واقع الجامعات الخليجية وآفاق المستقبل لمجلس التعاون الخليجي
::cck::3257::/cck::
::introtext::
التنافس على صدارة سلم القوى العالمي بين الدول في النظام الدولي الحالي لا يتوقف على ما تملكه الدول من أسلحة وقوة عسكرية، بل يعتمد أساساً على مدى قدرتها على توظيف العلم في خدمة الإنسان. فإذا كانت الدول تمتلك إنساناً متعلماً ومتسلحاً بتقنيات المعرفة فإن ذلك سيمكنها من الولوج لنظام العولمة الذي يلف بألوان أطيافه المتعددة على المجموعة الدولية. لذا فإن الاستثمار في العلم والإنسان لا بد أن يعبر عن مصداقية رغبة الحكومات الخليجية في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية المنشودة. وباعتباره الخلية الأولى لمجتمعات مجلس التعاون فإن النهوض بالإنسان الخليجي يعد من الأركان الأساسية لتحقيق الأهداف التعاونية والتنموية للدول الأعضاء. ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى التعليم، خاصة في المستوى العالي، في إطار منظومة التعاون الخليجي كونه يمثل حاجة أساسية لتحقيق الهدفين الرئيسيين اللذين عبر عنهما القادة على طوال ربع القرن الماضي، والتي تختزل في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية. ومن هنا فهذه المقالة تعالج التعليم الجامعي في الخليج من منطلق الجودة التي لابد أن تكون منسجمة مع متطلبات القيم الفلسفية العصرية للتعليم العالي، علاوة على بحث مدى مساهمة الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا في إيجاد الأرضية الخصبة للوحدة بين أبناء وحكومات الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
التنافس على صدارة سلم القوى العالمي بين الدول في النظام الدولي الحالي لا يتوقف على ما تملكه الدول من أسلحة وقوة عسكرية، بل يعتمد أساساً على مدى قدرتها على توظيف العلم في خدمة الإنسان. فإذا كانت الدول تمتلك إنساناً متعلماً ومتسلحاً بتقنيات المعرفة فإن ذلك سيمكنها من الولوج لنظام العولمة الذي يلف بألوان أطيافه المتعددة على المجموعة الدولية. لذا فإن الاستثمار في العلم والإنسان لا بد أن يعبر عن مصداقية رغبة الحكومات الخليجية في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية المنشودة. وباعتباره الخلية الأولى لمجتمعات مجلس التعاون فإن النهوض بالإنسان الخليجي يعد من الأركان الأساسية لتحقيق الأهداف التعاونية والتنموية للدول الأعضاء. ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى التعليم، خاصة في المستوى العالي، في إطار منظومة التعاون الخليجي كونه يمثل حاجة أساسية لتحقيق الهدفين الرئيسيين اللذين عبر عنهما القادة على طوال ربع القرن الماضي، والتي تختزل في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية. ومن هنا فهذه المقالة تعالج التعليم الجامعي في الخليج من منطلق الجودة التي لابد أن تكون منسجمة مع متطلبات القيم الفلسفية العصرية للتعليم العالي، علاوة على بحث مدى مساهمة الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا في إيجاد الأرضية الخصبة للوحدة بين أبناء وحكومات الخليج.
فعلى المستوى الإجرائي، فإن التعليم العالي في معظمه إن لم يكن في أغلب الجامعات الخليجية يعتبر متواضعاً مقارنة بالجامعات العالمية المرموقة وحتى قياساً ببعض جامعات دول العالم الثالث التي تتماثل وإمكاناتها القومية معنا مثل سنغافورة وماليزيا وغيرهما. فحتى الآن تعاني معظم الجامعات الخليجية من نقص في كوادرها التدريسية والبحثية، وهذا يتضح بجلاء في عدد أعضاء هيئة التدريس من الجنسيات الخليجية مقارنة بالوافدين، وقلة عدد براءات الاختراع التي أنتجتها الجامعات الخليجية والتي تعكس مستوى الأبحاث ونوعية وعدد الكتب التدريسية المؤلفة من أعضاء هيئة التدريس الخليجيين المنضمين إلى هذه الجامعات. ومن جانب آخر، نجد أن أغلب الجامعات الخليجية متخلفة من حيث الجاهزية مقارنة بمستوى الجامعات العالمية وبما تملكه الدول الخليجية من مصادر مالية ضخمة. فعلى سبيل المثال نجد أن جامعة الكويت التي تأسست في عام 1966، أي قبل أربعين عاماً لا تمتلك حتى حينه منشأة متكاملة، حيث تتناثر كلياتها على خمس مناطق تقريباً. كما أن المباني الجديدة التي تم إنشاؤها في منطقة الشويخ تحديداً خلال الثلاث سنوات الماضية تبقى هياكل ذات مظهر خارجي مقبول إلى حد ما، لكنها دون المستوى من حيث جاهزية الفصول الدراسية، فضلاً عن افتقارها إلى الحد الأدنى من التجهيزات التقنية والفنية المساعدة.
وحتى على المستوى الفلسفي، فإن بعض الجامعات الأخرى في الخليج تبقى وكأنها منشآت تعليمية صامتة لا روح فيها مثلما هو عليه الحال في العديد من الجامعات العالمية المرموقة التي تزدهر بعدد كبير من الأنشطة والمكتبات وباحات العروض المفتوحة والمغلقة والأنشطة الأكاديمية والاجتماعية والرياضية وما سوى ذلك من تعددية للإبداعات التي لا تجعل الطالب أو عضو هيئة التدريس منفكا عن بيئته وكأنها ساحة عمل تحدد نطاقها ساعات مشحونة بالتدريس التقليدي. ومن أبسط الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها هو بناء الأسوار التي تتمتع بها الجامعات الخليجية والتي لا نجدها في نظيراتها من الجامعات المرموقة، في حين إن السور المحيط في الجامعات الخليجية هو بناء يهدف إلى منع المتسللين إليها نجده منعدم الوجود في الجامعات العلمية الأخرى تقريباً. وعلى ما يبدو أنه لم يتبادر إلى ذهن أغلب المصممين الهندسيين لجامعاتنا بأنه ولعدم وجود الأسوار في هذه المنشآت رمزية معينة تتمثل بفسحة نطاق الحريات من جهة وقدسية المكان من جهة ثانية. فالجامعات الباحثة عن الحقيقة هي بذاتها حقيقة قائمة بالأصل ضد مفهوم السور الهادف إلى المنع والحجب. وإن كان ذلك المفهوم غير حاضر في ذهن القائمين على الجامعات فهو يشكل عقبة في الاستدلال على بقية المفاهيم الأخرى للجامعات. وعلى صعيد آخر، نجد أن فلسفة التعليم لدينا تتجه إلى رهن التخصصات بسوق العمل بينما هو أمر مفصول تماماً في مثيلاتها بالدول المتطورة، حيث إن التخصص مرهون بالرغبة بالعلم وعدم تركه مرتهنا (بسلعنة) المجتمع، وإن كانت الدعاية الرأسمالية تتجه نحو تحفيز التعليم في اتجاه معين لكنها لم تقفل تخصصاً واحداً بل إنها على العكس ساهمت في تعزيز مكانة التخصصات التي تتصل بسوق العمل وهو أحد أسباب التفوق العلمي في شتى التخصصات. والفكرة الرئيسية من هذا الاتجاه العام هي التحرر من قيود الاستهلاكية إلى فسح الإنتاجية، فالجامعات ليست دوراً للاستهلاك وإنما مصانع للإنتاج. ومن هاتين الإشارتين الصغيرتين يتجلى لنا مدى اتساع الفجوة في المنظور العملي لرؤيتنا للجامعات التي تقيس بها مسيرتنا الأكاديمية و بين ما هو واقع الجامعات ذات المكانة العالمية التي نود أن نكون مثلها. إذاً هناك خلل في المنظور الخليجي الذي يتشابه مع معظم ما هو كائن في جامعات دول العالم الثالث، وبالتالي فإذا أردنا أن نعالج واقعنا التعليمي فيتعين إجراء تعديل منهجي وبنيوي في هذا المنظور الذي يشكل البنية التحتية الحقيقية لتشييد جامعات نأمل بأن يكون لها دورها ورونقها ومساهمتها.
إن أول ما يمكن البدء به لتقويم مؤسسات التعليم العالي هو ضرورة تكاملية النواحي الإنشائية – الإجرائية – والقواعد الفلسفية التي تقوم على أساسها الجامعات. ومن تلقائية هذا التكامل تنجح النظرة العملية في توحيد المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الجامعات وتطلعات المجتمعات الناشئة فيها والتي لا بد أنها تختلج بالتراث الحضاري والواقع السياسي والأنساق الاجتماعية القائمة، دون أن تطغى الثانية على الأولى. فمن غير المقبول أن تصمم الجامعات وفقاً لمقاسات الحاجات المجتمعية أو السياسية من دون الأخذ بالمفاهيم الرئيسية للجامعة. فمن الاسم (جامعة) أو “University” تظهر العديد من المتبنيات الرئيسية مثل الحريات والمساواة والتعددية والعدالة، بالإضافة إلى انتفاء حتميات المكان والزمان المتغيرة حتى لا يختزل دور ونطاق أهداف الجامعات في داخل أسوارها الإسمنتية.
بمعنى آخر، لا بد من الاعتناء بإصلاح وتطوير البنية التحتية الفلسفية للتعليم العالي – سواء كانت جامعات أو أي مؤسسات تعليمية عليا – لتستوعب المفاهيم الأساسية المشار إليها سابقاً، قبل الاعتناء بالتصاميم الهندسية والأبنية لكي تكون له روح لا جسد فقط. وبعد ذلك يتسنى لمؤسسات التعليم العالي النهوض بدورها بشكل يحاكي تطلعات المجتمع والدولة. ومن الناحية الواقعية نعتقد بأن مؤسساتنا التعليمية العليا وجامعاتنا في دول مجلس التعاون تحتاج إلى إعادة صياغة لفلسفتها وإحياء حقيقي لروح القيم العليا ومن ثم إلباسها بثياب الأبنية، وتزويدها بالكوادر الفنية والتقنية والفكرية بموضوعية فائقة منسجمة مع تلك القيم، بعد ذلك يمكن لهذه المؤسسات النهوض والمساهمة في تحقيق الأهداف التي ينشدها المجتمع، وتحاول الدول ترجمتها في الواقع. إذاً فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في بعض الظواهر مثل افتقار بعض الإنشاءات للجاهزية التعليمية ولا في الافتقار إلى عدد أعضاء هيئة التدريس المؤهلين، وليست المشكلة عدم وجود الابتكار والإبداع وبراءات الاختراع، بل إن مرجعية المشكلات، بتقديري الخاص، تتجسد في عدم استيعاب مؤسسات التعليم العالي ومنها جامعاتنا في الخليج للمضامين الحقيقية لقيم فلسفة التعليم، والتي منها قيم مثل التعددية والنقد والمساواة والمعيارية والعدالة والحرية.
ونظراً لتلك الاختلالات البائنة في منظومة القيم المشار إليها تطفو على السطح في أغلب إن لم نقل كل جامعاتنا، على سبيل المثال لا الحصر، مشكلات الانتقائية في تعيينات الطاقم العلمي بناء على مقاربات فكرية أو اجتماعية بائدة أو عنصرية تظهرها تلاوين اللوحة الباهتة للجامعات الممتلئة بالمعايير المزدوجة. وكذلك الحال بالنسبة للمشكلات الأخرى المتعلقة بكيفية إدارة هذه المؤسسات التي تعكس نفسها في شكل قوالب لأمراض متأصلة في البحوث المتدنية المستوى لا الدراسات الأصلية، كما تتفشى فيها آفات التناحر والتهميش لا التنافس والتعاون بين المنتمين للهيئات التعليمية. وبالمحصلة النهائية ونتيجة لتلك المشكلات تبتعد مؤسسات التعليم العالي عن دورها في تنمية الإنسان والجماعة والدولة مما جعلها مجرد دور علم صامت لا تتجاوز منتجاته أوراقاً على شكل شهادات لتخريج أناس باحثين عن عمل فحسب. في حين إن هذه المؤسسات لابد أن يكون صوتها عالياً تردد أصداؤه بحيث يخلق حالة إبداعية في شكل مصفوفة إنسانية عامة تصل لكل إنسان يعيش على هذه البسيطة، وتقترن أيضاً بالمرتهنات الخاصة للإنسان الخليجي الذي ينتهي إلى أرضه وينشد خصوصية تطلعات مجتمعه ودوله التي تزدهر فيها تلك المؤسسات.
وإذا أردنا أن ننتقل من المجرد إلى الملموس، فإننا نستطيع القول إن الخطوة الأولى لكي يتسنى لجامعاتنا أن تساهم في تحقيق الوحدة والتنمية التي ينشدها الجميع يجب أن تبدأ بثبات على أرضية صلبة من القيم الفلسفية التي أشرنا إليها بعيداً عن الحساسية السياسية المفرطة للحكومات التي تجعلها ترصد الكتاب والبحث والقول، وبعيدة أيضاً عن الحسابات السياسية للجماعات المنظمة وغير المنظمة التي تنظر في أحيان كثيرة للمنتجات الإبداعية وكأنها بدع تستحق الإخراج من الملة. فلا يمكن لجامعاتنا أن تسهم في تنمية أنشطة المجتمع والدولة دون أن يكون فكر المنتمي إليها طليقاً للنقد في ساحة الحرية الأكاديمية التي يحتاجها كل عالم مبدع، فيعبر عن رأيه بصراحة وعلمية عن كافة المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من قضايا تلتف بمجتمعاتنا الصغيرة في كل يوم. إن مشكلة بعضنا أو أغلبنا في مؤسسات الخليج العليا للتعليم هي أننا لا نستطيع أن نعبر بعلمية وبصراحة عن حقائقنا الماثلة بينما نتوق بشراهة لما يكتبه نظيرنا بجامعة أمريكية أو أوروبية، ونجس نبض حقيقة ما إن كانت قاصرة أو مشبوهة لأننا لا نستطيع قولها تماماً لأنها لنا بمثابة الخشية من البوح بسر لجماعة منغلقة أكثر منه خوف من شرطي يقوم بعمله.
وحتى تكون جامعاتنا الخليجية مبادرات علمية وواقعية في اتجاه أهداف مجلس التعاون وبوجه خاص التنمية والوحدة فإنه لابد من إرخاء الحبال التي تقيدها في حدود موانئ الحكومات لتمخر من بحور دول الخليج الست لتتمكن بعد ذلك من جلب لآلئ الخير وتعقده مع بعضها البعض لتصنع حلية الوحدة والتنمية. وذلك القول ليس إسهاباً في خيال المفردات لمزينة أو رمزية توحي بشيء ما، وإنما تقريب لمشهد منشود لكل طالب علم في إحدى جامعاتنا التي لا تزال تنتظر من يرخي له الحبال. إن جامعاتنا بما تكتنزه من مدخرات بشرية يافعة من أبناء دول مجلس التعاون تستطيع أن تلعب دوراً وظيفياً في التعاون الحقيقي غير المسيس الذي يمهد للتعاون الأعلى بين الحكومات. فمن خلال تطوير برامج الاندماج التعليمي الذي يعبر إلى الوجود من خلال الالتقاء النوعي في أبنية ومناهج التعليم يمكن أن يسهم في تشجيع القطاعات الأخرى لذات المسلك. وإذا ما تم ذلك وعم بفائدته على شعوب المنطقة وخاصة الشرائح المتعلمة فلا مندوحة من مساهمته في ترسيخ المفهوم القيمي والنفعي للوحدة الخليجية. كما أن ترتيب هذه البرامج إذا تم في نسق الوحدة سيسقي شجرة التنمية المستدامة من خلال تغذية مثمرة تواكب حاجة المجتمع والدولة معاً. فعلى سبيل المثال لو شعر الطالب السعودي بأنه يستطيع أن ينتظم في مقرر ما في جامعة قطر أو البحرين لسبب أو لآخر دون عقبات، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الطلاب الإماراتيين أو العمانيبين فإن ذلك سيعكس تجربة جريئة وناجحة تتبعها تجربة أكثر جرأة ونجاحاً منها في قطاع آخر. وهكذا كانت التجربة في إطار الاتحاد الأوروبي حيث تم الابتداء من غير السياسي إلى السياسي، ومن خلال الأدنى إلى الأعلى فنسيت شعوب أوروبا أهوال حروب الثلاثمائة عام وما بثته من سموم العنصرية والفرقة بينهم ليتكوروا حول اتحادهم الذي زين لهم بواقعيته ومنهجيته فسحة الأمل بمنافع التعاون والسلام والاحترام الدولي.
وأخيراً يمكننا القول دون تردد إن تردي التعليم في دول الخليج عن الطموح واتساع البون بينه وبين مقولات مجلس التعاون الوحدوية راجع أساساً للفراغ الفلسفي الذي تتسيد عليه الجامعات الراقية. فإن استطعنا إنشاء الأبنية الفلسفية في جامعاتنا فإننا في منطقة النفط سنتحول في يوم من الأيام إلى شيء له قدرته وقوته في تحريك طاقة الإنسان بشكل أكثر مما يحرك الآلة والمصنع. ومن هذا المنطلق فإن الدور الحقيقي لجامعاتنا في آفاق مستقبلنا الخليجي هو الانشغال في مشروع بناء الإنسان، ولا أعرف سبيلا آخر لتشغيل ذلك المشروع الواعد الرائد إلا من خلال الإنسان نفسه شريطة أن يكون إنساناً بمعنى الكلمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3257::/cck::
::introtext::
التنافس على صدارة سلم القوى العالمي بين الدول في النظام الدولي الحالي لا يتوقف على ما تملكه الدول من أسلحة وقوة عسكرية، بل يعتمد أساساً على مدى قدرتها على توظيف العلم في خدمة الإنسان. فإذا كانت الدول تمتلك إنساناً متعلماً ومتسلحاً بتقنيات المعرفة فإن ذلك سيمكنها من الولوج لنظام العولمة الذي يلف بألوان أطيافه المتعددة على المجموعة الدولية. لذا فإن الاستثمار في العلم والإنسان لا بد أن يعبر عن مصداقية رغبة الحكومات الخليجية في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية المنشودة. وباعتباره الخلية الأولى لمجتمعات مجلس التعاون فإن النهوض بالإنسان الخليجي يعد من الأركان الأساسية لتحقيق الأهداف التعاونية والتنموية للدول الأعضاء. ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى التعليم، خاصة في المستوى العالي، في إطار منظومة التعاون الخليجي كونه يمثل حاجة أساسية لتحقيق الهدفين الرئيسيين اللذين عبر عنهما القادة على طوال ربع القرن الماضي، والتي تختزل في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية. ومن هنا فهذه المقالة تعالج التعليم الجامعي في الخليج من منطلق الجودة التي لابد أن تكون منسجمة مع متطلبات القيم الفلسفية العصرية للتعليم العالي، علاوة على بحث مدى مساهمة الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا في إيجاد الأرضية الخصبة للوحدة بين أبناء وحكومات الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
التنافس على صدارة سلم القوى العالمي بين الدول في النظام الدولي الحالي لا يتوقف على ما تملكه الدول من أسلحة وقوة عسكرية، بل يعتمد أساساً على مدى قدرتها على توظيف العلم في خدمة الإنسان. فإذا كانت الدول تمتلك إنساناً متعلماً ومتسلحاً بتقنيات المعرفة فإن ذلك سيمكنها من الولوج لنظام العولمة الذي يلف بألوان أطيافه المتعددة على المجموعة الدولية. لذا فإن الاستثمار في العلم والإنسان لا بد أن يعبر عن مصداقية رغبة الحكومات الخليجية في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية المنشودة. وباعتباره الخلية الأولى لمجتمعات مجلس التعاون فإن النهوض بالإنسان الخليجي يعد من الأركان الأساسية لتحقيق الأهداف التعاونية والتنموية للدول الأعضاء. ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى التعليم، خاصة في المستوى العالي، في إطار منظومة التعاون الخليجي كونه يمثل حاجة أساسية لتحقيق الهدفين الرئيسيين اللذين عبر عنهما القادة على طوال ربع القرن الماضي، والتي تختزل في تحقيق التنمية والوحدة الخليجية. ومن هنا فهذه المقالة تعالج التعليم الجامعي في الخليج من منطلق الجودة التي لابد أن تكون منسجمة مع متطلبات القيم الفلسفية العصرية للتعليم العالي، علاوة على بحث مدى مساهمة الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا في إيجاد الأرضية الخصبة للوحدة بين أبناء وحكومات الخليج.
فعلى المستوى الإجرائي، فإن التعليم العالي في معظمه إن لم يكن في أغلب الجامعات الخليجية يعتبر متواضعاً مقارنة بالجامعات العالمية المرموقة وحتى قياساً ببعض جامعات دول العالم الثالث التي تتماثل وإمكاناتها القومية معنا مثل سنغافورة وماليزيا وغيرهما. فحتى الآن تعاني معظم الجامعات الخليجية من نقص في كوادرها التدريسية والبحثية، وهذا يتضح بجلاء في عدد أعضاء هيئة التدريس من الجنسيات الخليجية مقارنة بالوافدين، وقلة عدد براءات الاختراع التي أنتجتها الجامعات الخليجية والتي تعكس مستوى الأبحاث ونوعية وعدد الكتب التدريسية المؤلفة من أعضاء هيئة التدريس الخليجيين المنضمين إلى هذه الجامعات. ومن جانب آخر، نجد أن أغلب الجامعات الخليجية متخلفة من حيث الجاهزية مقارنة بمستوى الجامعات العالمية وبما تملكه الدول الخليجية من مصادر مالية ضخمة. فعلى سبيل المثال نجد أن جامعة الكويت التي تأسست في عام 1966، أي قبل أربعين عاماً لا تمتلك حتى حينه منشأة متكاملة، حيث تتناثر كلياتها على خمس مناطق تقريباً. كما أن المباني الجديدة التي تم إنشاؤها في منطقة الشويخ تحديداً خلال الثلاث سنوات الماضية تبقى هياكل ذات مظهر خارجي مقبول إلى حد ما، لكنها دون المستوى من حيث جاهزية الفصول الدراسية، فضلاً عن افتقارها إلى الحد الأدنى من التجهيزات التقنية والفنية المساعدة.
وحتى على المستوى الفلسفي، فإن بعض الجامعات الأخرى في الخليج تبقى وكأنها منشآت تعليمية صامتة لا روح فيها مثلما هو عليه الحال في العديد من الجامعات العالمية المرموقة التي تزدهر بعدد كبير من الأنشطة والمكتبات وباحات العروض المفتوحة والمغلقة والأنشطة الأكاديمية والاجتماعية والرياضية وما سوى ذلك من تعددية للإبداعات التي لا تجعل الطالب أو عضو هيئة التدريس منفكا عن بيئته وكأنها ساحة عمل تحدد نطاقها ساعات مشحونة بالتدريس التقليدي. ومن أبسط الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها هو بناء الأسوار التي تتمتع بها الجامعات الخليجية والتي لا نجدها في نظيراتها من الجامعات المرموقة، في حين إن السور المحيط في الجامعات الخليجية هو بناء يهدف إلى منع المتسللين إليها نجده منعدم الوجود في الجامعات العلمية الأخرى تقريباً. وعلى ما يبدو أنه لم يتبادر إلى ذهن أغلب المصممين الهندسيين لجامعاتنا بأنه ولعدم وجود الأسوار في هذه المنشآت رمزية معينة تتمثل بفسحة نطاق الحريات من جهة وقدسية المكان من جهة ثانية. فالجامعات الباحثة عن الحقيقة هي بذاتها حقيقة قائمة بالأصل ضد مفهوم السور الهادف إلى المنع والحجب. وإن كان ذلك المفهوم غير حاضر في ذهن القائمين على الجامعات فهو يشكل عقبة في الاستدلال على بقية المفاهيم الأخرى للجامعات. وعلى صعيد آخر، نجد أن فلسفة التعليم لدينا تتجه إلى رهن التخصصات بسوق العمل بينما هو أمر مفصول تماماً في مثيلاتها بالدول المتطورة، حيث إن التخصص مرهون بالرغبة بالعلم وعدم تركه مرتهنا (بسلعنة) المجتمع، وإن كانت الدعاية الرأسمالية تتجه نحو تحفيز التعليم في اتجاه معين لكنها لم تقفل تخصصاً واحداً بل إنها على العكس ساهمت في تعزيز مكانة التخصصات التي تتصل بسوق العمل وهو أحد أسباب التفوق العلمي في شتى التخصصات. والفكرة الرئيسية من هذا الاتجاه العام هي التحرر من قيود الاستهلاكية إلى فسح الإنتاجية، فالجامعات ليست دوراً للاستهلاك وإنما مصانع للإنتاج. ومن هاتين الإشارتين الصغيرتين يتجلى لنا مدى اتساع الفجوة في المنظور العملي لرؤيتنا للجامعات التي تقيس بها مسيرتنا الأكاديمية و بين ما هو واقع الجامعات ذات المكانة العالمية التي نود أن نكون مثلها. إذاً هناك خلل في المنظور الخليجي الذي يتشابه مع معظم ما هو كائن في جامعات دول العالم الثالث، وبالتالي فإذا أردنا أن نعالج واقعنا التعليمي فيتعين إجراء تعديل منهجي وبنيوي في هذا المنظور الذي يشكل البنية التحتية الحقيقية لتشييد جامعات نأمل بأن يكون لها دورها ورونقها ومساهمتها.
إن أول ما يمكن البدء به لتقويم مؤسسات التعليم العالي هو ضرورة تكاملية النواحي الإنشائية – الإجرائية – والقواعد الفلسفية التي تقوم على أساسها الجامعات. ومن تلقائية هذا التكامل تنجح النظرة العملية في توحيد المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الجامعات وتطلعات المجتمعات الناشئة فيها والتي لا بد أنها تختلج بالتراث الحضاري والواقع السياسي والأنساق الاجتماعية القائمة، دون أن تطغى الثانية على الأولى. فمن غير المقبول أن تصمم الجامعات وفقاً لمقاسات الحاجات المجتمعية أو السياسية من دون الأخذ بالمفاهيم الرئيسية للجامعة. فمن الاسم (جامعة) أو “University” تظهر العديد من المتبنيات الرئيسية مثل الحريات والمساواة والتعددية والعدالة، بالإضافة إلى انتفاء حتميات المكان والزمان المتغيرة حتى لا يختزل دور ونطاق أهداف الجامعات في داخل أسوارها الإسمنتية.
بمعنى آخر، لا بد من الاعتناء بإصلاح وتطوير البنية التحتية الفلسفية للتعليم العالي – سواء كانت جامعات أو أي مؤسسات تعليمية عليا – لتستوعب المفاهيم الأساسية المشار إليها سابقاً، قبل الاعتناء بالتصاميم الهندسية والأبنية لكي تكون له روح لا جسد فقط. وبعد ذلك يتسنى لمؤسسات التعليم العالي النهوض بدورها بشكل يحاكي تطلعات المجتمع والدولة. ومن الناحية الواقعية نعتقد بأن مؤسساتنا التعليمية العليا وجامعاتنا في دول مجلس التعاون تحتاج إلى إعادة صياغة لفلسفتها وإحياء حقيقي لروح القيم العليا ومن ثم إلباسها بثياب الأبنية، وتزويدها بالكوادر الفنية والتقنية والفكرية بموضوعية فائقة منسجمة مع تلك القيم، بعد ذلك يمكن لهذه المؤسسات النهوض والمساهمة في تحقيق الأهداف التي ينشدها المجتمع، وتحاول الدول ترجمتها في الواقع. إذاً فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في بعض الظواهر مثل افتقار بعض الإنشاءات للجاهزية التعليمية ولا في الافتقار إلى عدد أعضاء هيئة التدريس المؤهلين، وليست المشكلة عدم وجود الابتكار والإبداع وبراءات الاختراع، بل إن مرجعية المشكلات، بتقديري الخاص، تتجسد في عدم استيعاب مؤسسات التعليم العالي ومنها جامعاتنا في الخليج للمضامين الحقيقية لقيم فلسفة التعليم، والتي منها قيم مثل التعددية والنقد والمساواة والمعيارية والعدالة والحرية.
ونظراً لتلك الاختلالات البائنة في منظومة القيم المشار إليها تطفو على السطح في أغلب إن لم نقل كل جامعاتنا، على سبيل المثال لا الحصر، مشكلات الانتقائية في تعيينات الطاقم العلمي بناء على مقاربات فكرية أو اجتماعية بائدة أو عنصرية تظهرها تلاوين اللوحة الباهتة للجامعات الممتلئة بالمعايير المزدوجة. وكذلك الحال بالنسبة للمشكلات الأخرى المتعلقة بكيفية إدارة هذه المؤسسات التي تعكس نفسها في شكل قوالب لأمراض متأصلة في البحوث المتدنية المستوى لا الدراسات الأصلية، كما تتفشى فيها آفات التناحر والتهميش لا التنافس والتعاون بين المنتمين للهيئات التعليمية. وبالمحصلة النهائية ونتيجة لتلك المشكلات تبتعد مؤسسات التعليم العالي عن دورها في تنمية الإنسان والجماعة والدولة مما جعلها مجرد دور علم صامت لا تتجاوز منتجاته أوراقاً على شكل شهادات لتخريج أناس باحثين عن عمل فحسب. في حين إن هذه المؤسسات لابد أن يكون صوتها عالياً تردد أصداؤه بحيث يخلق حالة إبداعية في شكل مصفوفة إنسانية عامة تصل لكل إنسان يعيش على هذه البسيطة، وتقترن أيضاً بالمرتهنات الخاصة للإنسان الخليجي الذي ينتهي إلى أرضه وينشد خصوصية تطلعات مجتمعه ودوله التي تزدهر فيها تلك المؤسسات.
وإذا أردنا أن ننتقل من المجرد إلى الملموس، فإننا نستطيع القول إن الخطوة الأولى لكي يتسنى لجامعاتنا أن تساهم في تحقيق الوحدة والتنمية التي ينشدها الجميع يجب أن تبدأ بثبات على أرضية صلبة من القيم الفلسفية التي أشرنا إليها بعيداً عن الحساسية السياسية المفرطة للحكومات التي تجعلها ترصد الكتاب والبحث والقول، وبعيدة أيضاً عن الحسابات السياسية للجماعات المنظمة وغير المنظمة التي تنظر في أحيان كثيرة للمنتجات الإبداعية وكأنها بدع تستحق الإخراج من الملة. فلا يمكن لجامعاتنا أن تسهم في تنمية أنشطة المجتمع والدولة دون أن يكون فكر المنتمي إليها طليقاً للنقد في ساحة الحرية الأكاديمية التي يحتاجها كل عالم مبدع، فيعبر عن رأيه بصراحة وعلمية عن كافة المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من قضايا تلتف بمجتمعاتنا الصغيرة في كل يوم. إن مشكلة بعضنا أو أغلبنا في مؤسسات الخليج العليا للتعليم هي أننا لا نستطيع أن نعبر بعلمية وبصراحة عن حقائقنا الماثلة بينما نتوق بشراهة لما يكتبه نظيرنا بجامعة أمريكية أو أوروبية، ونجس نبض حقيقة ما إن كانت قاصرة أو مشبوهة لأننا لا نستطيع قولها تماماً لأنها لنا بمثابة الخشية من البوح بسر لجماعة منغلقة أكثر منه خوف من شرطي يقوم بعمله.
وحتى تكون جامعاتنا الخليجية مبادرات علمية وواقعية في اتجاه أهداف مجلس التعاون وبوجه خاص التنمية والوحدة فإنه لابد من إرخاء الحبال التي تقيدها في حدود موانئ الحكومات لتمخر من بحور دول الخليج الست لتتمكن بعد ذلك من جلب لآلئ الخير وتعقده مع بعضها البعض لتصنع حلية الوحدة والتنمية. وذلك القول ليس إسهاباً في خيال المفردات لمزينة أو رمزية توحي بشيء ما، وإنما تقريب لمشهد منشود لكل طالب علم في إحدى جامعاتنا التي لا تزال تنتظر من يرخي له الحبال. إن جامعاتنا بما تكتنزه من مدخرات بشرية يافعة من أبناء دول مجلس التعاون تستطيع أن تلعب دوراً وظيفياً في التعاون الحقيقي غير المسيس الذي يمهد للتعاون الأعلى بين الحكومات. فمن خلال تطوير برامج الاندماج التعليمي الذي يعبر إلى الوجود من خلال الالتقاء النوعي في أبنية ومناهج التعليم يمكن أن يسهم في تشجيع القطاعات الأخرى لذات المسلك. وإذا ما تم ذلك وعم بفائدته على شعوب المنطقة وخاصة الشرائح المتعلمة فلا مندوحة من مساهمته في ترسيخ المفهوم القيمي والنفعي للوحدة الخليجية. كما أن ترتيب هذه البرامج إذا تم في نسق الوحدة سيسقي شجرة التنمية المستدامة من خلال تغذية مثمرة تواكب حاجة المجتمع والدولة معاً. فعلى سبيل المثال لو شعر الطالب السعودي بأنه يستطيع أن ينتظم في مقرر ما في جامعة قطر أو البحرين لسبب أو لآخر دون عقبات، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الطلاب الإماراتيين أو العمانيبين فإن ذلك سيعكس تجربة جريئة وناجحة تتبعها تجربة أكثر جرأة ونجاحاً منها في قطاع آخر. وهكذا كانت التجربة في إطار الاتحاد الأوروبي حيث تم الابتداء من غير السياسي إلى السياسي، ومن خلال الأدنى إلى الأعلى فنسيت شعوب أوروبا أهوال حروب الثلاثمائة عام وما بثته من سموم العنصرية والفرقة بينهم ليتكوروا حول اتحادهم الذي زين لهم بواقعيته ومنهجيته فسحة الأمل بمنافع التعاون والسلام والاحترام الدولي.
وأخيراً يمكننا القول دون تردد إن تردي التعليم في دول الخليج عن الطموح واتساع البون بينه وبين مقولات مجلس التعاون الوحدوية راجع أساساً للفراغ الفلسفي الذي تتسيد عليه الجامعات الراقية. فإن استطعنا إنشاء الأبنية الفلسفية في جامعاتنا فإننا في منطقة النفط سنتحول في يوم من الأيام إلى شيء له قدرته وقوته في تحريك طاقة الإنسان بشكل أكثر مما يحرك الآلة والمصنع. ومن هذا المنطلق فإن الدور الحقيقي لجامعاتنا في آفاق مستقبلنا الخليجي هو الانشغال في مشروع بناء الإنسان، ولا أعرف سبيلا آخر لتشغيل ذلك المشروع الواعد الرائد إلا من خلال الإنسان نفسه شريطة أن يكون إنساناً بمعنى الكلمة.
::/fulltext::
::cck::3257::/cck::
