بيئة الانتخابات في اليمن
::cck::3097::/cck::
::introtext::
يواجه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تحدياً انتخابياً جدياً من قبل مرشح أحزاب اللقاء المشترك المهندس فيصل عثمان بن شملان، في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في سبتمبر المقبل، وذلك لأول مرة منذ تسلمه منصب الرئاسة منذ ثمانية وعشرين عاماً. وتجري هذه الانتخابات في ظل لغط شديد حول تسوية الملعب الانتخابي، حيث تتهم المعارضة السلطة باستخدام المال العام، والإعلام الحكومي، وأجهزة الدولة الإدارية والأمنية والعسكرية، بتعزيز فرصها الانتخابية، خلافاً للدستور والقانون.
::/introtext::
::fulltext::
(إن مجتمعات الحوار هي رهان بالنسبة للإنسانية. النظام الآخر يقوم على عدم الثقة بالمحكومين، وزعم أقلية من المتنفذين أنهم يمتلكون الإرادة النهائية بالنسبة لهم وبالنسبة للمستقبل أيضاً). (ريمون أرون _ التأمل بالحرية، التأمل بالديمقراطية).
يواجه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تحدياً انتخابياً جدياً من قبل مرشح أحزاب اللقاء المشترك المهندس فيصل عثمان بن شملان، في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في سبتمبر المقبل، وذلك لأول مرة منذ تسلمه منصب الرئاسة منذ ثمانية وعشرين عاماً. وتجري هذه الانتخابات في ظل لغط شديد حول تسوية الملعب الانتخابي، حيث تتهم المعارضة السلطة باستخدام المال العام، والإعلام الحكومي، وأجهزة الدولة الإدارية والأمنية والعسكرية، بتعزيز فرصها الانتخابية، خلافاً للدستور والقانون.
لقد كان أكبر إخفاقات النظام السياسي العربي عدم إنجازه بناء الدولة الحديثة، دولة القانون والنظام التي يحكم فيها القانون الجميع، ويحترمه الجميع حكاماً ومحكومين، ولذلك أصبح تزوير الانتخابات ظاهرة مستشرية في الأقطار العربية. وقد شهدت الانتخابات اليمنية الماضية سواء كانت رئاسية أو نيابية أو محلية، ممارسات غير قانونية تؤلف في مجموعها قائمة طويلة تحوي كل ما يمكن أن يخطر في البال من حيل التزوير. وعلى العكس من الدول التي نجحت في بناء الدولة الحديثة كتركيا على سبيل المثال، والتي تمكنت فيها أحزاب إسلامية من الوصول إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، على الرغم من العداء الشديد لها من قبل المنظومة العلمانية الحاكمة، ذلك أنه لا أحد في تركيا يجرؤ على مخالفة القوانين وتزوير الانتخابات.
وكان اقتران الوحدة اليمنية في مايو 1990 بالديمقراطية التمثيلية، خطوة ونقلة رائعة كان يعتقد أنها ستشكل ضمانة أكيدة لمستقبل زاهر لدولة الوحدة، لولا حرب العام 1994 التي اعتبرها المؤتمر الشعبي العام، (الحزب الذي يرأسه الرئيس علي عبدالله صالح)، حرب دفاع عن الوحدة في وجه المحاولة الانفصالية، بينما نظر إليها الحزب الاشتراكي على أنها انقلاب على دولة الوحدة، توجت سعياً محموماً من قبل الرئيس وحزبه الحاكم، المؤتمر الشعبي العام، للاستئثار بالسلطة، ومنع التداول السلمي لها باستخدام كل الوسائل القانونية وغير القانونية، ومنها الاغتيالات التي طالت قيادات الحزب وصولاً إلى الحرب.
وأدى الوضع الذي أعقب حرب العام 1994 إلى شعور عميق بعدم المساواة لدى سكان المحافظات الشرقية والجنوبية إلى درجة ظهور إحساس عام، وخاصة لدى الأحزاب السياسية، بما فيها تلك التي شاركت في حرب العام 1994 إلى جانب حزب الرئيس المؤتمر الشعبي العام، بنذر مهددة للوحدة اليمنية بالانفراط، ويمكن تلخيص هذه النذر من واقع خطابها الراهن بما يلي:
• مخاطر من صنع النظام أساساً، منها شعور أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية بالظلم للنهب الواسع للأراضي والممتلكات الحكومية هناك، وهم الذين حرموا من التملك خلال فترة الحكم الاشتراكي، بل وأممت ممتلكات الملاك منهم آنذاك، فأصبح الكثير منهم مع ازدياد الأعباء المعيشية في حالة من السخط والغضب بما آلت إليه أحوالهم المعيشية نتيجة للوحدة. وكان الأجدر بالدولة أن تعوضهم عن حرمان السنين الماضية لا أن تضاعف حرمانهم بحرمان أشد في ظل موجات الغلاء المعيشي التي سببتها سياسات الحكومة الاقتصادية.
• شعور أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية بالتهميش في الوظائف الحكومية، عن طريق إيقاف الموظفين العسكريين والمدنيين منهم عن العمل في ما سمي حزب (خليك في البيت)، إضافة إلى تعليق الخدمة العسكرية الإلزامية التي يشعرون بأنها موجهة ضدهم لإبعادهم عن خدمة العلم والتمرس بالسلاح.
• استشراء المحاباة، وانعدام تكافؤ الفرص، والفساد والإفساد الواسع والمستشري في المشروعات الحكومية.
• التسيب الحكومي، وتسيب الأجهزة الأمنية، وقسوة الوحدات العسكرية القابعة في المحافظات الجنوبية والشرقية وغيرها من المحافظات، والتي يعاني السكان من ممارساتها غير القانونية وتجاوزاتها الأمرين، إضافة إلى القمع الوحشي، واستخدام القوة المفرطة كما حدث في محافظات الضالع والجوف وصعدة.
• محاربة المنظمات الشعبية، والملتقيات والمنتديات، والصحافة المستقلة الحرة والحزبية المعارضة، والاعتداء على المثقفين، إضافة إلى العديد من الظواهر السلبية التي هي إجمالاً من مسؤولية القيادة السياسية للدولة.
وهذا ما أدى إلى بروز تيارات ذات نفس انفصالي في عدن، وأخرى في الخارج، إضافة إلى تيار أقلية في الحزب الاشتراكي، تؤسس كلها خطابها السياسي على أساس من الوضع السابق للوحدة،
وان كان الحزب الاشتراكي بأغلبيته قد اتخذ الموقف الإيجابي، عندما اعتبرت مقررات مؤتمره العام الأخير نضاله نضالاً وطنياً ديمقراطياً يشمل اليمن كله، من أجل إقامة دولة حديثة يسودها القانون، وانطلاقا من تحليل يعتبر المعاناة من ممارسات النظام الحاكم تشمل الغالبية الساحقة من المواطنين في كل محافظات الجمهورية.
محاولات الإصلاح
أحزاب اللقاء المشترك اليمنية كتلة ممثلة للتسوية التاريخية الجديدة تجمع بين التيارات القومية واليسارية والإسلامية المعتدلة، ويتألف (اللقاء المشترك) من التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي، والتنظيم الوحدوي الناصري، واتحاد القوة الشعبية، وحزب الحق. وقد قررت هذه الأحزاب مجتمعة الدخول في الانتخابات بمرشح واحد مستقل لا ينتمي لأي منها هو المهندس فيصل بن شملان. كما قررت الدخول في انتخابات المجالس المحلية بقائمة مشتركة وهي الانتخابات التي ستتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
وقد شخصت مبادرة أحزاب اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني الشامل، التي أطلقتها هذا العام، الأوضاع الراهنة، من وجهة نظرها، في وثيقة طويلة تعكس الجو السياسي العام في البلاد، والمدى الذي وصلت إليه العلاقة بين السلطة والمعارضة، وقدرت أن عرض ديباجة المبادرة سيمكن القارئ من تكوين فكرة واضحة عن الوضع السياسي في اليمن، وعن البيئة التي سيجري فيها الاستحقاق الانتخابي الوشيك، وقد جاء فيها ما يلي:
إن الإصلاح الشامل غدا خياراً لا بديل عنه، وضرورة حياتية لكل أبناء الشعب اليمني، في ضوء استحكام أزمة شاملة طالت أوضاع بلادهم كافة. فعلى المستوى السياسي تتجلى مظاهر هذه الأزمة في: غياب دولة القانون و المؤسسات، وانعدام المساواة أمام القانون، وتركيز السلطة في يد رئيس الجمهورية من دون توفر الحد الأدنى من التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات فلا محاسبة ولا مساءلة، في ظل وجود سلطتين تشريعية وقضائية غير مستقلتين ومسيطر عليهما، وجهاز حكومي ضعيف وعاجز، وتحويل العملية السياسية برمتها إلى مظاهر شكلية تعيد إنتاج الأوضاع القائمة، وتعثر عملية التحول الديمقراطي، وصيرورته إلى أداة لتكريس الحكم الفردي بانعدام شروط النزاهة والتكافؤ في الانتخابات، وإفراغ التعددية الحزبية من مضامينها، وتفكيك أحزاب المعارضة واستنساخ بدائلها، وتحريض القوات المسلحة والأمن على أحزاب المعارضة، وبصورة شبه دائمة، وتسخير المال العام، والوظيفة العامة، وكل مقدرات الدولة لصالح الحزب الحاكم، وإكراه الكثير من موظفي الدولة على الانضمام إليه، والتخلي عن انتماءاتهم الحزبية كشرط لاستمرارهم في وظائفهم، ومنحهم الدرجات الوظيفية والترقيات المستحقة لهم قانوناً، وتزايد الانتهاكات لحرية التعبير، وتكرار الاعتداءات على الكتّاب والصحفيين، وأصحاب الرأي، كما تعرضت الكثير من صحف المعارضة والصحف الأهلية إما للحجز ومنع التوزيع، أو للتعطيل، لممارستها لحقها القانوني ونشرها آراء ناقدة للسياسات والتوجهات الخاطئة، وكشف بعض ممارسات الفساد، وتزايد معاناة المواطنين من الإهانات، ومن نظام أخذ الرهائن، والحبس التعسفي، والابتزاز، والاستغلال، وتزايد حالات الاعتقالات التعسفية من دون إحالة إلى النيابة والمحاكم، وانتهاك حق المواطنين في تنظيم أنفسهم، سياسياً ومهنياً، وتجميد العديد من النقابات والاتحادات والجمعيات ومختلف المنظمات الأهلية، والحيلولة دون إجراء الانتخابات الدورية لبعضها، وتفريخ البعض الآخر والسعي للسيطرة عليها وإلحاقها بالحزب الحاكم بقصد تعطيل دورها وصرفها عن مهامها الأساسية في خدمة منتسبيها والدفاع عنهم وعن حقوقهم.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي تتجلى مظاهر الأزمة في: تخلف عملية التنمية، وعزوف رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية عن الاستثمار في البلد واستغلال المسؤولين لسلطاتهم في مزاحمة التجار والمستثمرين وفرض الشراكات الجائرة عليهم، واستفحال الفقر واتساع رقعته لتشمل غالبية السكان، ووصول نسبة العاطلين عن العمل إلى مستويات خطيرة جداً، والتدني المريع لدخل الفرد إلى درجة يحتل معها اليمن موقع البلد الأكثر فقراً والأقل نمواً بين مجموعة قليلة من الدول تأتي في آخر قائمة دول العالم، والتراجع المطرد لمستوى خدمات التعليم والصحة والكهرباء وبقية الخدمات الاجتماعية، وتخلف مستوى وكفاءة البنى الأساسية، وذلك بحسب البيانات والتقارير الرسمية والدولية، ومقابلة هذا كله بإطلاق يد الفساد، وتسلط مافيا المصالح غير المشروعة، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، واضمحلال الطبقة الوسطى، وفشل المعالجات الاقتصادية الانتقائية التي نفذتها الحكومة منذ عام 1995 وحتى الآن في إيقاف التدهور الاقتصادي والمعيشي، في ظل استفحال الفساد المالي والإداري ونهم الطبقة الجديدة للإثراء غير المشروع عن طريق استخدام السلطة كوسيلة للحصول على الثروة الجاهزة من دون المشاركة في إنتاجها. إن مظاهر الأزمة هذه تتجه نحو الاتساع والتجذر رأسياً وأفقياً، ومعها بدأت حياة المجتمع تقترب من درجة الاستحالة، ولمواجهتها ومعالجة آثارها صار من الضروري تنفيذ مشروع وطني للإصلاح الشامل.
بيد أن مشروعاً كهذا لا يمكن ضمان نجاحه ما لم يبدأ بالإصلاح السياسي أولاً.
إن أولوية الإصلاح السياسي في اليمن تمثل حاجة موضوعية، وليست مجرد رغبات أو أهواء أو تقديرات انتقائية مجازفة، وذلك بالنظر إلى طبيعة النظام القائم وما يمارسه من سيطرة واستحواذ على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتسميم للحياة الثقافية والأخلاقية، وما تسببه تلك الممارسات من اختلالات في مجمل الأوضاع إلى درجة غدت معها هذه المصالح تقوم بدور الثقب الأسود كعنصر يتحكم بحركة القوى والتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويخضعها لطاقته الجارفة، وأضحى من غير الممكن إصلاح جوانب الحياة الأخرى قبل إصلاح النظام السياسي وتحويله من معول هدم وتدمير إلى أداة للبناء والإصلاح ومحاربة الفساد.
فعبر الإصلاح السياسي يمكن الإمساك بالمفاتيح العملية للشروع في تحقيق الإصلاحات في المجالات الأخرى، ومن خلاله أيضاً يمكن الانطلاق نحو إيجاد إرادة وطنية تتوفر لها عناصر الثبات والنفاذ حتى إنجاز بقية المهمات الإصلاحية، وعن طريقه بالذات يمكن بناء الأدوات الوطنية لمحاربة الفساد وإلغاء دوره المفصلي المدمر في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد والمعطل لحركة التطور والإصلاحات فيها.
لقد استخلصت أحزاب (اللقاء المشترك) من دروس التجربة التاريخية لليمن أن الأخذ بالنظام البرلماني بديلاً عن النظام القائم سيمثل خطوة نوعية حاسمة في تحقيق الإصلاح السياسي وتهيئة قطار الإصلاحات في المجالات الأخرى للانطلاق. فالنظام البرلماني كفيل بإنهاء المعاناة من الحكم الفردي الذي شكل معضلة تاريخية لليمنيين، وكان التخلص منه هدفاً للمطالب الإصلاحية للحركة الوطنية اليمنية منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى الآن، إذ إن النظام القائم أفضى إلى تركيز السلطة في يد رأس الدولة، وتهميش المؤسسات، وتحويل الفساد إلى ممارسة منظمة تدار بها البلاد، وإلى أداة لاحتكار السلطة، وتأمين الاحتفاظ بها، وتملكها، وتوريثها للأبناء فيما بعد، وشكّل الغطاء الأمثل لتنمية قوى ومصالح الفساد، وإشاعة الفوضى، على حساب سيادة القانون، وبالتالي الحرمان المتزايد لكافة فئات المجتمع، والتضييق على مصالحهم الحيوية، وإحلال معايير الولاء الفردي محل معايير الولاء للدولة الوطنية واحترام الدستور والقوانين.
وأخيراً كانت الحصيلة الرئيسية للنظام الحاكم وضع المقدرات الوطنية كلها في خدمة بقاء الفرد على كرسي السلطة بدلاً من وضعها في خدمة تطور البلاد وتلبية الاحتياجات الأساسية لأبنائها، وإبقاء حالة التنازع على السلطة كمعضلة خطيرة لم تخرج من حياة اليمنيين حتى الآن ومصدراً أساسياً وسم تاريخهم بالعنف والصراعات الدموية. وفي الوقت الراهن غدا من أهم إفرازات هذه الحصيلة: تهيئة الأجواء المناسبة للتكسب من رواج التجارة المضرة وغير المشروعة، وغسل الأموال، وإيجاد بيئة خصبة لنمو نزعات العنف والتطرف.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3097::/cck::
::introtext::
يواجه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تحدياً انتخابياً جدياً من قبل مرشح أحزاب اللقاء المشترك المهندس فيصل عثمان بن شملان، في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في سبتمبر المقبل، وذلك لأول مرة منذ تسلمه منصب الرئاسة منذ ثمانية وعشرين عاماً. وتجري هذه الانتخابات في ظل لغط شديد حول تسوية الملعب الانتخابي، حيث تتهم المعارضة السلطة باستخدام المال العام، والإعلام الحكومي، وأجهزة الدولة الإدارية والأمنية والعسكرية، بتعزيز فرصها الانتخابية، خلافاً للدستور والقانون.
::/introtext::
::fulltext::
(إن مجتمعات الحوار هي رهان بالنسبة للإنسانية. النظام الآخر يقوم على عدم الثقة بالمحكومين، وزعم أقلية من المتنفذين أنهم يمتلكون الإرادة النهائية بالنسبة لهم وبالنسبة للمستقبل أيضاً). (ريمون أرون _ التأمل بالحرية، التأمل بالديمقراطية).
يواجه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تحدياً انتخابياً جدياً من قبل مرشح أحزاب اللقاء المشترك المهندس فيصل عثمان بن شملان، في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في سبتمبر المقبل، وذلك لأول مرة منذ تسلمه منصب الرئاسة منذ ثمانية وعشرين عاماً. وتجري هذه الانتخابات في ظل لغط شديد حول تسوية الملعب الانتخابي، حيث تتهم المعارضة السلطة باستخدام المال العام، والإعلام الحكومي، وأجهزة الدولة الإدارية والأمنية والعسكرية، بتعزيز فرصها الانتخابية، خلافاً للدستور والقانون.
لقد كان أكبر إخفاقات النظام السياسي العربي عدم إنجازه بناء الدولة الحديثة، دولة القانون والنظام التي يحكم فيها القانون الجميع، ويحترمه الجميع حكاماً ومحكومين، ولذلك أصبح تزوير الانتخابات ظاهرة مستشرية في الأقطار العربية. وقد شهدت الانتخابات اليمنية الماضية سواء كانت رئاسية أو نيابية أو محلية، ممارسات غير قانونية تؤلف في مجموعها قائمة طويلة تحوي كل ما يمكن أن يخطر في البال من حيل التزوير. وعلى العكس من الدول التي نجحت في بناء الدولة الحديثة كتركيا على سبيل المثال، والتي تمكنت فيها أحزاب إسلامية من الوصول إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، على الرغم من العداء الشديد لها من قبل المنظومة العلمانية الحاكمة، ذلك أنه لا أحد في تركيا يجرؤ على مخالفة القوانين وتزوير الانتخابات.
وكان اقتران الوحدة اليمنية في مايو 1990 بالديمقراطية التمثيلية، خطوة ونقلة رائعة كان يعتقد أنها ستشكل ضمانة أكيدة لمستقبل زاهر لدولة الوحدة، لولا حرب العام 1994 التي اعتبرها المؤتمر الشعبي العام، (الحزب الذي يرأسه الرئيس علي عبدالله صالح)، حرب دفاع عن الوحدة في وجه المحاولة الانفصالية، بينما نظر إليها الحزب الاشتراكي على أنها انقلاب على دولة الوحدة، توجت سعياً محموماً من قبل الرئيس وحزبه الحاكم، المؤتمر الشعبي العام، للاستئثار بالسلطة، ومنع التداول السلمي لها باستخدام كل الوسائل القانونية وغير القانونية، ومنها الاغتيالات التي طالت قيادات الحزب وصولاً إلى الحرب.
وأدى الوضع الذي أعقب حرب العام 1994 إلى شعور عميق بعدم المساواة لدى سكان المحافظات الشرقية والجنوبية إلى درجة ظهور إحساس عام، وخاصة لدى الأحزاب السياسية، بما فيها تلك التي شاركت في حرب العام 1994 إلى جانب حزب الرئيس المؤتمر الشعبي العام، بنذر مهددة للوحدة اليمنية بالانفراط، ويمكن تلخيص هذه النذر من واقع خطابها الراهن بما يلي:
• مخاطر من صنع النظام أساساً، منها شعور أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية بالظلم للنهب الواسع للأراضي والممتلكات الحكومية هناك، وهم الذين حرموا من التملك خلال فترة الحكم الاشتراكي، بل وأممت ممتلكات الملاك منهم آنذاك، فأصبح الكثير منهم مع ازدياد الأعباء المعيشية في حالة من السخط والغضب بما آلت إليه أحوالهم المعيشية نتيجة للوحدة. وكان الأجدر بالدولة أن تعوضهم عن حرمان السنين الماضية لا أن تضاعف حرمانهم بحرمان أشد في ظل موجات الغلاء المعيشي التي سببتها سياسات الحكومة الاقتصادية.
• شعور أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية بالتهميش في الوظائف الحكومية، عن طريق إيقاف الموظفين العسكريين والمدنيين منهم عن العمل في ما سمي حزب (خليك في البيت)، إضافة إلى تعليق الخدمة العسكرية الإلزامية التي يشعرون بأنها موجهة ضدهم لإبعادهم عن خدمة العلم والتمرس بالسلاح.
• استشراء المحاباة، وانعدام تكافؤ الفرص، والفساد والإفساد الواسع والمستشري في المشروعات الحكومية.
• التسيب الحكومي، وتسيب الأجهزة الأمنية، وقسوة الوحدات العسكرية القابعة في المحافظات الجنوبية والشرقية وغيرها من المحافظات، والتي يعاني السكان من ممارساتها غير القانونية وتجاوزاتها الأمرين، إضافة إلى القمع الوحشي، واستخدام القوة المفرطة كما حدث في محافظات الضالع والجوف وصعدة.
• محاربة المنظمات الشعبية، والملتقيات والمنتديات، والصحافة المستقلة الحرة والحزبية المعارضة، والاعتداء على المثقفين، إضافة إلى العديد من الظواهر السلبية التي هي إجمالاً من مسؤولية القيادة السياسية للدولة.
وهذا ما أدى إلى بروز تيارات ذات نفس انفصالي في عدن، وأخرى في الخارج، إضافة إلى تيار أقلية في الحزب الاشتراكي، تؤسس كلها خطابها السياسي على أساس من الوضع السابق للوحدة،
وان كان الحزب الاشتراكي بأغلبيته قد اتخذ الموقف الإيجابي، عندما اعتبرت مقررات مؤتمره العام الأخير نضاله نضالاً وطنياً ديمقراطياً يشمل اليمن كله، من أجل إقامة دولة حديثة يسودها القانون، وانطلاقا من تحليل يعتبر المعاناة من ممارسات النظام الحاكم تشمل الغالبية الساحقة من المواطنين في كل محافظات الجمهورية.
محاولات الإصلاح
أحزاب اللقاء المشترك اليمنية كتلة ممثلة للتسوية التاريخية الجديدة تجمع بين التيارات القومية واليسارية والإسلامية المعتدلة، ويتألف (اللقاء المشترك) من التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي، والتنظيم الوحدوي الناصري، واتحاد القوة الشعبية، وحزب الحق. وقد قررت هذه الأحزاب مجتمعة الدخول في الانتخابات بمرشح واحد مستقل لا ينتمي لأي منها هو المهندس فيصل بن شملان. كما قررت الدخول في انتخابات المجالس المحلية بقائمة مشتركة وهي الانتخابات التي ستتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
وقد شخصت مبادرة أحزاب اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني الشامل، التي أطلقتها هذا العام، الأوضاع الراهنة، من وجهة نظرها، في وثيقة طويلة تعكس الجو السياسي العام في البلاد، والمدى الذي وصلت إليه العلاقة بين السلطة والمعارضة، وقدرت أن عرض ديباجة المبادرة سيمكن القارئ من تكوين فكرة واضحة عن الوضع السياسي في اليمن، وعن البيئة التي سيجري فيها الاستحقاق الانتخابي الوشيك، وقد جاء فيها ما يلي:
إن الإصلاح الشامل غدا خياراً لا بديل عنه، وضرورة حياتية لكل أبناء الشعب اليمني، في ضوء استحكام أزمة شاملة طالت أوضاع بلادهم كافة. فعلى المستوى السياسي تتجلى مظاهر هذه الأزمة في: غياب دولة القانون و المؤسسات، وانعدام المساواة أمام القانون، وتركيز السلطة في يد رئيس الجمهورية من دون توفر الحد الأدنى من التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات فلا محاسبة ولا مساءلة، في ظل وجود سلطتين تشريعية وقضائية غير مستقلتين ومسيطر عليهما، وجهاز حكومي ضعيف وعاجز، وتحويل العملية السياسية برمتها إلى مظاهر شكلية تعيد إنتاج الأوضاع القائمة، وتعثر عملية التحول الديمقراطي، وصيرورته إلى أداة لتكريس الحكم الفردي بانعدام شروط النزاهة والتكافؤ في الانتخابات، وإفراغ التعددية الحزبية من مضامينها، وتفكيك أحزاب المعارضة واستنساخ بدائلها، وتحريض القوات المسلحة والأمن على أحزاب المعارضة، وبصورة شبه دائمة، وتسخير المال العام، والوظيفة العامة، وكل مقدرات الدولة لصالح الحزب الحاكم، وإكراه الكثير من موظفي الدولة على الانضمام إليه، والتخلي عن انتماءاتهم الحزبية كشرط لاستمرارهم في وظائفهم، ومنحهم الدرجات الوظيفية والترقيات المستحقة لهم قانوناً، وتزايد الانتهاكات لحرية التعبير، وتكرار الاعتداءات على الكتّاب والصحفيين، وأصحاب الرأي، كما تعرضت الكثير من صحف المعارضة والصحف الأهلية إما للحجز ومنع التوزيع، أو للتعطيل، لممارستها لحقها القانوني ونشرها آراء ناقدة للسياسات والتوجهات الخاطئة، وكشف بعض ممارسات الفساد، وتزايد معاناة المواطنين من الإهانات، ومن نظام أخذ الرهائن، والحبس التعسفي، والابتزاز، والاستغلال، وتزايد حالات الاعتقالات التعسفية من دون إحالة إلى النيابة والمحاكم، وانتهاك حق المواطنين في تنظيم أنفسهم، سياسياً ومهنياً، وتجميد العديد من النقابات والاتحادات والجمعيات ومختلف المنظمات الأهلية، والحيلولة دون إجراء الانتخابات الدورية لبعضها، وتفريخ البعض الآخر والسعي للسيطرة عليها وإلحاقها بالحزب الحاكم بقصد تعطيل دورها وصرفها عن مهامها الأساسية في خدمة منتسبيها والدفاع عنهم وعن حقوقهم.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي تتجلى مظاهر الأزمة في: تخلف عملية التنمية، وعزوف رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية عن الاستثمار في البلد واستغلال المسؤولين لسلطاتهم في مزاحمة التجار والمستثمرين وفرض الشراكات الجائرة عليهم، واستفحال الفقر واتساع رقعته لتشمل غالبية السكان، ووصول نسبة العاطلين عن العمل إلى مستويات خطيرة جداً، والتدني المريع لدخل الفرد إلى درجة يحتل معها اليمن موقع البلد الأكثر فقراً والأقل نمواً بين مجموعة قليلة من الدول تأتي في آخر قائمة دول العالم، والتراجع المطرد لمستوى خدمات التعليم والصحة والكهرباء وبقية الخدمات الاجتماعية، وتخلف مستوى وكفاءة البنى الأساسية، وذلك بحسب البيانات والتقارير الرسمية والدولية، ومقابلة هذا كله بإطلاق يد الفساد، وتسلط مافيا المصالح غير المشروعة، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، واضمحلال الطبقة الوسطى، وفشل المعالجات الاقتصادية الانتقائية التي نفذتها الحكومة منذ عام 1995 وحتى الآن في إيقاف التدهور الاقتصادي والمعيشي، في ظل استفحال الفساد المالي والإداري ونهم الطبقة الجديدة للإثراء غير المشروع عن طريق استخدام السلطة كوسيلة للحصول على الثروة الجاهزة من دون المشاركة في إنتاجها. إن مظاهر الأزمة هذه تتجه نحو الاتساع والتجذر رأسياً وأفقياً، ومعها بدأت حياة المجتمع تقترب من درجة الاستحالة، ولمواجهتها ومعالجة آثارها صار من الضروري تنفيذ مشروع وطني للإصلاح الشامل.
بيد أن مشروعاً كهذا لا يمكن ضمان نجاحه ما لم يبدأ بالإصلاح السياسي أولاً.
إن أولوية الإصلاح السياسي في اليمن تمثل حاجة موضوعية، وليست مجرد رغبات أو أهواء أو تقديرات انتقائية مجازفة، وذلك بالنظر إلى طبيعة النظام القائم وما يمارسه من سيطرة واستحواذ على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتسميم للحياة الثقافية والأخلاقية، وما تسببه تلك الممارسات من اختلالات في مجمل الأوضاع إلى درجة غدت معها هذه المصالح تقوم بدور الثقب الأسود كعنصر يتحكم بحركة القوى والتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويخضعها لطاقته الجارفة، وأضحى من غير الممكن إصلاح جوانب الحياة الأخرى قبل إصلاح النظام السياسي وتحويله من معول هدم وتدمير إلى أداة للبناء والإصلاح ومحاربة الفساد.
فعبر الإصلاح السياسي يمكن الإمساك بالمفاتيح العملية للشروع في تحقيق الإصلاحات في المجالات الأخرى، ومن خلاله أيضاً يمكن الانطلاق نحو إيجاد إرادة وطنية تتوفر لها عناصر الثبات والنفاذ حتى إنجاز بقية المهمات الإصلاحية، وعن طريقه بالذات يمكن بناء الأدوات الوطنية لمحاربة الفساد وإلغاء دوره المفصلي المدمر في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد والمعطل لحركة التطور والإصلاحات فيها.
لقد استخلصت أحزاب (اللقاء المشترك) من دروس التجربة التاريخية لليمن أن الأخذ بالنظام البرلماني بديلاً عن النظام القائم سيمثل خطوة نوعية حاسمة في تحقيق الإصلاح السياسي وتهيئة قطار الإصلاحات في المجالات الأخرى للانطلاق. فالنظام البرلماني كفيل بإنهاء المعاناة من الحكم الفردي الذي شكل معضلة تاريخية لليمنيين، وكان التخلص منه هدفاً للمطالب الإصلاحية للحركة الوطنية اليمنية منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى الآن، إذ إن النظام القائم أفضى إلى تركيز السلطة في يد رأس الدولة، وتهميش المؤسسات، وتحويل الفساد إلى ممارسة منظمة تدار بها البلاد، وإلى أداة لاحتكار السلطة، وتأمين الاحتفاظ بها، وتملكها، وتوريثها للأبناء فيما بعد، وشكّل الغطاء الأمثل لتنمية قوى ومصالح الفساد، وإشاعة الفوضى، على حساب سيادة القانون، وبالتالي الحرمان المتزايد لكافة فئات المجتمع، والتضييق على مصالحهم الحيوية، وإحلال معايير الولاء الفردي محل معايير الولاء للدولة الوطنية واحترام الدستور والقوانين.
وأخيراً كانت الحصيلة الرئيسية للنظام الحاكم وضع المقدرات الوطنية كلها في خدمة بقاء الفرد على كرسي السلطة بدلاً من وضعها في خدمة تطور البلاد وتلبية الاحتياجات الأساسية لأبنائها، وإبقاء حالة التنازع على السلطة كمعضلة خطيرة لم تخرج من حياة اليمنيين حتى الآن ومصدراً أساسياً وسم تاريخهم بالعنف والصراعات الدموية. وفي الوقت الراهن غدا من أهم إفرازات هذه الحصيلة: تهيئة الأجواء المناسبة للتكسب من رواج التجارة المضرة وغير المشروعة، وغسل الأموال، وإيجاد بيئة خصبة لنمو نزعات العنف والتطرف.
::/fulltext::
::cck::3097::/cck::
