دور المصالحة الوطنية في تفعيل السياسة الخارجية العراقية
::cck::3075::/cck::
::introtext::
إن المصالحة الوطنية الحقيقية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تفعيل السياسة الخارجية العراقية، ذلك بأن العراق تعرض إلى غزو واحتلال أجنبي نجمت عنه الإطاحة بنظامه السياسي الذي كان قائماً قبل الغزو عام 2003، وقامت القوة الغازية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، على نحو رئيسي، بتدمير وحل مؤسسات الدولة كافة ولا سيما العسكرية والأمنية وأعادت العراق إلى ما قبل الدولة بكل ما يمكن أن ينجم عن ذلك من تداعيات، حيث تكون البلاد مهيأة لصعود قيم القبيلة والطائفة والنزعات العرقية والإثنية، فضلاً عن تسريح الملايين من العمل، الأمر الذي أوجد أوضاعاً غير مسبوقة في بلد يعيش في بيئة دولية تتسم بضعف الاستقرار.
::/introtext::
::fulltext::
إن المصالحة الوطنية الحقيقية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تفعيل السياسة الخارجية العراقية، ذلك بأن العراق تعرض إلى غزو واحتلال أجنبي نجمت عنه الإطاحة بنظامه السياسي الذي كان قائماً قبل الغزو عام 2003، وقامت القوة الغازية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، على نحو رئيسي، بتدمير وحل مؤسسات الدولة كافة ولا سيما العسكرية والأمنية وأعادت العراق إلى ما قبل الدولة بكل ما يمكن أن ينجم عن ذلك من تداعيات، حيث تكون البلاد مهيأة لصعود قيم القبيلة والطائفة والنزعات العرقية والإثنية، فضلاً عن تسريح الملايين من العمل، الأمر الذي أوجد أوضاعاً غير مسبوقة في بلد يعيش في بيئة دولية تتسم بضعف الاستقرار.
إن المصالحة الوطنية الحقيقية ستؤدي بالضرورة إلى توسيع المشاركة في بناء القرار الوطني على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية ومن ثم إعادة بناء دولة العراق ليستعيد دوره في محيطه العربي والإقليمي.
ولما كان تفعيل السياسة الخارجية يعتمد على قوة الدولة وبنائها الداخلي، وأن السياسة الخارجية هي انعكاس للقوة على الأرض، فإن المصالحة الوطنية، وتوسيع المشاركة السياسية واستعادة العراق مكانته، ستؤدي دوراً بناء في تفعيل السياسة الخارجية العراقية، الأمر الذي يعني أن السياسة الخارجية للدولة هي جزء من سياستها الوطنية.
ولو ذهبنا إلى عملية اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية، لوجدنا أنها تشتمل على عدد من العناصر الرئيسية التي يمكن إيجازها على النحو الآتي:
1- البيئة الخارجية بكل أبعادها وحقائقها وضغوطها ومؤثراتها، وبكل جوانب التداخل والتفاعل فيها.
2- البيئة الداخلية للقرار: وتتكون من الأوضاع الاجتماعية السائدة ومن النظام السياسي والاقتصادي للدولة، ومن الجماعات غير الحكومية وجماعات الضغط والمصالح والأحزاب السياسية، وغير ذلك.
3- واضعو القرارات الخارجية كل في إطار تركيب معين من القيم والمعتقدات.
4- القدرات القومية المتاحة للدولة التي اتخذت هذه القرارات الخارجية والتي تستطيع بها أن تساند تنفيذ نمط معين من أنماط القرارات أو السياسات في مواجهة ردود الفعل الدولية المضادة.
5 – الضغط لاتخاذ القرار الذي قد يكون مرتبطاً بتوقعات الرأي العام وبإلحاح البيئة الداخلية عليه.
6- الهيكل التنظيمي الرسمي الذي تمت في إطاره عملية اتخاذ القرارات الخارجية. وفي هذا الإطار فإن الشعب وتعدد المستويات التنظيمية قد يكونان من عوامل تعقيد عملية اتخاذ القرارات بعكس الحال مع الهياكل التنظيمية البسيطة.
بهذه المعاني، فإن السياسة الداخلية الناجحة تعد أول شرط من شروط نجاح السياسة الخارجية. فهناك تلازم بين السياستين الداخلية والخارجية لأية دولة. لهذا فإن أهداف السياسة الخارجية لكل دولة تتحدد من خلال مصلحتها الوطنية المنبثقة من مجمل المؤثرات الداخلية والخارجية، كالعوامل الجغرافية والموارد الاقتصادية والتركيب الاجتماعي والقوة العسكرية والعوامل الدولية المختلفة. واستناداً إلى معيار المصلحة الوطنية فإن الدول جميعاً تسعى إلى تحقيق هدفين:
1- حماية أمن الدول وبقائها.
2- تعزيز رفاهية الأمة والمواطنين.
ولا تخرج أهداف السياسة الخارجية عن هذين الهدفين في مجال تحقيقها خارج حدود القطر، غير أن كلاً منهما يضم جوانب شتى. فالهدف الأول (حماية أمن الدولة وبقائها) يعني المحافظة على السيادة والاستقلال ووحدة الأرض وحماية السكان وتوسيع المشاركة السياسية للنهوض بهذه المهمات والارتفاع بمستوى الوعي الوطني الشامل والتضحية بكل غال ونفيس من أجل ترسيخ دعائم الاستقلال والسيادة الوطنية.
وإذا كان التعبير عن هذين الهدفين الرئيسين، يختلف حسب الظروف الداخلية والخارجية والزمانية والمكانية لأنه ليس للعوامل المؤثرة في السياسة الخارجية خصائص الثبات والتغير نفسها، فبعضها ثابت نسبياً كالعوامل الجغرافية والاقتصادية، في حين أن البعض الآخر يتغير تبعاً لقدرة الدولة على إحداث التغيير المطلوب كالقوة الاقتصادية والعسكرية ووحدة الصف الوطني وقوة النظام السياسي أو ضعفه فضلاً عن المتغيرات السريعة.
وفي هذا الإطار فإن الوحدة الوطنية وسعة المشاركة السياسية، تعدان من العوامل المؤثرة بل الحاسمة في بناء الدولة والتعبيرعن عناصر قوتها.
من هنا، فإن البعد السياسي للوحدة الوطنية يشير إلى مدى تحقق أو عدم تحقق التفاعل والتلاحم أو الاندماج بين النظام السياسي أو القيادة السياسية وبين مجموع أعضاء الجماعة الوطنية (عموم الشعب) سواء كان هؤلاء الأعضاء من الأغلبية أو من الأقليات، ذلك أن تحقق مثل هذا التفاعل أمر لا بد منه على طريق استكمال مقومات أية وحدة وطنية ناجحة.
وهنا لا بد أن نشير إلى أن تحقق مثل هذا التفاعل أو التلاحم لا يمكن أن يتم ما لم يسبقه اقتناع أعضاء الجماعة الوطنية (أغلبية وأقليات) بشرعية النظام السياسي كجهاز له حق اتخاذ القرار وإلزام الأفراد باحترامها، فكلما اتسع مدى الشرعية، بات من المتوقع أن تسود فيهم سياسة تضغط على الامتثال لقرارات السلطة السياسية.
وعلى العكس من ذلك، فإن ضيق ذلك المدى (الشرعية) يقترن عادة بنظرة إلى السلطة من قبل أعضاء الجماعة الوطنية، عموماً، على أنها أداة تسلط واستغلال.
وفي هذا الإطار، فإن تحقق الوحدة الوطنية والاندماج يعني وجود تفاعل مستمر بين القيادة الحاكمة والمجتمع المحكوم بما يقتضيه ذلك من تمتع القيادة بالشرعية السياسية بمعنى رضا وقبول المحكومين بسياسات وقرارات القيادة السياسية، وما يقتضيه ذلك أيضاً من قدرة القيادة على أن تكسب احترام وثقة الجماهير بقطاعاتها كافة، بغض النظر عما يوجد بينها من اختلافات وانقسامات عرقية ودينية ولغوية واجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى الاندماج والتعبير عن مفهوم الدولة القومية بمفهومها الحديث لمواجهة التحديات المصيرية كتلك المتعلقة بالتنمية والأمن القومي، إذ يتطلب ذلك تماسك المجتمع وتكتله لمواجهة التحديات التي تواجه الدولة.
إن تحقيق الوحدة الوطنية يفضي إلى تحقيق الاستقرار السياسي وهذا من العوامل الرئيسة المؤثرة في السياسة الخارجية للدولة.
إن عنصر الاستقرار السياسي وكفاية المؤسسات السياسية والدستورية التي يتكون منها النظام السياسي للدولة، هو عنصر إيجابي من عناصر القوة القومية للدولة، أما كثرة التغيرات والتقلبات وضعف المشاركة السياسية مثلما يحدث في بعض دول العالم، فإنهما يؤديان إلى إرباك الأجهزة السياسية والدبلوماسية وتحميلها ضغوطاً ومؤثرات تسيء إلى الكيفية التي تعمل بها ويحرمانها من الاستقرار الضروري لوضع سياسات بعيدة المدى تحمي بها الدولة مصالحها القومية، كما أن عدم الاستقرار السياسي يلحق الضرر بثقة الدول الأخرى في الدولة التي تعاني من هذه الظاهرة ويجعلها تحجم عن الدخول معها في اتفاقات تخص مصالحها المشتركة. ويرتبط بهذا العامل الاعتبار الآخر المتعلق بدرجة الوحدة القومية ومدى التجانس في اتجاهات الرأي العام، لأنه كلما ازدادت الانقسامات السياسية والحزبية والإيديولوجية أدى ذلك إلى استنزاف جهود الدولة في صراعات جانبية وإضعافها في مواجهة الدول الخارجية. وأبلغ مثال على ذلك فرنسا قبل ديغول وبعده، فقد أدى الاستقرار السياسي الذي تمتعت به فرنسا إبان حكم ديغول إلى الارتفاع بمكانتها الدولية على نحو لم يتوافر لها خلال السنوات الكثيرة السابقة على وصوله إلى الحكم.
على صعيد آخر، وفي إطار التلازم بين السياستين الداخلية والخارجية، هناك أبعاد مختلفة عمادها العمل من أجل الصالح العام، يسهم كل منها وإن إلى حد ما في الأقل، في تفعيل السياسة الخارجية للدولة، وتصب نتائجها في إطار الموضوع الذي نحن بصدده، من أبرزها ما يأتي:
1- العمل من أجل الصالح العام للمواطنين كأفراد.
2- الاهتمام بقوى الضغط المختلفة في الدولة والمجتمع، فالدولة تكون مسؤولة عن التحديد الرسمي للقيم علماً أنه توجد في المجتمعات القومية مجموعات ذات مصالح معينة تحاول أن تؤثر في هذه العملية لتجعلها تسير في اتجاهات مفضلة لديها. والسياسة الخارجية هي أحد أهداف هذه المجموعات شأنها شأن السياسة الداخلية.
3- العمل من أجل المجتمع على نطاق واسع. وأن هذا البعد يلقي الضوء على المدى الذي يمكن فيه للسياسة الخارجية أن تساعد الناس على تحديد الملامح المختلفة للهوية القومية إزاء هويات الآخرين. ولا يرغب أي شعب في أن يشعر بأن مؤسساته الاجتماعية وثقافته تتعرض للهجوم أو حتى للحط من قدرها من قبل الآخرين، ولا بد للحكومة أن تدافع عن القيمة الملازمة لحياة الشعب الجمعية وأن ترفع مستواها أيضاً.
4- دعم عمل الإدارة الحكومية لخدمة السياسة الخارجية للدولة على ألا يجير ذلك لخدمة الحزب أو الأحزاب السياسية الحاكمة في مواجهة منافسيها المحليين.
5- العمل من أجل تطورالدولة وسيادتها، والمحافظة على الذات والاستقلال. وبما أنه لا يوجد سوى عدد قليل من الناس الذين سوف يظلون غير مهتمين إذا اقتنعوا بأن سيادة بلادهم معرضة للخطر، فإن الحكومات تعمل غالباً على افتعال التهديدات لسيادة البلاد لتكون مبررات لسياساتها المختلفة.
وقد لاحظنا مما تقدم، التلازم بين السياستين الداخلية والخارجية، الأمر الذي يعني أن قوة الوضع الداخلي وتماسكه يؤثران تاثيراً فعالاً في السياسة الخارجية وهذا لن يتأتى في ظل الاضطراب والفوضى والتناحر وعدم الاعتراف بالآخر، أي وجود مصالحة وطنية كما هو الحال الذي يتطلبه الشأن العراقي.
إن المصالحة الوطنية تحتاج إلى أن يكون هناك اعتراف بالآخر على المستويات كافة، سواء على مستوى الأفراد والجماعات، أو الدول أو على المستويات الإقليمية من دون استثناء. فالاعتراف بالآخر هو الركيزة الأساسية لأي حوار، فلا بد للجميع أن يجلسوا إلى طاولة الحوار إذا أريد لأي مصالحة أن تنجح، فاستبعاد أحد الأطراف يعني أنه سيكون هناك طرف معارض، لا فرصة له للحوار، الأمر الذي يدفعه من ثم إلى استخدام العنف، فيكون هناك عنف وعنف مضاد ومن ثم إضعاف الأمن الداخلي للبلاد أو للدولة والذي سيعود بالتأكيد بنتائج سلبية على الدولة، كياناً وشعباً وحكومة، الأمر الذي يؤدي إلى إضعافها وتعريضها لمخاطر شتى بما فيها التدخل الأجنبي الإقليمي والدولي الذي سيجد في الدولة الضعيفة منطقة فراغات استراتيجية تهيئ الفرصة السانحة لملئها كما هو الحال مع العراق بعد الاحتلال.
إذ تدخلت القوى الإقليمية والدولية كل حسب قدرته وحاجته في الساحة العراقية بأشكال مختلفة لتحقيق عدد من الأهداف لعل أبرزها:
1- الحصول على موطئ قدم في العراق والتأثير في وضعه الداخلي حاضراً ومستقبلاً قدر الاستطاعة وإقامة علاقات مع قوى محلية ومنها قوى تشارك في الإمساك بزمام السلطة اليوم والتي كان أغلبها يعيش خارج العراق، الأمر الذي يسهل الاتصال بها، فضلاً عما تحقق من علاقات وارتباطات لقوى مشاركة في الحكم عندما كانت معارضة للنظام السياسي القائم قبل الاحتلال عام 2003.
2- الاستفادة من الفوضى العارمة التي ضربت البلاد بعد الاحتلال والتبديد الذي تعرضت إليه الثروات العراقية الكبيرة في مرحلة اتسمت بصعود غير مسبوق لأسعار النفط، إذ تعرض النفط العراقي إلى السرقة، فضلاً عن أنه لم يخضع لعدادات تشرف عليها الدولة وإنما خضع في جزء كبير من تصديره إلى قوى مختلفة محلية وإقليمية ودولية.
3- تعظيم المكاسب داخل العراق على حساب القوى الدولية المنافسة، ولذلك رأينا مباحثات أمريكية-إيرانية عقدت داخل العراق للبحث في الشأن العراقي، كما أن هناك اتهامات حكومية عراقية للدول المجاورة للعراق بالتدخل بالشأن العراقي، وهناك قصف تركي وإيراني للأراضي العراقية بين أوان وآخر، وهناك مباحثات تعقد في هذه العاصمة أو تلك لدول الجوار العراقي ومصر للبحث في الشأن العراقي، الأمر الذي يعني أن العراق خاضع للتدويل، وأن وضعه واهن على نحو لم يحصل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وعشرينات القرن الماضي.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن العمل السياسي في العراق مستقطب بين طرفين رئيسين هما:
أولاً: الحكومة والعملية السياسية القائمة منذ عام 2003 والولايات المتحدة التي يفترض أنها تدعم الحكومات التي قامت في العراق منذ ذلك التاريخ.
ثانياً: المعارضة بأشكالها المختلفة ولا سيما المعارضة للعملية السياسية القائمة.
وإذا عرضنا مواقف الطرفين سنجد أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 وحتى الآن لا تعترف بوجود معارضة يمكن الحوار معها، ولا تعترف أيضاً بوجود مقاومة للاحتلال، وهناك خلط بين المقاومة والإرهاب، أي بين المقاومة والجريمة المنظمة في ظل غياب تعريف دولي متفق عليه للإرهاب، وترى أن على من تقبلهم للدخول في العملية السياسية القائمة أن يدخلوا أفراداً يؤمنون بالعملية السياسية والدستور القائم والتخلي عن حمل السلاح لا سيما أن هناك اتفاقية أمنية وقعتها الحكومة العراقية تضع جدولاً زمنياً لخروج قوات الاحتلال.
في الجانب الآخر، فإن المعارضة لا تعترف بالعملية السياسة القائمة والدستور الحالي، وترى أن هذه العملية السياسية والدستور القائم، أقيما في ظل الاحتلال، وأن الدستور يفتح الباب أمام تكريس المحاصصة الطائفية وتقسيم العراق، وأن الدعوة إلى الفيدرالية هي دعوة للتقسيم وليس لتكريس وحدة العراق أرضاً وشعباً.
لا بد إذاً من مشروع وطني يتفق عليه ويحقق قدراً عالياً من الإجماع الوطني لإنجاز المصالحة الوطنية إذا أريد للعراق أن يتعافى وينهض وأن تكون له سياسة خارجية فاعلة.
ختاماً، أن المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة، بهذه المعاني، تطرح نفسها بقوة على الوضع العراقي، في ظل تحديات كبيرة يواجهها العراق بوجود أكثر من أربعة ملايين عراقي خرجوا منه إذ واجهوا ظروفاً قاسية بعد الاحتلال بكل ما يشكله ذلك من تحديات لا سيما أن أكثر من نصفهم يعيش في دول الجوار. وإذا أضفنا إلى ذلك إحجام الدول العربية أو ترددها عن إقامة علاقات دبلوماسية مع العراق فهي لا تريد إقامة علاقة مع دولة تعرضت إلى الاحتلال وتم تغيير نظامها السياسي لنتيجة غزو أجنبي، ومن ثم فإن العلاقة مع النظام السياسي الذي قام بعد الاحتلال ينظر إليها على أن معناها الإقرار بأن ما قامت به الولايات المتحدة يمكن أن يكون مقبولاً من قبل دول الجوار والدول الأخرى، الأمر الذي سيشجع الولايات المتحدة على تكرار ما قامت به مما يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار في المنطقة وتهديداً لأنظمتها السياسية. بهذه المعاني، فإن الخارجية العراقية، في ظل أوضاع كهذه، تتحرك في بيئة غير مواتيه، الأمر الذي يطرح موضوع المصالحة الوطنية بقوة لإيجاد إجماع عراقي ينبثق منه تمثيل واسع للمجموعة الوطنية (الشعب) يعطي قوة للعراق وينهي الاحتلال ويحقق السيادة والاستقلال للعراق الذي سيستعيد قوته، ومن ثم فإن السياسة الخارجية العراقية ستكون فاعلة ومؤثرة ومعتمدة على قوة الدولة ومكانتها العربية والدولية، فالسياسة الخارجية كما يقال في الدبلوماسية لا يصنعها ذوو الياقات البيض وإنما قوة الدولة على الأرض.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3075::/cck::
::introtext::
إن المصالحة الوطنية الحقيقية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تفعيل السياسة الخارجية العراقية، ذلك بأن العراق تعرض إلى غزو واحتلال أجنبي نجمت عنه الإطاحة بنظامه السياسي الذي كان قائماً قبل الغزو عام 2003، وقامت القوة الغازية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، على نحو رئيسي، بتدمير وحل مؤسسات الدولة كافة ولا سيما العسكرية والأمنية وأعادت العراق إلى ما قبل الدولة بكل ما يمكن أن ينجم عن ذلك من تداعيات، حيث تكون البلاد مهيأة لصعود قيم القبيلة والطائفة والنزعات العرقية والإثنية، فضلاً عن تسريح الملايين من العمل، الأمر الذي أوجد أوضاعاً غير مسبوقة في بلد يعيش في بيئة دولية تتسم بضعف الاستقرار.
::/introtext::
::fulltext::
إن المصالحة الوطنية الحقيقية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تفعيل السياسة الخارجية العراقية، ذلك بأن العراق تعرض إلى غزو واحتلال أجنبي نجمت عنه الإطاحة بنظامه السياسي الذي كان قائماً قبل الغزو عام 2003، وقامت القوة الغازية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، على نحو رئيسي، بتدمير وحل مؤسسات الدولة كافة ولا سيما العسكرية والأمنية وأعادت العراق إلى ما قبل الدولة بكل ما يمكن أن ينجم عن ذلك من تداعيات، حيث تكون البلاد مهيأة لصعود قيم القبيلة والطائفة والنزعات العرقية والإثنية، فضلاً عن تسريح الملايين من العمل، الأمر الذي أوجد أوضاعاً غير مسبوقة في بلد يعيش في بيئة دولية تتسم بضعف الاستقرار.
إن المصالحة الوطنية الحقيقية ستؤدي بالضرورة إلى توسيع المشاركة في بناء القرار الوطني على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية ومن ثم إعادة بناء دولة العراق ليستعيد دوره في محيطه العربي والإقليمي.
ولما كان تفعيل السياسة الخارجية يعتمد على قوة الدولة وبنائها الداخلي، وأن السياسة الخارجية هي انعكاس للقوة على الأرض، فإن المصالحة الوطنية، وتوسيع المشاركة السياسية واستعادة العراق مكانته، ستؤدي دوراً بناء في تفعيل السياسة الخارجية العراقية، الأمر الذي يعني أن السياسة الخارجية للدولة هي جزء من سياستها الوطنية.
ولو ذهبنا إلى عملية اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية، لوجدنا أنها تشتمل على عدد من العناصر الرئيسية التي يمكن إيجازها على النحو الآتي:
1- البيئة الخارجية بكل أبعادها وحقائقها وضغوطها ومؤثراتها، وبكل جوانب التداخل والتفاعل فيها.
2- البيئة الداخلية للقرار: وتتكون من الأوضاع الاجتماعية السائدة ومن النظام السياسي والاقتصادي للدولة، ومن الجماعات غير الحكومية وجماعات الضغط والمصالح والأحزاب السياسية، وغير ذلك.
3- واضعو القرارات الخارجية كل في إطار تركيب معين من القيم والمعتقدات.
4- القدرات القومية المتاحة للدولة التي اتخذت هذه القرارات الخارجية والتي تستطيع بها أن تساند تنفيذ نمط معين من أنماط القرارات أو السياسات في مواجهة ردود الفعل الدولية المضادة.
5 – الضغط لاتخاذ القرار الذي قد يكون مرتبطاً بتوقعات الرأي العام وبإلحاح البيئة الداخلية عليه.
6- الهيكل التنظيمي الرسمي الذي تمت في إطاره عملية اتخاذ القرارات الخارجية. وفي هذا الإطار فإن الشعب وتعدد المستويات التنظيمية قد يكونان من عوامل تعقيد عملية اتخاذ القرارات بعكس الحال مع الهياكل التنظيمية البسيطة.
بهذه المعاني، فإن السياسة الداخلية الناجحة تعد أول شرط من شروط نجاح السياسة الخارجية. فهناك تلازم بين السياستين الداخلية والخارجية لأية دولة. لهذا فإن أهداف السياسة الخارجية لكل دولة تتحدد من خلال مصلحتها الوطنية المنبثقة من مجمل المؤثرات الداخلية والخارجية، كالعوامل الجغرافية والموارد الاقتصادية والتركيب الاجتماعي والقوة العسكرية والعوامل الدولية المختلفة. واستناداً إلى معيار المصلحة الوطنية فإن الدول جميعاً تسعى إلى تحقيق هدفين:
1- حماية أمن الدول وبقائها.
2- تعزيز رفاهية الأمة والمواطنين.
ولا تخرج أهداف السياسة الخارجية عن هذين الهدفين في مجال تحقيقها خارج حدود القطر، غير أن كلاً منهما يضم جوانب شتى. فالهدف الأول (حماية أمن الدولة وبقائها) يعني المحافظة على السيادة والاستقلال ووحدة الأرض وحماية السكان وتوسيع المشاركة السياسية للنهوض بهذه المهمات والارتفاع بمستوى الوعي الوطني الشامل والتضحية بكل غال ونفيس من أجل ترسيخ دعائم الاستقلال والسيادة الوطنية.
وإذا كان التعبير عن هذين الهدفين الرئيسين، يختلف حسب الظروف الداخلية والخارجية والزمانية والمكانية لأنه ليس للعوامل المؤثرة في السياسة الخارجية خصائص الثبات والتغير نفسها، فبعضها ثابت نسبياً كالعوامل الجغرافية والاقتصادية، في حين أن البعض الآخر يتغير تبعاً لقدرة الدولة على إحداث التغيير المطلوب كالقوة الاقتصادية والعسكرية ووحدة الصف الوطني وقوة النظام السياسي أو ضعفه فضلاً عن المتغيرات السريعة.
وفي هذا الإطار فإن الوحدة الوطنية وسعة المشاركة السياسية، تعدان من العوامل المؤثرة بل الحاسمة في بناء الدولة والتعبيرعن عناصر قوتها.
من هنا، فإن البعد السياسي للوحدة الوطنية يشير إلى مدى تحقق أو عدم تحقق التفاعل والتلاحم أو الاندماج بين النظام السياسي أو القيادة السياسية وبين مجموع أعضاء الجماعة الوطنية (عموم الشعب) سواء كان هؤلاء الأعضاء من الأغلبية أو من الأقليات، ذلك أن تحقق مثل هذا التفاعل أمر لا بد منه على طريق استكمال مقومات أية وحدة وطنية ناجحة.
وهنا لا بد أن نشير إلى أن تحقق مثل هذا التفاعل أو التلاحم لا يمكن أن يتم ما لم يسبقه اقتناع أعضاء الجماعة الوطنية (أغلبية وأقليات) بشرعية النظام السياسي كجهاز له حق اتخاذ القرار وإلزام الأفراد باحترامها، فكلما اتسع مدى الشرعية، بات من المتوقع أن تسود فيهم سياسة تضغط على الامتثال لقرارات السلطة السياسية.
وعلى العكس من ذلك، فإن ضيق ذلك المدى (الشرعية) يقترن عادة بنظرة إلى السلطة من قبل أعضاء الجماعة الوطنية، عموماً، على أنها أداة تسلط واستغلال.
وفي هذا الإطار، فإن تحقق الوحدة الوطنية والاندماج يعني وجود تفاعل مستمر بين القيادة الحاكمة والمجتمع المحكوم بما يقتضيه ذلك من تمتع القيادة بالشرعية السياسية بمعنى رضا وقبول المحكومين بسياسات وقرارات القيادة السياسية، وما يقتضيه ذلك أيضاً من قدرة القيادة على أن تكسب احترام وثقة الجماهير بقطاعاتها كافة، بغض النظر عما يوجد بينها من اختلافات وانقسامات عرقية ودينية ولغوية واجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى الاندماج والتعبير عن مفهوم الدولة القومية بمفهومها الحديث لمواجهة التحديات المصيرية كتلك المتعلقة بالتنمية والأمن القومي، إذ يتطلب ذلك تماسك المجتمع وتكتله لمواجهة التحديات التي تواجه الدولة.
إن تحقيق الوحدة الوطنية يفضي إلى تحقيق الاستقرار السياسي وهذا من العوامل الرئيسة المؤثرة في السياسة الخارجية للدولة.
إن عنصر الاستقرار السياسي وكفاية المؤسسات السياسية والدستورية التي يتكون منها النظام السياسي للدولة، هو عنصر إيجابي من عناصر القوة القومية للدولة، أما كثرة التغيرات والتقلبات وضعف المشاركة السياسية مثلما يحدث في بعض دول العالم، فإنهما يؤديان إلى إرباك الأجهزة السياسية والدبلوماسية وتحميلها ضغوطاً ومؤثرات تسيء إلى الكيفية التي تعمل بها ويحرمانها من الاستقرار الضروري لوضع سياسات بعيدة المدى تحمي بها الدولة مصالحها القومية، كما أن عدم الاستقرار السياسي يلحق الضرر بثقة الدول الأخرى في الدولة التي تعاني من هذه الظاهرة ويجعلها تحجم عن الدخول معها في اتفاقات تخص مصالحها المشتركة. ويرتبط بهذا العامل الاعتبار الآخر المتعلق بدرجة الوحدة القومية ومدى التجانس في اتجاهات الرأي العام، لأنه كلما ازدادت الانقسامات السياسية والحزبية والإيديولوجية أدى ذلك إلى استنزاف جهود الدولة في صراعات جانبية وإضعافها في مواجهة الدول الخارجية. وأبلغ مثال على ذلك فرنسا قبل ديغول وبعده، فقد أدى الاستقرار السياسي الذي تمتعت به فرنسا إبان حكم ديغول إلى الارتفاع بمكانتها الدولية على نحو لم يتوافر لها خلال السنوات الكثيرة السابقة على وصوله إلى الحكم.
على صعيد آخر، وفي إطار التلازم بين السياستين الداخلية والخارجية، هناك أبعاد مختلفة عمادها العمل من أجل الصالح العام، يسهم كل منها وإن إلى حد ما في الأقل، في تفعيل السياسة الخارجية للدولة، وتصب نتائجها في إطار الموضوع الذي نحن بصدده، من أبرزها ما يأتي:
1- العمل من أجل الصالح العام للمواطنين كأفراد.
2- الاهتمام بقوى الضغط المختلفة في الدولة والمجتمع، فالدولة تكون مسؤولة عن التحديد الرسمي للقيم علماً أنه توجد في المجتمعات القومية مجموعات ذات مصالح معينة تحاول أن تؤثر في هذه العملية لتجعلها تسير في اتجاهات مفضلة لديها. والسياسة الخارجية هي أحد أهداف هذه المجموعات شأنها شأن السياسة الداخلية.
3- العمل من أجل المجتمع على نطاق واسع. وأن هذا البعد يلقي الضوء على المدى الذي يمكن فيه للسياسة الخارجية أن تساعد الناس على تحديد الملامح المختلفة للهوية القومية إزاء هويات الآخرين. ولا يرغب أي شعب في أن يشعر بأن مؤسساته الاجتماعية وثقافته تتعرض للهجوم أو حتى للحط من قدرها من قبل الآخرين، ولا بد للحكومة أن تدافع عن القيمة الملازمة لحياة الشعب الجمعية وأن ترفع مستواها أيضاً.
4- دعم عمل الإدارة الحكومية لخدمة السياسة الخارجية للدولة على ألا يجير ذلك لخدمة الحزب أو الأحزاب السياسية الحاكمة في مواجهة منافسيها المحليين.
5- العمل من أجل تطورالدولة وسيادتها، والمحافظة على الذات والاستقلال. وبما أنه لا يوجد سوى عدد قليل من الناس الذين سوف يظلون غير مهتمين إذا اقتنعوا بأن سيادة بلادهم معرضة للخطر، فإن الحكومات تعمل غالباً على افتعال التهديدات لسيادة البلاد لتكون مبررات لسياساتها المختلفة.
وقد لاحظنا مما تقدم، التلازم بين السياستين الداخلية والخارجية، الأمر الذي يعني أن قوة الوضع الداخلي وتماسكه يؤثران تاثيراً فعالاً في السياسة الخارجية وهذا لن يتأتى في ظل الاضطراب والفوضى والتناحر وعدم الاعتراف بالآخر، أي وجود مصالحة وطنية كما هو الحال الذي يتطلبه الشأن العراقي.
إن المصالحة الوطنية تحتاج إلى أن يكون هناك اعتراف بالآخر على المستويات كافة، سواء على مستوى الأفراد والجماعات، أو الدول أو على المستويات الإقليمية من دون استثناء. فالاعتراف بالآخر هو الركيزة الأساسية لأي حوار، فلا بد للجميع أن يجلسوا إلى طاولة الحوار إذا أريد لأي مصالحة أن تنجح، فاستبعاد أحد الأطراف يعني أنه سيكون هناك طرف معارض، لا فرصة له للحوار، الأمر الذي يدفعه من ثم إلى استخدام العنف، فيكون هناك عنف وعنف مضاد ومن ثم إضعاف الأمن الداخلي للبلاد أو للدولة والذي سيعود بالتأكيد بنتائج سلبية على الدولة، كياناً وشعباً وحكومة، الأمر الذي يؤدي إلى إضعافها وتعريضها لمخاطر شتى بما فيها التدخل الأجنبي الإقليمي والدولي الذي سيجد في الدولة الضعيفة منطقة فراغات استراتيجية تهيئ الفرصة السانحة لملئها كما هو الحال مع العراق بعد الاحتلال.
إذ تدخلت القوى الإقليمية والدولية كل حسب قدرته وحاجته في الساحة العراقية بأشكال مختلفة لتحقيق عدد من الأهداف لعل أبرزها:
1- الحصول على موطئ قدم في العراق والتأثير في وضعه الداخلي حاضراً ومستقبلاً قدر الاستطاعة وإقامة علاقات مع قوى محلية ومنها قوى تشارك في الإمساك بزمام السلطة اليوم والتي كان أغلبها يعيش خارج العراق، الأمر الذي يسهل الاتصال بها، فضلاً عما تحقق من علاقات وارتباطات لقوى مشاركة في الحكم عندما كانت معارضة للنظام السياسي القائم قبل الاحتلال عام 2003.
2- الاستفادة من الفوضى العارمة التي ضربت البلاد بعد الاحتلال والتبديد الذي تعرضت إليه الثروات العراقية الكبيرة في مرحلة اتسمت بصعود غير مسبوق لأسعار النفط، إذ تعرض النفط العراقي إلى السرقة، فضلاً عن أنه لم يخضع لعدادات تشرف عليها الدولة وإنما خضع في جزء كبير من تصديره إلى قوى مختلفة محلية وإقليمية ودولية.
3- تعظيم المكاسب داخل العراق على حساب القوى الدولية المنافسة، ولذلك رأينا مباحثات أمريكية-إيرانية عقدت داخل العراق للبحث في الشأن العراقي، كما أن هناك اتهامات حكومية عراقية للدول المجاورة للعراق بالتدخل بالشأن العراقي، وهناك قصف تركي وإيراني للأراضي العراقية بين أوان وآخر، وهناك مباحثات تعقد في هذه العاصمة أو تلك لدول الجوار العراقي ومصر للبحث في الشأن العراقي، الأمر الذي يعني أن العراق خاضع للتدويل، وأن وضعه واهن على نحو لم يحصل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وعشرينات القرن الماضي.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن العمل السياسي في العراق مستقطب بين طرفين رئيسين هما:
أولاً: الحكومة والعملية السياسية القائمة منذ عام 2003 والولايات المتحدة التي يفترض أنها تدعم الحكومات التي قامت في العراق منذ ذلك التاريخ.
ثانياً: المعارضة بأشكالها المختلفة ولا سيما المعارضة للعملية السياسية القائمة.
وإذا عرضنا مواقف الطرفين سنجد أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 وحتى الآن لا تعترف بوجود معارضة يمكن الحوار معها، ولا تعترف أيضاً بوجود مقاومة للاحتلال، وهناك خلط بين المقاومة والإرهاب، أي بين المقاومة والجريمة المنظمة في ظل غياب تعريف دولي متفق عليه للإرهاب، وترى أن على من تقبلهم للدخول في العملية السياسية القائمة أن يدخلوا أفراداً يؤمنون بالعملية السياسية والدستور القائم والتخلي عن حمل السلاح لا سيما أن هناك اتفاقية أمنية وقعتها الحكومة العراقية تضع جدولاً زمنياً لخروج قوات الاحتلال.
في الجانب الآخر، فإن المعارضة لا تعترف بالعملية السياسة القائمة والدستور الحالي، وترى أن هذه العملية السياسية والدستور القائم، أقيما في ظل الاحتلال، وأن الدستور يفتح الباب أمام تكريس المحاصصة الطائفية وتقسيم العراق، وأن الدعوة إلى الفيدرالية هي دعوة للتقسيم وليس لتكريس وحدة العراق أرضاً وشعباً.
لا بد إذاً من مشروع وطني يتفق عليه ويحقق قدراً عالياً من الإجماع الوطني لإنجاز المصالحة الوطنية إذا أريد للعراق أن يتعافى وينهض وأن تكون له سياسة خارجية فاعلة.
ختاماً، أن المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة، بهذه المعاني، تطرح نفسها بقوة على الوضع العراقي، في ظل تحديات كبيرة يواجهها العراق بوجود أكثر من أربعة ملايين عراقي خرجوا منه إذ واجهوا ظروفاً قاسية بعد الاحتلال بكل ما يشكله ذلك من تحديات لا سيما أن أكثر من نصفهم يعيش في دول الجوار. وإذا أضفنا إلى ذلك إحجام الدول العربية أو ترددها عن إقامة علاقات دبلوماسية مع العراق فهي لا تريد إقامة علاقة مع دولة تعرضت إلى الاحتلال وتم تغيير نظامها السياسي لنتيجة غزو أجنبي، ومن ثم فإن العلاقة مع النظام السياسي الذي قام بعد الاحتلال ينظر إليها على أن معناها الإقرار بأن ما قامت به الولايات المتحدة يمكن أن يكون مقبولاً من قبل دول الجوار والدول الأخرى، الأمر الذي سيشجع الولايات المتحدة على تكرار ما قامت به مما يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار في المنطقة وتهديداً لأنظمتها السياسية. بهذه المعاني، فإن الخارجية العراقية، في ظل أوضاع كهذه، تتحرك في بيئة غير مواتيه، الأمر الذي يطرح موضوع المصالحة الوطنية بقوة لإيجاد إجماع عراقي ينبثق منه تمثيل واسع للمجموعة الوطنية (الشعب) يعطي قوة للعراق وينهي الاحتلال ويحقق السيادة والاستقلال للعراق الذي سيستعيد قوته، ومن ثم فإن السياسة الخارجية العراقية ستكون فاعلة ومؤثرة ومعتمدة على قوة الدولة ومكانتها العربية والدولية، فالسياسة الخارجية كما يقال في الدبلوماسية لا يصنعها ذوو الياقات البيض وإنما قوة الدولة على الأرض.
::/fulltext::
::cck::3075::/cck::
