البرنامج النووي الإيراني وتداعياته العسكرية
::cck::3410::/cck::
::introtext::
لا يزال البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل يفرض حضوره على قائمة الأحداث العالمية والإقليمية، وذلك تحسباً لتداعياته إذا ما فلتت الأمور، والعرب قالت منذ القدم (الحرب أولها الكلام)، وها هي حقبة الكلام بين كل من إيران والمجتمع الدولي بقيادة أمريكا توشك على النهاية.. وذلك بصدور قرار العقوبات الثاني لمجلس الأمن ضد إيران وبالإجماع.
::/introtext::
::fulltext::
لا يزال البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل يفرض حضوره على قائمة الأحداث العالمية والإقليمية، وذلك تحسباً لتداعياته إذا ما فلتت الأمور، والعرب قالت منذ القدم (الحرب أولها الكلام)، وها هي حقبة الكلام بين كل من إيران والمجتمع الدولي بقيادة أمريكا توشك على النهاية.. وذلك بصدور قرار العقوبات الثاني لمجلس الأمن ضد إيران وبالإجماع.
يتسارع في الوقت نفسه إيقاع تكدس وحشد العتاد والعدة لزوم الخيار العسكري حتى وصل عدد حاملات الطائرات في الخليج العربي إلى ثلاث حاملات، إضافة للقطع العسكرية الأخرى، أخص بالذكر منها الغواصات حاملة الصواريخ الموجهة، وهذه الحشود لا يمكن مواصلة النظر إليها على أنها من باب التهويش فقط (لارتفاع تكاليفها) وعلى الرغم من كل هذه الشواهد التي لا تحتاج إلى خبير لتحليل خطورتها، إلا أن البعض لا يزال مستغرقاً في مرحلة الإنكار (Denial Phase) ويمني النفس بالنهوض من هذا الكابوس الخليجي الذي طال ليله واختفى بدره.
وسوف نتناول بشيء من التفصيل الموجز تداعيات برنامج إيران النووي، متجاوزين جوانب مهمة مثل الجدل السياسي الدائر بين كل من إيران والمجتمع الدولي حول ما تدعيه إيران من حقها في تخصيب اليورانيوم ومعارضة المجتمع الدولي لذلك. فلا نعتقد أن إيران تجهل منطق القوة الذي تواجهه من قبل المجتمع الدولي، وهو بالمناسبة المنطق نفسه الذي تتبناه إيران ضد دول الخليج العربية عندما صمّت إذنيها عن قلق هذه الدول تجاه سياسات إيران في العراق، ومحاولة تغلغل وبسط نفوذها في البلاد العربية، وقبل ذلك تجاهلها نداء صوت الحكمة لدولة الإمارات العربية المتحدة لنزع فتيل أزمة مشكلة الجزر العربية المحتلة باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، كما سوف نتجاوز مدى أهمية هذا المشروع النووي الإيراني وخطورته على البيئة وتوقيته وترتيب أولوياته الإيرانية وأهميته للشعب الإيراني المتطلع للتنمية والتمتع بخيرات الوطن بعيداً عن أجواء المواجهة والتوتر والحروب، وهو تطلع مشروع بموجبه وصل الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى الحكم عندما رفع شعار (مال النفط للشعب)، وليس للمغامرات الحربية. وها هو النفط يستقر بأسعاره المرتفعة لمدة طويلة لتتكدس مليارات الدولارات التي سوف تهدر لمصلحة الدول المصنعة للسلاح، ولا يستفيد منها الشعب الإيراني.
نعم سوف نتجاوز زوايا وجوانب مهمة في سياق تصاعد وتراكم سحب التوتر في منطقة الخليج للمرة الرابعة في مدة لم تُكمل العقود الثلاثة، ونركز على ما هو أهم وهو تداعيات الموقف الإيراني من برنامجه النووي كطرف بمواجهة المجتمع الدولي كطرف مقابل، وذلك من خلال استقراء الأحداث بشكل موضوعي بعيداً عن مفردات التمني أو التسطيح أو التهويل، متناولين إمكانية المواجهة العسكرية ونظام المعركة لدى الطرفين (Order of Battle) والأهداف المرشحة بقائمة التدمير وشكل ونمط هذه المواجهة (المعركة) وإفرازات وتداعيات ذلك كله، ومن ثم نختم بواجبات واستعدادات المستقبل، آملين ونحن نتعاطى الواقعية في أن نخلق وعياً نستطيع بموجبه مواجهة التحديات المستقبلية وذلك بتسخير كافة الإمكانيات المتاحة لتفادي ـ أو على الأقل تقليل ـ تداعيات هذا الظرف الخطير واحتمالات الحرب وما تجره من دمار.
نظام المعركة: من المعروف أن ميزان القوة في منطقة الخليج العربي ومنذ القدم يميل بشكل كبير لصالح إيران، فإيران قدرها رغم كبر مساحتها وكثر عدد سكانها أن توالت على حكمها أنظمة تعشق اقتناء السلاح، فكان شاه إيران الراحل يكدس أحدث وأعقد الأسلحة والمعدات المتقدمة في إيران، ثم يأتي النظام الحالي الذي لم يستفد كثيراً لا من ذلك السلاح ولا من دروس عدم جدوى تكديسه عندما تقرر الدول المصنعة للسلاح تحويله إلى خردة، وذلك عند الامتناع عن دعمه أو بتعطيله بالوسائل اللوجستية أو الإلكترونية المزروعة داخله، ورغم ذلك فالنظام الإيراني الحالي سجّل أرقاماً غير مسبوقة بالصرف على الإنفاق العسكري، فلو علمنا أن المتاح لإيران هو السلاح الشرقي المتواضع الإمكانيات لاستطعنا أن نتصور أن إيران لم تُوفق في توجيه ميزانية التسليح لدعم قوتها أمام الأخطار التي قد تواجهها وعلى رأسها الدول الغربية المعروفة بتقدمها بالتقنية العسكرية. وفي استعراض ـ بشكل مبسط ـ ما لدى كل من إيران والمجتمع الدولي من إمكانيات للمعركة ـ إذا ما اندلعت لا سمح الله ـ وهو ما يسمى بالعرف العسكري نظام المعركة (Order of Battle)، فنجد أن إيران لديها جيش وقوة جوية وبحرية مزودة معظمها بالسلاح المتواضع الإمكانيات الفنية والتقنية، كما لدى إيران أنواع متعددة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى تصل إلى 2000 كيلومتر وهذه الصواريخ غير دقيقة الإصابة لخلوها من أجهزة التوجيه، أما الغواصات الكبيرة الموجودة لدى إيران فعددها محدود وصناعتها بدائية تصلح للتدريب ولا تصلح للقتال خاصة أمام الدول المتقدمة.
بالمقابل نجد أن المجتمع الدولي لديه من الإمكانيات التقنية والعسكرية ما يجعله متفوقاً على إيران تفوقاً نوعياً وكمياً وبشكل ساحق، ولا نعتقد أننا بحاجة لأن نوضح أو حتى نعلق على الإمكانيات التقنية والعسكرية المتاحة للعالم المتقدم المُصنع للسلاح، خاصة عندما يكون موحداً كما هو عليه الآن ضد رغبة إيران، فترسانة بعض من هذه الدول شاهدنا استعراض شيء من قدراتها في كل من حرب تحرير الكويت، وضد كل من نظام طالبان في أفغانستان، وأخيراً عند القضاء على النظام العراقي السابق، وفي كل مرة نلمس مدى التطور والدقة والكفاءة التي تتميز بها هذه المعدات والتي جعلت الحرب على ما فيها من ويلات ودمار وكأنها لعبة إلكترونية على (نمط البلاي ستيشن) بيد الدول المتقدمة.
حتمية المواجهة: ومع ذلك فإيران تدعي أن قطار قرارها بتخصيب اليورانيوم ينطلق من دون تردد ومن دون كوابح! بالمقابل المجتمع الدولي يرفض هذا الاندفاع غير المحمود العواقب، ويصر على أن تبادر إيران إلى وقف قطار الموت هذا بنفسها حتى لا يضطر المجتمع الدولي لنسف القطار وكل المحطات التي انطلق منها أو يمر فيها.
وهكذا تستمر إيران في مواجهة المجتمع الدولي رافضة الاستفادة من دروس الحروب التي حدثت في المنطقة، وتصر على زج شعبها في مواجهة وأتون حرب غير متكافئة وسط تشجيع بعض من سيطرت عليهم العاطفة وحلّقوا في فضاء التمني والانتقام من سياسة المجتمع الدولي التي لا تلقى ترحيباً لانحيازها وتعدد معاييرها. ومجموعة التحريض هذه هي المجموعة نفسها التي حرضت طالبان وصدام على المواجهة وما أشبه اليوم بالبارحة، وإذا ما أضفنا عاملاً آخر لا يقل أهمية وهو عدم ارتياح المجتمع الدولي لحكم نظام الملالي في إيران، إذاً فستكون المواجهة وهذا ما يحبه ويتمناه الكيان الصهيوني الإسرائيلي لإيران.
تصور المعركة: البعض ليس لديه تصور للكيفية التي يمكن أن تنفذ بها العمليات العسكرية بين كل من إيران والمجتمع الدولي بقيادة أمريكا.. والبعض الآخر يرفض مواجهة الواقع الخطير للتصعيد الذي يحدث في المنطقة ويستغرق كما ذكرنا آنفاً في مرحلة الإنكار (Denial Phase)، ويستبعد حدوث ما نكره وهو (الحرب)، معللاً ذلك بأن إيران دولة كبيرة المساحة كثيرة السكان ومصالح المجتمع الدولي في مرمى النيران الإيرانية.. وهكذا هو تفسير هذا البعض عند استبعاد خيار العمل العسكري من منطلق أن لإيران قوة ردع يجب أن يخشاها المجتمع الدولي، مبنية على الانتقام وإغلاق الممرات المائية وهدم (المعبد) على من فيه. إذاً إيران تتمرد على الإرادة الدولية وحتى قبل أن يصل قطارها النووي إلى أي محطة حتى الآن! فكيف سوف يكون سلوكها إذا ما سمح لقطار الموت هذا بأن يستمر؟
بإصرار إيران على تخصيب اليورانيوم ورفض المجتمع الدولي تكون المواجهة حتمية، ولكن كيف؟ دول المجتمع الدولي في الوقت الذي كانت مستمرة في المساعي السلمية والسياسية لحث إيران على وقف برنامج تخصيب اليورانيوم، كانت تعد العدة لتنفيذ خطة الخيار العسكري والخطة ـ وهي في سياق العمليات العسكرية الاستباقية ـ يمكن تصور بنائها كعملية (نحر البعير)، حيث يتم عقل البعير وشل حركته ومن ثم نحره بسكين صغيرة لا يتجاوز حجمها كف اليد، إذ سوف تستهدف وتُعطِل وتشوش معدات الحرب الإلكترونية للتحالف الدولي كافة وسائل الاتصال والقيادة والسيطرة الإيرانية بما في ذلك أجهزة الإعلام من المحطات الفضائية الراديو والتلفزيون ومحطات الرادار المختلفة وحتى الهواتف النقالة، أما بالنسبة للقطع البحرية فسوف تهيم في البحر شأنها شأن المعدات العسكرية الأخرى من دون وسائل اتصال ولا قيادة ولا سيطرة، في الوقت نفسه تقوم طائرات التحالف التي لا يمكن أن يرصدها الرادار، والصواريخ بعيدة المدى دقيقة التوجيه والإصابة بقصف وتدمير مواقع الصواريخ الإيرانية، أما الغواصات الإيرانية فسوف تكون أول من يخرج من المعركة بسبب رصدها وتعقبها المستمر وإمكانياتها البدائية، أما القوة الجوية الإيرانية فسوف تحيّد قبل بداية العملية لتمتع القوات الدولية بالسيادة الجوية على مسرح العمليات. إذاً يمكن تلخيص تفوق إمكانيات المجتمع الدولي على إيران وفق الأسبقية في هذه المعايير الثلاثة: (رؤية.. رمي.. تدمير.. الهدف أولاً)، فإيران بالنسبة للمجتمع الدولي كالكتاب المفتوح من خلال تقنية الأقمار الصناعية ومعدات الاستشعار عن بعد، كما أن مدى ودقة أسلحة المجتمع الدولي يتفوقان بنسبة كبيرة عما هو موجود لدى إيران.
الأهداف المرشحة للقصف: إيران سوف تتعرض لهجوم (أشباح) تقنية المجتمع الدولي الفائقة، فهم يرونها ولا تراهم، يطالونها ولا تطالهم.. يقاتلونها ولا تستطيع الوصول إليهم. ومن المهم هنا أن نؤكد استبعاد الغزو البري أو حتى البحري لقوات التحالف.. فهدف العملية هو تدمير كافة منشآت ومعدات ومواقع البرنامج النووي الإيراني.. وهنا أستبعد قصف المواقع التي تحتوي على المواد المشعة.. فذلك لعمري إن حدث يكون كمثل الذي أراد قتل ذبابة هبطت على بطن زوجته الحامل برميها ببندقية الصيد. فمن غير المعقول أن يتم تجاهل ذلك الأثر المدمر على البيئة بما فيها من إنسان ونبات وحيوان، وبالطبع كل ذلك لا يعني أن المنطقة لن تكون بخطر، فمن المؤكد أن الصواريخ الإيرانية سوف يفلت جزء منها لتنطلق باتجاه أهدافها العشوائية نظراً لضعف إمكانيات التوجيه، كما أن محاولة عرقلة استمرار الملاحة في الخليج العربي من قبل القوات الإيرانية لن تكون مفاجئة.. وسرعان ما تتناقل وكالات الأنباء هذا الخبر العاجل: (انطلقت صفارات الإنذار.. كما سمع دوي انفجارات.. وانقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق.. وتم رصد بعض العمليات المخلة بالأمن في بعض دول الخليج العربية، أسعار البترول تسجل ارتفاعاً غير مسبوق..) هذا جزء من العواقب المتوقعة.
الجانب الأمني: يشكل الهاجس الأمني بشقيه العسكري وعمليات الأمن الداخلي الهم الأكبر لتداعيات تدهور وانفلات الوضع و(اندلاع المعركة) لما له من تأثير سلبي مباشر في مختلف الجوانب الحياتية الأخرى، ومن أهم المخاطر العسكرية سقوط بعض الصواريخ الإيرانية الضعيفة التوجيه والعشوائية الإصابة على المواقع الآهلة بالسكان أو على المنشآت المهمة كمحطات تقطير المياه وتوليد الكهرباء أو المنشآت البترولية من حقول إنتاج أو مصاف أو لا سمح الله تلك التي تحتوي على مخزون مواد سامة وخطرة. أما الجانب المتعلق بعمليات الأمن الداخلي فتعتبر من الهواجس الواجب الاستعداد لها بكل الإمكانيات والحزم المطلوب، خاصة في ظل تركيبة سكانية بلغت فيها أعداد بعض الجاليات نسباً كبيرة وغير أمنية قد تخرج عن السيطرة إذا لم تتم معالجتها بالسرعة الممكنة وقبل فوات الأوان.. وهناك أيضاً بعض من تجاوز ولاؤه حدود وطنه قد يعمل كـ (طابور خامس) بالتصريحات أو الفاكسات التي قد تستهدف الوحدة الوطنية، كما أن إعلان إيران في الفترة الماضية عن تجهيز أكثر من خمسين ألف مقاتل انتحاري للقيام بأعمال انتقامية عند تعرض إيران للعمل العسكري.. هذا التصريح يجب أن يؤخذ على محمل الجد والحزم، إذاً التحديات الأمنية كبيرة وخطيرة ويجب مواجهتها بالتخطيط والإعداد الجيد.
الدين النصيحة: نود أن نهمس بأذن الجارة المسلمة إيران بالمعلومات المتداولة ضمن التقارير المتخصصة ـ والتي لا نظن أنها غائبة عن المسؤولين في إيران ـ التي تفيد بأن (المجتمع الدولي على قناعة راسخة بأن إيران تسعى جاهدةً إلى امتلاك القنبلة النووية… وهو غير مطمئن لنوايا حكام إيران واستمرار بقائهم في السلطة، وقوات التحالف سوف تكون مستعدة لشن حرب أكبر في حال تطور المواجهة، وأن استقرار وربما زعزعة النظام الإيراني سوف تكون من أهداف العمل العسكري، وقوات التحالف سوف تضرب الكثير من الأهداف التي قد لا تكون لها علاقة مباشرة بالبرنامج النووي الإيراني بهدف نجاح الهجوم من ناحية وإخضاع النظام الإيراني للإرادة الدولية أو تقويضه). هذه بعض ـ وليس كل ـ جوانب صور أحداث المستقبل، إذا لم تبادر جارتنا المسلمة إيران إلى نزع فتيل التوتر وتفويت الفرصة على ما يتمناه الكيان الصهيوني لإيران من استمرار التعنت والاندفاع غير المحسوب وغير محمود العواقب، وذلك عندما تستجيب إيران لمناشدة المجتمع الدولي (امشي عدل يحتار عدوك فيك)، ولعل أهم خطوة يمكن أن تخطوها إيران فيما بعد في سبيل تحقيق طموحاتها هي العمل أولاً على فك عزلتها بتطبيع علاقاتها مع المجتمع الدولي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3410::/cck::
::introtext::
لا يزال البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل يفرض حضوره على قائمة الأحداث العالمية والإقليمية، وذلك تحسباً لتداعياته إذا ما فلتت الأمور، والعرب قالت منذ القدم (الحرب أولها الكلام)، وها هي حقبة الكلام بين كل من إيران والمجتمع الدولي بقيادة أمريكا توشك على النهاية.. وذلك بصدور قرار العقوبات الثاني لمجلس الأمن ضد إيران وبالإجماع.
::/introtext::
::fulltext::
لا يزال البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل يفرض حضوره على قائمة الأحداث العالمية والإقليمية، وذلك تحسباً لتداعياته إذا ما فلتت الأمور، والعرب قالت منذ القدم (الحرب أولها الكلام)، وها هي حقبة الكلام بين كل من إيران والمجتمع الدولي بقيادة أمريكا توشك على النهاية.. وذلك بصدور قرار العقوبات الثاني لمجلس الأمن ضد إيران وبالإجماع.
يتسارع في الوقت نفسه إيقاع تكدس وحشد العتاد والعدة لزوم الخيار العسكري حتى وصل عدد حاملات الطائرات في الخليج العربي إلى ثلاث حاملات، إضافة للقطع العسكرية الأخرى، أخص بالذكر منها الغواصات حاملة الصواريخ الموجهة، وهذه الحشود لا يمكن مواصلة النظر إليها على أنها من باب التهويش فقط (لارتفاع تكاليفها) وعلى الرغم من كل هذه الشواهد التي لا تحتاج إلى خبير لتحليل خطورتها، إلا أن البعض لا يزال مستغرقاً في مرحلة الإنكار (Denial Phase) ويمني النفس بالنهوض من هذا الكابوس الخليجي الذي طال ليله واختفى بدره.
وسوف نتناول بشيء من التفصيل الموجز تداعيات برنامج إيران النووي، متجاوزين جوانب مهمة مثل الجدل السياسي الدائر بين كل من إيران والمجتمع الدولي حول ما تدعيه إيران من حقها في تخصيب اليورانيوم ومعارضة المجتمع الدولي لذلك. فلا نعتقد أن إيران تجهل منطق القوة الذي تواجهه من قبل المجتمع الدولي، وهو بالمناسبة المنطق نفسه الذي تتبناه إيران ضد دول الخليج العربية عندما صمّت إذنيها عن قلق هذه الدول تجاه سياسات إيران في العراق، ومحاولة تغلغل وبسط نفوذها في البلاد العربية، وقبل ذلك تجاهلها نداء صوت الحكمة لدولة الإمارات العربية المتحدة لنزع فتيل أزمة مشكلة الجزر العربية المحتلة باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، كما سوف نتجاوز مدى أهمية هذا المشروع النووي الإيراني وخطورته على البيئة وتوقيته وترتيب أولوياته الإيرانية وأهميته للشعب الإيراني المتطلع للتنمية والتمتع بخيرات الوطن بعيداً عن أجواء المواجهة والتوتر والحروب، وهو تطلع مشروع بموجبه وصل الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى الحكم عندما رفع شعار (مال النفط للشعب)، وليس للمغامرات الحربية. وها هو النفط يستقر بأسعاره المرتفعة لمدة طويلة لتتكدس مليارات الدولارات التي سوف تهدر لمصلحة الدول المصنعة للسلاح، ولا يستفيد منها الشعب الإيراني.
نعم سوف نتجاوز زوايا وجوانب مهمة في سياق تصاعد وتراكم سحب التوتر في منطقة الخليج للمرة الرابعة في مدة لم تُكمل العقود الثلاثة، ونركز على ما هو أهم وهو تداعيات الموقف الإيراني من برنامجه النووي كطرف بمواجهة المجتمع الدولي كطرف مقابل، وذلك من خلال استقراء الأحداث بشكل موضوعي بعيداً عن مفردات التمني أو التسطيح أو التهويل، متناولين إمكانية المواجهة العسكرية ونظام المعركة لدى الطرفين (Order of Battle) والأهداف المرشحة بقائمة التدمير وشكل ونمط هذه المواجهة (المعركة) وإفرازات وتداعيات ذلك كله، ومن ثم نختم بواجبات واستعدادات المستقبل، آملين ونحن نتعاطى الواقعية في أن نخلق وعياً نستطيع بموجبه مواجهة التحديات المستقبلية وذلك بتسخير كافة الإمكانيات المتاحة لتفادي ـ أو على الأقل تقليل ـ تداعيات هذا الظرف الخطير واحتمالات الحرب وما تجره من دمار.
نظام المعركة: من المعروف أن ميزان القوة في منطقة الخليج العربي ومنذ القدم يميل بشكل كبير لصالح إيران، فإيران قدرها رغم كبر مساحتها وكثر عدد سكانها أن توالت على حكمها أنظمة تعشق اقتناء السلاح، فكان شاه إيران الراحل يكدس أحدث وأعقد الأسلحة والمعدات المتقدمة في إيران، ثم يأتي النظام الحالي الذي لم يستفد كثيراً لا من ذلك السلاح ولا من دروس عدم جدوى تكديسه عندما تقرر الدول المصنعة للسلاح تحويله إلى خردة، وذلك عند الامتناع عن دعمه أو بتعطيله بالوسائل اللوجستية أو الإلكترونية المزروعة داخله، ورغم ذلك فالنظام الإيراني الحالي سجّل أرقاماً غير مسبوقة بالصرف على الإنفاق العسكري، فلو علمنا أن المتاح لإيران هو السلاح الشرقي المتواضع الإمكانيات لاستطعنا أن نتصور أن إيران لم تُوفق في توجيه ميزانية التسليح لدعم قوتها أمام الأخطار التي قد تواجهها وعلى رأسها الدول الغربية المعروفة بتقدمها بالتقنية العسكرية. وفي استعراض ـ بشكل مبسط ـ ما لدى كل من إيران والمجتمع الدولي من إمكانيات للمعركة ـ إذا ما اندلعت لا سمح الله ـ وهو ما يسمى بالعرف العسكري نظام المعركة (Order of Battle)، فنجد أن إيران لديها جيش وقوة جوية وبحرية مزودة معظمها بالسلاح المتواضع الإمكانيات الفنية والتقنية، كما لدى إيران أنواع متعددة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى تصل إلى 2000 كيلومتر وهذه الصواريخ غير دقيقة الإصابة لخلوها من أجهزة التوجيه، أما الغواصات الكبيرة الموجودة لدى إيران فعددها محدود وصناعتها بدائية تصلح للتدريب ولا تصلح للقتال خاصة أمام الدول المتقدمة.
بالمقابل نجد أن المجتمع الدولي لديه من الإمكانيات التقنية والعسكرية ما يجعله متفوقاً على إيران تفوقاً نوعياً وكمياً وبشكل ساحق، ولا نعتقد أننا بحاجة لأن نوضح أو حتى نعلق على الإمكانيات التقنية والعسكرية المتاحة للعالم المتقدم المُصنع للسلاح، خاصة عندما يكون موحداً كما هو عليه الآن ضد رغبة إيران، فترسانة بعض من هذه الدول شاهدنا استعراض شيء من قدراتها في كل من حرب تحرير الكويت، وضد كل من نظام طالبان في أفغانستان، وأخيراً عند القضاء على النظام العراقي السابق، وفي كل مرة نلمس مدى التطور والدقة والكفاءة التي تتميز بها هذه المعدات والتي جعلت الحرب على ما فيها من ويلات ودمار وكأنها لعبة إلكترونية على (نمط البلاي ستيشن) بيد الدول المتقدمة.
حتمية المواجهة: ومع ذلك فإيران تدعي أن قطار قرارها بتخصيب اليورانيوم ينطلق من دون تردد ومن دون كوابح! بالمقابل المجتمع الدولي يرفض هذا الاندفاع غير المحمود العواقب، ويصر على أن تبادر إيران إلى وقف قطار الموت هذا بنفسها حتى لا يضطر المجتمع الدولي لنسف القطار وكل المحطات التي انطلق منها أو يمر فيها.
وهكذا تستمر إيران في مواجهة المجتمع الدولي رافضة الاستفادة من دروس الحروب التي حدثت في المنطقة، وتصر على زج شعبها في مواجهة وأتون حرب غير متكافئة وسط تشجيع بعض من سيطرت عليهم العاطفة وحلّقوا في فضاء التمني والانتقام من سياسة المجتمع الدولي التي لا تلقى ترحيباً لانحيازها وتعدد معاييرها. ومجموعة التحريض هذه هي المجموعة نفسها التي حرضت طالبان وصدام على المواجهة وما أشبه اليوم بالبارحة، وإذا ما أضفنا عاملاً آخر لا يقل أهمية وهو عدم ارتياح المجتمع الدولي لحكم نظام الملالي في إيران، إذاً فستكون المواجهة وهذا ما يحبه ويتمناه الكيان الصهيوني الإسرائيلي لإيران.
تصور المعركة: البعض ليس لديه تصور للكيفية التي يمكن أن تنفذ بها العمليات العسكرية بين كل من إيران والمجتمع الدولي بقيادة أمريكا.. والبعض الآخر يرفض مواجهة الواقع الخطير للتصعيد الذي يحدث في المنطقة ويستغرق كما ذكرنا آنفاً في مرحلة الإنكار (Denial Phase)، ويستبعد حدوث ما نكره وهو (الحرب)، معللاً ذلك بأن إيران دولة كبيرة المساحة كثيرة السكان ومصالح المجتمع الدولي في مرمى النيران الإيرانية.. وهكذا هو تفسير هذا البعض عند استبعاد خيار العمل العسكري من منطلق أن لإيران قوة ردع يجب أن يخشاها المجتمع الدولي، مبنية على الانتقام وإغلاق الممرات المائية وهدم (المعبد) على من فيه. إذاً إيران تتمرد على الإرادة الدولية وحتى قبل أن يصل قطارها النووي إلى أي محطة حتى الآن! فكيف سوف يكون سلوكها إذا ما سمح لقطار الموت هذا بأن يستمر؟
بإصرار إيران على تخصيب اليورانيوم ورفض المجتمع الدولي تكون المواجهة حتمية، ولكن كيف؟ دول المجتمع الدولي في الوقت الذي كانت مستمرة في المساعي السلمية والسياسية لحث إيران على وقف برنامج تخصيب اليورانيوم، كانت تعد العدة لتنفيذ خطة الخيار العسكري والخطة ـ وهي في سياق العمليات العسكرية الاستباقية ـ يمكن تصور بنائها كعملية (نحر البعير)، حيث يتم عقل البعير وشل حركته ومن ثم نحره بسكين صغيرة لا يتجاوز حجمها كف اليد، إذ سوف تستهدف وتُعطِل وتشوش معدات الحرب الإلكترونية للتحالف الدولي كافة وسائل الاتصال والقيادة والسيطرة الإيرانية بما في ذلك أجهزة الإعلام من المحطات الفضائية الراديو والتلفزيون ومحطات الرادار المختلفة وحتى الهواتف النقالة، أما بالنسبة للقطع البحرية فسوف تهيم في البحر شأنها شأن المعدات العسكرية الأخرى من دون وسائل اتصال ولا قيادة ولا سيطرة، في الوقت نفسه تقوم طائرات التحالف التي لا يمكن أن يرصدها الرادار، والصواريخ بعيدة المدى دقيقة التوجيه والإصابة بقصف وتدمير مواقع الصواريخ الإيرانية، أما الغواصات الإيرانية فسوف تكون أول من يخرج من المعركة بسبب رصدها وتعقبها المستمر وإمكانياتها البدائية، أما القوة الجوية الإيرانية فسوف تحيّد قبل بداية العملية لتمتع القوات الدولية بالسيادة الجوية على مسرح العمليات. إذاً يمكن تلخيص تفوق إمكانيات المجتمع الدولي على إيران وفق الأسبقية في هذه المعايير الثلاثة: (رؤية.. رمي.. تدمير.. الهدف أولاً)، فإيران بالنسبة للمجتمع الدولي كالكتاب المفتوح من خلال تقنية الأقمار الصناعية ومعدات الاستشعار عن بعد، كما أن مدى ودقة أسلحة المجتمع الدولي يتفوقان بنسبة كبيرة عما هو موجود لدى إيران.
الأهداف المرشحة للقصف: إيران سوف تتعرض لهجوم (أشباح) تقنية المجتمع الدولي الفائقة، فهم يرونها ولا تراهم، يطالونها ولا تطالهم.. يقاتلونها ولا تستطيع الوصول إليهم. ومن المهم هنا أن نؤكد استبعاد الغزو البري أو حتى البحري لقوات التحالف.. فهدف العملية هو تدمير كافة منشآت ومعدات ومواقع البرنامج النووي الإيراني.. وهنا أستبعد قصف المواقع التي تحتوي على المواد المشعة.. فذلك لعمري إن حدث يكون كمثل الذي أراد قتل ذبابة هبطت على بطن زوجته الحامل برميها ببندقية الصيد. فمن غير المعقول أن يتم تجاهل ذلك الأثر المدمر على البيئة بما فيها من إنسان ونبات وحيوان، وبالطبع كل ذلك لا يعني أن المنطقة لن تكون بخطر، فمن المؤكد أن الصواريخ الإيرانية سوف يفلت جزء منها لتنطلق باتجاه أهدافها العشوائية نظراً لضعف إمكانيات التوجيه، كما أن محاولة عرقلة استمرار الملاحة في الخليج العربي من قبل القوات الإيرانية لن تكون مفاجئة.. وسرعان ما تتناقل وكالات الأنباء هذا الخبر العاجل: (انطلقت صفارات الإنذار.. كما سمع دوي انفجارات.. وانقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق.. وتم رصد بعض العمليات المخلة بالأمن في بعض دول الخليج العربية، أسعار البترول تسجل ارتفاعاً غير مسبوق..) هذا جزء من العواقب المتوقعة.
الجانب الأمني: يشكل الهاجس الأمني بشقيه العسكري وعمليات الأمن الداخلي الهم الأكبر لتداعيات تدهور وانفلات الوضع و(اندلاع المعركة) لما له من تأثير سلبي مباشر في مختلف الجوانب الحياتية الأخرى، ومن أهم المخاطر العسكرية سقوط بعض الصواريخ الإيرانية الضعيفة التوجيه والعشوائية الإصابة على المواقع الآهلة بالسكان أو على المنشآت المهمة كمحطات تقطير المياه وتوليد الكهرباء أو المنشآت البترولية من حقول إنتاج أو مصاف أو لا سمح الله تلك التي تحتوي على مخزون مواد سامة وخطرة. أما الجانب المتعلق بعمليات الأمن الداخلي فتعتبر من الهواجس الواجب الاستعداد لها بكل الإمكانيات والحزم المطلوب، خاصة في ظل تركيبة سكانية بلغت فيها أعداد بعض الجاليات نسباً كبيرة وغير أمنية قد تخرج عن السيطرة إذا لم تتم معالجتها بالسرعة الممكنة وقبل فوات الأوان.. وهناك أيضاً بعض من تجاوز ولاؤه حدود وطنه قد يعمل كـ (طابور خامس) بالتصريحات أو الفاكسات التي قد تستهدف الوحدة الوطنية، كما أن إعلان إيران في الفترة الماضية عن تجهيز أكثر من خمسين ألف مقاتل انتحاري للقيام بأعمال انتقامية عند تعرض إيران للعمل العسكري.. هذا التصريح يجب أن يؤخذ على محمل الجد والحزم، إذاً التحديات الأمنية كبيرة وخطيرة ويجب مواجهتها بالتخطيط والإعداد الجيد.
الدين النصيحة: نود أن نهمس بأذن الجارة المسلمة إيران بالمعلومات المتداولة ضمن التقارير المتخصصة ـ والتي لا نظن أنها غائبة عن المسؤولين في إيران ـ التي تفيد بأن (المجتمع الدولي على قناعة راسخة بأن إيران تسعى جاهدةً إلى امتلاك القنبلة النووية… وهو غير مطمئن لنوايا حكام إيران واستمرار بقائهم في السلطة، وقوات التحالف سوف تكون مستعدة لشن حرب أكبر في حال تطور المواجهة، وأن استقرار وربما زعزعة النظام الإيراني سوف تكون من أهداف العمل العسكري، وقوات التحالف سوف تضرب الكثير من الأهداف التي قد لا تكون لها علاقة مباشرة بالبرنامج النووي الإيراني بهدف نجاح الهجوم من ناحية وإخضاع النظام الإيراني للإرادة الدولية أو تقويضه). هذه بعض ـ وليس كل ـ جوانب صور أحداث المستقبل، إذا لم تبادر جارتنا المسلمة إيران إلى نزع فتيل التوتر وتفويت الفرصة على ما يتمناه الكيان الصهيوني لإيران من استمرار التعنت والاندفاع غير المحسوب وغير محمود العواقب، وذلك عندما تستجيب إيران لمناشدة المجتمع الدولي (امشي عدل يحتار عدوك فيك)، ولعل أهم خطوة يمكن أن تخطوها إيران فيما بعد في سبيل تحقيق طموحاتها هي العمل أولاً على فك عزلتها بتطبيع علاقاتها مع المجتمع الدولي.
::/fulltext::
::cck::3410::/cck::
