“إيران – فلسطين” الكفاح من أجل الاعتراف

::cck::3173::/cck::
::introtext::

لا يختلف اثنان من المراقبين لأحوال حركة التحرر الإيرانية المعاصرة على أن من أهم عناصر نجاح الثورة في إيران في العام 1979 إنما يعود إلى البعد الديني الذي اتخذته هذه الحركة في العقدين الأخيرين اللذين سبقا قيام الثورة وإلى الفرادة النوعية التي تميز بها قائد هذه الثورة سواء من حيث مرجعيته الدينية التي خرجت على المألوف والتقليد أو من حيث خطابه الثوري الجهادي الذي بز فيه ألمع ثوار حركات التحرر المعاصرة التي كانت سائدة آنذاك.

::/introtext::
::fulltext::

لا يختلف اثنان من المراقبين لأحوال حركة التحرر الإيرانية المعاصرة على أن من أهم عناصر نجاح الثورة في إيران في العام 1979 إنما يعود إلى البعد الديني الذي اتخذته هذه الحركة في العقدين الأخيرين اللذين سبقا قيام الثورة وإلى الفرادة النوعية التي تميز بها قائد هذه الثورة سواء من حيث مرجعيته الدينية التي خرجت على المألوف والتقليد أو من حيث خطابه الثوري الجهادي الذي بز فيه ألمع ثوار حركات التحرر المعاصرة التي كانت سائدة آنذاك.
لكن ما لا يعرفه أحد ربما عن هذه الثورة وقادتها جيداً إلا اللهم من أهل المتابعة والاختصاص هو ذلك البعد الآخر الذي لا يقل أهمية عن البعد الأول ألا وهو البعد الخاص بـ (الهوية الانتمائية) إذا جاز لنا مثل هذا التعبير، أي الشعور المتراكم والمتجمع عبر الزمن الطويل لدى عامة الشعب الإيراني والنخب والقيادات الوطنية عامة والدينية منها على وجه الخصوص بأن ثمة ظلماً تاريخياً لحق بالأمة الإيرانية تكثفت أبعاده بشكل خاص في عهد الأسرة البهلوية كان قد دفع بإيران في أواخر عهد الأسرة البائدة إلى نوع من الانقطاع عن سياقها الوجودي والتاريخي والجيوسياسي كاد أن يرمي بها بكل قوة باتجاه خيار الفصل والقطع النهائي عن محيطها الإسلامي الطبيعي وعالم الشرق الذي تنتمي إليه صانعا منها أشبه بـ (الجزيرة) المنعزلة المنسلخة عن الجسم الرئيسي المحيط، في الوقت نفسه الذي كادت أن تظهر فيه، وكأنها تنتمي إلى عالم آخر هو في تضاد وتخاصم جوهري وتاريخي مع تربتها ألا وهو عالم الغرب الاستعماري بمفهومه السياسي والفكري المعروف.
إنها الحيثيات التي كادت أن تفضي كما هو معروف إلى تبلور ظاهرة (كمالية) جديدة أخرى تضاف إلى عملية انسلاخ جزء من جسم الأمة الإسلامية، كما حصل مع الدولة العثمانية التي أريد لها أن تنفصل عن محيطها الإسلامي يوماً لولا أن عاجلها (الانقلاب) الثوري الذي قاد إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي نعرفها والقائمة تدعياتها حتى لحظة كتابة مقالنا الراهن.
لقد كانت الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام المرجع هي العملية الجراحية القيصرية التي لابد منها لإعادة وصل ما انقطع من أواصر تلك (الهوية) بأقل الأثمان والتكاليف التي عرفتها الثورات في العالم.
من هنا يعتقد العارفون بأحوال وحيثيات التحول الإيراني الثوري بأنه بقدر ما كان الدين جزءاً رئيسياً وأساسياً من أجزاء المشروعية التي دافعت عنها الثورة ولا تزال فإن بعد الهوية لم يكن أقل أهمية من البعد الأول والذي من دونه قد يجعل المشروعية التاريخية للثورة في مهب الرياح العاتية التي كانت ولا تزال تحيط بالثورة من كل جانب، إنه البعد الذي حرصت قيادات الثورة منذ اليوم الأول ولاتزال تعض عليه بالنواجز لأنها تعرف بأن فقدانه أو تعرضه للاهتزاز من شأنه أن يعرض أصل الثورة للتهديد.
إنه الكفاح من أجل الدفاع عن الذات عن الانتماء وعن الهوية التي ترسم صورة البلاد والعباد الحقيقية، الكفاح الذي يكاد يلخص معركة الوجود مقابل اللاوجود. إنها معركة أن تكون أو لا تكون، معركة بناء الشخصية وترسيخ جذورها عميقاً في الأرض وفي التراب مقابل التعلق بأي قشرة ظاهرية من العالم الآخر القادم من بعيد في إطار سرقة الهوية أو استئصالها.
وفي هذه النقطة بالذات ثمة تقاطع رؤى عميق الجذور يصبح في لحظة تاريخية استثنائية أشبه بـ (تقاطع المصالح) بين مقولة الثورة الإسلامية الإيرانية المنبثقة من حركة التحرر الوطني الإيراني وبين مقولة الثورة الفلسطينية المنبثقة بدورها من حركة التحرر الوطني الفلسطينية.
وعند نقطة الالتقاء هذه يكاد يصبح الدفاع عن الثورة الفلسطينية ودعمها وإسنادها جزءاً لا يتجزأ من معركة الاستقلال الوطني الإيرانية نفسها، لا بل إن الأمر يتطور في لحظة زمنية معينة ليصبح جزءاً من مشروعية قيام الثورة والنظام الإسلامي المنبثق منها واستمرار بقائه.
في تلك اللحظة التاريخية يصبح المناضل الثوري الإيراني المدافع عن الحق الفلسطيني وكأنه يدافع عملياً عن مقولة الانتماء إلى هويته الوطنية والدينية المستلبة قبل أن يكون مدافعاً عن هوية خارجية، وبالتالي تراه يذهب بعيداً وعميقاً في هذا الدفاع إلى درجة التماهي مع مشروعية الدفاع والكفاح من أجل الاستقلال والحرية والتحرر لإيران نفسها من سلطة الاستعمار والهيمنة الامبريالية.
نعم لحظتها يصبح الكفاح الإنساني من أجل حق العودة للفلسطينيين والدفاع عن القدس الشريف وعن حق مقاومة الاحتلال، وكأنه صورة طبق الأصل إن لم تكن هي الأصل عن كفاح المناضل الإيراني من أجل استعادة الذات الإيرانية التاريخية المسلوبة وأيضاً الكفاح من أجل إعادة إحياء العالم الإسلامي المحاصر بقانون الغلبة الاستعماري ومن ثم إحياء دار الإسلام المقطعة الأوصال، بل حتى إلى درجة إحياء عصر الخلافة الأول.
في هذه اللحظة التاريخية ينشأ نوع من (وحدة حال) بين رواد حركة التحرر الوطني الإيرانية مع رواد حركة التحرر الوطني الفلسطينية، قاسمها المشترك وعنوانها العريض: (الهوية) المسلوبة أو المغتصبة.
قد يقول قائل هنا بأن مثل هذا الشعور قد ينطبق على أي شكل من أشكال المقارنة بين نضالات هذا القطر أو ذاك من أقطار العالم الإسلامي ونضالات الشعب الفلسطيني. وهذا صحيح جزئياً، لكن الميزة الخاصة التي تميز بها ولا يزال الثوار الإيرانيون في هذا السياق هو أنهم بنوا أساس كفاحهم التحرري على قاعدة إعادة تعريف إيران الوطن والبلد من جديد مما جعلهم يشعرون بوجود مقاربة أكثر خصوصية بينهم وبين الفلسطينيين أكثر من سائر إخوانهم المسلمين، وبتحديد أكثر هو كونهم كانوا ولا يزالون يقاتلون من أجل انتزاع اعتراف دولي بهويتهم الأصلية الحضارية والوجودية في ظل استنكاف قوى الهيمنة العالمية عن ذلك تماماً، كما هي الحال مع مهمة الاعتراف التي يسعى إليها الفلسطينيون.
هذا الاعتراف الذي لايزال الغرب الاستعماري يتمنع عن الإقرار والإذعان له مرة بحجة عدم مواءمته مع المعايير (المتعارف) عليها دولياً ومرة بذريعة (خروج) الطرف المعني هنا على الشرعية الدولية!
إنها المقارنة نفسها التي سبق للمناضل الإيراني أن عملها بينه وبين المناضل الجزائري أيام الكفاح الذي خاضته حركة التحرر الجزائرية من أجل تثبيت الجزائر عربية مسلمة أمام إصرار المستعمر الفرنسي وعناده على اعتبار الجزائر جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفرنسية!
إذاً المشكلة هنا تتجاوز ذلك التضامن التقليدي المعروف بين أبناء القومية الواحدة أو أبناء الدين الواحد أو أبناء التاريخ المشترك أو سائر مجالات الاشتراك المعروفة.
ثمة شعور داخلي عميق وغائر في أعماق ووجدان الشخصية الإيرانية المناضلة بالقهر والمعاناة تجاه تحريف أو سرقة الوجه الحقيقي لبلاده تدفعه وهو يكافح من أجل استعادة هوية إيران الحضارية والوطنية والدينية التي اختطفت لقرون لأن يتماهى على الدوام مع كل أشكال النضال ضد التمييز العنصري أو العرقي أو الطائفي أو القومي أو الديني فكيف به إذاً ما تكثف وصار يطال حق الوجود نفسه، كما هي الحال مع الفلسطيني، حيث يبرز في صورة إنكار الهوية الوجودية بكل أبعادها الانتمائية مهما ضاقت تلك الدائرة أو اتسعت قومياً أو دينياً أو حضارياً. إنه التعنت والإصرار على رفض وجود الشعب الفلسطيني مجرد الوجود لا في دائرة ترابه الوطني ولا في دائرة قومه ولا في دائرة دينه وهي المشكلة التي بدأت تطال نضالات شعوب المنطقة كلها من حيث انتمائها إلى عالم مترابط يحمل مضمون الانتماء الحضاري المتواصل عبر نسيج من المجتمعات الإسلامية التي باتت متقطعة الأوصال ولا يمكن قبولها من قبل قوى الهيمنة إلا في إطار ما صار يطلق عليه (الشرق الأوسط الكبير) حتى يضمن تعريفاً وجودياً ما للدويلة الصهيونية الغاصبة.
من هنا يمكن القول إن جامعاً مشتركاً عميقاً ورابطاً شعورياً خاصاً يجمع عملياً بين النخب الثورية الإيرانية والفلسطينية عنوانه العريض: الكفاح من أجل انتزاع الاعتراف بالوجود والانتماء من جانب ما بات يعرف بـ (المجتمع الدولي).
واستناداً إلى مثل هذا التحليل الآنف الذكر فقط والذي نظن أنه يلامس حقيقة الرؤى التي يحملها رواد حركة التحرر الإيراني الدينية إلى حد ما يمكننا أن نفهم وندرك هذا الإصرار والتشبث بالمواقف الصارمة والقاطعة التي تبديها القيادات السياسية التي تسلمت السلطة في إيران منذ قيام الثورة عام 1979 حتى تبني الموضوع الفلسطيني رغم كل التحولات التي طرأت على الملف المذكور، بالإضافة إلى التحول الذي طرأ على بعض القيادات الفلسطينية نفسها.
ذلك أن أي تردد أو تراجع من المواقف المعلنة من شأنه أن يصيب المشروعية التي قامت عليها الثورة الإسلامية نفسها في الصميم.
إنه إذن أبعد من مجرد التضامن أو التعاضد أو المساندة أو الدعم لحركة تحررية عادلة، إنه أشبه بالدفاع عن النفس والدفاع عن الذات وعن المشروعية التي قام عليها المشروع الإيراني نفسه عندما تراهم يدافعون عن القضية الفلسطينية وأصحابها ومناضليها.
بالدفاع عن أسوار القدس وبيت المقدس إنما هم يدافعون عن أسوار طهران وعن الأمن القومي والديني الإيراني في الصميم وليس عن أبواب القدس وبوابة صلاح الدين الأيوبي فحسب!
هذه هي الخلفية الحقيقية برأيي المتواضع للشعار العميق الذي رفعته القيادات الإيرانية ومعها الشعب الإيراني أوائل الثورة: (اليوم إيران وغداً فلسطين) وهذا هو العمق الحقيقي الذي يقف وراء مشروع (يوم القدس العالمي) وهو نفسه الذي يقف خلف كل المواقف التي توصف هذه الأيام بالمتشددة أو المتطرفة للرئيس أحمدي نجاد أو تلك التي تحملها الأيام المقبلة في أكناف المشروع الإيراني المكافح من أجل استقلال إيران وفلسطين معاً.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3173::/cck::
::introtext::

لا يختلف اثنان من المراقبين لأحوال حركة التحرر الإيرانية المعاصرة على أن من أهم عناصر نجاح الثورة في إيران في العام 1979 إنما يعود إلى البعد الديني الذي اتخذته هذه الحركة في العقدين الأخيرين اللذين سبقا قيام الثورة وإلى الفرادة النوعية التي تميز بها قائد هذه الثورة سواء من حيث مرجعيته الدينية التي خرجت على المألوف والتقليد أو من حيث خطابه الثوري الجهادي الذي بز فيه ألمع ثوار حركات التحرر المعاصرة التي كانت سائدة آنذاك.

::/introtext::
::fulltext::

لا يختلف اثنان من المراقبين لأحوال حركة التحرر الإيرانية المعاصرة على أن من أهم عناصر نجاح الثورة في إيران في العام 1979 إنما يعود إلى البعد الديني الذي اتخذته هذه الحركة في العقدين الأخيرين اللذين سبقا قيام الثورة وإلى الفرادة النوعية التي تميز بها قائد هذه الثورة سواء من حيث مرجعيته الدينية التي خرجت على المألوف والتقليد أو من حيث خطابه الثوري الجهادي الذي بز فيه ألمع ثوار حركات التحرر المعاصرة التي كانت سائدة آنذاك.
لكن ما لا يعرفه أحد ربما عن هذه الثورة وقادتها جيداً إلا اللهم من أهل المتابعة والاختصاص هو ذلك البعد الآخر الذي لا يقل أهمية عن البعد الأول ألا وهو البعد الخاص بـ (الهوية الانتمائية) إذا جاز لنا مثل هذا التعبير، أي الشعور المتراكم والمتجمع عبر الزمن الطويل لدى عامة الشعب الإيراني والنخب والقيادات الوطنية عامة والدينية منها على وجه الخصوص بأن ثمة ظلماً تاريخياً لحق بالأمة الإيرانية تكثفت أبعاده بشكل خاص في عهد الأسرة البهلوية كان قد دفع بإيران في أواخر عهد الأسرة البائدة إلى نوع من الانقطاع عن سياقها الوجودي والتاريخي والجيوسياسي كاد أن يرمي بها بكل قوة باتجاه خيار الفصل والقطع النهائي عن محيطها الإسلامي الطبيعي وعالم الشرق الذي تنتمي إليه صانعا منها أشبه بـ (الجزيرة) المنعزلة المنسلخة عن الجسم الرئيسي المحيط، في الوقت نفسه الذي كادت أن تظهر فيه، وكأنها تنتمي إلى عالم آخر هو في تضاد وتخاصم جوهري وتاريخي مع تربتها ألا وهو عالم الغرب الاستعماري بمفهومه السياسي والفكري المعروف.
إنها الحيثيات التي كادت أن تفضي كما هو معروف إلى تبلور ظاهرة (كمالية) جديدة أخرى تضاف إلى عملية انسلاخ جزء من جسم الأمة الإسلامية، كما حصل مع الدولة العثمانية التي أريد لها أن تنفصل عن محيطها الإسلامي يوماً لولا أن عاجلها (الانقلاب) الثوري الذي قاد إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي نعرفها والقائمة تدعياتها حتى لحظة كتابة مقالنا الراهن.
لقد كانت الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام المرجع هي العملية الجراحية القيصرية التي لابد منها لإعادة وصل ما انقطع من أواصر تلك (الهوية) بأقل الأثمان والتكاليف التي عرفتها الثورات في العالم.
من هنا يعتقد العارفون بأحوال وحيثيات التحول الإيراني الثوري بأنه بقدر ما كان الدين جزءاً رئيسياً وأساسياً من أجزاء المشروعية التي دافعت عنها الثورة ولا تزال فإن بعد الهوية لم يكن أقل أهمية من البعد الأول والذي من دونه قد يجعل المشروعية التاريخية للثورة في مهب الرياح العاتية التي كانت ولا تزال تحيط بالثورة من كل جانب، إنه البعد الذي حرصت قيادات الثورة منذ اليوم الأول ولاتزال تعض عليه بالنواجز لأنها تعرف بأن فقدانه أو تعرضه للاهتزاز من شأنه أن يعرض أصل الثورة للتهديد.
إنه الكفاح من أجل الدفاع عن الذات عن الانتماء وعن الهوية التي ترسم صورة البلاد والعباد الحقيقية، الكفاح الذي يكاد يلخص معركة الوجود مقابل اللاوجود. إنها معركة أن تكون أو لا تكون، معركة بناء الشخصية وترسيخ جذورها عميقاً في الأرض وفي التراب مقابل التعلق بأي قشرة ظاهرية من العالم الآخر القادم من بعيد في إطار سرقة الهوية أو استئصالها.
وفي هذه النقطة بالذات ثمة تقاطع رؤى عميق الجذور يصبح في لحظة تاريخية استثنائية أشبه بـ (تقاطع المصالح) بين مقولة الثورة الإسلامية الإيرانية المنبثقة من حركة التحرر الوطني الإيراني وبين مقولة الثورة الفلسطينية المنبثقة بدورها من حركة التحرر الوطني الفلسطينية.
وعند نقطة الالتقاء هذه يكاد يصبح الدفاع عن الثورة الفلسطينية ودعمها وإسنادها جزءاً لا يتجزأ من معركة الاستقلال الوطني الإيرانية نفسها، لا بل إن الأمر يتطور في لحظة زمنية معينة ليصبح جزءاً من مشروعية قيام الثورة والنظام الإسلامي المنبثق منها واستمرار بقائه.
في تلك اللحظة التاريخية يصبح المناضل الثوري الإيراني المدافع عن الحق الفلسطيني وكأنه يدافع عملياً عن مقولة الانتماء إلى هويته الوطنية والدينية المستلبة قبل أن يكون مدافعاً عن هوية خارجية، وبالتالي تراه يذهب بعيداً وعميقاً في هذا الدفاع إلى درجة التماهي مع مشروعية الدفاع والكفاح من أجل الاستقلال والحرية والتحرر لإيران نفسها من سلطة الاستعمار والهيمنة الامبريالية.
نعم لحظتها يصبح الكفاح الإنساني من أجل حق العودة للفلسطينيين والدفاع عن القدس الشريف وعن حق مقاومة الاحتلال، وكأنه صورة طبق الأصل إن لم تكن هي الأصل عن كفاح المناضل الإيراني من أجل استعادة الذات الإيرانية التاريخية المسلوبة وأيضاً الكفاح من أجل إعادة إحياء العالم الإسلامي المحاصر بقانون الغلبة الاستعماري ومن ثم إحياء دار الإسلام المقطعة الأوصال، بل حتى إلى درجة إحياء عصر الخلافة الأول.
في هذه اللحظة التاريخية ينشأ نوع من (وحدة حال) بين رواد حركة التحرر الوطني الإيرانية مع رواد حركة التحرر الوطني الفلسطينية، قاسمها المشترك وعنوانها العريض: (الهوية) المسلوبة أو المغتصبة.
قد يقول قائل هنا بأن مثل هذا الشعور قد ينطبق على أي شكل من أشكال المقارنة بين نضالات هذا القطر أو ذاك من أقطار العالم الإسلامي ونضالات الشعب الفلسطيني. وهذا صحيح جزئياً، لكن الميزة الخاصة التي تميز بها ولا يزال الثوار الإيرانيون في هذا السياق هو أنهم بنوا أساس كفاحهم التحرري على قاعدة إعادة تعريف إيران الوطن والبلد من جديد مما جعلهم يشعرون بوجود مقاربة أكثر خصوصية بينهم وبين الفلسطينيين أكثر من سائر إخوانهم المسلمين، وبتحديد أكثر هو كونهم كانوا ولا يزالون يقاتلون من أجل انتزاع اعتراف دولي بهويتهم الأصلية الحضارية والوجودية في ظل استنكاف قوى الهيمنة العالمية عن ذلك تماماً، كما هي الحال مع مهمة الاعتراف التي يسعى إليها الفلسطينيون.
هذا الاعتراف الذي لايزال الغرب الاستعماري يتمنع عن الإقرار والإذعان له مرة بحجة عدم مواءمته مع المعايير (المتعارف) عليها دولياً ومرة بذريعة (خروج) الطرف المعني هنا على الشرعية الدولية!
إنها المقارنة نفسها التي سبق للمناضل الإيراني أن عملها بينه وبين المناضل الجزائري أيام الكفاح الذي خاضته حركة التحرر الجزائرية من أجل تثبيت الجزائر عربية مسلمة أمام إصرار المستعمر الفرنسي وعناده على اعتبار الجزائر جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفرنسية!
إذاً المشكلة هنا تتجاوز ذلك التضامن التقليدي المعروف بين أبناء القومية الواحدة أو أبناء الدين الواحد أو أبناء التاريخ المشترك أو سائر مجالات الاشتراك المعروفة.
ثمة شعور داخلي عميق وغائر في أعماق ووجدان الشخصية الإيرانية المناضلة بالقهر والمعاناة تجاه تحريف أو سرقة الوجه الحقيقي لبلاده تدفعه وهو يكافح من أجل استعادة هوية إيران الحضارية والوطنية والدينية التي اختطفت لقرون لأن يتماهى على الدوام مع كل أشكال النضال ضد التمييز العنصري أو العرقي أو الطائفي أو القومي أو الديني فكيف به إذاً ما تكثف وصار يطال حق الوجود نفسه، كما هي الحال مع الفلسطيني، حيث يبرز في صورة إنكار الهوية الوجودية بكل أبعادها الانتمائية مهما ضاقت تلك الدائرة أو اتسعت قومياً أو دينياً أو حضارياً. إنه التعنت والإصرار على رفض وجود الشعب الفلسطيني مجرد الوجود لا في دائرة ترابه الوطني ولا في دائرة قومه ولا في دائرة دينه وهي المشكلة التي بدأت تطال نضالات شعوب المنطقة كلها من حيث انتمائها إلى عالم مترابط يحمل مضمون الانتماء الحضاري المتواصل عبر نسيج من المجتمعات الإسلامية التي باتت متقطعة الأوصال ولا يمكن قبولها من قبل قوى الهيمنة إلا في إطار ما صار يطلق عليه (الشرق الأوسط الكبير) حتى يضمن تعريفاً وجودياً ما للدويلة الصهيونية الغاصبة.
من هنا يمكن القول إن جامعاً مشتركاً عميقاً ورابطاً شعورياً خاصاً يجمع عملياً بين النخب الثورية الإيرانية والفلسطينية عنوانه العريض: الكفاح من أجل انتزاع الاعتراف بالوجود والانتماء من جانب ما بات يعرف بـ (المجتمع الدولي).
واستناداً إلى مثل هذا التحليل الآنف الذكر فقط والذي نظن أنه يلامس حقيقة الرؤى التي يحملها رواد حركة التحرر الإيراني الدينية إلى حد ما يمكننا أن نفهم وندرك هذا الإصرار والتشبث بالمواقف الصارمة والقاطعة التي تبديها القيادات السياسية التي تسلمت السلطة في إيران منذ قيام الثورة عام 1979 حتى تبني الموضوع الفلسطيني رغم كل التحولات التي طرأت على الملف المذكور، بالإضافة إلى التحول الذي طرأ على بعض القيادات الفلسطينية نفسها.
ذلك أن أي تردد أو تراجع من المواقف المعلنة من شأنه أن يصيب المشروعية التي قامت عليها الثورة الإسلامية نفسها في الصميم.
إنه إذن أبعد من مجرد التضامن أو التعاضد أو المساندة أو الدعم لحركة تحررية عادلة، إنه أشبه بالدفاع عن النفس والدفاع عن الذات وعن المشروعية التي قام عليها المشروع الإيراني نفسه عندما تراهم يدافعون عن القضية الفلسطينية وأصحابها ومناضليها.
بالدفاع عن أسوار القدس وبيت المقدس إنما هم يدافعون عن أسوار طهران وعن الأمن القومي والديني الإيراني في الصميم وليس عن أبواب القدس وبوابة صلاح الدين الأيوبي فحسب!
هذه هي الخلفية الحقيقية برأيي المتواضع للشعار العميق الذي رفعته القيادات الإيرانية ومعها الشعب الإيراني أوائل الثورة: (اليوم إيران وغداً فلسطين) وهذا هو العمق الحقيقي الذي يقف وراء مشروع (يوم القدس العالمي) وهو نفسه الذي يقف خلف كل المواقف التي توصف هذه الأيام بالمتشددة أو المتطرفة للرئيس أحمدي نجاد أو تلك التي تحملها الأيام المقبلة في أكناف المشروع الإيراني المكافح من أجل استقلال إيران وفلسطين معاً.

::/fulltext::
::cck::3173::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *