك الفعل أن انسحب المثقف العراقي والوطني العراقي والقومي العروبي العراقي والإسلامي العراقي من ميدان العمل السياسي الرسمي، وبات الطرف الغائب والخيار الأضعف بل المضمر في اللعبة السياسية هو الوطنية العراقية، مقابل انسحاب منظم من قبل الدول العربية؛ سواء بفعل إرادي أم بفعل ضغط أمريكي ليس هنا محل للنقاش حوله ولا نقاش بشأن أخلاقية ما عمله أي طرف بشأن واقع ومستقبل البلاد.
إلا أن قواعد اللعبة بدأت مؤشراتها تتحرك وبشكل أولي منذ عام 2008، نحو سعي أمريكي لاحتواء تأثيرات دول الإقليم السلبية في العراق، وتقليل تمددها فيه، وتوسيع المشروعية للعملية السياسية، فكان هناك انفتاح محسوب على الدول العربية وأيضاً انفتاح محسوب على بعض القوى الفاعلة التي سبق أن قاطعت الانتخابات على أساس مذهبي، وكذلك سعي أمريكي للحوار مع القوى الأقل تطرفاً في تنفيذ المشروع الإقليمي في العراق، بل دعم تلك القوى وإن حملت أجندات طائفية. فكان مما ظهر وضع سياسي توافقي معطل للحياة السياسية العراقية، وانشقاقات وإعادة ائتلاف بين بعض القوى السياسية. وقد ظهر الوضع الجديد على الساحة السياسية مع مطلع العام 2009. إذ تبين أن هناك ضعفاً في التيار السياسي المندمج بشكل تام في إطار اللعبة الإقليمية، وحدث انشقاق فيه ظهر منه على أثره قوى طائفية فاعلة قابله ظهور تيار سياسي عرقي له طموحات في جزء من العراق، أكثر منه بحث عن إقامة دولة إقليمية ممتدة في هذه المرحلة التاريخية. في المقابل اندمج تأييد أغلب القوميين العرب، والإسلاميون منهم، لصالح إعلاء تيار علماني ضعيف، سعى إلى ربط نفسه بالمحيط العربي عنوة، وظهرت هذه الخريطة بشكل أولي في انتخابات مجالس المحافظات عام 2009، ثم تأكد هذا التوجه في الانتخابات التشريعية عام 2010، إذ حصل التيار العلماني في الانتخابات الأخيرة على 28 في المائة من مقاعد البرلمان، وحصل تيار المالكي المرتكز على اعتبارات الطائفة (مهما كان شكل مساحيق التجميل التي أضيفت إليه) على 27.3 في المائة من مقاعد البرلمان، وحصل التيار الذي يهيمن عليه المجلس الأعلى المقرب من إيران على 21.5 في المائة، وحصل التحالف الكردستاني على 13.2 في المائة، والقوى الكردستانية الأخرى مجتمعة على 4.3 في المائة، والقوى الطائفية السنية على 1.8 في المائة.
العراق بين نقيضين: احتياجات الداخل والإقليم
المعروف أن الانتخابات ونتائجها دالة على رغبات المواطنين باعتماد برامج محددة تلبي مصالحهم. فهل عكست الانتخابات التشريعية لعام 2010 هذا الواقع؟ وما هي احتياجات العراق والعراقيين خلال المرحلة المقبلة؟ هل يحتاج العراق خلال المرحلة المقبلة إلى معالجة قضايا الداخل، أم إلى تنظيم العلاقة مع الإقليم؟ وهل عوامل ضغط مطالب الداخل أقوى على أعمال السياسة الحكومية، أم أن مطالب الإقليم ستكون أقوى على أعمال تلك السياسة؟
المتفق عليه أكاديمياً، أن الداخل هو الذي يعطي خصوصية للنظام السياسي وللسياسات التي تعتمد، ويعطي شرعية لهما. وتاريخياً، أي نظام سياسي أراد أن يكون معتداً بذاته مخلصاً لقيمه وقيم شعبه أعطى لاعتبارات الداخل ومطالبه واحتياجاته الأولوية. ويكاد حجم الشذوذ عن ذلك حالات هي بحد ذاتها غير طبيعية، والمشهد العراقي كان ضمنها طوال المرحلة بين (2003- 2009)، فهو مشهد احترم بل نفذ سياسات رسمية راعت مصالح وسياسات إقليمية بأيد عراقية. وتبارى عراقيون كثر على نفي تدخل أو تورط الإقليم بشأنهم، رغم الدلائل ورغم تصريحات دولية متعددة بذلك، بدل استغلال ذلك لضمان الحصول على أوراق عراقية، للضغط على الإقليم من أجل ضمان أمن العراق ومصالحهم؛ وهو ما أعطى انطباعاً بأن العراق مرحلة عابرة في تاريخ أولئك الأشخاص والقوى.
إن قراءة لنتائج الانتخابات في مجالس المحافظات ثم لنتائج الانتخابات التشريعية، تعطي مؤشراً إلى إرادة شرائح واسعة من العراقيين في تغليب مصالح الإقليم على مصالحهم الوطنية، عن جهل أو عن سوء نية، ليس هذا موضع تحليله؛ إذا ما عذرنا أو أوجدنا مبرراً لتصويت الناخب الكردي ضمن قوائم عرقية ضيقة الأفق في تعاملها مع العراق ككيان موحد.
لقد استثمرت قوى إقليمية في العراق بنسب متفاوتة، إلى درجة بات معها استئصال نفوذ تلك القوى عاملاً قادراً على التسبب بنتائج غير مقبولة في واقع ومستقبل العراق أرضاً وشعباً. إذ أغدقت بصرف الأموال والتدريب والتنشئة والمعلومات، بل تمكين بعض القوى الداخلية من أجل السيطرة على سلطة وثروة العراقيين. فأصبح العرفان واجباً مفروضاً؛ أما الانتشار الاستخباري وتطويع العامل المذهبي، فيكاد يكون التقدير والتحليل بشأنهما غير قابل للدحض.
إزاء ذلك، لا يمكن تجاهل أن المصالح الإقليمية ومطالبها ستكون الأعلى في أي شأن أو سياسة عراقية. وتعزز من هذا الاتجاه تفاعلات العلاقة بين البعدين الدولي والإقليمي، والتي كان العراق في جانب مهم منها ميداناً للمساومات ولتصفية حساباتها؛ طالما استرخصت القوى السياسية العراقية المتحكمة في القرار الرسمي حرمة دماء وأراضي ومصالح العراقيين.
أين سنجد العراق؟
إن ما يميز العراق هو التنوع، وقد شكلت أحزاب عريضة وقوى على أساس ذلك التنوع، مما لا تستطيع معه أن تحظى بأغلبية، كما أن النظم الانتخابية التي اعتمدت جاءت لتبقي على التنوع والتعددية بدلاً من تقييده.
وأصبح وضع العراق كنتيجة بعد الانتخابات أمام حيرة، بل أمام معضلة، فلا يمكن تشكيل حكومة فاعلة ومستقرة من نتائج الانتخابات التي ظهرت. وهذه هي خيارات الناخب العراقي، إذا ما استثنينا حدوث التزوير أو الضغط الذي طال بعضاً من إرادات الناخبين. فالعراق بات بفعل هذه الخيارات الانتخابية أمام بدائل محددة لتشكيل الاستحقاق الدستوري (أغلبية الثلثين أو حتى الأغلبية المطلقة) عند بدء المرحلة السياسية الجديدة، فالاحتمالات التي أفرزتها الانتخابات باتت لا تتعدى الآتي:
* الاحتمال الأول، قيام حكومة ائتلافية بقيادة التيار العلماني (28 في المائة من المقاعد) والذي يريد إعادة ربط العراق بمحيطه العربي، وتضم إليها تياراً طائفياً محلياً بزعامة المالكي (27.3 في المائة من المقاعد)، راغباً في السيطرة على مقاليد الثروة والسلطة أو عدم عزله عنهما. وهكذا احتمال وإن قام على تحالف نقيضين إلا أن ما سيجمعهما حجم الاتفاق على تقاسم السلطة والثروة، فهو موضع الخلاف الرئيسي لدى التيار الثاني، ويمكن إرضاؤه بالتالي بجزء منها، ومن ثم يمكن قيام حكومة فاعلة إن تمكنوا من الاتفاق على خيارات وبرامج وسطية، وأهمها تحييد تأثير القوى الإقليمية في العراق.
* الاحتمال الثاني، قيام حكومة ائتلافية بقيادة التيار العلماني، وتيار له ولاؤه السياسي المسبق لإيران بمركزية المجلس الأعلى (21.5 في المائة من مقاعد البرلمان)، وقوى صغيرة لإكمال النصاب الدستوري. وهذا الاحتمال يتطلب تحالفاً علمانياً راغباً في ربط العراق بالمحيط العربي وتيار ما زال يقدم الاعتداد والعلاقة مع إيران، وكلا التوجهين من الصعب اعتمادهما في حكومة واحدة تحظى بالفاعلية والاستقرار، ولضمان الوصول إلى أحدهما يتطلب الحال حصول تنازلات ضخمة في أجندتهما الإقليمية، ومن ثم فإن الاستقرار ممكن والفاعلية غير ممكنة في تحالفهما.
* الاحتمال الثالث، قيام حكومة ائتلافية بقيادة التيار العلماني، وتستثني تيار المالكي والائتلاف العراقي الذي يتمركز حول المجلس الأعلى، وتقوم برامج وسياسات هكذا ائتلاف على عامل أساسي هو استبعاد إيران من العراق؛ وما قد يواجهه قيام هذا التحالف أن الائتلافات الكردية ذاتها متورطة بسياسات إدخال إيران وتعظيم دورها في العراق. وللوصول النظري إلى هكذا تحالف يتطلب الحال تقديم تنازلات حيوية ومؤلمة للقوى الكردية قد لا يرغب في تقديمها التيار العلماني أو العرب السنة وتحديداً في أراضي الموصل وديالى وكركوك.
* الاحتمال الرابع، قيام حكومة على أسس طائفية، يديرها إما حزب الدعوة تنظيم المالكي أو المجلس الأعلى، ويضم إليه التحالف الكردستاني. وهذا التحالف يمكن إقامته على أساس استبعاد الخيار العربي من سياسات العراق، ورعاية تفضيلية لمصالح إيران. ويكاد يكون حجم المصالح بين هذه القوى هو الأعلى في أي معادلة عراقية، نظراً للاتفاقيات السابقة بحدود قسمة عاملي ثروات وسلطة العراق فيما بينها، كما أنها جميعها مُلتزمة من قبل إيران، ومن ثم فإنها قادرة على تشكيل حكومة الأكثر استقراراً من بين كافة التحالفات المفترضة.
* الاحتمال الخامس، قيام حكومة توافقية قائمة على أساس المحاصصة السياسية، تضم كل الراغبين، وكل منها يعطى له وزن في التشكيلة الحكومية. ونتائج هذا الخيار ستكون حكومة غير فاعلة، بل غير مستقرة، لأن ذلك سيتطلب توزيع (استحواذ) عريضاً للثروات وللسلطة وهو ما بات لا يتحمله الشارع العراقي، فهذا التوزيع وصل إلى دالة سالبة قد تفقد العملية السياسية برمتها الشرعية بسبب عدم تخصيص ثروات مناسبة لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات وتعطيل السلطات نتيجة لتصادم الصلاحيات.
إن الخوض في هذه الاحتمالات وبيان مدى جديتها، لا يجعل أي توقع يتجاهل ان المشهد العراقي لم يكن بعيداً عن كونه شأناً صراعياً بالمعنى الإقليمي والدولي وليس شأناً عراقياً فقط. فإذا كانت الكتلة العلمانية تصر على حقها في تشكيل الحكومة باعتبارها الفائز الأكبر، فإن القوى المتمحورة حول اعتبارات الطائفة وإيران تراجعت بدورها عن أولوية ائتلافاتها نحو تحالف مع بعضها لتشكيل حكومة بعيداً عن التيار العلماني. والذي لا يمكن تجاهله أن السياسة العراقية لا تدار كلها على أرض العراق، إذ إن كل طرف داخل العراق موصول بالخارج الإقليمي والدولي بدرجات مختلفة. وإيران والولايات المتحدة من بين الدول الأكثر تأثيراً في الشأن العراقي. فالولايات المتحدة هي التي أدخلت العراق في تعددية غير منضبطة، أما إيران فإنها تساند كتلاً وطوائف وشخصيات عراقية بعينها بكل قوة إلى درجة تمكينها من الهيمنة والسيطرة على العراق. مع الأخذ في الاعتبار أن الهيمنة الإيرانية على بعض الشخصيات والقوى العراقية هي جزء من استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بالمواجهة مع الولايات المتحدة من جانب وبممارسة النفوذ على الدول العربية وبخاصة الخليجية منها انطلاقاً من الأرض العراقية من جانب آخر. فإيران تتحسب كثيراً للحظة التي ستلي انسحاب معظم القوات الأمريكية، ويهمها أن تكون حكومة العراق التي سترث هذا الانسحاب، ليست صديقة وحسب، بل شريكة إن لم تكن عميلة.
وبعيداً عمن سيتولى رئاسة الحكومة، فإن كل من القوى السياسية يفترض بها أن تخضع لمنطق تقديم استحقاقات الداخل، بمعنى إعلاء شأن المصالح الوطنية واستنهاض العراق مما وقع به، إلا أن الملاحظ أن أغلب القوى السياسية الطائفية والعرقية قد تسابقت على الحج إلى إيران في وقت مبكر جداً بعد تأكد نتائج الانتخابات التشريعية لبيان حدود حركتها، واستطلاع الآراء، وأخذ الأوامر في حدود التعامل مع القوى العلمانية، بمعنى المدى الذي يمكنها السماح به لظهور توجه يدعو إلى ربط العراق بمحيطه العربي على ساحة العمل الرسمي؛ ولا يمكن تقديم تفسير آخر في حدود ما يمكن تحميله على أعباء التحليل السياسي. فهناك قوى عدة تدرك أن إيران خيارها الوحيد من أجل التمكن من القبض على مقاليد السلطة والثروة في العراق؛ وأن أي توجه آخر فيه لا يناسب احتمالات بقائها فاعلة في البلاد. والأكثر أهمية أنها تدرك أن إيران خيارها الوحيد إذا ما ساءت الأوضاع في العراق.
هذا الموقف جعل عامل المرونة أمام تيار القوى العلمانية التي تصدرت القوائم الانتخابية في التحرك لتشكيل أغلبية برلمانية تمكنها من تشكيل حكومة، في أضعف ما يكون عليه الحال كنتيجة لقوة الضغط والأوراق الإقليمية التي تتمتع بها إيران داخل العراق. وأعطى قوة تفاوض للقوى الطائفية والقوى المقربة من إيران لامتلاك المبادرة لتشكيل الحكومة.
التوقعات لسياسات العراق الإقليمية
إن تشكيل حكومة فاعلة ومستقرة في العراق هو احتمال ضعيف، والعامل الذي يمكن اللعب عليه من قبل الوطنيين العراقيين والدول العربية خلال الأعوام الأربعة المقبلة سيكون خيار القوى السياسية بين تفضيل تغليب مصالح إيران في العراق أو تغليب مصالح العرب فيه. وأمر هذا الخيار مرهون بأبعاد خارجة على وضع العراق ذاته ومتعلق بأضلاع المثلث (الدول العربية، الولايات المتحدة وإيران)، فكلما زاد تأثير العرب في الولايات المتحدة من أجل تقليل الأدوار الإيرانية بشكل حقيقي زاد اتجاه قوى عراقية نحو تغليب مصالح العرب في العراق، وكلما زاد تأثير إيران في القرار الأمريكي المتعلق بالشأن العراقي نتيجة مساومات جانبية في قضايا كلية تحكم علاقة الطرفين بانت فاعلية مضافة للقوى التي تغلب مصالح إيران في العراق. بمعنى آخر، إن هذا الأمر متوقف على حجم الضغوط بين ثلاث أضلاع المثلث السابق. والراجح أن الخيار العربي الذي يقف خلفه العلمانيون ما زال الأضعف والأقل تماسكاً واستقراراً، فهو من جانب لم يمارس إلى هذه اللحظة ضغوطه على الولايات المتحدة بشكل جدي من أجل كبح جماح إيران في العراق، وخاصة أن اللعبة الإيرانية في العراق تسير بدراية أمريكية كاملة، كما تدرك الدول العربية أن التيار العلماني في العراق الملتزم بالمصالح العربية أو بربط العراق عربياً، يتألف من خليط ضبطه تفاقم السلبيات في العراق وتأثير المال السياسي والضغوط الأمريكية والخشية من الأسوأ، أكثر من اعتقاده بالتيار العلماني ومتطلبات بنائه وتقويته داخل العراق. وتفككه عند أول مواجهة أمر يصعب إنكاره من أي حسابات عملية، ولا يمكن وضع كامل البيض في سلته.
أما القوى التي تدعم المشروع الإيراني ضمناً أو صراحة، أو التي تحمل أجندات طائفية ضيقة، فإنها لا تزال الأكثر تنظيماً، بما حصلت وتحصل عليه من عامل سياسي موحد (إيران)، وعامل مذهبي موحد (المرجعيات المذهبية)، وعامل عاطفي جامع (تشبث بتسييس الطقوس المذهبية الدورية)، وعامل سياسي (مؤطر بأحزاب طائفية) بصورة رسمية. ويثبت هذه الرؤية ما استطاعت ان تحصل عليه هذه القوى في المناطق المذهبية التي تنتشر فيها، إذ يكاد ما فقدته من مقاعد تشريعية لصالح التيار العلماني لا يتجاوز 11 في المائة (12 مقعداً من مجموع 107 مقاعد في محافظات الجنوب).
ولا يمكن لتحالف هذه القوى أن ينشق إلا بتحالف مصالح يضمن ضرب الأسس والعوامل الثلاثة السابقة، وهذا مستحيل خلال الدورة الانتخابية الحالية.

::/fulltext::
::cck::3069::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *