أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة: العلاقة المتبادلة
::cck::3393::/cck::
::introtext::
ثمة علاقة وثيقة تربط بين أمن الطاقة على مستوى العالم وأمن الخليج العربي واستقراره، وليست علاقة جزئية تتمثل في اعتماد الكل (سوق الطاقة العالمية) على الجزء (إنتاج الخليج)، بحيث يمكن تعويض هذا الجزء بغيره، بل هي علاقة استراتيجية اعتمادية تبادلية فرضها وجود المخزون الأكبر للطاقة الهيدروكربونية (شريان الحياة الصناعية العصرية في هذا الجزء من العالم).
::/introtext::
::fulltext::
ثمة علاقة وثيقة تربط بين أمن الطاقة على مستوى العالم وأمن الخليج العربي واستقراره، وليست علاقة جزئية تتمثل في اعتماد الكل (سوق الطاقة العالمية) على الجزء (إنتاج الخليج)، بحيث يمكن تعويض هذا الجزء بغيره، بل هي علاقة استراتيجية اعتمادية تبادلية فرضها وجود المخزون الأكبر للطاقة الهيدروكربونية (شريان الحياة الصناعية العصرية في هذا الجزء من العالم).
في المقابل، فإن هذا المخزون الهائل المتمركز في منطقة الخليج كان لا يمكن استغلاله واستثماره وتطوير المنطقة برمتها بسببه، إلا لوجود طلب عالمي (ممثل بدرجة أساسية بالدول الصناعية الكبرى المستهلكة للطاقة) على هذه السلعة، ولذلك فإن هذه العلاقة الاقتصادية الضرورية خلقت لدى طرفيها هاجس أمن الطرف الآخر واستقراره. ومن هنا اكتسبت منطقة الخليج العربي مكانة استراتيجية عالمية، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل ما يستتبعه ذلك على الصعيدين الأمني والسياسي.
ولكي تتوضح القيمة الاستراتيجية التي تكمن في هذا الجزء ومدى الاعتماد الفعلي لأمن الطاقة العالمي على إمدادات الطاقة من منطقة الخليج في الوقت الراهن كما في المستقبل، فإن الحقائق التالية تكشف مقدار الأهمية التي يجب أن يوليها العالم لتجنيب هذه المنطقة الاضطرابات وبذل الجهود والمساعي لتأمينها حرصاً على تلك المصالح العالمية الحيوية.
وتبلغ احتياطيات النفط المثبتة في منطقة الخليج نحو 728 مليار برميل، وتمثل ما نسبته 55 في المائة من الاحتياطيات العالمية حسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً، إذ تبلغ الاحتياطيات المثبتة فيها نحو 262.3 مليار برميل، تليها في المرتبة الثانية على مستوى المنطقة إيران بنحو 136.3، ثم العراق 115، فالكويت 101.5، فالإمارات العربية المتحدة بنحو 97.8 مليار برميل، أما مساهمة منطقة الخليج في الإنتاج العالمي فقد بلغت في عام 2006 حوالي 23.6 مليون برميل في اليوم، أي ما يمثل نسبة 28 في المائة من مجمل الإنتاج العالمي. وحل إنتاج المملكة العربية السعودية في المرتبة الأولى على المستوى العالمي، حيث بلغ معدل الإنتاج في السنة نفسها 10.7 مليون برميل في اليوم، تلتها في المرتبة الثانية، ولكن على مستوى المنطقة إيران 4.1، ثم الإمارات العربية المتحدة 2.9، فالكويت 2.7، فالعراق 2، وقطر 1.1 مليون برميل في اليوم.
ولا تقل أهمية الغاز الطبيعي عن النفط في هذه المنطقة، إذ تختزن كميات كبيرة منه تقدر بحوالي 2509 تريليون قدم مكعبة، وهي تعادل 40 في المائة من الاحتياطيات العالمية، وتحتل إيران التي تحوي نحو 974 تريليون قدم مكعبة المرتبة الثانية على المستوى العالمي، فيما تحتل قطر المرتبة الثالثة بنحو 910 والمملكة العربية السعودية المرتبة الرابعة بنحو 240 ودولة الإمارات في المرتبة الخامسة بنحو 124، وذلك بعد روسيا التي تعتبر عالمياً من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المثبتة.
أما في المستقبل فإن أهمية منطقة الخليج تتجه نحو تزايد مكانتها بسبب تزايد الطلب المتوقع على الطاقة منها، فحسب تقرير توقعات الطاقة العالمية لعام 2007 الذي تصدره إدارة معلومات الطاقة، يتوقع أن يصل إنتاج المنطقة من النفط بحلول عام 2015م إلى 26 مليون برميل في اليوم، وحوالي 30 مليون برميل في اليوم عام 2020م وأكثر من 38 مليون برميل في اليوم عام 2030م، وذلك مقارنة بـ 23.6 مليون برميل في اليوم عام 2006م. وهو ما سيزيد حصة الخليج في الإنتاج العالمي الفعلي من النفط إلى 33 في المائة عام 2030م.
ولتفادي المخاطر التي يمكن أن تحيق بأمن الطاقة العالمي ولتقليل آثار اعتماد العالم على منطقة بعينها في توريد الطاقة، تم إنشاء وكالة الطاقة الدولية في أعقاب أزمة النفط في بداية السبعينات من القرن الماضي لتقوم بتنسيق استخدام كميات من المخزون الاحتياطي الاستراتيجي من النفط لمواجهة الأحداث التي تهز أسواق الطاقة العالمية في حال تعرض أمن منطقة مهمة لخطر ما أو حدوث تطورات سياسية أو اقتصادية أو كوارث طبيعية تمنع أو تخفض كميات النفط المعروضة. وفي الوقت الراهن يتوفر لدى الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية نحو 1.2 مليار برميل من النفط من الاحتياطي الاستراتيجي، وهو ما يعادل واردات هذه الدول لمدة 115 يوماً. ويوجد في احتياطي المخزون الاستراتيجي الأمريكي وحده 700 مليون برميل، أي ما يزيد على نصف المخزون الاحتياطي الاستراتيجي العالمي. ويعتبر أحد الأمثلة مؤخراً على استخدام هذا المخزون ضخ نحو 60 مليون برميل للسوق العالمية من الدول الأعضاء أثناء إعصاري (كاترينا) و(ريتا) في الولايات المتحدة، وهو ما كان له دور في تحقيق الاستقرار في الأسواق حال دون مزيد من الفوضى فيها.
إلا أن هذه الجهود والسياسات التي توصل إليها العالم لتأمين النفط في الحالات الطارئة، تبين أنها لا تلبي سوى كميات تكفي لفترة مؤقتة لا تتجاوز الأربعة أشهر، وبالتالي فإن الأولوية لا تزال تعطى حالياً ومستقبلاً لتأمين المناطق الرئيسية المنتجة والمصدّرة في العالم، وأهمها منطقة الخليج.
ووفق المنطق الاقتصادي الصرف، فإن الاعتماد على الذات وتنويع الخيارات المتاحة أمام الدولة هما عاملان أساسيان في أمنها. ولذلك سعت دول العالم وخاصة الدول المتقدمة إلى إيجاد خيارات أخرى مساعدة أو مساندة لتأمين الطاقة كجزء من أمنها الاستراتيجي، وتنوعت هذه الخيارات بين البحث واستكشاف مناطق جديدة يكمن فيها النفط والغاز بكميات كبيرة للتعويض أو تنويع المصادر أو تقليل الاعتماد على المناطق الحالية كمنطقة الخليج، وبين التوسع في الاعتماد على الطاقة النووية في القطاعات الاستراتيجية، ودعم البحث الجاد عن مصادر بديلة.
وحسب بول سايمونز نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية فإن سياسة الولايات المتحدة في مجال أمن الطاقة تعتمد على أربعة عناصر: تشجيع تحقيق تنوع مصادر الطاقة وإمداداتها في كل أنحاء العالم، والعمل مع الدول المستهلكة للنفط على معالجة أمر توقف الإمدادات وخاصة من خلال استخدام مخزون احتياطي النفط الاستراتيجي، ومواصلة الحوار مع الدول المصدرة للنفط للمساعدة على استمرار السياسات الإنتاجية المسؤولة لدعم اقتصاد عالمي متنام وتقليص تقلب الأسعار في سوق النفط، والعمل مع الدول الأخرى على تقليص الاعتماد على النفط من خلال تشجيع استخدام الطاقة بشكل فعال والتوصل إلى مصادر بديلة عن الطاقة.
ويفهم مما سبق أن أمن الطاقة كما تدركه الولايات المتحدة (أكبر مستهلكي الطاقة في العالم) وكافة الدول الصناعية لا يغفل حقيقة أن العالم لا يمكنه الاستغناء عن النفط والغاز الطبيعي لتلبية النمو المتوقع في الطلب على الطاقة، فالنمو السريع للاقتصاد العالمي يستدعي زيادات كبيرة في إمدادات الطاقة على مدى ربع القرن المقبل، حيث إن الاعتماد على مصادر أخرى للطاقة مثل الفحم والطاقة النووية والمصادر المتجددة والبديلة سيكون مساعداً على تلبية الطلب وليس متجاوزاً لأهمية النفط والغاز والحاجة إليهما، فلكل من مصادر الطاقة تحدياته الخاصة التي تتعلق بالسلامة والبيئة والسياسة وعقبات اقتصادية، والتي تحتاج إلى جهود كبيرة للتغلب عليها من أجل إنتاجه وتوريده واستعماله بشكل متزايد.
ولا يتوقف الأمر على الدول الصناعية الغربية، فقارة آسيا تعتبر سوقاً ضخمة للنفط، ويعتمد أمنها الاقتصادي بالدرجة الأولى على النفط المصدّر من الخليج، فالتزايد السكاني المطرد في دول آسيوية عدة وخاصة في الصين والهند وزيادة حجم النمو الاقتصادي وكذلك زيادة حجم التصنيع على نطاق لم يسبق له مثيل فيها، كلها أدت إلى أن يصبح أمن الطاقة إحدى أهم ركائز وسياسات هذه الدول. وكما قال وزير البترول والثروة المعدنية السعودي علي النعيمي في اللقاء الثاني لوزراء الطاقة في آسيا في الرياض في مايو 2007 فإن المتوقع أن يأتي الجزء الأكبر من زيادة الطلب العالمي على الطاقة في المستقبل من القارة الآسيوية التي تسهم بنسبة 50 في المائة من هذه الزيادة العالمية. وبهذا الصدد حاول طمأنة هذه الدول بتلبية حاجاتها من النفط، حيث أكد على أهمية روابط الطاقة العلاقة الاعتمادية التبادلية بين شرق آسيا وغربها، مشيراً إلى أن ثلثي صادرات النفط يذهبان من غرب آسيا إلى شرقها.
ونتيجة لاعتماد أمن الطاقة العالمي في جزء كبير منه كما تبين على منطقة الخليج، فقد أضحى أمنها واستقرارها أولوية في الأجندة العالمية، ويستدعي ذلك اهتمام دول العالم بتجنيب منطقة الخليج المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تجر المنطقة إلى اضطرابات لا تنعكس عليها فقط، وإنما تمتد آثارها إلى العالم بأسره. ففي هذه المرحلة أصبح تعرض أنبوب للنفط في نيجيريا لاعتداء يؤثر في السوق العالمية للنفط، ويفاقم مشكلة تزايد الأسعار. فالأولى أن تبذل جهود إقليمية ودولية كبرى لمنع وقوع اضطرابات تخل بأمن منطقة الخليج التي تمد العالم بجزء كبير منه. ومع تزايد الأسعار إلى مستويات قياسية لامست حاجز الـ 100 دولار للبرميل، أصبحت المشكلة ليس في وقوع اضطراب يوقف أو يقطع النفط فقط، وإنما أيضاً في مجرد إشاعة أجواء عدم الاستقرار الذي أصبح يؤثر بشكل مباشر في سوق الطاقة العالمية، ومن ثم في أمنها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3393::/cck::
::introtext::
ثمة علاقة وثيقة تربط بين أمن الطاقة على مستوى العالم وأمن الخليج العربي واستقراره، وليست علاقة جزئية تتمثل في اعتماد الكل (سوق الطاقة العالمية) على الجزء (إنتاج الخليج)، بحيث يمكن تعويض هذا الجزء بغيره، بل هي علاقة استراتيجية اعتمادية تبادلية فرضها وجود المخزون الأكبر للطاقة الهيدروكربونية (شريان الحياة الصناعية العصرية في هذا الجزء من العالم).
::/introtext::
::fulltext::
ثمة علاقة وثيقة تربط بين أمن الطاقة على مستوى العالم وأمن الخليج العربي واستقراره، وليست علاقة جزئية تتمثل في اعتماد الكل (سوق الطاقة العالمية) على الجزء (إنتاج الخليج)، بحيث يمكن تعويض هذا الجزء بغيره، بل هي علاقة استراتيجية اعتمادية تبادلية فرضها وجود المخزون الأكبر للطاقة الهيدروكربونية (شريان الحياة الصناعية العصرية في هذا الجزء من العالم).
في المقابل، فإن هذا المخزون الهائل المتمركز في منطقة الخليج كان لا يمكن استغلاله واستثماره وتطوير المنطقة برمتها بسببه، إلا لوجود طلب عالمي (ممثل بدرجة أساسية بالدول الصناعية الكبرى المستهلكة للطاقة) على هذه السلعة، ولذلك فإن هذه العلاقة الاقتصادية الضرورية خلقت لدى طرفيها هاجس أمن الطرف الآخر واستقراره. ومن هنا اكتسبت منطقة الخليج العربي مكانة استراتيجية عالمية، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل ما يستتبعه ذلك على الصعيدين الأمني والسياسي.
ولكي تتوضح القيمة الاستراتيجية التي تكمن في هذا الجزء ومدى الاعتماد الفعلي لأمن الطاقة العالمي على إمدادات الطاقة من منطقة الخليج في الوقت الراهن كما في المستقبل، فإن الحقائق التالية تكشف مقدار الأهمية التي يجب أن يوليها العالم لتجنيب هذه المنطقة الاضطرابات وبذل الجهود والمساعي لتأمينها حرصاً على تلك المصالح العالمية الحيوية.
وتبلغ احتياطيات النفط المثبتة في منطقة الخليج نحو 728 مليار برميل، وتمثل ما نسبته 55 في المائة من الاحتياطيات العالمية حسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً، إذ تبلغ الاحتياطيات المثبتة فيها نحو 262.3 مليار برميل، تليها في المرتبة الثانية على مستوى المنطقة إيران بنحو 136.3، ثم العراق 115، فالكويت 101.5، فالإمارات العربية المتحدة بنحو 97.8 مليار برميل، أما مساهمة منطقة الخليج في الإنتاج العالمي فقد بلغت في عام 2006 حوالي 23.6 مليون برميل في اليوم، أي ما يمثل نسبة 28 في المائة من مجمل الإنتاج العالمي. وحل إنتاج المملكة العربية السعودية في المرتبة الأولى على المستوى العالمي، حيث بلغ معدل الإنتاج في السنة نفسها 10.7 مليون برميل في اليوم، تلتها في المرتبة الثانية، ولكن على مستوى المنطقة إيران 4.1، ثم الإمارات العربية المتحدة 2.9، فالكويت 2.7، فالعراق 2، وقطر 1.1 مليون برميل في اليوم.
ولا تقل أهمية الغاز الطبيعي عن النفط في هذه المنطقة، إذ تختزن كميات كبيرة منه تقدر بحوالي 2509 تريليون قدم مكعبة، وهي تعادل 40 في المائة من الاحتياطيات العالمية، وتحتل إيران التي تحوي نحو 974 تريليون قدم مكعبة المرتبة الثانية على المستوى العالمي، فيما تحتل قطر المرتبة الثالثة بنحو 910 والمملكة العربية السعودية المرتبة الرابعة بنحو 240 ودولة الإمارات في المرتبة الخامسة بنحو 124، وذلك بعد روسيا التي تعتبر عالمياً من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المثبتة.
أما في المستقبل فإن أهمية منطقة الخليج تتجه نحو تزايد مكانتها بسبب تزايد الطلب المتوقع على الطاقة منها، فحسب تقرير توقعات الطاقة العالمية لعام 2007 الذي تصدره إدارة معلومات الطاقة، يتوقع أن يصل إنتاج المنطقة من النفط بحلول عام 2015م إلى 26 مليون برميل في اليوم، وحوالي 30 مليون برميل في اليوم عام 2020م وأكثر من 38 مليون برميل في اليوم عام 2030م، وذلك مقارنة بـ 23.6 مليون برميل في اليوم عام 2006م. وهو ما سيزيد حصة الخليج في الإنتاج العالمي الفعلي من النفط إلى 33 في المائة عام 2030م.
ولتفادي المخاطر التي يمكن أن تحيق بأمن الطاقة العالمي ولتقليل آثار اعتماد العالم على منطقة بعينها في توريد الطاقة، تم إنشاء وكالة الطاقة الدولية في أعقاب أزمة النفط في بداية السبعينات من القرن الماضي لتقوم بتنسيق استخدام كميات من المخزون الاحتياطي الاستراتيجي من النفط لمواجهة الأحداث التي تهز أسواق الطاقة العالمية في حال تعرض أمن منطقة مهمة لخطر ما أو حدوث تطورات سياسية أو اقتصادية أو كوارث طبيعية تمنع أو تخفض كميات النفط المعروضة. وفي الوقت الراهن يتوفر لدى الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية نحو 1.2 مليار برميل من النفط من الاحتياطي الاستراتيجي، وهو ما يعادل واردات هذه الدول لمدة 115 يوماً. ويوجد في احتياطي المخزون الاستراتيجي الأمريكي وحده 700 مليون برميل، أي ما يزيد على نصف المخزون الاحتياطي الاستراتيجي العالمي. ويعتبر أحد الأمثلة مؤخراً على استخدام هذا المخزون ضخ نحو 60 مليون برميل للسوق العالمية من الدول الأعضاء أثناء إعصاري (كاترينا) و(ريتا) في الولايات المتحدة، وهو ما كان له دور في تحقيق الاستقرار في الأسواق حال دون مزيد من الفوضى فيها.
إلا أن هذه الجهود والسياسات التي توصل إليها العالم لتأمين النفط في الحالات الطارئة، تبين أنها لا تلبي سوى كميات تكفي لفترة مؤقتة لا تتجاوز الأربعة أشهر، وبالتالي فإن الأولوية لا تزال تعطى حالياً ومستقبلاً لتأمين المناطق الرئيسية المنتجة والمصدّرة في العالم، وأهمها منطقة الخليج.
ووفق المنطق الاقتصادي الصرف، فإن الاعتماد على الذات وتنويع الخيارات المتاحة أمام الدولة هما عاملان أساسيان في أمنها. ولذلك سعت دول العالم وخاصة الدول المتقدمة إلى إيجاد خيارات أخرى مساعدة أو مساندة لتأمين الطاقة كجزء من أمنها الاستراتيجي، وتنوعت هذه الخيارات بين البحث واستكشاف مناطق جديدة يكمن فيها النفط والغاز بكميات كبيرة للتعويض أو تنويع المصادر أو تقليل الاعتماد على المناطق الحالية كمنطقة الخليج، وبين التوسع في الاعتماد على الطاقة النووية في القطاعات الاستراتيجية، ودعم البحث الجاد عن مصادر بديلة.
وحسب بول سايمونز نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية فإن سياسة الولايات المتحدة في مجال أمن الطاقة تعتمد على أربعة عناصر: تشجيع تحقيق تنوع مصادر الطاقة وإمداداتها في كل أنحاء العالم، والعمل مع الدول المستهلكة للنفط على معالجة أمر توقف الإمدادات وخاصة من خلال استخدام مخزون احتياطي النفط الاستراتيجي، ومواصلة الحوار مع الدول المصدرة للنفط للمساعدة على استمرار السياسات الإنتاجية المسؤولة لدعم اقتصاد عالمي متنام وتقليص تقلب الأسعار في سوق النفط، والعمل مع الدول الأخرى على تقليص الاعتماد على النفط من خلال تشجيع استخدام الطاقة بشكل فعال والتوصل إلى مصادر بديلة عن الطاقة.
ويفهم مما سبق أن أمن الطاقة كما تدركه الولايات المتحدة (أكبر مستهلكي الطاقة في العالم) وكافة الدول الصناعية لا يغفل حقيقة أن العالم لا يمكنه الاستغناء عن النفط والغاز الطبيعي لتلبية النمو المتوقع في الطلب على الطاقة، فالنمو السريع للاقتصاد العالمي يستدعي زيادات كبيرة في إمدادات الطاقة على مدى ربع القرن المقبل، حيث إن الاعتماد على مصادر أخرى للطاقة مثل الفحم والطاقة النووية والمصادر المتجددة والبديلة سيكون مساعداً على تلبية الطلب وليس متجاوزاً لأهمية النفط والغاز والحاجة إليهما، فلكل من مصادر الطاقة تحدياته الخاصة التي تتعلق بالسلامة والبيئة والسياسة وعقبات اقتصادية، والتي تحتاج إلى جهود كبيرة للتغلب عليها من أجل إنتاجه وتوريده واستعماله بشكل متزايد.
ولا يتوقف الأمر على الدول الصناعية الغربية، فقارة آسيا تعتبر سوقاً ضخمة للنفط، ويعتمد أمنها الاقتصادي بالدرجة الأولى على النفط المصدّر من الخليج، فالتزايد السكاني المطرد في دول آسيوية عدة وخاصة في الصين والهند وزيادة حجم النمو الاقتصادي وكذلك زيادة حجم التصنيع على نطاق لم يسبق له مثيل فيها، كلها أدت إلى أن يصبح أمن الطاقة إحدى أهم ركائز وسياسات هذه الدول. وكما قال وزير البترول والثروة المعدنية السعودي علي النعيمي في اللقاء الثاني لوزراء الطاقة في آسيا في الرياض في مايو 2007 فإن المتوقع أن يأتي الجزء الأكبر من زيادة الطلب العالمي على الطاقة في المستقبل من القارة الآسيوية التي تسهم بنسبة 50 في المائة من هذه الزيادة العالمية. وبهذا الصدد حاول طمأنة هذه الدول بتلبية حاجاتها من النفط، حيث أكد على أهمية روابط الطاقة العلاقة الاعتمادية التبادلية بين شرق آسيا وغربها، مشيراً إلى أن ثلثي صادرات النفط يذهبان من غرب آسيا إلى شرقها.
ونتيجة لاعتماد أمن الطاقة العالمي في جزء كبير منه كما تبين على منطقة الخليج، فقد أضحى أمنها واستقرارها أولوية في الأجندة العالمية، ويستدعي ذلك اهتمام دول العالم بتجنيب منطقة الخليج المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تجر المنطقة إلى اضطرابات لا تنعكس عليها فقط، وإنما تمتد آثارها إلى العالم بأسره. ففي هذه المرحلة أصبح تعرض أنبوب للنفط في نيجيريا لاعتداء يؤثر في السوق العالمية للنفط، ويفاقم مشكلة تزايد الأسعار. فالأولى أن تبذل جهود إقليمية ودولية كبرى لمنع وقوع اضطرابات تخل بأمن منطقة الخليج التي تمد العالم بجزء كبير منه. ومع تزايد الأسعار إلى مستويات قياسية لامست حاجز الـ 100 دولار للبرميل، أصبحت المشكلة ليس في وقوع اضطراب يوقف أو يقطع النفط فقط، وإنما أيضاً في مجرد إشاعة أجواء عدم الاستقرار الذي أصبح يؤثر بشكل مباشر في سوق الطاقة العالمية، ومن ثم في أمنها.
::/fulltext::
::cck::3393::/cck::
