هل تنجح الانتخابات العراقية في إعادة التوازن الإقليمي إلى المنطقة؟

::cck::3076::/cck::
::introtext::

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحركات دبلوماسية محمومة تترافق مع تحضيرات عسكرية متقابلة قد تؤدي في أي لحظة إلى نشوب حرب أو نشوء سلام.

::/introtext::
::fulltext::

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحركات دبلوماسية محمومة تترافق مع تحضيرات عسكرية متقابلة قد تؤدي في أي لحظة إلى نشوب حرب أو نشوء سلام.
لقد اعترف المحللون والخبراء بأن غزو العراق في عام 2003 يعد من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية بل اعتبرها البعض خطيئة استراتيجية من أجل حرب تصفير مقومات القدرة العربية الشاملة ومنها القدرة العسكرية العراقية التي نتج عنها قضم جيوبولتيكي من الأراضي العربية لصالح نفوذين هما الإيراني والإسرائيلي، لكن سرعان ما برزت اختلافات بين النفوذين على تقاسم هذا القضم بعدما اقتربت إيران من حيازة القدرات النووية، ومحاولاتها إقناع الولايات المتحدة بأنها لاعب جيواستراتيجي في المنطقة ومحور جيوسياسي عالمي خصوصاً بعدما شكلت المشهد السياسي في العراق بوشاح طائفي سياسي ميليشياوي مخطط له بعناية في ظل غياب المشهد العربي المتهم في أحداث 11 سبتمبر والمنشغل في دفع التهمة عنه بعدما انخرط بالحرب على الإرهاب العالمي، لكن لم تكتف إيران بذلك بل دعمت المشهد السياسي في العراق وإقامة زعانف موزعة في كل من لبنان وأفغانستان بجانب المحور الإيراني-السوري.
رغم ذلك فإن إسرائيل رفضت استئثار إيران بهذا النفوذ لأنها ترى أن هذا القضم الذي أضعف التماسك العربي وساهم في تفتيته إلا أنه نتج عنه تفتيت ديموغرافي لدول الطوق يصب في صالح إيران ويهدد أمن إسرائيل.
ولا يزال الموقف الإيراني متشدداً لأنها ترى في أمريكا أنها أعجز من أن تشن حرباً أخرى، وأنه ليس أمام المجتمع الدولي إلا القبول بحقيقة إيران نووية باعتبار أن أمريكا متورطة في حربين في العراق وأفغانستان وفي معركة دائمة مع (القاعدة) في زوايا مختلفة من العالم وتعاني أزمة اقتصادية خطيرة وعجزاً حكومياً هائلاً.
لكن هناك في المقابل تحركات عسكرية تكشفها عمليات النقل والتجهيز بخدمات مدنية وعقود تجارية، فقد وقعت الولايات المتحدة في يناير 2010 مع إحدى الشركات عقداً لنقل عشر حاويات إلى قاعدة دييغو غاسيا العسكرية الأمريكية في المحيط الهندي من ضمن محتويات النقل 387 قنبلة ذات قدرة على اختراق الأعماق والمنشآت تحت الأرض، وكما ذكرت صحيفة (صنداي هيرالد) أنها مخصصة لضرب المنشآت النووية الإيرانية، وأن الأمريكيين أصبحوا جاهزين لتدمير عشرة آلاف هدف في غضون ساعات.
أعقب تلك العمليات تكثيف الزيارات المكوكية لمسؤولين أمريكيين إلى المنطقة لإقناع قادتها بالاصطفاف إلى جانبها ضد إيران بدأت تلك الزيارات بوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون وانتهت بزيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس لبحث إنشاء حلف عالمي لفرض عقوبات على إيران التي تشمل بطبيعة الحال أمريكا والاتحاد الأوروبي حليفاً معها، ثم روسيا التي توازن مواقفها بين علاقاتها العسكرية والاقتصادية والتجارية مع إيران وعلاقاتها الدبلوماسية مع أمريكا وأوروبا، بينما الصين التي تعلن صراحة رفضها لأية عقوبات دولية إذا ما حاول مجلس الأمن فرضها، لكنها ستوافق على مضض، لكن بعقوبات مخففة أو ما تسمى عقوبات ذكية لا تنال من المجتمع الإيراني بقدر ما تنال فقط من الحرس الثوري وتحجيم القدوات النووية والتي ترى فيها أوروبا عقوبات بلا أسنان.
بينما المملكة العربية السعودية ترى أن العقوبات مشكلة أمريكية وأوروبية مع إيران، وما يهم السعودية هو إبعاد المنطقة عن ويلات الحروب التي عانت منها المنطقة فترة طويلة من الزمن استنزفت ثرواتها وأخرت التنمية فيها. فالمملكة العربية السعودية دائماً ما تلجأ إلى الخيار الدبلوماسي في حل جل قضاياها وقضايا المنطقة، وترى أن هناك قضايا أكثر أهمية تهم السعودية والمنطقة وهي عودة العراق إلى الحاضنة العربية من أجل تعزيز الأمن العربي وتقليص القضم الجيوبولتيكي في المنطقة العربية والقضاء على الزعانف الإيرانية المنتشرة في العالم العربي والتي تسببت في تفتيت الجسم العربي.
كما تمثل عملية السلام أهمية قصوى من أجل أنها الصراع العربي-الإسرائيلي كي ينتهي الصراع في المنطقة وينتهي ممول الإرهاب الرئيسي تحت أجندات خفية أحياناً وأحياناً أخرى تحت أجندة مشبوهة.
فالمملكة العربية السعودية لديها ملف دبلوماسي شامل للمنطقة لإنهاء النزاعات والصراعات المتداخلة، وأكبر مثال على ذلك قبول السعودية مطلب باكستان بأن تكون السعودية وسيطاً لأنها النزاع بين باكستان والهند.
إن إعادة تشكيل الأمن العربي هي من أولويات السعودية، لذلك تحاول إقناع الغرب بحل الصراع العربي-الإسرائيلي وبإعادة الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بما فيها الجولان حتى تتوقف التدخلات الإقليمية تحت ذريعة محاربة الاحتلال باعتبار أن القدس إسلامية وليست عربية فقط. كما أنه عند إعادة الجولان فإن سوريا ليس لديها مانع في مناقشة علاقتها بإيران وحزب الله وحماس حسب تصريح وليد المعلم وزير الخارجية السوري.
فالإسرائيليون كانوا يعتبرون ورقة الجولان ورقة قوية في أيديهم لا يقابلها شيء لدى السوريين، لكن تعميق العلاقات السورية-الإيرانية ودعم زعانف إيران المنتشرة في المنطقة يجعلان إسرائيل تفكر بأن تهرع إلى سوريا من أجل تدمير هذا التحالف المسمى بالخصوم الثلاثة (إيران – حماس – حزب الله).
أما التجربة الانتخابية البرلمانية العراقية فإنها أصبحت مرهونة في يد العراقيين التي تجاوزت نسبة المصوتين فيها أكثر من 60 في المائة، ولن يستطيع الأمريكيون حمايتها لفترة طويلة، ولم تهتم دول المنطقة كثيراً بإسقاطها.
ففي إطار النظام البرلماني تغيرت اللعبة، فالأقلية قد تصبح لاعباً أساسياً وهذا ما حدث في الانتخابات الماضية في عام 2005 حيث جعل من الأقلية الكردية التي لا تمثل سوى 20 في المائة من أصوات العراقيين تقف في وجه الأغلبية الشيعية المنقسمة على نفسها والسنة المقاطعين احتجاجاً.
أصبح البعد الإقليمي يلعب دوراً في توجيه الانتخابات العراقية، فدعمت إيران النخبة العراقية الحاكمة المدعومة من قبلها على تدمير خصومها بدلاً من العمل على هزيمتهم، وابتدعت مع حلفائها تكوين هيئة المساءلة والعدالة من قبل أحمد الجلبي وعلي اللامي وكلاهما له صلة وثيقة منذ أمد بعيد بطهران، وكلاهما كان مرشحاً للانتخابات في السابع من مارس الماضي، ولم يكن مفاجئاً طرد 511 سياسياً علمانياً بارزاً من الانتخابات باعتبار أنه كانت لديهم ارتباطات قديمة مع حزب صدام البعثي المحظور، ولم يتم عرض أي دليل واستبعادها من قائمة الانتخابات غير الموالية لطهران لأن معظمهم كانوا معارضين للتدخل الإيراني في العراق ومنافسين سياسيين ونشطاء للجلبي واللامي.
وكان من أبرز هؤلاء القائد السياسي السني د. صالح المطلك وهو عضو في البرلمان العراقي للسنوات الأربع الماضية، وكان قد اختير مرتين من قبل للترشيح للانتخابات، وكان أحد المؤلفين للدستور العراقي الجديد وشريكاً قيادياً في تحالف إياد علاوي المرشح الموالي للغرب وللعرب وعلى الأخص السعودية، لأن المطلك كان دائماً ناقداً لإيران على تدخلها السافر في الشأن العراقي.
فقد استخدم نظام الحكم في إيران كل قواه من أجل تجريد كل شخص يعتقد أنهم خصوم، وبمناسبة الذكرى السنوية للثورة الإيرانية وجه فيها أحمدي نجاد ملاحظاته للولايات المتحدة قائلاً (إن الشعب العراقي والحكومة العراقية تحت ضغط كبير لإعادة البعثيين إلى السلطة.. لماذا تريدون فرض البعثيين على الشعب المقموع في العراق؟ لن تنجحوا إن شاء الله).
ولم تكن جهود إيران موجهة ضد البعثيين فقط، بل موجهة أيضاً نحو الوطنيين الشيعة البارزين كأعضاء في التحالف السياسي الذي يقوده إياد جمال الدين وهو رجل دين شيعي، لكنه ينتقد التدخل الإيراني في العراق.
وعلى خلاف ما تريده إيران استطاع القضاء العراقي إثبات حياديته واستقلاليته عن النفوذ الإيراني والحكومة الموالية لطهران، فقد نقضت محكمة الاستئناف العراقية وألغت الحظر واعتبرت الـ 511 مرشحاً يمكنهم الترشح للانتخابات مما أغضب الملالي في طهران وحلفاءهم الموالين لهم في الحكومة العراقية.
لذلك أصبح القتل والتفجيرات جزءاً اعتيادياً من مشهد الانتخابات العراقية خصوصاً ضد كتلة علاوي، فقتلت مرشحة من حزب علاوي في الموصل سها عبد جار الله من أجل تشكيل حكومة شيعية موالية لإيران.
لكن فوز كتلة علاوي في الانتخابات ولو بفارق ضئيل على كتلة المالكي بـ 91 مقعداً مقابل 89 مقعداً لكتلة المالكي وكما يقول البعض لولا محاصرة منتخبي علاوي لوصلت المقاعد إلى أكثر من 150 مقعداً، رغم ذلك فهي دلالة على إمكانية عودة العراق إلى البيت العربي بما يسهم في ترميم التصدع الاستراتيجي العربي وإعادة بناء القدرات الذاتية التي تؤمن الدفاع تجاه التهديدات وتواجه تحديات التقطيع للشعب العراقي وتعيد ديمومة معادلة التوازن العربي لأن المكونات الطائفية السياسية تلقي بظلالها على المشهد الأمني للمنطقة وإعادة الأمن والاستقرار إلى العراق تشكل سداً منيعاً تجاه التهديدات والأطماع الإقليمية والدولية.
ورغم الحلف الإيراني-السوري الاستراتيجي إلا أن هناك توتراً بشكل مستمر بين سوريا وإيران، إذ يدرك الإيرانيون أنهم الطرف الأضعف في العلاقة مع سوريا، وإذا كانت سوريا تحتاج إلى إيران كظهير استراتيجي، وإلى حزب الله كخط أمامي في وجه إسرائيل فهي بذلك تشعر بأنها محمية.
وإذا كانت إيران تحتاج هي الأخرى إلى سوريا كي لا تبقى معزولة أو لا تريد أن تكون معزولة، لذلك هي تسعى إلى إقامة هذا المحور الذي يضم كلاً من العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن، لكن ما يقلق إيران هو الدور السعودي النشط والواعي الذي يلعب دوراً يعارض الطموحات الإيرانية بل يفسدها رغم محاولات إيران اليائسة بإشغال السعودية بمستجدات، فالعلاقة الجديدة بين سوريا والسعودية وعلاقة سوريا مع الغرب أيضاً ومع تركيا مؤخراً هي كلها علاقات على حساب علاقة سوريا بإيران.
وكان ضرب السعودية للتمرد الحوثي المدعوم إيرانياً وإبعادهم عن أراضيها وتمكنها من تجاوز الإحراج الذي رسمته إيران للسعودية وإشغالها بهذا التمرد عن قضايا أخرى حجمت فيها الدور الإيراني بفاعلية وبقوة لم تتوقعها إيران جعلها دولة مضطربة بعدما كانت تسرح وتمرح في الساحة بمفردها تارة بعنجهية وتارة بتبجح، وزادها اضطراباً فوز قائمة علاوي رغم الجهود الحثيثة التي بذلتها لإبقاء كتلة المالكي مكتسحة الساحة، فبدأت تتساقط أوراق إيران لصالح السعودية التي تقود دوراً كبيراً في إعادة تشكيل الأمن العربي الاستراتيجي المقضوم.
بل إن سوريا تستعمل إيران لصالحها فقد أقامت مصنع (سيرس) بتمويل إيراني لصناعة الصواريخ بمعرفة إيرانية وكورية حتى تمول حزب الله بالسلاح بدلاً من السلاح القادم من إيران المعرض للتفتيش الدولي والإسرائيلي وإحراج الدول العربية الذي يمر السلاح عبر أراضيها، لأن سوريا تحتاج هذا السلاح في لبنان ضد إسرائيل، لذلك يصعب على سوريا الانفصال عن إيران أو التخلي عن سلاح حزب الله بلا ثمن إلا إذا كان هذا الثمن هو عودة الجولان إليها وبالتالي ستستمر الحكومة اللبنانية عالقة بين إيران وسوريا وحزب الله ما لم تقدم إسرائيل على حل شامل.
ولا شك في أن أسباباً وطنية وسياسية داخلية وإقليمية ودولية أخرى أسهمت في دفع القوى السياسية المتخاصمة في لبنان إلى المهادنة والتقارب والانفتاح على دمشق، وسيبقى لبنان الجبهة المقاومة حتى يتحقق السلام الشامل وإلا سيظل لبنان تحت طائلة التهديدات الإسرائيلية المستمرة.
إن مفهوم الدولة الأمة لم يتجذر بعد في المنطقة ليؤسس لهويات قومية خاصة بكل دولة، لذلك فإن ما يحدث في أي دولة عربية يؤثر في الأمن القومي العربي لا سيما بأهمية العراق الذي كان له دور كبير وتأثير واضح في النظامين العربي والإقليمي، كما أن الإقليمي يتأثر بالوضع في العراق.
فالانتخابات التي أجريت في العراق ليست شأناً داخلياً كما هو الحال في أوروبا بل تغدو جزءاً من الصراع الإقليمي وتوازنات القوى ومجمل النظام الجيوسياسي، إذ إن الحكومة المنتخبة ستستمد شرعيتها من انسجامها مع توازنات القوى الإقليمية والدولية أكثر من التفويض الشعبي وإن كان هو الآخر يتأثر بتلك التوازنات، لكن يمكنها أن تخرج العراقيين من المناطق الاستراتيجية الهشة حتى لا تستمر كمنطقة جاذبة للصراع لأنها في النهاية ستؤثر في المنظومة الجيوسياسية الإقليمية وتنتج معادلة سياسية منسجمة وغير مهددة لتلك المنظومة حتى تسيطر على حركة المجتمع وتنجح في إخماد التمردات الداخلية كي تقلل من التدخل الأجنبي مستقبلاً.
إن الانتخابات ليست كافية لأن الاستقرار مقدم على الديمقراطية عبر إنتاج معادلة يمكن أن يتحقق فيها الأمران.
ويمكن للعراقيين أن يستثمروا نتائج الانتخابات لصالح بلدهم بدلاً من الإذعان لطرف دون آخر لأن النتائج جعلت من التيار الصدري يحقق اتجاهاً مفاجئاً في الساحة السياسية داخل العراق، فقد احتل الصدريون المركز الثاني بعد أتباع رئيس الوزراء نوري المالكي بعدما استخف عدد من المنافسين بالتيار الصدري وسيحصل على 40 مقعداً من أصل 71 مقعداً وسيكون إجمالي مقاعد البرلمان 325 مقعداً بدلاً من 310 مقاعد التي كانت في السابق بعد تخصيص 15 مقعداً للأقليات والمقاعد التعويضية.
وأخيراً على المستوى العربي هناك محاولات لوضع الخلافات العربية في إطار أكثر إيجابية تعترف بأن الخلافات وجهات نظر موجودة في الاتحاد الأوروبي وفي كل المجتمعات والتوجه نحو استراتيجية جديدة تعزز العلاقة مع دول الجوار تجمع كل من حولها آسيا وإفريقيا ويمكن أن تشمل أوروبا من أجل إيجاد ديناميكية إقليمية أوسع لإنهاء حالة القضم التي تحدث من الأطراف.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3076::/cck::
::introtext::

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحركات دبلوماسية محمومة تترافق مع تحضيرات عسكرية متقابلة قد تؤدي في أي لحظة إلى نشوب حرب أو نشوء سلام.

::/introtext::
::fulltext::

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحركات دبلوماسية محمومة تترافق مع تحضيرات عسكرية متقابلة قد تؤدي في أي لحظة إلى نشوب حرب أو نشوء سلام.
لقد اعترف المحللون والخبراء بأن غزو العراق في عام 2003 يعد من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية بل اعتبرها البعض خطيئة استراتيجية من أجل حرب تصفير مقومات القدرة العربية الشاملة ومنها القدرة العسكرية العراقية التي نتج عنها قضم جيوبولتيكي من الأراضي العربية لصالح نفوذين هما الإيراني والإسرائيلي، لكن سرعان ما برزت اختلافات بين النفوذين على تقاسم هذا القضم بعدما اقتربت إيران من حيازة القدرات النووية، ومحاولاتها إقناع الولايات المتحدة بأنها لاعب جيواستراتيجي في المنطقة ومحور جيوسياسي عالمي خصوصاً بعدما شكلت المشهد السياسي في العراق بوشاح طائفي سياسي ميليشياوي مخطط له بعناية في ظل غياب المشهد العربي المتهم في أحداث 11 سبتمبر والمنشغل في دفع التهمة عنه بعدما انخرط بالحرب على الإرهاب العالمي، لكن لم تكتف إيران بذلك بل دعمت المشهد السياسي في العراق وإقامة زعانف موزعة في كل من لبنان وأفغانستان بجانب المحور الإيراني-السوري.
رغم ذلك فإن إسرائيل رفضت استئثار إيران بهذا النفوذ لأنها ترى أن هذا القضم الذي أضعف التماسك العربي وساهم في تفتيته إلا أنه نتج عنه تفتيت ديموغرافي لدول الطوق يصب في صالح إيران ويهدد أمن إسرائيل.
ولا يزال الموقف الإيراني متشدداً لأنها ترى في أمريكا أنها أعجز من أن تشن حرباً أخرى، وأنه ليس أمام المجتمع الدولي إلا القبول بحقيقة إيران نووية باعتبار أن أمريكا متورطة في حربين في العراق وأفغانستان وفي معركة دائمة مع (القاعدة) في زوايا مختلفة من العالم وتعاني أزمة اقتصادية خطيرة وعجزاً حكومياً هائلاً.
لكن هناك في المقابل تحركات عسكرية تكشفها عمليات النقل والتجهيز بخدمات مدنية وعقود تجارية، فقد وقعت الولايات المتحدة في يناير 2010 مع إحدى الشركات عقداً لنقل عشر حاويات إلى قاعدة دييغو غاسيا العسكرية الأمريكية في المحيط الهندي من ضمن محتويات النقل 387 قنبلة ذات قدرة على اختراق الأعماق والمنشآت تحت الأرض، وكما ذكرت صحيفة (صنداي هيرالد) أنها مخصصة لضرب المنشآت النووية الإيرانية، وأن الأمريكيين أصبحوا جاهزين لتدمير عشرة آلاف هدف في غضون ساعات.
أعقب تلك العمليات تكثيف الزيارات المكوكية لمسؤولين أمريكيين إلى المنطقة لإقناع قادتها بالاصطفاف إلى جانبها ضد إيران بدأت تلك الزيارات بوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون وانتهت بزيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس لبحث إنشاء حلف عالمي لفرض عقوبات على إيران التي تشمل بطبيعة الحال أمريكا والاتحاد الأوروبي حليفاً معها، ثم روسيا التي توازن مواقفها بين علاقاتها العسكرية والاقتصادية والتجارية مع إيران وعلاقاتها الدبلوماسية مع أمريكا وأوروبا، بينما الصين التي تعلن صراحة رفضها لأية عقوبات دولية إذا ما حاول مجلس الأمن فرضها، لكنها ستوافق على مضض، لكن بعقوبات مخففة أو ما تسمى عقوبات ذكية لا تنال من المجتمع الإيراني بقدر ما تنال فقط من الحرس الثوري وتحجيم القدوات النووية والتي ترى فيها أوروبا عقوبات بلا أسنان.
بينما المملكة العربية السعودية ترى أن العقوبات مشكلة أمريكية وأوروبية مع إيران، وما يهم السعودية هو إبعاد المنطقة عن ويلات الحروب التي عانت منها المنطقة فترة طويلة من الزمن استنزفت ثرواتها وأخرت التنمية فيها. فالمملكة العربية السعودية دائماً ما تلجأ إلى الخيار الدبلوماسي في حل جل قضاياها وقضايا المنطقة، وترى أن هناك قضايا أكثر أهمية تهم السعودية والمنطقة وهي عودة العراق إلى الحاضنة العربية من أجل تعزيز الأمن العربي وتقليص القضم الجيوبولتيكي في المنطقة العربية والقضاء على الزعانف الإيرانية المنتشرة في العالم العربي والتي تسببت في تفتيت الجسم العربي.
كما تمثل عملية السلام أهمية قصوى من أجل أنها الصراع العربي-الإسرائيلي كي ينتهي الصراع في المنطقة وينتهي ممول الإرهاب الرئيسي تحت أجندات خفية أحياناً وأحياناً أخرى تحت أجندة مشبوهة.
فالمملكة العربية السعودية لديها ملف دبلوماسي شامل للمنطقة لإنهاء النزاعات والصراعات المتداخلة، وأكبر مثال على ذلك قبول السعودية مطلب باكستان بأن تكون السعودية وسيطاً لأنها النزاع بين باكستان والهند.
إن إعادة تشكيل الأمن العربي هي من أولويات السعودية، لذلك تحاول إقناع الغرب بحل الصراع العربي-الإسرائيلي وبإعادة الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بما فيها الجولان حتى تتوقف التدخلات الإقليمية تحت ذريعة محاربة الاحتلال باعتبار أن القدس إسلامية وليست عربية فقط. كما أنه عند إعادة الجولان فإن سوريا ليس لديها مانع في مناقشة علاقتها بإيران وحزب الله وحماس حسب تصريح وليد المعلم وزير الخارجية السوري.
فالإسرائيليون كانوا يعتبرون ورقة الجولان ورقة قوية في أيديهم لا يقابلها شيء لدى السوريين، لكن تعميق العلاقات السورية-الإيرانية ودعم زعانف إيران المنتشرة في المنطقة يجعلان إسرائيل تفكر بأن تهرع إلى سوريا من أجل تدمير هذا التحالف المسمى بالخصوم الثلاثة (إيران – حماس – حزب الله).
أما التجربة الانتخابية البرلمانية العراقية فإنها أصبحت مرهونة في يد العراقيين التي تجاوزت نسبة المصوتين فيها أكثر من 60 في المائة، ولن يستطيع الأمريكيون حمايتها لفترة طويلة، ولم تهتم دول المنطقة كثيراً بإسقاطها.
ففي إطار النظام البرلماني تغيرت اللعبة، فالأقلية قد تصبح لاعباً أساسياً وهذا ما حدث في الانتخابات الماضية في عام 2005 حيث جعل من الأقلية الكردية التي لا تمثل سوى 20 في المائة من أصوات العراقيين تقف في وجه الأغلبية الشيعية المنقسمة على نفسها والسنة المقاطعين احتجاجاً.
أصبح البعد الإقليمي يلعب دوراً في توجيه الانتخابات العراقية، فدعمت إيران النخبة العراقية الحاكمة المدعومة من قبلها على تدمير خصومها بدلاً من العمل على هزيمتهم، وابتدعت مع حلفائها تكوين هيئة المساءلة والعدالة من قبل أحمد الجلبي وعلي اللامي وكلاهما له صلة وثيقة منذ أمد بعيد بطهران، وكلاهما كان مرشحاً للانتخابات في السابع من مارس الماضي، ولم يكن مفاجئاً طرد 511 سياسياً علمانياً بارزاً من الانتخابات باعتبار أنه كانت لديهم ارتباطات قديمة مع حزب صدام البعثي المحظور، ولم يتم عرض أي دليل واستبعادها من قائمة الانتخابات غير الموالية لطهران لأن معظمهم كانوا معارضين للتدخل الإيراني في العراق ومنافسين سياسيين ونشطاء للجلبي واللامي.
وكان من أبرز هؤلاء القائد السياسي السني د. صالح المطلك وهو عضو في البرلمان العراقي للسنوات الأربع الماضية، وكان قد اختير مرتين من قبل للترشيح للانتخابات، وكان أحد المؤلفين للدستور العراقي الجديد وشريكاً قيادياً في تحالف إياد علاوي المرشح الموالي للغرب وللعرب وعلى الأخص السعودية، لأن المطلك كان دائماً ناقداً لإيران على تدخلها السافر في الشأن العراقي.
فقد استخدم نظام الحكم في إيران كل قواه من أجل تجريد كل شخص يعتقد أنهم خصوم، وبمناسبة الذكرى السنوية للثورة الإيرانية وجه فيها أحمدي نجاد ملاحظاته للولايات المتحدة قائلاً (إن الشعب العراقي والحكومة العراقية تحت ضغط كبير لإعادة البعثيين إلى السلطة.. لماذا تريدون فرض البعثيين على الشعب المقموع في العراق؟ لن تنجحوا إن شاء الله).
ولم تكن جهود إيران موجهة ضد البعثيين فقط، بل موجهة أيضاً نحو الوطنيين الشيعة البارزين كأعضاء في التحالف السياسي الذي يقوده إياد جمال الدين وهو رجل دين شيعي، لكنه ينتقد التدخل الإيراني في العراق.
وعلى خلاف ما تريده إيران استطاع القضاء العراقي إثبات حياديته واستقلاليته عن النفوذ الإيراني والحكومة الموالية لطهران، فقد نقضت محكمة الاستئناف العراقية وألغت الحظر واعتبرت الـ 511 مرشحاً يمكنهم الترشح للانتخابات مما أغضب الملالي في طهران وحلفاءهم الموالين لهم في الحكومة العراقية.
لذلك أصبح القتل والتفجيرات جزءاً اعتيادياً من مشهد الانتخابات العراقية خصوصاً ضد كتلة علاوي، فقتلت مرشحة من حزب علاوي في الموصل سها عبد جار الله من أجل تشكيل حكومة شيعية موالية لإيران.
لكن فوز كتلة علاوي في الانتخابات ولو بفارق ضئيل على كتلة المالكي بـ 91 مقعداً مقابل 89 مقعداً لكتلة المالكي وكما يقول البعض لولا محاصرة منتخبي علاوي لوصلت المقاعد إلى أكثر من 150 مقعداً، رغم ذلك فهي دلالة على إمكانية عودة العراق إلى البيت العربي بما يسهم في ترميم التصدع الاستراتيجي العربي وإعادة بناء القدرات الذاتية التي تؤمن الدفاع تجاه التهديدات وتواجه تحديات التقطيع للشعب العراقي وتعيد ديمومة معادلة التوازن العربي لأن المكونات الطائفية السياسية تلقي بظلالها على المشهد الأمني للمنطقة وإعادة الأمن والاستقرار إلى العراق تشكل سداً منيعاً تجاه التهديدات والأطماع الإقليمية والدولية.
ورغم الحلف الإيراني-السوري الاستراتيجي إلا أن هناك توتراً بشكل مستمر بين سوريا وإيران، إذ يدرك الإيرانيون أنهم الطرف الأضعف في العلاقة مع سوريا، وإذا كانت سوريا تحتاج إلى إيران كظهير استراتيجي، وإلى حزب الله كخط أمامي في وجه إسرائيل فهي بذلك تشعر بأنها محمية.
وإذا كانت إيران تحتاج هي الأخرى إلى سوريا كي لا تبقى معزولة أو لا تريد أن تكون معزولة، لذلك هي تسعى إلى إقامة هذا المحور الذي يضم كلاً من العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن، لكن ما يقلق إيران هو الدور السعودي النشط والواعي الذي يلعب دوراً يعارض الطموحات الإيرانية بل يفسدها رغم محاولات إيران اليائسة بإشغال السعودية بمستجدات، فالعلاقة الجديدة بين سوريا والسعودية وعلاقة سوريا مع الغرب أيضاً ومع تركيا مؤخراً هي كلها علاقات على حساب علاقة سوريا بإيران.
وكان ضرب السعودية للتمرد الحوثي المدعوم إيرانياً وإبعادهم عن أراضيها وتمكنها من تجاوز الإحراج الذي رسمته إيران للسعودية وإشغالها بهذا التمرد عن قضايا أخرى حجمت فيها الدور الإيراني بفاعلية وبقوة لم تتوقعها إيران جعلها دولة مضطربة بعدما كانت تسرح وتمرح في الساحة بمفردها تارة بعنجهية وتارة بتبجح، وزادها اضطراباً فوز قائمة علاوي رغم الجهود الحثيثة التي بذلتها لإبقاء كتلة المالكي مكتسحة الساحة، فبدأت تتساقط أوراق إيران لصالح السعودية التي تقود دوراً كبيراً في إعادة تشكيل الأمن العربي الاستراتيجي المقضوم.
بل إن سوريا تستعمل إيران لصالحها فقد أقامت مصنع (سيرس) بتمويل إيراني لصناعة الصواريخ بمعرفة إيرانية وكورية حتى تمول حزب الله بالسلاح بدلاً من السلاح القادم من إيران المعرض للتفتيش الدولي والإسرائيلي وإحراج الدول العربية الذي يمر السلاح عبر أراضيها، لأن سوريا تحتاج هذا السلاح في لبنان ضد إسرائيل، لذلك يصعب على سوريا الانفصال عن إيران أو التخلي عن سلاح حزب الله بلا ثمن إلا إذا كان هذا الثمن هو عودة الجولان إليها وبالتالي ستستمر الحكومة اللبنانية عالقة بين إيران وسوريا وحزب الله ما لم تقدم إسرائيل على حل شامل.
ولا شك في أن أسباباً وطنية وسياسية داخلية وإقليمية ودولية أخرى أسهمت في دفع القوى السياسية المتخاصمة في لبنان إلى المهادنة والتقارب والانفتاح على دمشق، وسيبقى لبنان الجبهة المقاومة حتى يتحقق السلام الشامل وإلا سيظل لبنان تحت طائلة التهديدات الإسرائيلية المستمرة.
إن مفهوم الدولة الأمة لم يتجذر بعد في المنطقة ليؤسس لهويات قومية خاصة بكل دولة، لذلك فإن ما يحدث في أي دولة عربية يؤثر في الأمن القومي العربي لا سيما بأهمية العراق الذي كان له دور كبير وتأثير واضح في النظامين العربي والإقليمي، كما أن الإقليمي يتأثر بالوضع في العراق.
فالانتخابات التي أجريت في العراق ليست شأناً داخلياً كما هو الحال في أوروبا بل تغدو جزءاً من الصراع الإقليمي وتوازنات القوى ومجمل النظام الجيوسياسي، إذ إن الحكومة المنتخبة ستستمد شرعيتها من انسجامها مع توازنات القوى الإقليمية والدولية أكثر من التفويض الشعبي وإن كان هو الآخر يتأثر بتلك التوازنات، لكن يمكنها أن تخرج العراقيين من المناطق الاستراتيجية الهشة حتى لا تستمر كمنطقة جاذبة للصراع لأنها في النهاية ستؤثر في المنظومة الجيوسياسية الإقليمية وتنتج معادلة سياسية منسجمة وغير مهددة لتلك المنظومة حتى تسيطر على حركة المجتمع وتنجح في إخماد التمردات الداخلية كي تقلل من التدخل الأجنبي مستقبلاً.
إن الانتخابات ليست كافية لأن الاستقرار مقدم على الديمقراطية عبر إنتاج معادلة يمكن أن يتحقق فيها الأمران.
ويمكن للعراقيين أن يستثمروا نتائج الانتخابات لصالح بلدهم بدلاً من الإذعان لطرف دون آخر لأن النتائج جعلت من التيار الصدري يحقق اتجاهاً مفاجئاً في الساحة السياسية داخل العراق، فقد احتل الصدريون المركز الثاني بعد أتباع رئيس الوزراء نوري المالكي بعدما استخف عدد من المنافسين بالتيار الصدري وسيحصل على 40 مقعداً من أصل 71 مقعداً وسيكون إجمالي مقاعد البرلمان 325 مقعداً بدلاً من 310 مقاعد التي كانت في السابق بعد تخصيص 15 مقعداً للأقليات والمقاعد التعويضية.
وأخيراً على المستوى العربي هناك محاولات لوضع الخلافات العربية في إطار أكثر إيجابية تعترف بأن الخلافات وجهات نظر موجودة في الاتحاد الأوروبي وفي كل المجتمعات والتوجه نحو استراتيجية جديدة تعزز العلاقة مع دول الجوار تجمع كل من حولها آسيا وإفريقيا ويمكن أن تشمل أوروبا من أجل إيجاد ديناميكية إقليمية أوسع لإنهاء حالة القضم التي تحدث من الأطراف.

::/fulltext::
::cck::3076::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *