التعذيب واستمراره .. مسمار في نعش أي إصلاح سياسي!

::cck::3316::/cck::
::introtext::

عقد في العاصمة البريطانية لندن في الفترة ما بين 19 و21 نوفمبر 2005 مؤتمر بعنوان (الكفاح العالمي ضد التعذيب: خليج جوانتانامو وباجرام وما وراءهما). وقد قام على تنظيم ذلك المؤتمر منظمة العفو الدولية مع منظمة ريبريف. ويأتي هذا المؤتمر في إطار تصاعد ما تم التعارف على تسميته بالحرب ضد الإرهاب واستخدام التعذيب كأحد المكونات الأساسية لتلك الحرب التي يبدو أنها وفي اندفاعها الملحوظ نحو تحقيق أهدافها، فإنها باتت لا تبقي ولا تذر، تجرف في طريقها البقية الباقية من مرتكزات ومكتسبات تحققت للبشرية خلال العقود الماضية.

::/introtext::
::fulltext::

عقد في العاصمة البريطانية لندن في الفترة ما بين 19 و21 نوفمبر 2005 مؤتمر بعنوان (الكفاح العالمي ضد التعذيب: خليج جوانتانامو وباجرام وما وراءهما). وقد قام على تنظيم ذلك المؤتمر منظمة العفو الدولية مع منظمة ريبريف. ويأتي هذا المؤتمر في إطار تصاعد ما تم التعارف على تسميته بالحرب ضد الإرهاب واستخدام التعذيب كأحد المكونات الأساسية لتلك الحرب التي يبدو أنها وفي اندفاعها الملحوظ نحو تحقيق أهدافها، فإنها باتت لا تبقي ولا تذر، تجرف في طريقها البقية الباقية من مرتكزات ومكتسبات تحققت للبشرية خلال العقود الماضية.
وعلى أي حال، فإن المؤتمر بشكله وبتنظيمه لم يكن مؤتمراً أكاديمياً لفهم أو التعرف إلى وجهات نظر متباينة لكي تتضح الصورة، ولكنه كان مؤتمراً محدد الهدف واضح المعالم جلي الأجندة – إن جاز التعبير – فالهدف هو الكشف عن تلف الممارسات المخزية التي تمارسها الدول بمختلف مسمياتها تحت شعار مكافحة الإرهاب، ذلك من أجل الضغط على تلك الدول واحراجها لكي توقف أو تنهي تلك الممارسات بأسرع وقت ممكن، بل إن المؤتمر بصورته تلك وبهدفه ذاك يهدف ضمن ما يهدف إليه إلى دق ناقوس الخطر حول الاتجاهات المتخلفة التي ظهرت في العديد من الدول الغربية والتي تتلخص في إصدار تشريعات تمنح صلاحيات استثنائية للحكومات في التحقيق والاحتجاز الطويل دون توجيه تهمة كان آخرها تقدمت به الحكومة البريطانية من تشريع قانون جديد يسمح للحكومة باحتجاز المشتبه فيهم تحت طائلة الإرهاب لمدة تصل إلى 90 يوماً من دون توجيه تهمة. ولئن كان ذلك القانون قد هزم في مجلس العموم فإن ذلك ربما يعود، ولو جزئياً، إلى مثل تلك المؤتمرات في استثارة الوعي والضغط على السياسيين لمراجعة ذلك التوجه.
وقد لاحظت خلال إحدى مهماتي في الصومال وتحديداً في مدينة بوصاصو في إقليم البونت لاند تكرار حالات اختطاف لأشخاص مشتبه في صلتهم بالإرهاب وبعد قيامي بالتحقيق اتضح لي أن عدداً منهم كان يتم أخذه ويحتجز ويعذب على سفن في البحر، وقد تدخلت بصفتي ممثلاً للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال لدى كافة الجهات المعنية وعلى رأسها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي نتج عنه الإفراج عن بعض أولئك المحتجزين، ولربما أن المأساة لم تنته عند هذا الحد حيث إن تدخلاً فعالاً يرتبط أيضاً بالمعلومات المتاحة والمتوافرة فأولئك الذين تمكنت من الحصول على إفراج لهم كانت لدي معلومات دقيقة عما حدث لهم بالتاريخ والمكان ولربما يكون هناك آخرون غير معلوم مصيرهم.
ويأتي في هذا الإطار واحد من أهم وأخطر الظواهر في القرن الجديد ألا وهو معسكر جوانتانامو حيث يمثل البعد الرمزي للتراجع الحادث في العالم وازدياد الاستهتار بحقوق الإنسان وإبداعاته الجديدة في انتهاكات حقوق الإنسان.
كما يبدو أن المجتمع الدولي بحاجة إلى إدراك خطورة الموقف والتصدي لها فظاهرة جوانتانامو تطورت إلى (استئجار خدمات التعذيب) وما يسمى Rendition والسجون السرية يتم نقل المشتبه فيهم إلى سجون في كافة أنحاء العالم لكي يتم إخفاء الجريمة ولكي لا تتهم دولة بعينها بتلك الجريمة وقد تمت تسمية ما يزيد على عشرين دولة ضالعة في هذه الانتهاكات منها خمس دول عربية على الأقل.
وكنت قد لاحظت خلال مشاركتي في عدد من المهمات الحقوقية في العراق بعد سقوط صدام والاحتلال الأمريكي لرصد وكشف سلوكيات القوات المحتلة ومدى التزامها باتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، أننا رصدنا إشارات بأن هناك نوايا لدى القوات الأمريكية في نقل عدد من المعتقلين في سجون العراق وعلى رأسها معسكر بوجا في أم قصر إلى معسكر جوانتانامو، وقد بذلنا ما نستطيع من جهد وضغوط للتحذير من ذلك التوجه الأمر الذي أوقف الموضوع، ولكن دون إمكانية التأكد من الالتزام به كما أن الممارسات التي ظهرت لاحقاً بشكل مشين ومخجل في معسكر أبوغريب كنا قد حذرنا منها منذ بدايات الاحتلال الأمريكي للعراق ومما يؤسف له أن التعذيب لايزال مستخدماً.
وعلى الرغم من أن المؤتمر المذكور قد ركز بالطبيعة على معسكر جوانتانامو حيث حضر عدد لا بأس به من المحتجزين السابقين في ذلك المعسكر وأدلوا بشهاداتهم عن حياتهم هناك وعن تنقلهم من معسكر باجرام في أفغانستان إلى جوانتانامو، وكانت شهادات مؤلمة ومحزنة ومفزعة في الوقت ذاته. وقد يقول قائل إن انتقاد تلك الإجراءات قد يمثل دفاعاً عن الإرهاب والإرهابيين، وهو قول وجيه يستحق التوقف عنده، فالإرهاب مرفوض رفضاً قاطعاً كما هي انتهاكات حقوق الإنسان وخرق القانون الدولي مرفوضة رفضاً قاطعاً دون أدنى شك. ويأتي نقد هذه الممارسات ليس دفاعاً عن الإرهاب والإرهابيين، وإنما دعم لسيادة القانون وتثبيت له. فلا يمكن أن تستقيم الدول وتستقر دون سيادة للقانون واحترامه، حيث إن عدة دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة إنما ترتكب خرقاً فاضحاً لقوانينها هي عندما تحتجز أشخاصاً لمدد طويلة دون توجيه تهم لهم وتمارس عليهم أشد وأقسى أنواع التعذيب من دون سبب يذكر، فالأعداد الكبيرة من الذين تم الإفراج عنها من معسكر جوانتانامو خرجوا لأنهم أبرياء لا شبهة عليهم تم الاعتداء على بعضهم جنسياً، وتم تدمير بعضهم معنوياً وعقلياً دون أن توجه لهم تهمة واحدة، فأي مستقبل متوقع لهذا العالم؟
والحقيقة هي أن المؤتمر اتسع في إطاره بدعم من خبراء الأمم المتحدة المستقلين حيث عقد خمسة منهم مؤتمراً صحفياً قبيل عقد المؤتمر لتأكيد رفضهم القيام بزيارة المعسكر في 6 ديسمبر حسب ما كان متفقاً عليه مع الحكومة الأمريكية، حيث كان الخبراء المستقلون في مجالات مناهضة التعذيب واستقلال القضاء والحق في الصحة وحرية الأديان قد اتفقوا مبدئياً مع الحكومة الأمريكية على زيارة المعسكر إلا أن الحكومة الأمريكية رفضت السماح لهم بالتحدث بحرية مع المحتجزين فما كان من الخبراء المعنيين إلا أن وجهوا رسالة للحكومة الأمريكية يطلبون منها إلغاء ذلك الشرط وحددوا موعداً نهائياً هو 17 نوفمبر ولما لم تجب الحكومة الأمريكية قرروا أن يعقدوا مؤتمراً صحفياً يعلنون فيه ونظراً لعدم استجابة الحكومة الأمريكية لطلبهم بالحديث مع المحتجزين حيث لن تغدو زيارتهم عن كونها منشط دعائي لصالح إدارة المعسكر ليس إلا. وقد قام الخبراء الدوليون بالضغط والتفاوض مع الحكومة الأمريكية على مدار السنوات الماضية دون جدوى.
لقادم من الأيام.. وضياع البوصلة
يبدو أن النظام الدولي يتجه إلى حالة من الترهل والتردي وغياب المعايير حتى على المستوى النظري وهو الحدود الدنيا. فلم يحدث منذ تأسيس النظام الدولي المنهار منذ 1945 أن ظهرت علينا رؤى علنية ترى مشروعية استخدام التعذيب في إطار غطاء دولي تحت شعار (الحرب على الإرهاب). ويبدو أن هذا هو الذي دفع 30 خبيراً دولياً من خبراء الأمم المتحدة المستقلين (من ضمنهم كاتب هذه السطور لإصدار بيان في العاشر من ديسمبر 2005 ينددون فيه بالتوجهات العالمية لتبرير وشرعنة التعذيب. وهو أمر غريب أن يحدث في 2005، حيث يصنف التعذيب كجيل أول من أجيال حقوق الإنسان، فإلى أي درجة سنعود إلى الوراء؟
وتتمثل خطورة التراجع الحادث في أوضاع حقوق الإنسان في طبيعة ونمط التوجهات الهيكلية التي تنوي دول غربية القيام بها في إطار حرب عالمية مفترضة ضد مفهوم غير متفق على تعريفة (الإرهاب) وذلك لحقبة زمنية غير محددة (أجيال قادمة).
ويبدو أن ما يحدث على الساحة الأمريكية يمثل مؤشراً يستحق المتابعة في ذلك التراجع المفزع اتضح مثلاً في الطريقة التي تمت بها معالجة (قانون الوطنية) (Patriot Act) والتجديد من عدمه وبالذات فيما يختص بالمادة 215 التي تسمح بالتفتيش دون حاجة لدليل أو المادة 505 والتي يسمح بموجبها للـ (إف بي آي) بالحصول على وثائق لأشخاص دون تصريح قضائي. وقد دلت المعارضة للتجديد للقانون على بدايات لصحوة ما نأمل أن تستمر وتقوى. كما اتضحت بدايات (الصحوة) في الأروقة التشريعية الأمريكية في الموقف الصعب الذي أصر عليه السيناتور (ماكين) معارضاً قانوناً يسمح بالتعذيب والمعاملة المهينة، ويعطي حصانة للمحققين من المساءلة القضائية. وقد بذل نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني جهداً شخصياً منذ يوليو الماضي، مؤكداً أن أي تقليص لصلاحيات المحققين إنما سيؤثر في قدرة الرئيس على حماية البلاد من أي هجوم إرهابي. ولكن الحملة المضادة لتوجه الحكومة والحملة التي قادها عدد من المنظمات الحقوقية غير الحكومية أدت في نهاية الأمر إلى أن منع التعذيب تم إقراره في مجلس النواب بأغلبية 308 مقابل 122 وفي مجلس الشيوخ بأغلبية 90 إلى 9. ويأتي في إطار التوجه الإنساني داخل الولايات المتحدة الأمريكية الكتاب الذي أصدره الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر شن فيه هجوم كاسحاً من منطلق حقوق الإنسان على الحكومة الأمريكية وسلوكها غير الإنساني معتبراً إياه مضاداً للقيم الأمريكية.
ومع ذلك فإن الممارسات لاتزال مستمرة بوجود ما يسمى المواقع السوداء (Black Sites) واستخدام مكثف من قبل الـ (إف بي آي) (FBI) لرسائل الأمن الوطني التي تتيح الإطلاع على الوثائق الشخصية والمكالمات لأي كان دون ترخيص قانوني، حيث بلغ رقم الذين تعرضوا لتلك الانتهاكات عدة آلاف اتضح أن ما يزيد على 80 في المائة من أولئك الضحايا لم تكن عليهم حتى شبهة واحدة.
المقاتل المعادي .. من هو؟ قد تكون أنت
مرة أخرى تتلخص الصورة الرمزية في ابتداع مفهوم معتقل جوانتانامو في تحديد هوية المعتقلين هناك بوصفهم مقاتلين معادين ((Energy Combatant والذين يحرم عليهم أي ضمانات من أي نوع كان ولتوضيح الصورة فلننقل حرفياً ما قالته القاضية جويس هينز جرين من المحكمة الفيدرالية في واشنطن حيث وجهت عدة أسئلة افتراضية لبرايان بويل من وزارة العدل لاستيضاح المقصود بالمقاتل المعادي، ماذا عن سيدة عجوز تعيش في سويسرا وترسل شيكات لما تظنه جمعية خيرية في أفغانستان تساعد الأيتام ولكنها في الحقيقة واجهة لتمويل أنشطة القاعدة؟ وماذا عن شخص يقيم في دبلن بأيرلندا ويقوم بتدريس اللغة الإنجليزية لأي شخص تعرف الـ (سي آي إيه) أنه عضو في القاعدة؟ وماذا عن صحفي في جريدة وول ستريت يعمل في أفغانستان ويعرف موقع أسامة بن لادن ولكنه يرفض الإفصاح عنه للحكومة الإمريكية في سبيل حماية مصادره؟!
وقد أجاب بويل بصورة واضحة بأن الجيش لديه الصلاحية لاحتجاز كل الثلاثة المذكورين أعلاه على أساس أنهم مقاتلون معادون، وهكذا جرى التعامل بصورة مختلفة على سبيل المثال لستة أشخاص بصورة مختلفة في كل مرة وهم ريتشارد ريد وزكريا موسوي وجون ووكر لند وجوزيه بايللا وعلي صالح المري وياسر حمدي كل بطريقة مختلفة. وهو ما قد ينذر بما هو أخطر من مجرد مكافحة الإرهاب لكي ننتقل إلى عالم يشرع انتهاكات حقوق الإنسان بصورة شاملة، فإذا عرفنا بأن الغالبية العظمى من دول العالم قد أصدرت أو في سبيلها لإصدار تشريعات استثنائية تمنح الحكومات صلاحيات واسعة في الاحتجاز والتعذيب والتغطية على ذلك، فسنعرف أن الصورة القادمة تبدو قاتمة.
صورة داخل الإطار وصورة خارجه
عودة إلى مؤتمر لندن حيث لاحظت من خلال إحدى الجلسات التي ضمت على المنصة عدداً من المفرج عنهم من معتقلي جوانتانامو وإلى جانبهم عدد من المحامين الغربيين الذين دافعوا عنهم ولا يزالون، علماً بأن هناك ما يقارب من 400 محام أمريكي متطوعين للدفاع عن معتقلي جوانتانامو.
فالصورة التي شاهدناها داخل الإطار كانت لعدد من الأشخاص المنتهكة حقوقهم وإلى جانبهم عدد من المدافعين عنهم يتحدثون للعالم عن خطورة استمرار تلك الانتهاكات، وهي صورة تقليدية مستمرة منذ زمن ولا جديد فيها، ففي كل مكان في العالم تتكررهذه الصورة داخل الإطار بأشكال ومستويات مختلفة.
أما الصورة خارج الإطار فهي أن المنتهكة حقوقهم هم ممن يفترض أنهم إسلاميون متطرفون إلا أن من يدافع عنهم هم ممن يفترض أنهم علمانيون وربما (كفار) حسب تعريف الفريق الأول ربما. ولعل هذه الصورة خارج الإطار تمثل شيئاً أو جزءاً من الحل وهي الاتفاق بين الجميع على الحدود الدنيا وأن تلك الحدود الدنيا بين كافة الفرقاء بغض النظر عن توجهاتهم هي احترام حقوق الإنسان وعدم السماح بإهانة وإذلال الإنسان أياًَ كانت الأسباب.
ولعلنا نتساءل كيف تراجعت الأمور في العالم إلى هذا الحد؟ وكيف أصبح التعذيب تحت شعار حماية الأمن القومي (مقبولاً)؟ وبعد أن كنا متفائلين بالتحولات الرئيسية التي نتجت عن سقوط القطبية الثنائية، وأن هناك إصلاحا سياسياً قادماً يستند إلى العدالة الاجتماعية وسيادة القانون وكيف أصبحنا وكأننا مازلنا نحبو في طريق تثبيت الدول والحكم الرشيد؟ لعل الأمر بحاجة إلى مقالة أخرى.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3316::/cck::
::introtext::

عقد في العاصمة البريطانية لندن في الفترة ما بين 19 و21 نوفمبر 2005 مؤتمر بعنوان (الكفاح العالمي ضد التعذيب: خليج جوانتانامو وباجرام وما وراءهما). وقد قام على تنظيم ذلك المؤتمر منظمة العفو الدولية مع منظمة ريبريف. ويأتي هذا المؤتمر في إطار تصاعد ما تم التعارف على تسميته بالحرب ضد الإرهاب واستخدام التعذيب كأحد المكونات الأساسية لتلك الحرب التي يبدو أنها وفي اندفاعها الملحوظ نحو تحقيق أهدافها، فإنها باتت لا تبقي ولا تذر، تجرف في طريقها البقية الباقية من مرتكزات ومكتسبات تحققت للبشرية خلال العقود الماضية.

::/introtext::
::fulltext::

عقد في العاصمة البريطانية لندن في الفترة ما بين 19 و21 نوفمبر 2005 مؤتمر بعنوان (الكفاح العالمي ضد التعذيب: خليج جوانتانامو وباجرام وما وراءهما). وقد قام على تنظيم ذلك المؤتمر منظمة العفو الدولية مع منظمة ريبريف. ويأتي هذا المؤتمر في إطار تصاعد ما تم التعارف على تسميته بالحرب ضد الإرهاب واستخدام التعذيب كأحد المكونات الأساسية لتلك الحرب التي يبدو أنها وفي اندفاعها الملحوظ نحو تحقيق أهدافها، فإنها باتت لا تبقي ولا تذر، تجرف في طريقها البقية الباقية من مرتكزات ومكتسبات تحققت للبشرية خلال العقود الماضية.
وعلى أي حال، فإن المؤتمر بشكله وبتنظيمه لم يكن مؤتمراً أكاديمياً لفهم أو التعرف إلى وجهات نظر متباينة لكي تتضح الصورة، ولكنه كان مؤتمراً محدد الهدف واضح المعالم جلي الأجندة – إن جاز التعبير – فالهدف هو الكشف عن تلف الممارسات المخزية التي تمارسها الدول بمختلف مسمياتها تحت شعار مكافحة الإرهاب، ذلك من أجل الضغط على تلك الدول واحراجها لكي توقف أو تنهي تلك الممارسات بأسرع وقت ممكن، بل إن المؤتمر بصورته تلك وبهدفه ذاك يهدف ضمن ما يهدف إليه إلى دق ناقوس الخطر حول الاتجاهات المتخلفة التي ظهرت في العديد من الدول الغربية والتي تتلخص في إصدار تشريعات تمنح صلاحيات استثنائية للحكومات في التحقيق والاحتجاز الطويل دون توجيه تهمة كان آخرها تقدمت به الحكومة البريطانية من تشريع قانون جديد يسمح للحكومة باحتجاز المشتبه فيهم تحت طائلة الإرهاب لمدة تصل إلى 90 يوماً من دون توجيه تهمة. ولئن كان ذلك القانون قد هزم في مجلس العموم فإن ذلك ربما يعود، ولو جزئياً، إلى مثل تلك المؤتمرات في استثارة الوعي والضغط على السياسيين لمراجعة ذلك التوجه.
وقد لاحظت خلال إحدى مهماتي في الصومال وتحديداً في مدينة بوصاصو في إقليم البونت لاند تكرار حالات اختطاف لأشخاص مشتبه في صلتهم بالإرهاب وبعد قيامي بالتحقيق اتضح لي أن عدداً منهم كان يتم أخذه ويحتجز ويعذب على سفن في البحر، وقد تدخلت بصفتي ممثلاً للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال لدى كافة الجهات المعنية وعلى رأسها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي نتج عنه الإفراج عن بعض أولئك المحتجزين، ولربما أن المأساة لم تنته عند هذا الحد حيث إن تدخلاً فعالاً يرتبط أيضاً بالمعلومات المتاحة والمتوافرة فأولئك الذين تمكنت من الحصول على إفراج لهم كانت لدي معلومات دقيقة عما حدث لهم بالتاريخ والمكان ولربما يكون هناك آخرون غير معلوم مصيرهم.
ويأتي في هذا الإطار واحد من أهم وأخطر الظواهر في القرن الجديد ألا وهو معسكر جوانتانامو حيث يمثل البعد الرمزي للتراجع الحادث في العالم وازدياد الاستهتار بحقوق الإنسان وإبداعاته الجديدة في انتهاكات حقوق الإنسان.
كما يبدو أن المجتمع الدولي بحاجة إلى إدراك خطورة الموقف والتصدي لها فظاهرة جوانتانامو تطورت إلى (استئجار خدمات التعذيب) وما يسمى Rendition والسجون السرية يتم نقل المشتبه فيهم إلى سجون في كافة أنحاء العالم لكي يتم إخفاء الجريمة ولكي لا تتهم دولة بعينها بتلك الجريمة وقد تمت تسمية ما يزيد على عشرين دولة ضالعة في هذه الانتهاكات منها خمس دول عربية على الأقل.
وكنت قد لاحظت خلال مشاركتي في عدد من المهمات الحقوقية في العراق بعد سقوط صدام والاحتلال الأمريكي لرصد وكشف سلوكيات القوات المحتلة ومدى التزامها باتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، أننا رصدنا إشارات بأن هناك نوايا لدى القوات الأمريكية في نقل عدد من المعتقلين في سجون العراق وعلى رأسها معسكر بوجا في أم قصر إلى معسكر جوانتانامو، وقد بذلنا ما نستطيع من جهد وضغوط للتحذير من ذلك التوجه الأمر الذي أوقف الموضوع، ولكن دون إمكانية التأكد من الالتزام به كما أن الممارسات التي ظهرت لاحقاً بشكل مشين ومخجل في معسكر أبوغريب كنا قد حذرنا منها منذ بدايات الاحتلال الأمريكي للعراق ومما يؤسف له أن التعذيب لايزال مستخدماً.
وعلى الرغم من أن المؤتمر المذكور قد ركز بالطبيعة على معسكر جوانتانامو حيث حضر عدد لا بأس به من المحتجزين السابقين في ذلك المعسكر وأدلوا بشهاداتهم عن حياتهم هناك وعن تنقلهم من معسكر باجرام في أفغانستان إلى جوانتانامو، وكانت شهادات مؤلمة ومحزنة ومفزعة في الوقت ذاته. وقد يقول قائل إن انتقاد تلك الإجراءات قد يمثل دفاعاً عن الإرهاب والإرهابيين، وهو قول وجيه يستحق التوقف عنده، فالإرهاب مرفوض رفضاً قاطعاً كما هي انتهاكات حقوق الإنسان وخرق القانون الدولي مرفوضة رفضاً قاطعاً دون أدنى شك. ويأتي نقد هذه الممارسات ليس دفاعاً عن الإرهاب والإرهابيين، وإنما دعم لسيادة القانون وتثبيت له. فلا يمكن أن تستقيم الدول وتستقر دون سيادة للقانون واحترامه، حيث إن عدة دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة إنما ترتكب خرقاً فاضحاً لقوانينها هي عندما تحتجز أشخاصاً لمدد طويلة دون توجيه تهم لهم وتمارس عليهم أشد وأقسى أنواع التعذيب من دون سبب يذكر، فالأعداد الكبيرة من الذين تم الإفراج عنها من معسكر جوانتانامو خرجوا لأنهم أبرياء لا شبهة عليهم تم الاعتداء على بعضهم جنسياً، وتم تدمير بعضهم معنوياً وعقلياً دون أن توجه لهم تهمة واحدة، فأي مستقبل متوقع لهذا العالم؟
والحقيقة هي أن المؤتمر اتسع في إطاره بدعم من خبراء الأمم المتحدة المستقلين حيث عقد خمسة منهم مؤتمراً صحفياً قبيل عقد المؤتمر لتأكيد رفضهم القيام بزيارة المعسكر في 6 ديسمبر حسب ما كان متفقاً عليه مع الحكومة الأمريكية، حيث كان الخبراء المستقلون في مجالات مناهضة التعذيب واستقلال القضاء والحق في الصحة وحرية الأديان قد اتفقوا مبدئياً مع الحكومة الأمريكية على زيارة المعسكر إلا أن الحكومة الأمريكية رفضت السماح لهم بالتحدث بحرية مع المحتجزين فما كان من الخبراء المعنيين إلا أن وجهوا رسالة للحكومة الأمريكية يطلبون منها إلغاء ذلك الشرط وحددوا موعداً نهائياً هو 17 نوفمبر ولما لم تجب الحكومة الأمريكية قرروا أن يعقدوا مؤتمراً صحفياً يعلنون فيه ونظراً لعدم استجابة الحكومة الأمريكية لطلبهم بالحديث مع المحتجزين حيث لن تغدو زيارتهم عن كونها منشط دعائي لصالح إدارة المعسكر ليس إلا. وقد قام الخبراء الدوليون بالضغط والتفاوض مع الحكومة الأمريكية على مدار السنوات الماضية دون جدوى.
لقادم من الأيام.. وضياع البوصلة
يبدو أن النظام الدولي يتجه إلى حالة من الترهل والتردي وغياب المعايير حتى على المستوى النظري وهو الحدود الدنيا. فلم يحدث منذ تأسيس النظام الدولي المنهار منذ 1945 أن ظهرت علينا رؤى علنية ترى مشروعية استخدام التعذيب في إطار غطاء دولي تحت شعار (الحرب على الإرهاب). ويبدو أن هذا هو الذي دفع 30 خبيراً دولياً من خبراء الأمم المتحدة المستقلين (من ضمنهم كاتب هذه السطور لإصدار بيان في العاشر من ديسمبر 2005 ينددون فيه بالتوجهات العالمية لتبرير وشرعنة التعذيب. وهو أمر غريب أن يحدث في 2005، حيث يصنف التعذيب كجيل أول من أجيال حقوق الإنسان، فإلى أي درجة سنعود إلى الوراء؟
وتتمثل خطورة التراجع الحادث في أوضاع حقوق الإنسان في طبيعة ونمط التوجهات الهيكلية التي تنوي دول غربية القيام بها في إطار حرب عالمية مفترضة ضد مفهوم غير متفق على تعريفة (الإرهاب) وذلك لحقبة زمنية غير محددة (أجيال قادمة).
ويبدو أن ما يحدث على الساحة الأمريكية يمثل مؤشراً يستحق المتابعة في ذلك التراجع المفزع اتضح مثلاً في الطريقة التي تمت بها معالجة (قانون الوطنية) (Patriot Act) والتجديد من عدمه وبالذات فيما يختص بالمادة 215 التي تسمح بالتفتيش دون حاجة لدليل أو المادة 505 والتي يسمح بموجبها للـ (إف بي آي) بالحصول على وثائق لأشخاص دون تصريح قضائي. وقد دلت المعارضة للتجديد للقانون على بدايات لصحوة ما نأمل أن تستمر وتقوى. كما اتضحت بدايات (الصحوة) في الأروقة التشريعية الأمريكية في الموقف الصعب الذي أصر عليه السيناتور (ماكين) معارضاً قانوناً يسمح بالتعذيب والمعاملة المهينة، ويعطي حصانة للمحققين من المساءلة القضائية. وقد بذل نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني جهداً شخصياً منذ يوليو الماضي، مؤكداً أن أي تقليص لصلاحيات المحققين إنما سيؤثر في قدرة الرئيس على حماية البلاد من أي هجوم إرهابي. ولكن الحملة المضادة لتوجه الحكومة والحملة التي قادها عدد من المنظمات الحقوقية غير الحكومية أدت في نهاية الأمر إلى أن منع التعذيب تم إقراره في مجلس النواب بأغلبية 308 مقابل 122 وفي مجلس الشيوخ بأغلبية 90 إلى 9. ويأتي في إطار التوجه الإنساني داخل الولايات المتحدة الأمريكية الكتاب الذي أصدره الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر شن فيه هجوم كاسحاً من منطلق حقوق الإنسان على الحكومة الأمريكية وسلوكها غير الإنساني معتبراً إياه مضاداً للقيم الأمريكية.
ومع ذلك فإن الممارسات لاتزال مستمرة بوجود ما يسمى المواقع السوداء (Black Sites) واستخدام مكثف من قبل الـ (إف بي آي) (FBI) لرسائل الأمن الوطني التي تتيح الإطلاع على الوثائق الشخصية والمكالمات لأي كان دون ترخيص قانوني، حيث بلغ رقم الذين تعرضوا لتلك الانتهاكات عدة آلاف اتضح أن ما يزيد على 80 في المائة من أولئك الضحايا لم تكن عليهم حتى شبهة واحدة.
المقاتل المعادي .. من هو؟ قد تكون أنت
مرة أخرى تتلخص الصورة الرمزية في ابتداع مفهوم معتقل جوانتانامو في تحديد هوية المعتقلين هناك بوصفهم مقاتلين معادين ((Energy Combatant والذين يحرم عليهم أي ضمانات من أي نوع كان ولتوضيح الصورة فلننقل حرفياً ما قالته القاضية جويس هينز جرين من المحكمة الفيدرالية في واشنطن حيث وجهت عدة أسئلة افتراضية لبرايان بويل من وزارة العدل لاستيضاح المقصود بالمقاتل المعادي، ماذا عن سيدة عجوز تعيش في سويسرا وترسل شيكات لما تظنه جمعية خيرية في أفغانستان تساعد الأيتام ولكنها في الحقيقة واجهة لتمويل أنشطة القاعدة؟ وماذا عن شخص يقيم في دبلن بأيرلندا ويقوم بتدريس اللغة الإنجليزية لأي شخص تعرف الـ (سي آي إيه) أنه عضو في القاعدة؟ وماذا عن صحفي في جريدة وول ستريت يعمل في أفغانستان ويعرف موقع أسامة بن لادن ولكنه يرفض الإفصاح عنه للحكومة الإمريكية في سبيل حماية مصادره؟!
وقد أجاب بويل بصورة واضحة بأن الجيش لديه الصلاحية لاحتجاز كل الثلاثة المذكورين أعلاه على أساس أنهم مقاتلون معادون، وهكذا جرى التعامل بصورة مختلفة على سبيل المثال لستة أشخاص بصورة مختلفة في كل مرة وهم ريتشارد ريد وزكريا موسوي وجون ووكر لند وجوزيه بايللا وعلي صالح المري وياسر حمدي كل بطريقة مختلفة. وهو ما قد ينذر بما هو أخطر من مجرد مكافحة الإرهاب لكي ننتقل إلى عالم يشرع انتهاكات حقوق الإنسان بصورة شاملة، فإذا عرفنا بأن الغالبية العظمى من دول العالم قد أصدرت أو في سبيلها لإصدار تشريعات استثنائية تمنح الحكومات صلاحيات واسعة في الاحتجاز والتعذيب والتغطية على ذلك، فسنعرف أن الصورة القادمة تبدو قاتمة.
صورة داخل الإطار وصورة خارجه
عودة إلى مؤتمر لندن حيث لاحظت من خلال إحدى الجلسات التي ضمت على المنصة عدداً من المفرج عنهم من معتقلي جوانتانامو وإلى جانبهم عدد من المحامين الغربيين الذين دافعوا عنهم ولا يزالون، علماً بأن هناك ما يقارب من 400 محام أمريكي متطوعين للدفاع عن معتقلي جوانتانامو.
فالصورة التي شاهدناها داخل الإطار كانت لعدد من الأشخاص المنتهكة حقوقهم وإلى جانبهم عدد من المدافعين عنهم يتحدثون للعالم عن خطورة استمرار تلك الانتهاكات، وهي صورة تقليدية مستمرة منذ زمن ولا جديد فيها، ففي كل مكان في العالم تتكررهذه الصورة داخل الإطار بأشكال ومستويات مختلفة.
أما الصورة خارج الإطار فهي أن المنتهكة حقوقهم هم ممن يفترض أنهم إسلاميون متطرفون إلا أن من يدافع عنهم هم ممن يفترض أنهم علمانيون وربما (كفار) حسب تعريف الفريق الأول ربما. ولعل هذه الصورة خارج الإطار تمثل شيئاً أو جزءاً من الحل وهي الاتفاق بين الجميع على الحدود الدنيا وأن تلك الحدود الدنيا بين كافة الفرقاء بغض النظر عن توجهاتهم هي احترام حقوق الإنسان وعدم السماح بإهانة وإذلال الإنسان أياًَ كانت الأسباب.
ولعلنا نتساءل كيف تراجعت الأمور في العالم إلى هذا الحد؟ وكيف أصبح التعذيب تحت شعار حماية الأمن القومي (مقبولاً)؟ وبعد أن كنا متفائلين بالتحولات الرئيسية التي نتجت عن سقوط القطبية الثنائية، وأن هناك إصلاحا سياسياً قادماً يستند إلى العدالة الاجتماعية وسيادة القانون وكيف أصبحنا وكأننا مازلنا نحبو في طريق تثبيت الدول والحكم الرشيد؟ لعل الأمر بحاجة إلى مقالة أخرى.

::/fulltext::
::cck::3316::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *