الولايات المتحدة وأمن الخليج.. طموح المصالح وحدود القوة

::cck::3437::/cck::
::introtext::

تدرك الولايات المتحدة بعمق مدى الانكشافية التي أصبحت عليها الآن وفي المستقبل المنظور وربما لمدى أبعد من ذلك في مسألة المعادلة النفطية التي تطرح أرقامها بهدف وضع الاعتماد الاستراتيجي المتزايد على واردات الخارج والتي تقرر دراسة عرضتها وكالة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية في العام 2003 أن استهلاك الولايات المتحدة من النفط قد يصل إلى حوالي (29.2 مليون برميل يومياً) في العام 2025 صعوداً من (19.7 مليون برميل يومياً) عام 2000، في الوقت الذي لن يزيد فيه مستوى الإنتاج المحلي على (9.4 مليون برميل يومياً) في العام 2025 مقارنة بحوالي (9 مليون برميل يومياً) عام 2000، وهو ما يعني أن الاعتماد الاستراتيجي على الواردات النفطية سيصل في نهاية هذه الفترة إلى حوالي 68 في المائة من إجمالي الاستهلاك الأمريكي مقارنة بحوالي 44 في المائة عند بدايتها. وعندما تطرح المعادلة النفطية من خلال ذات الدراسة الأمريكية الرسمية أن حصة الاحتياطيات النفطية لمنطقة الخليج تقارب 64.8 في المائة من إجمالي الاحتياطيات العالمية حالياً، وأن حصة إنتاج المنطقة من الإنتاج العالمي للنفط قد ترتفع من مستوى 26.7 في المائة عام 2001 إلى 43.1 في المائة في العام 2025. أي من (20.6 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (77 مليون برميل يومياً) إلى (40.5 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (118.4 مليون برميل يومياً)، فإننا نكون أمام حقيقة أن الولايات المتحدة على يقين بأنها أمام منطقة تصبح فيها المصلحة الحيوية القومية لها هي ضمان تدفق إمدادات النفط من حقول الإنتاج وبأسعار معتدلة في كل الأحوال، وعلى أساس هذه المصلحة تكون صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الأمنية لهذه القوة العظمى الفريدة بأوضاع القوة التي تمتلكها وربما أيضاً بأوضاع الضعف التي تعانيها والتي تبرز منها تلك الاعتمادية الاستراتيجية على واردات نفط خارجية، والتي لم تمارسها طوال تاريخها حتى منتصف عقد السبعينات من القرن المنصرم، حيث لم تكن نسبة هذه الواردات تتعدى الـ 20 في المائة من إجمالي الاستهلاك، وحيث كانت المصلحة الحيوية القومية لها في تلك المنطقة تميل نحو الأهمية الجيواستراتيجية بحكم الموقع ودوره المهم في الاقتراب نحو الاتحاد السوفييتي وتهديده في مناطقه الجنوبية حيث مراكزه الاقتصادية والسكانية الكثيفة.

::/introtext::
::fulltext::

تدرك الولايات المتحدة بعمق مدى الانكشافية التي أصبحت عليها الآن وفي المستقبل المنظور وربما لمدى أبعد من ذلك في مسألة المعادلة النفطية التي تطرح أرقامها بهدف وضع الاعتماد الاستراتيجي المتزايد على واردات الخارج والتي تقرر دراسة عرضتها وكالة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية في العام 2003 أن استهلاك الولايات المتحدة من النفط قد يصل إلى حوالي (29.2 مليون برميل يومياً) في العام 2025 صعوداً من (19.7 مليون برميل يومياً) عام 2000، في الوقت الذي لن يزيد فيه مستوى الإنتاج المحلي على (9.4 مليون برميل يومياً) في العام 2025 مقارنة بحوالي (9 مليون برميل يومياً) عام 2000، وهو ما يعني أن الاعتماد الاستراتيجي على الواردات النفطية سيصل في نهاية هذه الفترة إلى حوالي 68 في المائة من إجمالي الاستهلاك الأمريكي مقارنة بحوالي 44 في المائة عند بدايتها. وعندما تطرح المعادلة النفطية من خلال ذات الدراسة الأمريكية الرسمية أن حصة الاحتياطيات النفطية لمنطقة الخليج تقارب 64.8 في المائة من إجمالي الاحتياطيات العالمية حالياً، وأن حصة إنتاج المنطقة من الإنتاج العالمي للنفط قد ترتفع من مستوى 26.7 في المائة عام 2001 إلى 43.1 في المائة في العام 2025. أي من (20.6 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (77 مليون برميل يومياً) إلى (40.5 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (118.4 مليون برميل يومياً)، فإننا نكون أمام حقيقة أن الولايات المتحدة على يقين بأنها أمام منطقة تصبح فيها المصلحة الحيوية القومية لها هي ضمان تدفق إمدادات النفط من حقول الإنتاج وبأسعار معتدلة في كل الأحوال، وعلى أساس هذه المصلحة تكون صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الأمنية لهذه القوة العظمى الفريدة بأوضاع القوة التي تمتلكها وربما أيضاً بأوضاع الضعف التي تعانيها والتي تبرز منها تلك الاعتمادية الاستراتيجية على واردات نفط خارجية، والتي لم تمارسها طوال تاريخها حتى منتصف عقد السبعينات من القرن المنصرم، حيث لم تكن نسبة هذه الواردات تتعدى الـ 20 في المائة من إجمالي الاستهلاك، وحيث كانت المصلحة الحيوية القومية لها في تلك المنطقة تميل نحو الأهمية الجيواستراتيجية بحكم الموقع ودوره المهم في الاقتراب نحو الاتحاد السوفييتي وتهديده في مناطقه الجنوبية حيث مراكزه الاقتصادية والسكانية الكثيفة.
استراتيجية توازن القوى.. إدمان الفشل

اعتمدت الولايات المتحدة استراتيجية أمنية لمنطقة الخليج إبان الفترة التي شملت عقدي السبعينات والثمانينات في القرن الماضي ترتكز على الحفاظ على توازن القوى في تلك المنطقة في أعقاب الانسحاب البريطاني الرسمي من الخليج في ديسمبر من العام 1971 باعتبار إدراكها لوجود خلل كبير في مستويات توزيع القوة هناك لصالح دولتين هما إيران والعراق في مقابل تدني مستوى القوة لدى باقي الدول لاعتبارات جغرافية واجتماعية وعسكرية. لذا جاء الاعتماد الأمريكي على إيران للعب دور القوة الإقليمية المسؤولة عن ضبط توازنات القوى داخل المنطقة وبما يؤمن الحفاظ على استقلالية دول الخليج العربية المصدرة للنفط والذي يعني تدفقاً مأموناً لصادرات النفط إلى العالم الغربي، إضافة إلى توفير إيران وبعض من هذه الدول تسهيلات وصول عسكرية للولايات المتحدة في حالة تصاعد توتر دولي بين القوتين العظميين، وقد ترجمت الولايات المتحدة هذا الاعتماد ببرامج تسليح متسارعة وطموحة لإيران على مدى خمس سنوات (1972-1977) بلغت قيمتها ما يزيد على 15 مليار دولار أمنت لها تفوقاً عسكرياً واضحاً في مواجهة العراق.
إلا أن سقوط نظام الشاه في ربيع العام 1979 بفعل ممارساته الاستبدادية ووصول نظام ديني متشدد إلى السلطة في طهران أثار بحماسته – وربما بحماقته- الأيديولوجية ورغبته في نقل الثورة إلى الجانب الآخر من الخليج مخاوف إقليمية ودولية، دفعت العراق – وفق حسابات أخرى خاصة – إلى الدخول في صراع عسكري مع إيران استنزف واستنفد قدراتهم على مدى سنوات عقد الثمانينات من القرن الماضي، أدامت فيه الولايات المتحدة استراتيجية توازن القوى مع تغيير الطرف المدعوم ليصبح العراق كموازن في مواجهة خطر الراديكالية الإيرانية الجديدة، إلا أن الأمر اللافت في هذه المرة أن الولايات المتحدة حافظت على مستوى من التوازن أقل مما كان عليه إبان اعتمادها في إيران في العقد السابق، بمعنى أنها قنعت بحيازة الجيش العراقي لقدرة تكفي لمنع عبور إيراني لشط العرب، وما عدا ذلك فقد كان من الأفضل ترك الطرفين الإيراني والعراقي في استهلاك متبادل لمقدراتهما.
البحث عن استراتيجية جديدة في عالم يتحول

أخيراً في صيف عام 1989 توقفت آلة الحرب الإيرانية – العراقية، وبدا أن انتصاراً عراقياً بدعم أمريكي قد تحقق، وأن ميزان القوة قد حسم بشدة لصالح العراق كقوة إقليمية رئيسية، في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة تؤسس لاستراتيجية أمنية جديدة في الخليج بفعل نتائج هذه الحرب الإقليمية التي أكدت فشل استراتيجية توازن القوى التي اتبعتها على مدى عقدين سابقين، وبفعل توالي انحسار الدور السوفييتي المناهض للغرب الذي بدأ مع وصول غورباتشوف إلى الحكم في عام 1985 والذي أدى إلى مغادرة الجيوش السوفييتية أفغانستان في العام نفسه 1989 الذي شهد توقف الحرب الإيرانية – العراقية.
وفي مطلع العام 1990 بدأت ملامح الاستراتيجية الأمنية الجديدة في الخليج للولايات المتحدة تتكرس في القبول بوجود عسكري مباشر في المنطقة – طالما رأت في الماضي الابتعاد عنه – وبالتصدي لأي طموحات هيمنة من قبل القوى الإقليمية وهي تحديداً العراق وإيران، وقد وضح ذلك بشدة في توجيهات التخطيط للدفاع التي أصدرها وزير الدفاع الأمريكي آنذاك (ديك تشيني) في يناير من العام 1990 إلى رئاسة الأركان المشتركة والتي طلب فيها التوقف عن التخطيط لمواجهة غزو سوفييتي محتمل لاحتلال حقول نفط الخليج عبر إيران، وإلى التركيز على التهديدات الإقليمية التي تؤثر في إمدادات النفط في المنطقة وفي استقرار وأمن الدول الصديقة (المنتجة).
وبينما شهد إبريل من العام 1990 اعتماد الخطوط العامة لفكرة خطة عمليات جديدة للقيادة المركزية الأمريكية CENTCOM باسم OPLAN 102-90 تستهدف احتواء هجوم عراقي على حقول النفط في الدول المجاورة جنوبه، وشهد شهر مايو الذي تلاه رسالة الرئيس الأمريكي إلى مؤتمر القمة العربي المنعقد آنذاك في بغداد والتي أكد فيها التزام الولايات المتحدة بتأمين حرية تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وبأمن الدول الصديقة في المنطقة، وبعزم الولايات المتحدة على الاحتفاظ بوجود بحري في الخليج، فإن لحظة تاريخية حانت أمام الولايات المتحدة بعد أقل من ثلاثة أشهر من رسالة الرئيس الأمريكي إلى القمة العربية، وبالتحديد في الثاني من أغسطس 1990 عندما قام العراق بغزو الكويت لتجد الولايات المتحدة نفسها أمام معطيات أوضاع دولية وإقليمية مهّدت لإحكام قبضتها وفرض سيطرتها على منطقة الخليج:
– كانت الحرب الباردة على وشك الانتهاء، فقد انهار حائط برلين وتوحدت ألمانيا وانحل عقد حلف وارسو وبدت بوادر تفكك الاتحاد السوفييتي ذاته.
– كان النظام الدولي القائم على ثنائية القطبية يفسح الطريق أمام نظام دولي جديد غير مسبوق يقوم على قطبية واحدة هي الولايات المتحدة التي خرجت منتصرة في حرب كونية باردة وشرسة بفضل ذلك التمازج البارع بين القوة المادية (الصلبة) غير المسبوقة اقتصادياً وعسكرياً، والقوة اللينة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والإنتاج الثقافي.
– كانت الثورة في الشؤون العسكرية – التقنية التي نادت بها الولايات المتحدة في أوائل الثمانينات وتقاعس عنها الحلفاء الأوروبيون وتخلف عنها السوفييت آنذاك، قد أفرزت هيمنة عسكرية أمريكية غير مسبوقة بفضل ما أتاحته على نحو خاص تقنية المعلومات وأنظمة التسليح المتطورة من قدرة الألمام المتفوق بساحات المعارك وتوجيه ضربات حاسمة وسريعة عبر مديات بعيدة وبدقة عالية. وكان على هذه الهيمنة العسكرية أن تعلن عن نفسها في مكان ما وفي لحظة ما.
عقد من الاستقرار والهيمنة في الخليج
هكذا قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً عسكرياً في يناير 1991 لإخراج العراق من الكويت، فرضت فيه قيوداً وحدوداً على أدوار الحلفاء الأوروبيين المشاركين، وهمشت فيه أدوار باقي القوى الدولية الأخرى وألزمت المجتمع الدولي كله بالتصورات الأمريكية لحل أزمة احتلال الكويت عبر الخيار العسكري وقبل ذلك وبعده استعرضت قدرات عسكرية غير مسبوقة وفرتها لها ثورة الشؤون العسكرية – التقنية وقادتها لإحراز نصر عسكري مثير استغرق 1000 ساعة من عمليات الجو أعقبتها 100 ساعة فقط من عمليات برية حاسمة دمرت فيه معظم الترسانة العسكرية لواحد من أكبر الجيوش التقليدية لدول العالم الثالث.
في أعقاب حرب الخليج الثانية – أو ما عرف بحرب تحرير الكويت – شرعت الولايات المتحدة بتنفيذ استراتيجيتها الأمنية التي كانت قد بدأت في صياغتها على نحو ما في الفترة التي سبقت غزو العراق للكويت، ثم جاءت نتائج هذه الحرب لتوفر لها البيئة الأمنية الإقليمية الملائمة لتنفيذها. ويمكن القول إن المرتكزين الأساسيين لهذه الاستراتيجية الجديدة هما التدخل العسكري المباشر في المنطقة وتولي المسؤولية بالكلية عن تأمين المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة والتي تمحورت حول ضمان تدفق النفط وفق حيز سعري مقبول وما يرتبط به من أمن واستقرار الدول المنتجة له، إضافة إلى الاحتواء المزدوج لمصدري التهديد القائمين في المنطقة وهما العراق وإيران اللتان لم تعد الولايات المتحدة في حاجة إلى أي منهما للعب دور الحارس لمصالحها في المنطقة كما كان الحال إبان استراتيجية توازن القوى, هذا فضلاً عن واقع أن كلتا الدولتين قد أهدرتا مصادر القوة الذاتية بفعل حربهما معاً التي قاربت العشر سنوات، إضافة إلى ما لحق العراق على نحو خاص من دمار هائل بفعل الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في إطار ما عرف بعملية (عاصفة الصحراء).
واعتمد البعد الدفاعي للاستراتيجية الأمنية الأمريكية في مرحلة ما بعد تحرير الكويت على التدخل العسكري المباشر في المنطقة عبر مفهوم الوجود العسكري الأمامي سواء داخل المنطقة أو على هامش المنطقة بالصورة التي تكفل الحفاظ على قوة عسكرية مقنعة قادرة على مواجهة التهديدات الإقليمية سواء بردعها عن القيام بأي عدائيات محتملة ضد المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة أو بهزيمتها بصورة حاسمة حال قيامها بشن تلك العدائيات، وقد اعتمدت الولايات المتحدة على نسقين متتاليين في هذا المجال:
– النسق الأمامي داخل المنطقة: استند إلى سلسلة من الاتفاقيات الدفاعية الثنائية التي عقدتها الولايات المتحدة مع الدول الخليجية خلال النصف الأول من التسعينات والتي أدركت مدى (التعرضية) التي هي عليها والمخاطر المحيطة بها في حال قيام قوة إقليمية بشن عدوان عليها على نحو ما حدث في أزمة غزو الكويت وكيف أن الأمر استلزم 6 أشهر كاملة لبناء قوات أمريكية كافية على الأرض آنذاك لمواجهة العدوان العراقي. وقد وفرت هذه الاتفاقيات التي عقدت مع الدول الخليجية – عدا السعودية –وجود قوة عسكرية قادرة في حالة توافر إنذار مبكر على تأمين أوضاع دفاعية تمكن من احتواء عدوان إقليمي كبير في المراحل الأولى، وتهيئة وصول آمن وسريع لباقي القوات المتدفقة من خارج المسرح لبناء قوة هجومية مقنعة في المراحل التالية من إدارة الأزمة، ويمكن القول إن العناصر الرئيسية لهذا النسق الدفاعي الأمريكي داخل الخليج يشمل:
* تخزين مسبق لأسلحة ومعدات فرقة ميكانيكية ثقيلة من الجيش الأمريكي في منشآت لوجيستية في كل من الكويت وقطر.
* تخزين مسبق عائم لأسلحة ومعدات لواء ميكانيكي ثقيل من الجيش الأمريكي على سفن توجد أمام البحرين.
* تسهيلات جوية تكفي نشر من (4-6) أجنحة مقاتلات جوية في قواعد في كل من الكويت وقطر والبحرين.
* تسهيلات جوية لنشر جناح قاذفات استراتيجية إضافة إلى طائرات إسناد متنوعة في سلطنة عُمان.
وتحتفظ الولايات المتحدة بتسهيلات لوجيستية دائمة تتولى الحفاظ على جاهزية الأسلحة والمعدات المخزنة، إضافة إلى الاحتفاظ بقوة بشرية لتطعيم نسبة من هذه التشكيلات المقاتلة بمختلف مستوياتها بظروف الأوضاع القائمة في المنطقة، بينما تجرى تدريبات دورية على عمليات نشر القوة البشرية المقاتلة لهذه التشكيلات الميدانية المخزنة أسلحتها ومعداتها مسبقاً من قواعد تمركزها في القارة الأمريكية إلى منطقة الخليج باستخدام موارد النقل الجوي الاستراتيجي.
– النسق الخلفي على هامش المنطقة: تحتفظ الولايات المتحدة بهذا النسق أو ما يعرف (بقوات ما وراء الأفق) منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي في منطقة المحيط الهندي وتحديداً في جزيرة (دييموجارسيا) وحولها حيث يتوافر تخزين مسبق عائم على سفن لأسلحة ومعدات وحدات وتشكيلات مقاتلة تتضمن:
* لواء مارينز للنشر السريع
* لواء ميكانيكي ثقيل من الجيش الأمريكي
حيث يمكن لسفن التخزين المسبق العائم الوصول إلى موانئ الخليج خلال 7 أيام فقط من إنذارها بالتحرك وتفريغ حمولاتها خلال 3 أيام تالية في الوقت الذي تدفع فيه القوات البشرية المقاتلة من قواعدها في القارة الأمريكية إلى منطقة الخليج على متن أسطول النقل الاستراتيجي وانضمامها مباشرة إلى أسلحتها ومعداتها (لاحظ أن اللواء السابع المارينز الذي توجد أسلحته ومعداته على سفن عائمة في دييموجارسيا كان أول وحدة قتال أمريكية ثقيلة موجودة على الأرض في مواقع دفاعية شمال الجبيل بحلول 25 أغسطس 1990 إبان أزمة احتلال الكويت).
إضافة إلى وحدات التخزين المسبق العائم لقوات المارينز والجيش، توجد مجموعة حاملة طائرات في منطقة المحيط الهندي قادرة على الوصول إلى داخل منطقة الخليج خلال 6 أيام من صدور أوامر النشر، إضافة إلى تمركز أعداد من القاذفات الاستراتيجية على جزيرة دييموجارسيا قادرة على إدامة هجمات جوية انطلاقا من القاعدة الجوية الموجودة هناك والعودة إليها.
على الجانب السياسي للاستراتيجية الأمنية الأمريكية فيما بعد تحرير الكويت، فقد اعتمدت الولايات المتحدة سياسة (الاحتواء المزدوج) حيث وظفت كل من عقوبات الأمم المتحدة تجاه العراق، والعقوبات الأمريكية ضد إيران بالتوازي مع دبلوماسية نشطة تهدف إلى عزل الدولتين عن إطارهما الإقليمي والدولي عبر مدى زمني يمكن من خلاله تقويض النظام الحاكم في العراق، وتشجيع نهج الاعتدال في السياسة الخارجية لإيران.
الولايات المتحدة إلى بغداد.. عودة إلى عدم الاستقرار
ويمكن القول إن محصلة هذه الاستراتيجية الأمنية الأمريكية التي اعتمدت التدخل المباشر في منطقة الخليج وإمساك الولايات المتحدة بزمام الحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة وردع التهديدات الإقليمية وفرض هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على الإقليم قد جاءت بنتائج متباينة قرب نهاية عقد كامل من الممارسة خلال التسعينات.
* كان هناك نجاح غير مسبوق للشق الدفاعي من الاستراتيجية، حيث وفر مفهوم الوجود العسكري الأمامي داخل وعلى هامش منطقة الخليج قدرة ردع عسكرية مقنعة، مكنت الولايات المتحدة من فرض حالة استقرار لم يشهدها الخليج في العقدين السابقين.
* كان هناك أيضاً فشل واضح للشق السياسي من الاستراتيجية التي اعتمدت سياسة (الاحتواء المزدوج) فالنظام الحاكم في العراق، الذي نجح الشق الدفاعي في الاستراتيجية في شل تهديده العسكري لجيرانه، لم ينجح في الشق السياسي في تقويض سلطته، بل على النقيض نجح النظام في توظيف العقوبات الدولية سواء لكسب الرأي العام في العالم العربي باعتبارها أداة عقوبة ومعاناة على الشعب العراقي أو لحصد مكاسب مالية عبر عمليات التهريب والعمولات لحساب النظام الخاص، بينما نجح النظام الإيراني ليس فقط باعتماد المصالح الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي وكل من روسيا والصين واليابان لكسر طوق العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، ولكنه أضاف مهارة عالية في النفاذ إلى الدائرة الأوسع للشرق الأوسط الكبير عندما أكد نفوذه وتأثيره المعادي للمقاربة الأمريكية لحل الصراع العربي – الإسرائيلي لدعمه سوريا والمقاومة في فلسطين ولبنان.
هكذا وضح أن تغيراً في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في الخليج قد أصبح ضرورياً عند نهاية العام 1998، وفيما سيستمر العمل بالشق الدفاعي الناجح في الاستراتيجية، فإن الشق السياسي سيواجه إعادة توجه حادة نحو تغيير النظام في العراق قبل انهيار نظام العقوبات بالكامل، وبفتح حوار جاد مع التيار الإصلاحي في إيران لمواجهة الاختلافات القائمة بين الدولتين.
الولايات المتحدة وإعادة اختراع العراق.. أخطاء الغطرسة
جاءت اللحظة التي قررت فيها الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية لتغيير النظام الحاكم في العراق، كانت هي نفسها اللحظة التي أنهت فيها الولايات المتحدة أيضاً حقبة استقرار نعمت به منطقة الخليج على مدى عقد كامل في تسعينات القرن المنصرم، كما أن استخدام القوة العسكرية هذه المرة من قبل الولايات المتحدة سيكون في إطار ثلاثة تحولات كبرى تراكمت على مدار الفترة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وغيرت من طبيعة الصراع المسلح:
الأول: إن العالم يعيش عصر نظام عسكري ذي قطب واحد هو الولايات المتحدة، التي تمتلك قوة عسكرية مهيمنة غير قابلة للتحدي، أحد قياساتها على سبيل المثال الإنفاق العسكري فالولايات المتحدة التي كان منافسها في العام 1989 – الاتحاد السوفييتي- يتفوق عليها في هذا المجال، أصبحت في العام 2003 مسؤولة عن 50 في المائة من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، بينما أقرب منافسيها الآن لا يتجاوز نسبة 15 في المائة من الإنفاق العسكري الأمريكي، ولأن الولايات المتحدة تدرك هذا التحول وحالة الهيمنة فقد قررت النزول بحافة استخدام القوة العسكرية من وضعية (الملجأ الأخير) إلى وضعية الاستباقية في الاستخدام على نحو ما أعلنه الرئيس بوش الابن في استراتيجيته الجديدة للأمن القومي التي أعلنها في سبتمبر 2002 والتي عرفت بـ (عقيدة الحرب الاستباقية).
الثاني: التطورات التقنية العسكرية التي أفرزتها الثورة في الشؤون العسكرية والتي وظفت تقنيات المعلومات والاتصالات في إحداث ثورة معلوماتية أتاحت – كما عرضنا سابقاً – إلى جانب أنظمة تسليح جديدة قدرات غير مسبوقة للقادة والقوات في ميدان المعركة سواء في الوعي الآني بالموقف أو في القدرات التدميرية والحركية قادت إلى تفكير المؤسسة العسكرية الأمريكية في استثمار تلك الثورة في استعراض أسلوب جديد للحرب اقتنع به وروج له على نحو خاص المدنيون المهيمنون على صناعة القرار في تلك المؤسسة والذي يعتمد عمليات حاسمة وسريعة بقوات أرضية صغيرة خفيفة الحركة، تمتلك تقنيات عالية في مجالي الاستخبارات ودقة الإصابة، مدعومة باستخدام واسع لقوات العمليات الخاصة والقصف الجوي المكثف والدقيق.
الثالث: إن العالم يتجه نحو أنماط صراع ما بعد الحداثة، التي تتراجع فيه الأطراف التقليدية من الدول – القومية والجيوش الضخمة ذات التنظيمات الهرمية إلى ظاهرة الخصوم العابرين للدول أو المتحررين من عبء تمثيل دول بعينها والتي جاءت بفعل معطيات الدولة الاقتصادية والثقافية وضعف أبنية الدولة القومية، وهؤلاء الخصوم بفعل تحررهم من قيود الدولة ، فإنهم يقاتلون بأساليب غير نظامية وغير تقليدية بما فيها الإرهاب وغالباً ما يعملون خارج منطق الردع وأعراف الحرب ومدعومين بما أصبح يتيحه الفضاء المعلوماتي من فرص ليست فقط قاصرة على التواصل والتوجيه فيما بين عناصرها، وإنما لشن حرب معلومات مؤثرة ضد القيم المادية والمعنوية للدول المستهدفة.
ويبدو أن الولايات المتحدة كانت مدركة – وهي في طريقها إلى العراق – في ربيع العام 2003 للتحولين الأول والثاني اللذين يقران بما آلت إليه مستويات القوة العسكرية الأمريكية من هيمنة غير مسبوقة يصبح من الصعوبة مواجهتها في ميادين الحرب التقليدية، وهو الأمر الذي منعها – ربما بدافع غطرسة القوة وسحر التقنية الحديثة – من إدراك مدى تعرضيتها في حالة مواجهتها لخصوم يستخدمون أساليب الحرب غير المتماثلة ويجيدون استغلال الفضاء المعلوماتي في تنظيم عملياتهم وترويج أفكارهم ورسائلهم على النحو الذي تستعرضه حرب التمرد الجارية الآن في العراق.
وإذا كانت الولايات المتحدة لم تطرح في تخطيطها لحرب العراق احتمال مواجهتها لحرب تمرد غير مهيأة لها باعتبار اعتمادها نمط الحروب التقليدية في تنظيم وتجهيز واستخدام القوة العسكرية، فإن ما فاقم المحصلة السلبية للحرب في العراق أنها صاغت مجموعة أهداف لما بعد الانتصار العسكري المتوقع جاءت طموحة وغير عملية بل وذات طبيعة اقتحامية تتدخل في حقوق حصرية للشعب العراقي، حيث شملت:
تحديد مستقبل التوازن بين الأحزاب السياسية والأيديولوجيات المختلفة بغية تقليص دور التيارين الإسلامي والقومي العربي.
إعادة تشكيل الاقتصاد وفق الأيديولوجية الليبرالية الجديدة التي تؤمن بفكرة الحكومة الضعيفة، والخصخصة الشاملة، والتجارة غير المقيدة، فضلاً عن الأسواق المفتوحة.
إقامة دولة حليفة للولايات المتحدة موثوق بها، صديقة للمصالح الأمريكية وقاعدة انطلاق للمبادرات السياسية والعمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
جاء اندفاع الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف في محاولة لاختراع عراق آخر إلى تبني سياسات متخبطة أفرزت حالة عدم الاستقرار الحالية التي تعم الداخل العراقي والمنطقة بأسرها. فعلى مستوى الداخل العراقي جاء حل الجيش وقوات الشرطة والطرد المتهور لعشرات الآلاف من العاملين في الخدمة المدنية، فضلاً عن العقوبات الشاملة ضد مئات الألوف من أعضاء حزب البعث في المستويات الصغرى ليغذي حركات التمرد بوعاء تجنيد وتعاطف غير محدود، كما جاء استغلال الانقسامات الطائفية والإثنية لاعتبارات تكتيكية واستراتيجية إبان مرحلة العمليات العسكرية الرئيسية، ثم اعتمادها فيما بعد لتسهيل إنجاز أهداف ما بعد الحرب إلى تغذية الصدوع الإثنية والطائفية الموجودة في التركيبة السكانية، وفاقمت احتمال نشوب صراع أهلي لن يستقر داخل حدود الدولة على أي حال، بل سيصل بامتداداته ليشمل كامل المنطقة.
وعلى مستوى النطاق الإقليمي الخليجي فإن هذه الأهداف التي توصّف العراق الجديد كنقطة انطلاق لتنفيذ برامج تحول إكراهية في دول الجوار وليس فقط قصره على كونه نموذجاً لما ينبغي عليه التحول، قد غذت عداء دول مجاورة للعراق ذات حدود عريضة وتداخلات عميقة وروابط ديموغرافية وتاريخية نافذة معه، الأمر الذي جعل منها، خاصة إيران وسوريا، أعداء للمهمة الأمريكية في العراق.
نحو استراتيجية أمنية أمريكية جديدة .. الفرص والمخاطر
البيئة الأمنية غير المستقرة والشديدة التعقيد التي تعيشها منطقة الخليج والتي تدركها الولايات المتحدة باعتبارها ليس أحد أطرافها فقط، ولكن بكونها المسؤولة عن تلك الحالة على الأقل منذ اللحظة التي قررت فيها غزو العراق واحتلاله، أصبحت الآن مجال بحث ونقاش وجدل بعضه (صامت) وكثيره (صاخب) حول كيفية إعادة بناء استراتيجية أمنية جديدة توفر الحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة والتي تبقى على حالها في إدامة تدفق النفط إلى الخارج وفق حيز سعري مقبول، والحفاظ على أمن واستقرار الدول الخليجية العربية المنتجة له، في الوقت نفسه الذي تحتوي فيه التهديدات المدركة على تلك المصالح الحيوية والتي تحددها الولايات المتحدة حالياً في بعدين رئيسيين:
البعد الأول: البرنامج النووي الإيراني، وسعي إيران الحثيث لامتلاك تقنية إنتاج دورة الوقود النووي المتكاملة سواء عبر تخصيب اليورانيوم أو معالجة الوقود النووي المستنفد في محطة إنتاج الطاقة النووية في بوشهر، وهو الأمر الذي كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن وجود برنامج متقدم لدى إيران في هذا المجال قد يوفر لها حيازة أسلحة نووية في مدة زمنية قد لا تتجاوز العامين أو الثلاثة على أقصى تقدير. وتسعى الولايات المتحدة حالياً إلى اعتماد الضغوط السياسية وبناء تكتل دولي لوقف البرنامج ومنح الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا إدارة هذه الضغوط السياسية، في الوقت الذي لا تستبعد فيه – على الأقل إعلامياً – خيار توجيه ضربة عسكرية قاصمة ضد منشآت إيران النووية، ويشاركها هذا الخيار أيضا الطرف الإسرائيلي، إلا أن تعقيدات الوضع السياسي والأمني في العراق ومخاطر تعرض القوات الأمريكية هناك لعمليات رد فعل انتقامية مباشرة من قبل إيران أو غير مباشرة من قبل الجماعات الطائفية الموالية لها قد يفرض قصر استخدام هذا الخيار كإحدى أدوات الضغط الحالية على إيران.
البعد الثاني: مخاطر عدم الاستقرار الداخلي في دول المنطقة وتحدد الولايات المتحدة تلك المخاطر على النحو التالي:
عدم الاستقرار القائم في العراق والذي يهدد بإرسال موجاته الصادمة إلى باقي دول الخليج باعتبار أن اشتعال حرب طائفية في هذا البلد وما قد يستتبعه من تدخل إيراني عسكري سوف يقلب موازين الاستقرار الهشة بين السنة والشيعة في دول الجوار، ويبدو أن إدراك الولايات المتحدة لهذا التهديد باعتباره مشكلة سياسية وليس مشكلة عسكرية قد جاء متأخرا أكثر مما ينبغي.
تزايد المطالب الشعبية داخل الدول العربية الخليجية بإصلاحات سياسية واقتصادية لمواجهة مشكلات غياب المشاركة في القرار وتفشي البطالة وتباطؤ برامج الخدمات الاجتماعية، وهو الأمر الذي أدركت فيه الولايات المتحدة أن عدم الإقرار بتلك المطالب إضافة إلى التلقين العقائدي الراديكالي الإسلامي كان وراء الكراهية العنيفة المتولدة تجاهها والتي أنتجت العمل الإرهابي العنيف في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وقد عبر عن ذلك الإدراك الرئيس الأمريكي بوش الابن بقوله (إن 60 عاماً من تغاضي وتسامح الدول الغربية لافتقاد الحرية في الشرق الأوسط لم تفعل شيئاً لتجعلنا آمنين، لأن الاستقرار على المدى الطويل لا يمكن شراؤه على حساب الحرية).
إن قراءة متأنية لطبيعة الإدراك الأمريكي للمصالح الحيوية والتهديدات القائمة في إقليم الخليج في حقبة ما بعد غزو واحتلال العراق، ومتابعة للأدبيات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية وغير الرسمية المعبرة عن هذا الإدراك إضافة إلى السلوك الأمريكي الحالي وطبيعة تفاعله مع الأحداث الجارية في المنطقة تطرح إصراراً على إدامة وضع الهيمنة الأمريكية في المنطقة القائم منذ ما بعد إخراج العراق من الكويت في العام 1991 والعمل على تعزيز هذه الوضعية عبر استراتيجية أمنية ترتكز على مسارات أربعة:
الأول: احتواء عدم الاستقرار القائم في العراق والعمل على منع امتداداته إلى دول الجوار، وترسم استراتيجية النصر في العراق التي أعلنها الرئيس الأمريكي في 30 نوفمبر 2005 الخطوط العامة لكيفية ذلك الاحتواء التي تشمل:
متابعة عملية (العرقنة) التي تهدف إلى التوسع في بناء واستخدام قوات الأمن العراقية على التوازي مع تخفيض حجم القوات الأمريكية وإبعادها عن المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية.
تعزيز دور القوة الجوية الأمريكية بين قواعد داخل وخارج العراق لتوفير القوة النيرانية المساندة لقوات الأمن العراقية في مواجهة التمرد.
السعي لتفتيت قوى التمرد السنية العربية، عبر جذب التنظيمات السياسية السنية إلى العملية السياسية الجارية في العراق، والتفاوض الانتقائي على جماعات سنية مسلحة دون أخرى.
الثاني: تحجيم الطموح النووي الإيراني في حدوده الدنيا، وهو ما يعني الاستمرار في الضغط السياسي وحشد القوى الدولية الكبرى خاصة الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى روسيا والصين لبناء موقف دولي موحد يمنع إيران من حيازة برنامج دورة إنتاج الوقود النووي الكاملة تحت أي ذرائع، عبر إمدادها باحتياجاتها من الوقود النووي والسيطرة على حلقة الاستخدام واستعادة المستنفد من، في الوقت الذي تستمر فيه الولايات المتحدة في الإبقاء على الخيار العسكري لتدمير البنية الأساسية للبرنامج النووي كوسيلة للضغط السياسي من جانب، أو استخدامه في حال توافر الشروط لذلك خاصة صدور قرار دولي يتيح إمكانية استخدام القوة، إضافة إلى توافر بيئة أمنية مستقرة في العراق تمنع استخدامه كساحة عمليات انتقامية ضد القوات الأمريكية المرابطة هناك.
الثالث: دعم الاستقرار الداخلي في دول مجلس التعاون الخليجي عبر فرض أجندة إصلاح أمريكية تتضمن تطوير مناهج تعليمية معاصرة ذات توجهات علمانية، وتوفير حقوق متساوية للمرأة، وإنتاج وظائف بالقدر الذي يعالج مشكلات البطالة، إضافة إلى فتح المجال السياسي للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات وتقوية مؤسسات المجتمع المدني الناشئة حديثاً في هذه الدول. ويبدو أن الولايات المتحدة ستقبل بوتيرة إصلاح غير متسارعة بفعل إدراكها لما قد يتواتر من اندفاعات شعبية لمزيد من الإصلاحات، قد تفرض أوضاعاً غير مستقرة تهدد المصالح النفطية الأمريكية في هذه الدول المنتجة للنفط، إلا أن الولايات المتحدة قد تقبل بدرجة بدرجة ما من عدم الاستقرار في سبيل إنجاز أجندتها للإصلاح، وهو ما عبر عنه (مارتن أنديك) أحد صناع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط إبان إدارة كلينتون ومصمم سياسة الاحتواء المزدوج عندما قال: (نحن نحتاج لتغيير الأسلوب الذي تعمل به النظم الحاكمة، حتى إذا أدى ذلك إلى بعض من عدم الاستقرار على المدى القصير).
الرابع: الوجود العسكري في إطار هيكل دفاعي دائم. تدرك الولايات المتحدة قيمة النجاح الذي حققته من خلال الترتيبات الدفاعية الثنائية التي عقدتها مع دول الخليج العربية عقب حرب تحرير الكويت والتي وفرت وجوداً عسكرياً متقدماً لقواتها في الخليج يتمتع بقبول رسمي وقانوني وبتسهيلات عسكرية للتخزين المسبق للأسلحة والمعدات وحقوق الوصول إلى الموانئ والقواعد الجوية بالشكل الذي يؤمن قوة ردع مقنعة لاحتواء أي تهديد إقليمي كبير على المصالح الأمريكية في المنطقة، وقد أثبتت هذه الترتيبات الدفاعية جدواها واعتماديتها إبان الحرب الأمريكية الأخيرة ضد العراق، فرغم أن هذه الحرب شنت دون غطاء قانوني دولي، ورغم إدانتها من معظم دول العالم، ورغم الرفض الشعبي العربي العارم لها، فقد مكنت هذه الترتيبات الدفاعية الولايات المتحدة من حشد قواتها وشن عملياتها انطلاقاً من هذه التسهيلات العسكرية التي وفرتها هذه الترتيبات ودون معارضة شعبية ملموسة في الشارع الخليجي، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تدرك مدى العبثية التي كانت عليها عندما مارست الاعتماد على القوى الإقليمية في حماية مصالحها الأمنية في الخليج والتي ثبت عدم وثوقيتها، في الوقت الذي اكتشفت فيه مصداقية دول الخليج العربية العربية الصغرى – الأكثر تعرضية – كأساس أكثر اعتمادية في تأمين تلك المصالح.
تأسيساً على ذلك ترى الولايات المتحدة أفضلية تضمين هذه الترتيبات الدفاعية الثنائية في هيكل أكثر ديمومة على غرار حلف الناتو في أوروبا. فوجود حلف دفاعي يشمل الولايات المتحدة ودول الخليج العربية الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي سيوفر من المنظور الأمريكي عدداً من المزايا في مقدمتها تأمين ترتيبات تمركز عسكري أمريكي مستديمة في هذه الدول مقابل التزام دفاعي أمريكي بأمنها، إضافة إلى تحقيق تكامل أكثر مباشرة للترتيبات الدفاعية الثنائية المنفردة مع كل من هذه الدول، كما أن هذا الملف يوفر مجالاً لتوسع أفقي قد يشمل العراق في المستقبل وهو الأمر الذي يعني تصميم القدرات الدفاعية لهذا البلد – الذي طالما شكل تاريخياً مصدراً لعدم الاستقرار – في إطار مقيد لقدرات هجومية غير مرغوب فيها، في الوقت نفسه الذي ستوفر فيه مظلة نووية أمريكية إذا ما دعت الضرورة لمواجهة تنامي قدرات نووية إقليمية محتملة كما هي الحال بالنسبة لإيران، إمكانية تجنب سباق تسلح غير تقليدي قد ترى دول المنطقة ضرورة له في غياب هذا الهيكل الدفاعي المأمول.
وهكذا تبدو حالياً المصالح الحيوية للولايات المتحدة كما تراها، وتبدد التهديدات على تلك المصالح كما تدركها الولايات المتحدة، وتبدو مسارات الاستراتيجية الأمنية الأمريكية للحفاظ على المصالح ومواجهة التهديدات، لكن ما لا يبدو حتى الآن فعالية تلك المسارات الأمنية في معالجة أخطاء كبرى مارستها الإدارة الأمريكية منذ اللحظة الأولى لعبور قواتها خط الحدود الجنوبية العراقية نحو العاصمة بغداد، تلك الأخطاء التي أنهت عقداً كاملاً من الاستقرار سبق تلك اللحظة، ومهد لعقود قادمة من عدم الاستقرار في المنطقة هي بالضرورة وليدة ضباب القوة المتغطرسة التي تحول دون وضوح الرؤية لمخاطر قادمة عبر الطريق البعيد .. لكن تلك قصة أخرى!

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3437::/cck::
::introtext::

تدرك الولايات المتحدة بعمق مدى الانكشافية التي أصبحت عليها الآن وفي المستقبل المنظور وربما لمدى أبعد من ذلك في مسألة المعادلة النفطية التي تطرح أرقامها بهدف وضع الاعتماد الاستراتيجي المتزايد على واردات الخارج والتي تقرر دراسة عرضتها وكالة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية في العام 2003 أن استهلاك الولايات المتحدة من النفط قد يصل إلى حوالي (29.2 مليون برميل يومياً) في العام 2025 صعوداً من (19.7 مليون برميل يومياً) عام 2000، في الوقت الذي لن يزيد فيه مستوى الإنتاج المحلي على (9.4 مليون برميل يومياً) في العام 2025 مقارنة بحوالي (9 مليون برميل يومياً) عام 2000، وهو ما يعني أن الاعتماد الاستراتيجي على الواردات النفطية سيصل في نهاية هذه الفترة إلى حوالي 68 في المائة من إجمالي الاستهلاك الأمريكي مقارنة بحوالي 44 في المائة عند بدايتها. وعندما تطرح المعادلة النفطية من خلال ذات الدراسة الأمريكية الرسمية أن حصة الاحتياطيات النفطية لمنطقة الخليج تقارب 64.8 في المائة من إجمالي الاحتياطيات العالمية حالياً، وأن حصة إنتاج المنطقة من الإنتاج العالمي للنفط قد ترتفع من مستوى 26.7 في المائة عام 2001 إلى 43.1 في المائة في العام 2025. أي من (20.6 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (77 مليون برميل يومياً) إلى (40.5 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (118.4 مليون برميل يومياً)، فإننا نكون أمام حقيقة أن الولايات المتحدة على يقين بأنها أمام منطقة تصبح فيها المصلحة الحيوية القومية لها هي ضمان تدفق إمدادات النفط من حقول الإنتاج وبأسعار معتدلة في كل الأحوال، وعلى أساس هذه المصلحة تكون صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الأمنية لهذه القوة العظمى الفريدة بأوضاع القوة التي تمتلكها وربما أيضاً بأوضاع الضعف التي تعانيها والتي تبرز منها تلك الاعتمادية الاستراتيجية على واردات نفط خارجية، والتي لم تمارسها طوال تاريخها حتى منتصف عقد السبعينات من القرن المنصرم، حيث لم تكن نسبة هذه الواردات تتعدى الـ 20 في المائة من إجمالي الاستهلاك، وحيث كانت المصلحة الحيوية القومية لها في تلك المنطقة تميل نحو الأهمية الجيواستراتيجية بحكم الموقع ودوره المهم في الاقتراب نحو الاتحاد السوفييتي وتهديده في مناطقه الجنوبية حيث مراكزه الاقتصادية والسكانية الكثيفة.

::/introtext::
::fulltext::

تدرك الولايات المتحدة بعمق مدى الانكشافية التي أصبحت عليها الآن وفي المستقبل المنظور وربما لمدى أبعد من ذلك في مسألة المعادلة النفطية التي تطرح أرقامها بهدف وضع الاعتماد الاستراتيجي المتزايد على واردات الخارج والتي تقرر دراسة عرضتها وكالة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية في العام 2003 أن استهلاك الولايات المتحدة من النفط قد يصل إلى حوالي (29.2 مليون برميل يومياً) في العام 2025 صعوداً من (19.7 مليون برميل يومياً) عام 2000، في الوقت الذي لن يزيد فيه مستوى الإنتاج المحلي على (9.4 مليون برميل يومياً) في العام 2025 مقارنة بحوالي (9 مليون برميل يومياً) عام 2000، وهو ما يعني أن الاعتماد الاستراتيجي على الواردات النفطية سيصل في نهاية هذه الفترة إلى حوالي 68 في المائة من إجمالي الاستهلاك الأمريكي مقارنة بحوالي 44 في المائة عند بدايتها. وعندما تطرح المعادلة النفطية من خلال ذات الدراسة الأمريكية الرسمية أن حصة الاحتياطيات النفطية لمنطقة الخليج تقارب 64.8 في المائة من إجمالي الاحتياطيات العالمية حالياً، وأن حصة إنتاج المنطقة من الإنتاج العالمي للنفط قد ترتفع من مستوى 26.7 في المائة عام 2001 إلى 43.1 في المائة في العام 2025. أي من (20.6 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (77 مليون برميل يومياً) إلى (40.5 مليون برميل يومياً) من إجمالي إنتاج عالمي (118.4 مليون برميل يومياً)، فإننا نكون أمام حقيقة أن الولايات المتحدة على يقين بأنها أمام منطقة تصبح فيها المصلحة الحيوية القومية لها هي ضمان تدفق إمدادات النفط من حقول الإنتاج وبأسعار معتدلة في كل الأحوال، وعلى أساس هذه المصلحة تكون صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الأمنية لهذه القوة العظمى الفريدة بأوضاع القوة التي تمتلكها وربما أيضاً بأوضاع الضعف التي تعانيها والتي تبرز منها تلك الاعتمادية الاستراتيجية على واردات نفط خارجية، والتي لم تمارسها طوال تاريخها حتى منتصف عقد السبعينات من القرن المنصرم، حيث لم تكن نسبة هذه الواردات تتعدى الـ 20 في المائة من إجمالي الاستهلاك، وحيث كانت المصلحة الحيوية القومية لها في تلك المنطقة تميل نحو الأهمية الجيواستراتيجية بحكم الموقع ودوره المهم في الاقتراب نحو الاتحاد السوفييتي وتهديده في مناطقه الجنوبية حيث مراكزه الاقتصادية والسكانية الكثيفة.
استراتيجية توازن القوى.. إدمان الفشل

اعتمدت الولايات المتحدة استراتيجية أمنية لمنطقة الخليج إبان الفترة التي شملت عقدي السبعينات والثمانينات في القرن الماضي ترتكز على الحفاظ على توازن القوى في تلك المنطقة في أعقاب الانسحاب البريطاني الرسمي من الخليج في ديسمبر من العام 1971 باعتبار إدراكها لوجود خلل كبير في مستويات توزيع القوة هناك لصالح دولتين هما إيران والعراق في مقابل تدني مستوى القوة لدى باقي الدول لاعتبارات جغرافية واجتماعية وعسكرية. لذا جاء الاعتماد الأمريكي على إيران للعب دور القوة الإقليمية المسؤولة عن ضبط توازنات القوى داخل المنطقة وبما يؤمن الحفاظ على استقلالية دول الخليج العربية المصدرة للنفط والذي يعني تدفقاً مأموناً لصادرات النفط إلى العالم الغربي، إضافة إلى توفير إيران وبعض من هذه الدول تسهيلات وصول عسكرية للولايات المتحدة في حالة تصاعد توتر دولي بين القوتين العظميين، وقد ترجمت الولايات المتحدة هذا الاعتماد ببرامج تسليح متسارعة وطموحة لإيران على مدى خمس سنوات (1972-1977) بلغت قيمتها ما يزيد على 15 مليار دولار أمنت لها تفوقاً عسكرياً واضحاً في مواجهة العراق.
إلا أن سقوط نظام الشاه في ربيع العام 1979 بفعل ممارساته الاستبدادية ووصول نظام ديني متشدد إلى السلطة في طهران أثار بحماسته – وربما بحماقته- الأيديولوجية ورغبته في نقل الثورة إلى الجانب الآخر من الخليج مخاوف إقليمية ودولية، دفعت العراق – وفق حسابات أخرى خاصة – إلى الدخول في صراع عسكري مع إيران استنزف واستنفد قدراتهم على مدى سنوات عقد الثمانينات من القرن الماضي، أدامت فيه الولايات المتحدة استراتيجية توازن القوى مع تغيير الطرف المدعوم ليصبح العراق كموازن في مواجهة خطر الراديكالية الإيرانية الجديدة، إلا أن الأمر اللافت في هذه المرة أن الولايات المتحدة حافظت على مستوى من التوازن أقل مما كان عليه إبان اعتمادها في إيران في العقد السابق، بمعنى أنها قنعت بحيازة الجيش العراقي لقدرة تكفي لمنع عبور إيراني لشط العرب، وما عدا ذلك فقد كان من الأفضل ترك الطرفين الإيراني والعراقي في استهلاك متبادل لمقدراتهما.
البحث عن استراتيجية جديدة في عالم يتحول

أخيراً في صيف عام 1989 توقفت آلة الحرب الإيرانية – العراقية، وبدا أن انتصاراً عراقياً بدعم أمريكي قد تحقق، وأن ميزان القوة قد حسم بشدة لصالح العراق كقوة إقليمية رئيسية، في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة تؤسس لاستراتيجية أمنية جديدة في الخليج بفعل نتائج هذه الحرب الإقليمية التي أكدت فشل استراتيجية توازن القوى التي اتبعتها على مدى عقدين سابقين، وبفعل توالي انحسار الدور السوفييتي المناهض للغرب الذي بدأ مع وصول غورباتشوف إلى الحكم في عام 1985 والذي أدى إلى مغادرة الجيوش السوفييتية أفغانستان في العام نفسه 1989 الذي شهد توقف الحرب الإيرانية – العراقية.
وفي مطلع العام 1990 بدأت ملامح الاستراتيجية الأمنية الجديدة في الخليج للولايات المتحدة تتكرس في القبول بوجود عسكري مباشر في المنطقة – طالما رأت في الماضي الابتعاد عنه – وبالتصدي لأي طموحات هيمنة من قبل القوى الإقليمية وهي تحديداً العراق وإيران، وقد وضح ذلك بشدة في توجيهات التخطيط للدفاع التي أصدرها وزير الدفاع الأمريكي آنذاك (ديك تشيني) في يناير من العام 1990 إلى رئاسة الأركان المشتركة والتي طلب فيها التوقف عن التخطيط لمواجهة غزو سوفييتي محتمل لاحتلال حقول نفط الخليج عبر إيران، وإلى التركيز على التهديدات الإقليمية التي تؤثر في إمدادات النفط في المنطقة وفي استقرار وأمن الدول الصديقة (المنتجة).
وبينما شهد إبريل من العام 1990 اعتماد الخطوط العامة لفكرة خطة عمليات جديدة للقيادة المركزية الأمريكية CENTCOM باسم OPLAN 102-90 تستهدف احتواء هجوم عراقي على حقول النفط في الدول المجاورة جنوبه، وشهد شهر مايو الذي تلاه رسالة الرئيس الأمريكي إلى مؤتمر القمة العربي المنعقد آنذاك في بغداد والتي أكد فيها التزام الولايات المتحدة بتأمين حرية تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وبأمن الدول الصديقة في المنطقة، وبعزم الولايات المتحدة على الاحتفاظ بوجود بحري في الخليج، فإن لحظة تاريخية حانت أمام الولايات المتحدة بعد أقل من ثلاثة أشهر من رسالة الرئيس الأمريكي إلى القمة العربية، وبالتحديد في الثاني من أغسطس 1990 عندما قام العراق بغزو الكويت لتجد الولايات المتحدة نفسها أمام معطيات أوضاع دولية وإقليمية مهّدت لإحكام قبضتها وفرض سيطرتها على منطقة الخليج:
– كانت الحرب الباردة على وشك الانتهاء، فقد انهار حائط برلين وتوحدت ألمانيا وانحل عقد حلف وارسو وبدت بوادر تفكك الاتحاد السوفييتي ذاته.
– كان النظام الدولي القائم على ثنائية القطبية يفسح الطريق أمام نظام دولي جديد غير مسبوق يقوم على قطبية واحدة هي الولايات المتحدة التي خرجت منتصرة في حرب كونية باردة وشرسة بفضل ذلك التمازج البارع بين القوة المادية (الصلبة) غير المسبوقة اقتصادياً وعسكرياً، والقوة اللينة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والإنتاج الثقافي.
– كانت الثورة في الشؤون العسكرية – التقنية التي نادت بها الولايات المتحدة في أوائل الثمانينات وتقاعس عنها الحلفاء الأوروبيون وتخلف عنها السوفييت آنذاك، قد أفرزت هيمنة عسكرية أمريكية غير مسبوقة بفضل ما أتاحته على نحو خاص تقنية المعلومات وأنظمة التسليح المتطورة من قدرة الألمام المتفوق بساحات المعارك وتوجيه ضربات حاسمة وسريعة عبر مديات بعيدة وبدقة عالية. وكان على هذه الهيمنة العسكرية أن تعلن عن نفسها في مكان ما وفي لحظة ما.
عقد من الاستقرار والهيمنة في الخليج
هكذا قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً عسكرياً في يناير 1991 لإخراج العراق من الكويت، فرضت فيه قيوداً وحدوداً على أدوار الحلفاء الأوروبيين المشاركين، وهمشت فيه أدوار باقي القوى الدولية الأخرى وألزمت المجتمع الدولي كله بالتصورات الأمريكية لحل أزمة احتلال الكويت عبر الخيار العسكري وقبل ذلك وبعده استعرضت قدرات عسكرية غير مسبوقة وفرتها لها ثورة الشؤون العسكرية – التقنية وقادتها لإحراز نصر عسكري مثير استغرق 1000 ساعة من عمليات الجو أعقبتها 100 ساعة فقط من عمليات برية حاسمة دمرت فيه معظم الترسانة العسكرية لواحد من أكبر الجيوش التقليدية لدول العالم الثالث.
في أعقاب حرب الخليج الثانية – أو ما عرف بحرب تحرير الكويت – شرعت الولايات المتحدة بتنفيذ استراتيجيتها الأمنية التي كانت قد بدأت في صياغتها على نحو ما في الفترة التي سبقت غزو العراق للكويت، ثم جاءت نتائج هذه الحرب لتوفر لها البيئة الأمنية الإقليمية الملائمة لتنفيذها. ويمكن القول إن المرتكزين الأساسيين لهذه الاستراتيجية الجديدة هما التدخل العسكري المباشر في المنطقة وتولي المسؤولية بالكلية عن تأمين المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة والتي تمحورت حول ضمان تدفق النفط وفق حيز سعري مقبول وما يرتبط به من أمن واستقرار الدول المنتجة له، إضافة إلى الاحتواء المزدوج لمصدري التهديد القائمين في المنطقة وهما العراق وإيران اللتان لم تعد الولايات المتحدة في حاجة إلى أي منهما للعب دور الحارس لمصالحها في المنطقة كما كان الحال إبان استراتيجية توازن القوى, هذا فضلاً عن واقع أن كلتا الدولتين قد أهدرتا مصادر القوة الذاتية بفعل حربهما معاً التي قاربت العشر سنوات، إضافة إلى ما لحق العراق على نحو خاص من دمار هائل بفعل الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في إطار ما عرف بعملية (عاصفة الصحراء).
واعتمد البعد الدفاعي للاستراتيجية الأمنية الأمريكية في مرحلة ما بعد تحرير الكويت على التدخل العسكري المباشر في المنطقة عبر مفهوم الوجود العسكري الأمامي سواء داخل المنطقة أو على هامش المنطقة بالصورة التي تكفل الحفاظ على قوة عسكرية مقنعة قادرة على مواجهة التهديدات الإقليمية سواء بردعها عن القيام بأي عدائيات محتملة ضد المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة أو بهزيمتها بصورة حاسمة حال قيامها بشن تلك العدائيات، وقد اعتمدت الولايات المتحدة على نسقين متتاليين في هذا المجال:
– النسق الأمامي داخل المنطقة: استند إلى سلسلة من الاتفاقيات الدفاعية الثنائية التي عقدتها الولايات المتحدة مع الدول الخليجية خلال النصف الأول من التسعينات والتي أدركت مدى (التعرضية) التي هي عليها والمخاطر المحيطة بها في حال قيام قوة إقليمية بشن عدوان عليها على نحو ما حدث في أزمة غزو الكويت وكيف أن الأمر استلزم 6 أشهر كاملة لبناء قوات أمريكية كافية على الأرض آنذاك لمواجهة العدوان العراقي. وقد وفرت هذه الاتفاقيات التي عقدت مع الدول الخليجية – عدا السعودية –وجود قوة عسكرية قادرة في حالة توافر إنذار مبكر على تأمين أوضاع دفاعية تمكن من احتواء عدوان إقليمي كبير في المراحل الأولى، وتهيئة وصول آمن وسريع لباقي القوات المتدفقة من خارج المسرح لبناء قوة هجومية مقنعة في المراحل التالية من إدارة الأزمة، ويمكن القول إن العناصر الرئيسية لهذا النسق الدفاعي الأمريكي داخل الخليج يشمل:
* تخزين مسبق لأسلحة ومعدات فرقة ميكانيكية ثقيلة من الجيش الأمريكي في منشآت لوجيستية في كل من الكويت وقطر.
* تخزين مسبق عائم لأسلحة ومعدات لواء ميكانيكي ثقيل من الجيش الأمريكي على سفن توجد أمام البحرين.
* تسهيلات جوية تكفي نشر من (4-6) أجنحة مقاتلات جوية في قواعد في كل من الكويت وقطر والبحرين.
* تسهيلات جوية لنشر جناح قاذفات استراتيجية إضافة إلى طائرات إسناد متنوعة في سلطنة عُمان.
وتحتفظ الولايات المتحدة بتسهيلات لوجيستية دائمة تتولى الحفاظ على جاهزية الأسلحة والمعدات المخزنة، إضافة إلى الاحتفاظ بقوة بشرية لتطعيم نسبة من هذه التشكيلات المقاتلة بمختلف مستوياتها بظروف الأوضاع القائمة في المنطقة، بينما تجرى تدريبات دورية على عمليات نشر القوة البشرية المقاتلة لهذه التشكيلات الميدانية المخزنة أسلحتها ومعداتها مسبقاً من قواعد تمركزها في القارة الأمريكية إلى منطقة الخليج باستخدام موارد النقل الجوي الاستراتيجي.
– النسق الخلفي على هامش المنطقة: تحتفظ الولايات المتحدة بهذا النسق أو ما يعرف (بقوات ما وراء الأفق) منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي في منطقة المحيط الهندي وتحديداً في جزيرة (دييموجارسيا) وحولها حيث يتوافر تخزين مسبق عائم على سفن لأسلحة ومعدات وحدات وتشكيلات مقاتلة تتضمن:
* لواء مارينز للنشر السريع
* لواء ميكانيكي ثقيل من الجيش الأمريكي
حيث يمكن لسفن التخزين المسبق العائم الوصول إلى موانئ الخليج خلال 7 أيام فقط من إنذارها بالتحرك وتفريغ حمولاتها خلال 3 أيام تالية في الوقت الذي تدفع فيه القوات البشرية المقاتلة من قواعدها في القارة الأمريكية إلى منطقة الخليج على متن أسطول النقل الاستراتيجي وانضمامها مباشرة إلى أسلحتها ومعداتها (لاحظ أن اللواء السابع المارينز الذي توجد أسلحته ومعداته على سفن عائمة في دييموجارسيا كان أول وحدة قتال أمريكية ثقيلة موجودة على الأرض في مواقع دفاعية شمال الجبيل بحلول 25 أغسطس 1990 إبان أزمة احتلال الكويت).
إضافة إلى وحدات التخزين المسبق العائم لقوات المارينز والجيش، توجد مجموعة حاملة طائرات في منطقة المحيط الهندي قادرة على الوصول إلى داخل منطقة الخليج خلال 6 أيام من صدور أوامر النشر، إضافة إلى تمركز أعداد من القاذفات الاستراتيجية على جزيرة دييموجارسيا قادرة على إدامة هجمات جوية انطلاقا من القاعدة الجوية الموجودة هناك والعودة إليها.
على الجانب السياسي للاستراتيجية الأمنية الأمريكية فيما بعد تحرير الكويت، فقد اعتمدت الولايات المتحدة سياسة (الاحتواء المزدوج) حيث وظفت كل من عقوبات الأمم المتحدة تجاه العراق، والعقوبات الأمريكية ضد إيران بالتوازي مع دبلوماسية نشطة تهدف إلى عزل الدولتين عن إطارهما الإقليمي والدولي عبر مدى زمني يمكن من خلاله تقويض النظام الحاكم في العراق، وتشجيع نهج الاعتدال في السياسة الخارجية لإيران.
الولايات المتحدة إلى بغداد.. عودة إلى عدم الاستقرار
ويمكن القول إن محصلة هذه الاستراتيجية الأمنية الأمريكية التي اعتمدت التدخل المباشر في منطقة الخليج وإمساك الولايات المتحدة بزمام الحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة وردع التهديدات الإقليمية وفرض هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على الإقليم قد جاءت بنتائج متباينة قرب نهاية عقد كامل من الممارسة خلال التسعينات.
* كان هناك نجاح غير مسبوق للشق الدفاعي من الاستراتيجية، حيث وفر مفهوم الوجود العسكري الأمامي داخل وعلى هامش منطقة الخليج قدرة ردع عسكرية مقنعة، مكنت الولايات المتحدة من فرض حالة استقرار لم يشهدها الخليج في العقدين السابقين.
* كان هناك أيضاً فشل واضح للشق السياسي من الاستراتيجية التي اعتمدت سياسة (الاحتواء المزدوج) فالنظام الحاكم في العراق، الذي نجح الشق الدفاعي في الاستراتيجية في شل تهديده العسكري لجيرانه، لم ينجح في الشق السياسي في تقويض سلطته، بل على النقيض نجح النظام في توظيف العقوبات الدولية سواء لكسب الرأي العام في العالم العربي باعتبارها أداة عقوبة ومعاناة على الشعب العراقي أو لحصد مكاسب مالية عبر عمليات التهريب والعمولات لحساب النظام الخاص، بينما نجح النظام الإيراني ليس فقط باعتماد المصالح الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي وكل من روسيا والصين واليابان لكسر طوق العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، ولكنه أضاف مهارة عالية في النفاذ إلى الدائرة الأوسع للشرق الأوسط الكبير عندما أكد نفوذه وتأثيره المعادي للمقاربة الأمريكية لحل الصراع العربي – الإسرائيلي لدعمه سوريا والمقاومة في فلسطين ولبنان.
هكذا وضح أن تغيراً في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في الخليج قد أصبح ضرورياً عند نهاية العام 1998، وفيما سيستمر العمل بالشق الدفاعي الناجح في الاستراتيجية، فإن الشق السياسي سيواجه إعادة توجه حادة نحو تغيير النظام في العراق قبل انهيار نظام العقوبات بالكامل، وبفتح حوار جاد مع التيار الإصلاحي في إيران لمواجهة الاختلافات القائمة بين الدولتين.
الولايات المتحدة وإعادة اختراع العراق.. أخطاء الغطرسة
جاءت اللحظة التي قررت فيها الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية لتغيير النظام الحاكم في العراق، كانت هي نفسها اللحظة التي أنهت فيها الولايات المتحدة أيضاً حقبة استقرار نعمت به منطقة الخليج على مدى عقد كامل في تسعينات القرن المنصرم، كما أن استخدام القوة العسكرية هذه المرة من قبل الولايات المتحدة سيكون في إطار ثلاثة تحولات كبرى تراكمت على مدار الفترة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وغيرت من طبيعة الصراع المسلح:
الأول: إن العالم يعيش عصر نظام عسكري ذي قطب واحد هو الولايات المتحدة، التي تمتلك قوة عسكرية مهيمنة غير قابلة للتحدي، أحد قياساتها على سبيل المثال الإنفاق العسكري فالولايات المتحدة التي كان منافسها في العام 1989 – الاتحاد السوفييتي- يتفوق عليها في هذا المجال، أصبحت في العام 2003 مسؤولة عن 50 في المائة من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، بينما أقرب منافسيها الآن لا يتجاوز نسبة 15 في المائة من الإنفاق العسكري الأمريكي، ولأن الولايات المتحدة تدرك هذا التحول وحالة الهيمنة فقد قررت النزول بحافة استخدام القوة العسكرية من وضعية (الملجأ الأخير) إلى وضعية الاستباقية في الاستخدام على نحو ما أعلنه الرئيس بوش الابن في استراتيجيته الجديدة للأمن القومي التي أعلنها في سبتمبر 2002 والتي عرفت بـ (عقيدة الحرب الاستباقية).
الثاني: التطورات التقنية العسكرية التي أفرزتها الثورة في الشؤون العسكرية والتي وظفت تقنيات المعلومات والاتصالات في إحداث ثورة معلوماتية أتاحت – كما عرضنا سابقاً – إلى جانب أنظمة تسليح جديدة قدرات غير مسبوقة للقادة والقوات في ميدان المعركة سواء في الوعي الآني بالموقف أو في القدرات التدميرية والحركية قادت إلى تفكير المؤسسة العسكرية الأمريكية في استثمار تلك الثورة في استعراض أسلوب جديد للحرب اقتنع به وروج له على نحو خاص المدنيون المهيمنون على صناعة القرار في تلك المؤسسة والذي يعتمد عمليات حاسمة وسريعة بقوات أرضية صغيرة خفيفة الحركة، تمتلك تقنيات عالية في مجالي الاستخبارات ودقة الإصابة، مدعومة باستخدام واسع لقوات العمليات الخاصة والقصف الجوي المكثف والدقيق.
الثالث: إن العالم يتجه نحو أنماط صراع ما بعد الحداثة، التي تتراجع فيه الأطراف التقليدية من الدول – القومية والجيوش الضخمة ذات التنظيمات الهرمية إلى ظاهرة الخصوم العابرين للدول أو المتحررين من عبء تمثيل دول بعينها والتي جاءت بفعل معطيات الدولة الاقتصادية والثقافية وضعف أبنية الدولة القومية، وهؤلاء الخصوم بفعل تحررهم من قيود الدولة ، فإنهم يقاتلون بأساليب غير نظامية وغير تقليدية بما فيها الإرهاب وغالباً ما يعملون خارج منطق الردع وأعراف الحرب ومدعومين بما أصبح يتيحه الفضاء المعلوماتي من فرص ليست فقط قاصرة على التواصل والتوجيه فيما بين عناصرها، وإنما لشن حرب معلومات مؤثرة ضد القيم المادية والمعنوية للدول المستهدفة.
ويبدو أن الولايات المتحدة كانت مدركة – وهي في طريقها إلى العراق – في ربيع العام 2003 للتحولين الأول والثاني اللذين يقران بما آلت إليه مستويات القوة العسكرية الأمريكية من هيمنة غير مسبوقة يصبح من الصعوبة مواجهتها في ميادين الحرب التقليدية، وهو الأمر الذي منعها – ربما بدافع غطرسة القوة وسحر التقنية الحديثة – من إدراك مدى تعرضيتها في حالة مواجهتها لخصوم يستخدمون أساليب الحرب غير المتماثلة ويجيدون استغلال الفضاء المعلوماتي في تنظيم عملياتهم وترويج أفكارهم ورسائلهم على النحو الذي تستعرضه حرب التمرد الجارية الآن في العراق.
وإذا كانت الولايات المتحدة لم تطرح في تخطيطها لحرب العراق احتمال مواجهتها لحرب تمرد غير مهيأة لها باعتبار اعتمادها نمط الحروب التقليدية في تنظيم وتجهيز واستخدام القوة العسكرية، فإن ما فاقم المحصلة السلبية للحرب في العراق أنها صاغت مجموعة أهداف لما بعد الانتصار العسكري المتوقع جاءت طموحة وغير عملية بل وذات طبيعة اقتحامية تتدخل في حقوق حصرية للشعب العراقي، حيث شملت:
تحديد مستقبل التوازن بين الأحزاب السياسية والأيديولوجيات المختلفة بغية تقليص دور التيارين الإسلامي والقومي العربي.
إعادة تشكيل الاقتصاد وفق الأيديولوجية الليبرالية الجديدة التي تؤمن بفكرة الحكومة الضعيفة، والخصخصة الشاملة، والتجارة غير المقيدة، فضلاً عن الأسواق المفتوحة.
إقامة دولة حليفة للولايات المتحدة موثوق بها، صديقة للمصالح الأمريكية وقاعدة انطلاق للمبادرات السياسية والعمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
جاء اندفاع الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف في محاولة لاختراع عراق آخر إلى تبني سياسات متخبطة أفرزت حالة عدم الاستقرار الحالية التي تعم الداخل العراقي والمنطقة بأسرها. فعلى مستوى الداخل العراقي جاء حل الجيش وقوات الشرطة والطرد المتهور لعشرات الآلاف من العاملين في الخدمة المدنية، فضلاً عن العقوبات الشاملة ضد مئات الألوف من أعضاء حزب البعث في المستويات الصغرى ليغذي حركات التمرد بوعاء تجنيد وتعاطف غير محدود، كما جاء استغلال الانقسامات الطائفية والإثنية لاعتبارات تكتيكية واستراتيجية إبان مرحلة العمليات العسكرية الرئيسية، ثم اعتمادها فيما بعد لتسهيل إنجاز أهداف ما بعد الحرب إلى تغذية الصدوع الإثنية والطائفية الموجودة في التركيبة السكانية، وفاقمت احتمال نشوب صراع أهلي لن يستقر داخل حدود الدولة على أي حال، بل سيصل بامتداداته ليشمل كامل المنطقة.
وعلى مستوى النطاق الإقليمي الخليجي فإن هذه الأهداف التي توصّف العراق الجديد كنقطة انطلاق لتنفيذ برامج تحول إكراهية في دول الجوار وليس فقط قصره على كونه نموذجاً لما ينبغي عليه التحول، قد غذت عداء دول مجاورة للعراق ذات حدود عريضة وتداخلات عميقة وروابط ديموغرافية وتاريخية نافذة معه، الأمر الذي جعل منها، خاصة إيران وسوريا، أعداء للمهمة الأمريكية في العراق.
نحو استراتيجية أمنية أمريكية جديدة .. الفرص والمخاطر
البيئة الأمنية غير المستقرة والشديدة التعقيد التي تعيشها منطقة الخليج والتي تدركها الولايات المتحدة باعتبارها ليس أحد أطرافها فقط، ولكن بكونها المسؤولة عن تلك الحالة على الأقل منذ اللحظة التي قررت فيها غزو العراق واحتلاله، أصبحت الآن مجال بحث ونقاش وجدل بعضه (صامت) وكثيره (صاخب) حول كيفية إعادة بناء استراتيجية أمنية جديدة توفر الحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة والتي تبقى على حالها في إدامة تدفق النفط إلى الخارج وفق حيز سعري مقبول، والحفاظ على أمن واستقرار الدول الخليجية العربية المنتجة له، في الوقت نفسه الذي تحتوي فيه التهديدات المدركة على تلك المصالح الحيوية والتي تحددها الولايات المتحدة حالياً في بعدين رئيسيين:
البعد الأول: البرنامج النووي الإيراني، وسعي إيران الحثيث لامتلاك تقنية إنتاج دورة الوقود النووي المتكاملة سواء عبر تخصيب اليورانيوم أو معالجة الوقود النووي المستنفد في محطة إنتاج الطاقة النووية في بوشهر، وهو الأمر الذي كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن وجود برنامج متقدم لدى إيران في هذا المجال قد يوفر لها حيازة أسلحة نووية في مدة زمنية قد لا تتجاوز العامين أو الثلاثة على أقصى تقدير. وتسعى الولايات المتحدة حالياً إلى اعتماد الضغوط السياسية وبناء تكتل دولي لوقف البرنامج ومنح الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا إدارة هذه الضغوط السياسية، في الوقت الذي لا تستبعد فيه – على الأقل إعلامياً – خيار توجيه ضربة عسكرية قاصمة ضد منشآت إيران النووية، ويشاركها هذا الخيار أيضا الطرف الإسرائيلي، إلا أن تعقيدات الوضع السياسي والأمني في العراق ومخاطر تعرض القوات الأمريكية هناك لعمليات رد فعل انتقامية مباشرة من قبل إيران أو غير مباشرة من قبل الجماعات الطائفية الموالية لها قد يفرض قصر استخدام هذا الخيار كإحدى أدوات الضغط الحالية على إيران.
البعد الثاني: مخاطر عدم الاستقرار الداخلي في دول المنطقة وتحدد الولايات المتحدة تلك المخاطر على النحو التالي:
عدم الاستقرار القائم في العراق والذي يهدد بإرسال موجاته الصادمة إلى باقي دول الخليج باعتبار أن اشتعال حرب طائفية في هذا البلد وما قد يستتبعه من تدخل إيراني عسكري سوف يقلب موازين الاستقرار الهشة بين السنة والشيعة في دول الجوار، ويبدو أن إدراك الولايات المتحدة لهذا التهديد باعتباره مشكلة سياسية وليس مشكلة عسكرية قد جاء متأخرا أكثر مما ينبغي.
تزايد المطالب الشعبية داخل الدول العربية الخليجية بإصلاحات سياسية واقتصادية لمواجهة مشكلات غياب المشاركة في القرار وتفشي البطالة وتباطؤ برامج الخدمات الاجتماعية، وهو الأمر الذي أدركت فيه الولايات المتحدة أن عدم الإقرار بتلك المطالب إضافة إلى التلقين العقائدي الراديكالي الإسلامي كان وراء الكراهية العنيفة المتولدة تجاهها والتي أنتجت العمل الإرهابي العنيف في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وقد عبر عن ذلك الإدراك الرئيس الأمريكي بوش الابن بقوله (إن 60 عاماً من تغاضي وتسامح الدول الغربية لافتقاد الحرية في الشرق الأوسط لم تفعل شيئاً لتجعلنا آمنين، لأن الاستقرار على المدى الطويل لا يمكن شراؤه على حساب الحرية).
إن قراءة متأنية لطبيعة الإدراك الأمريكي للمصالح الحيوية والتهديدات القائمة في إقليم الخليج في حقبة ما بعد غزو واحتلال العراق، ومتابعة للأدبيات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية وغير الرسمية المعبرة عن هذا الإدراك إضافة إلى السلوك الأمريكي الحالي وطبيعة تفاعله مع الأحداث الجارية في المنطقة تطرح إصراراً على إدامة وضع الهيمنة الأمريكية في المنطقة القائم منذ ما بعد إخراج العراق من الكويت في العام 1991 والعمل على تعزيز هذه الوضعية عبر استراتيجية أمنية ترتكز على مسارات أربعة:
الأول: احتواء عدم الاستقرار القائم في العراق والعمل على منع امتداداته إلى دول الجوار، وترسم استراتيجية النصر في العراق التي أعلنها الرئيس الأمريكي في 30 نوفمبر 2005 الخطوط العامة لكيفية ذلك الاحتواء التي تشمل:
متابعة عملية (العرقنة) التي تهدف إلى التوسع في بناء واستخدام قوات الأمن العراقية على التوازي مع تخفيض حجم القوات الأمريكية وإبعادها عن المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية.
تعزيز دور القوة الجوية الأمريكية بين قواعد داخل وخارج العراق لتوفير القوة النيرانية المساندة لقوات الأمن العراقية في مواجهة التمرد.
السعي لتفتيت قوى التمرد السنية العربية، عبر جذب التنظيمات السياسية السنية إلى العملية السياسية الجارية في العراق، والتفاوض الانتقائي على جماعات سنية مسلحة دون أخرى.
الثاني: تحجيم الطموح النووي الإيراني في حدوده الدنيا، وهو ما يعني الاستمرار في الضغط السياسي وحشد القوى الدولية الكبرى خاصة الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى روسيا والصين لبناء موقف دولي موحد يمنع إيران من حيازة برنامج دورة إنتاج الوقود النووي الكاملة تحت أي ذرائع، عبر إمدادها باحتياجاتها من الوقود النووي والسيطرة على حلقة الاستخدام واستعادة المستنفد من، في الوقت الذي تستمر فيه الولايات المتحدة في الإبقاء على الخيار العسكري لتدمير البنية الأساسية للبرنامج النووي كوسيلة للضغط السياسي من جانب، أو استخدامه في حال توافر الشروط لذلك خاصة صدور قرار دولي يتيح إمكانية استخدام القوة، إضافة إلى توافر بيئة أمنية مستقرة في العراق تمنع استخدامه كساحة عمليات انتقامية ضد القوات الأمريكية المرابطة هناك.
الثالث: دعم الاستقرار الداخلي في دول مجلس التعاون الخليجي عبر فرض أجندة إصلاح أمريكية تتضمن تطوير مناهج تعليمية معاصرة ذات توجهات علمانية، وتوفير حقوق متساوية للمرأة، وإنتاج وظائف بالقدر الذي يعالج مشكلات البطالة، إضافة إلى فتح المجال السياسي للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات وتقوية مؤسسات المجتمع المدني الناشئة حديثاً في هذه الدول. ويبدو أن الولايات المتحدة ستقبل بوتيرة إصلاح غير متسارعة بفعل إدراكها لما قد يتواتر من اندفاعات شعبية لمزيد من الإصلاحات، قد تفرض أوضاعاً غير مستقرة تهدد المصالح النفطية الأمريكية في هذه الدول المنتجة للنفط، إلا أن الولايات المتحدة قد تقبل بدرجة بدرجة ما من عدم الاستقرار في سبيل إنجاز أجندتها للإصلاح، وهو ما عبر عنه (مارتن أنديك) أحد صناع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط إبان إدارة كلينتون ومصمم سياسة الاحتواء المزدوج عندما قال: (نحن نحتاج لتغيير الأسلوب الذي تعمل به النظم الحاكمة، حتى إذا أدى ذلك إلى بعض من عدم الاستقرار على المدى القصير).
الرابع: الوجود العسكري في إطار هيكل دفاعي دائم. تدرك الولايات المتحدة قيمة النجاح الذي حققته من خلال الترتيبات الدفاعية الثنائية التي عقدتها مع دول الخليج العربية عقب حرب تحرير الكويت والتي وفرت وجوداً عسكرياً متقدماً لقواتها في الخليج يتمتع بقبول رسمي وقانوني وبتسهيلات عسكرية للتخزين المسبق للأسلحة والمعدات وحقوق الوصول إلى الموانئ والقواعد الجوية بالشكل الذي يؤمن قوة ردع مقنعة لاحتواء أي تهديد إقليمي كبير على المصالح الأمريكية في المنطقة، وقد أثبتت هذه الترتيبات الدفاعية جدواها واعتماديتها إبان الحرب الأمريكية الأخيرة ضد العراق، فرغم أن هذه الحرب شنت دون غطاء قانوني دولي، ورغم إدانتها من معظم دول العالم، ورغم الرفض الشعبي العربي العارم لها، فقد مكنت هذه الترتيبات الدفاعية الولايات المتحدة من حشد قواتها وشن عملياتها انطلاقاً من هذه التسهيلات العسكرية التي وفرتها هذه الترتيبات ودون معارضة شعبية ملموسة في الشارع الخليجي، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تدرك مدى العبثية التي كانت عليها عندما مارست الاعتماد على القوى الإقليمية في حماية مصالحها الأمنية في الخليج والتي ثبت عدم وثوقيتها، في الوقت الذي اكتشفت فيه مصداقية دول الخليج العربية العربية الصغرى – الأكثر تعرضية – كأساس أكثر اعتمادية في تأمين تلك المصالح.
تأسيساً على ذلك ترى الولايات المتحدة أفضلية تضمين هذه الترتيبات الدفاعية الثنائية في هيكل أكثر ديمومة على غرار حلف الناتو في أوروبا. فوجود حلف دفاعي يشمل الولايات المتحدة ودول الخليج العربية الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي سيوفر من المنظور الأمريكي عدداً من المزايا في مقدمتها تأمين ترتيبات تمركز عسكري أمريكي مستديمة في هذه الدول مقابل التزام دفاعي أمريكي بأمنها، إضافة إلى تحقيق تكامل أكثر مباشرة للترتيبات الدفاعية الثنائية المنفردة مع كل من هذه الدول، كما أن هذا الملف يوفر مجالاً لتوسع أفقي قد يشمل العراق في المستقبل وهو الأمر الذي يعني تصميم القدرات الدفاعية لهذا البلد – الذي طالما شكل تاريخياً مصدراً لعدم الاستقرار – في إطار مقيد لقدرات هجومية غير مرغوب فيها، في الوقت نفسه الذي ستوفر فيه مظلة نووية أمريكية إذا ما دعت الضرورة لمواجهة تنامي قدرات نووية إقليمية محتملة كما هي الحال بالنسبة لإيران، إمكانية تجنب سباق تسلح غير تقليدي قد ترى دول المنطقة ضرورة له في غياب هذا الهيكل الدفاعي المأمول.
وهكذا تبدو حالياً المصالح الحيوية للولايات المتحدة كما تراها، وتبدد التهديدات على تلك المصالح كما تدركها الولايات المتحدة، وتبدو مسارات الاستراتيجية الأمنية الأمريكية للحفاظ على المصالح ومواجهة التهديدات، لكن ما لا يبدو حتى الآن فعالية تلك المسارات الأمنية في معالجة أخطاء كبرى مارستها الإدارة الأمريكية منذ اللحظة الأولى لعبور قواتها خط الحدود الجنوبية العراقية نحو العاصمة بغداد، تلك الأخطاء التي أنهت عقداً كاملاً من الاستقرار سبق تلك اللحظة، ومهد لعقود قادمة من عدم الاستقرار في المنطقة هي بالضرورة وليدة ضباب القوة المتغطرسة التي تحول دون وضوح الرؤية لمخاطر قادمة عبر الطريق البعيد .. لكن تلك قصة أخرى!

::/fulltext::
::cck::3437::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *