راديكالية الصراع الشيشاني ودور العالم العربي

::cck::3470::/cck::
::introtext::

بدلاً من أن تفرز طبيعة الأزمة في الشيشان تطورات دراماتيكية محددة، فإنها وفرت المزيد من الدعم خلال مسار الصراع لفكرة واسعة الانتشار، وهي أن المنظمات الإسلامية المتشددة قامت بدعم الحركة الانفصالية باتجاه هدف مفترض، وهو إقامة (إمامة إسلامية) في شمال شرق القوقاز على نمط نظام حكم حركة طالبان في أفغانستان.

::/introtext::
::fulltext::

بدلاً من أن تفرز طبيعة الأزمة في الشيشان تطورات دراماتيكية محددة، فإنها وفرت المزيد من الدعم خلال مسار الصراع لفكرة واسعة الانتشار، وهي أن المنظمات الإسلامية المتشددة قامت بدعم الحركة الانفصالية باتجاه هدف مفترض، وهو إقامة (إمامة إسلامية) في شمال شرق القوقاز على نمط نظام حكم حركة طالبان في أفغانستان.
ورافق هذه الاستنتاجات بعض التطورات التي حدثت، وأبرزها الحالة الاستثنائية التي نشأت عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001. ومثال على ذلك، البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2003، وصنف ثلاث جماعات شيشانية مرتبطة بالقائد الشيشاني شامل باساييف بأنها جماعات إرهابية، وأكد ذلك البيان مزاعم بأنها تلقت ملايين الدولارات من تنظيم (القاعدة). وبناءً على ذلك، فقد أصبحت الجماعات الشيشانية عموماً توصم بأنها إرهابية على الرغم من أن بيان وزارة الخارجية الأمريكية لم يصنف الشيشانيين جميعاً بأنهم إرهابيون.
وتقف الشيشان اليوم أمام مفترق طرق بين الراديكالية المتشددة والقومية. وكان الإسلام باستمرار طرفاً مكملاً للهُوية الوطنية، ويوفر مصدراً قوياً للدعم من الجانبين العقائدي والمعنوي، لكنه لم يكن العنصر الدافع خلف الحركة الوطنية التي بدأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991.
وكان تسييس الإسلام وإصباغ الصفة الراديكالية عليه جزءاً من عملية معقدة فتحت الباب لإطلاق جميع أنواع الاحتمالات الخطرة وظهور تهديدات جادة تقوم بتحويل الصراع إلى حرب عرقية تشعل المنطقة بأكلمها. وقد أسهم في نشوء هذه التطورات الرفض العنيد لمسألة الاعتراف بالأخطاء التي تم ارتكابها أو تغيير السياسات من جانب القيادة الروسية، مما أدى إلى الوضع الراهن الأشبه بالمستنقع. وحالة العجز السياسي مع الإسلام المتشدد تهدد أي فرصة للحصول على الحكم الذاتي الذي قد تحاول السلطات تحقيقه.
ومن المهم جداً أن نفهم مدى وطبيعة الدور العربي في الحركة الشيشانية، والذي ترددت مزاعم بأنه أسهم كثيراً في تغيير مسار المقاومة من كونها حركة وطنية لكي تصبح حركة تستلهم الأفكار الدينية المتشددة.
عودة إلى الماضي القريب
تعرضت إحدى المدارس في مدينة بيسلان بجمهورية أوسيتيا الشمالية لحصار في شهر سبتمبر 2004 أسفر عن مقتل 320 شخصاً كان معظمهم من الأطفال. وجاء هذا الحادث في غمرة أحداث أخرى، من بينها حصار قاعة مسرح في موسكو وعمليات أخرى تضمنت خطف طائرات والقيام بأعمال انتحارية. وتذكّر هذه الأحداث المثيرة بالطبيعة الدموية والمؤلمة للصراع في الشيشان وتؤكد عنصرين، هما:
* عدم قدرة موسكو على كسب الحرب ضد الحركة الانفصالية في الشيشان.
* رد الفعل العنيف للشيشانيين حيال استخدام القوة الاستبدادية والأعمال الوحشية التي ارتكبها الروس، وهو ما جعل الأعمال الإرهابية تنقل الحرب إلى موسكو ذاتها.
وقد ازدادت الأوضاع تدهوراً نتيجة الإعلان الصادر عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي تحدث فيه عن (فتح باب الجحيم على تلك العصابات) واللجوء إلى القوة لقمع عمليات المقاومة. لكن الصراع في الشيشان ليس بالصراع الذي يمكن حسمه بالطرق العسكرية، لأن روسيا كما قال الجنرال ليبيد (لا تحارب إرهابيين وعصابات، بل تحارب شعباً). غير أن الرئيس الروسي بوتين اغتنم فرصة الأجواء التي نشأت عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لكي يربط بين حركة المقاومة الشيشانية وبين الإرهاب. وعززت هذا المفهومَ على نطاق واسع العمليات الإرهابية التي قامت بها فئات متشددة تُحسَب على المقاومة الشيشانية، وخففت من حدة النقد المتعلق بالانتهاكات الوحشية لحقوق الإنسان التي قامت بها القوات الروسية في الشيشان. وأسهمت أحداث أخرى في تعزيز الحديث عن خطر الانتشار الإقليمي للصراع والنظريات الروسية بشأن انتشار التطرف الإسلامي في منطقة القوقاز. ومن ذلك خطر التشدد في داغستان والغارة التي قامت بها المقاومة الشيشانية في إنغوشيا في شهر يونيو 2004، والاشتباكات الأخيرة التي جرت في كابوردينو ـ بالكاريا في شهر أكتوبر 2005، والتي قـُـتـِـل فيها عشرات الأشخاص، لكن السكان المحليين في تلك المنطقة يرفضون ما يُقال من أن هذه الأحداث هي جزء من مخطط خارجي شرير، بل يعتبرونها عملية توسع للصراع الانفصالي الشيشاني ورد فعل على السياسات الروسية.
الصراع يأخذ منحىً راديكالياً
كان التغير الذي طرأ على طبيعة الصراع الذي حدث في الفترة الانتقالية بين الحربين الشيشانيتين ناشئاً عن عوامل عدة، وهي تحديداً تعمق الوعي الديني كرد فعل على السياسات العنيفة التي انتهجتها الحكومة الروسية والأعمال الوحشية التي قامت بها قواتها، بالإضافة إلى تسلل متشددين إسلاميين أجانب إلى البلاد وممارستهم نفوذهم على القيادة الشيشانية. لكن الطبيعة الدقيقة والمدى الذي بلغته العلاقة بين بعض الفئات، وخصوصاً المقاومة الشيشانية التي يقودها شامل باساييف وبين الشبكات الإرهابية الإسلامية لا تزال غير واضحة، غير أنها استـُـخـدِمت من جانب روسيا لتصوير المقاومة الشيشانية عموماً بأنها تروّج للإرهاب بهدف تبرير الحرب والعمليات الوحشية التي تقوم بها موسكو وتعتبرها جزءاً من الحرب على الإرهاب.
وكان عدد كبير من الرجال قد التحقوا بصفوف المقاتلين للدفاع عن رفاقهم المسلمين بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان في عام 1979. وعقب ذلك تم بدعوة من عبد الله يوسف عزام تشكيل فرق إسلامية متعددة الجنسيات حملت اسم (الأنصار) أو (كتائب عزام)، وضمت محاربين من أجل الدين خارجين من حرب أفغانستان، وكان الهدف من تشكيلها الدفاع عن الجاليات الإسلامية في خطوط المواجهة في جميع أنحاء العالم.
في كتابه (ما هو مستقبل الشيشان؟)، ينسب ليفين نشوء ظاهرة جديدة خلال مجريات الحرب الأولى في الشيشان إلى ظهور مجموعة من المتشددين المسلمين الدوليين برئاسة حبيب عبد الرحمن خطاب، وهو سعودي المولد، وأنشأ فرقة إسلامية دولية شاركت في الحرب الشيشانية الأولى في عام 1994. ولم تلعب هذه الفرقة دوراً قيادياً في تلك الفترة، لكن الهدف منها كان حشد المزيد من المقاومة المسلحة الشيشانية وتوجيهها في مسار إسلامي متطرف.
ووفق روهان غونيراتنا في دراسته (داخل القاعدة: شبكة الإرهاب العالمية)، فقد سبق لحبيب خطاب القتال في أفغانستان إلى جانب أسامة بن لادن وتحت قيادة حسين السارحي في عملية معركة (عرين الأسد) التي تعود إلى عام 1987. وقد أبقى أسامة بن لادن على علاقة عقائدية وتقنية ومالية مع خطاب. واكتسب خطاب من خلال القتال في طاجيكستان سمعة كقائد لامع قبل أن ينتقل إلى الشيشان ليتزعم المجاهدين الأجانب، حيث عـُـيـِّـن قائداً عسكرياً للعمليات تحت قيادة شامل باساييف. ويؤكد غونيراتنا أن شامل باساييف أقام أيضاً علاقة قوية مع أسامة بن لادن أثناء تلقيه التدريب في أفغانستان. وقد أسهم خطاب في حشد المجاهدين من إنغوشيا وأوسيتيا وجورجيا وأذربيجان للقتال ضد الروس في الشيشان وداغستان باستخدام الأموال التي وفرها له تنظيم (القاعدة). وتزوج خطاب امرأة داغستانية وأقام في الشيشان إلى أن تم اغتياله في عام 2002 على أيدي جهاز الاستخبارات الروسية.
وحسبما يقول غونيراتنا أيضاً، فقد تم تدريب المئات من الشيشانيين في معسكرات تنظيم (القاعدة) في أفغانستان وتزويدهم بالأسلحة كذلك. وكانت الفرقة (055) التابعة لتنظيم القاعدة تضم نسبة كبيرة بصورة استثنائية من الشيشانيين ومسلمي دول آسيا الوسطى.
وكان مجاهدو (الأنصار) التابعون لتنظيم القاعدة يُعتبَرون الأكثر شراسة وتنظيماً بين جماعات المجاهدين الثلاث التي تقاتل الروس في الشيشان. وكان أولئك هم الذين بادروا إلى تنفيذ معظم الهجمات الانتحارية، وهو نمط من العمليات لم يكن معروفاً من قبل في ذلك الجزء من العالم. وتشير تقارير مصادر الاستخبارات الأوروبية إلى أن (القاعدة) تساعد مجاهدي (الأنصار) في عمليات تهريب الأسلحة بواسطة مجرمين روس وأوكرانيين وشيشان.
وتوسع نفوذ خطاب مع باساييف بصورة جوهرية في المحصلة ليحرض على تمرد في أوساط القيادة الشيشانية العليا، ويخلق انقسامات جعلت الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف يطبق أحكام الشريعة الإسلامية وينشئ محاكم شرعية، وهو الرجل الذي كان يُعتبـَـر معتدلاً ولا يشارك باساييف آراءه الراديكالية بشأن الشيشان. وفقد مسخادوف الثقة من جانب موسكو بسبب فشله في فرض النظام والقانون ومكافحة معدلات الجريمة المرتفعة والسيطرة على القادة المتشددين. ولقي اغتياله في مارس 2005 على أيدي جهاز الأمن السري الروسي الترحيب، واعتبرته الحكومة الروسية نصراً، علماً أنها فقدت في الواقع فرصة لمتابعة مسار سياسي كخيار في الشيشان مع زعيم لا يمكن تجاهله، وكان يتمتع بقدر كبير من التأثير في أوساط الشعب.
لم يتم مطلقاً تأكيد العدد الحقيقي من الإسلاميين الأجانب الذين حاربوا في الشيشان، غير أن بعض التوقعات تقدر عددهم بما يتراوح بين 200 و300 عربي، وذلك حسب مصادر الاستخبارات الروسية. ولعب تصاعد قوة هذه المجموعة في الشيشان دوراً أساسياً في التعجيل بنشوب الحرب الثانية من خلال الغارات والعمليات المسلحة التي نُفِذت في عام 1999 داخل داغستان، وكانت نتيجتها تعريض جميع الحلول الممكنة لقضية استقلال الشيشان للخطر، وكان بعض من الشيشانيين والداغستانيين يرتابون من هذه المجموعة من المقاتلين العرب، لأنها طبقت شكلاً صارماً من الإسلام يتجاوز ما يفعله الشيشانيون الذين يلتزمون بالطريقة الصوفية النقشبندية.
غير أن الشيشان اختاروا في موقعهم المعزول ذاك الاستفادة من الموارد التي وفرتها المنظمات والشبكات الإسلامية من الشرق الأوسط ودول آسيا. وأدرك أمراء الحرب الإمكانات المفيدة التي يمكن أن تـُـتـاح لهم من خلال إقامة تحالف مع هذه الجماعات المتشددة، حيث كانت الحوافز مشجعة، وتتمثل في التمويل والتدريب والتجنيد والدعم والاتصالات الدولية. وتفسر جولي ويلهلمسين في دراستها بعنوان (الحركة الانفصالية الشيشانية) منطق المغانم والمنافع الكامنة وراء تبني الإسلام السياسي والراديكالي من جانب السياسيين وأمراء الحرب الشيشانيين، مؤكدة أن الدوافع التي تقف خلف تبني هذه العقيدة لم تكن كلها قائمة على مبدأ المنفعة فقط، وتقول إن السبب في نشوء هذا الحال هو الوضع ذاته القائم في الشيشان والأعمال الوحشية التي ارتكبتها القوات الروسية والإرث التاريخي الذي التقى مع طبيعة الروح الشيشانية، وأفسح الطريق أمام التطرف لكي يتجذر هناك. وفي مجتمع مشوش ممزق بالحرب ويعاني من أوضاع اقتصادية بائسة، فقد استطاعت العقيدة التي روّج لها العرب أن تثبت أنها البديل المقنع للفئات المسلحة والراديكالية في المجتمع الشيشاني، وبخاصة في أوساط الجيل الشاب الذي لم تكن لديه القدرة أو الرغبة في الانخراط في الهياكل الاجتماعية السياسية التقليدية المتهالكة للمجتمع الشيشاني. وقد استطاع أولئك بعد أعوام من القتال المرير ضد الروس أن يبرزوا معالم عقيدة أكثر تشدداً وبسهولة أكبر مما استطاعت تحقيقه الصوفية التقليدية.
وتطورت بذلك الصفة الراديكالية للصراع في الشيشان كنتيجة للوضع الداخلي الدموي والمرير في تلك البلاد بدلاً من أن يكون ناتجاً عن استيراد أيديولوجيات أجنبية راديكالية وجماعات تتدثر بمصالح خاصة تحرضها على استغلال مثل هذه الأوضاع، واستفادت القيادة الروسية من جانبها بصورة جيدة من الدور الذي لعبه العرب، والذي وفر لها فرصة لتحميل اللوم على أخطائها هي على قوى خارجية. وتنـزع الحكومة الروسية كوسيلة للحفاظ على وحدة روسيا إلى تفسير جميع النـزاعات والحركات المعارضة على أنها خطر إسلامي، ووجدت أن من المفيد لها أن تستغل هذه الفرصة تحت مظلة التعامل مع جماعات إرهابية متشددة، وذلك من أجل تبرير الأساليب القمعية القاسية التي استخدمتها.
ويشير جون إيسبوسيتو في كتابه (الحرب غير المقدسة) إلى أن روسيا تستفيد كثيراً من استخدام شعار (المقاتلين العرب)، لأنه يعني ضمنياً وجود مشاركة خارجية في المشكلات الداخلية، ويساوي بين المعارضة السياسية والتهديد الإسلامي. وتميل الحكومة لذلك إلى أن تدرج حتى المنظمات غير السياسية مع المنظمات التي يُشتبـَـه في أنها تمول الشبكات الإرهابية، متغاضية بذلك عن القدر الهائل من الأعمال الخيرية التي تقوم بها تلك المنظمات غير السياسية في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.
وبالإضافة إلى العوامل الداخلية، فقد ازدادت حدة التوجهات الراديكالية المتطرفة نتيجة للسياسات التي اتبعتها روسيا في التعامل مع حركة الاستقلال الشيشانية. فبدلاً من أن تؤدي أصداء هذه السياسات إلى كبح جماح المقاومة، فإنها نجحت فقط في إطلاق العنان لجماعات التيارات المتشددة. وقد أسفر تبني موسكو نهج السياسات الإمبريالية الجديدة عن اندلاع أعمال العنف والفساد والجريمة والإرهاب في مناطق شمال القوقاز، حيث دعمت موسكو الحركة الانفصالية والعنف العرقي في مولدوفيا في الوقت الذي كانت تصر فيه على أن تكون لها سيادة لا تُمَس في الشيشان، مما تسبب في حالة القلاقل وظهور خطر انتشار الأفكار الراديكالية في المنطقة. وقد أدت الإدانة الحذرة من جانب الدول الغربية في الواقع إلى زيادة حدة تدهور الأوضاع، لأن تلك الإدانة تجاهلت جرائم الحرب بالمستوى الذي بلغته في الشيشان، وهو أمر لا يمكن تبريره من خلال ربط المقاومة الشيشانية كلها بتنظيم (القاعدة).
وقد حدث مؤخراً تطوران محددان بين روسيا ودول الخليج يرتبطان بالصراع في الشيشان، أحدهما هو استئناف العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المملكة العربية السعودية عقب زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود (ولي العهد السعودي آنذاك) إلى روسيا في شهر سبتمبر 2003. أما التطور الآخر فكان اغتيال الرئيس الشيشاني السابق سليم خان يندر باييف في قطر في فبراير 2004.
وكانت محاولات روسيا في الفترة الأخيرة لكي تصبح ضمن دول العالم الإسلامي من خلال الانضمام إلى عضوية (منظمة المؤتمر الإسلامي) جزءاً من خطة استراتيجية لترميم العلاقات الفاترة مع المملكة العربية السعودية. وتم توقيع اتفاقية مهمة بشأن النفط والتجارة، إلى جانب اتفاقية تعزيز التجارة بين البلدين اللذين يُعتبَران على التوالي أول وثاني أكبر مصدّرين للنفط في العالم. وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يوجد في بلاده عشرون مليون مسلم أن يلعب بالورقة الإسلامية عندما وجه خطابه إلى مؤتمر قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في كوالالمبور عاصمة ماليزيا في أكتوبر 2003. وكانت تلك أيضاً محاولة لعكس الأفكار والمفاهيم السائدة في العالم الإسلامي حول سياسات البطش الروسية التي ظهرت آثارها أكثر من مرة في منطقة شمال القوقاز. كما أن الاتهامات الروسية المتكررة لبعض الدول العربية والإسلامية بأنها تمول الجماعات المسلحة والإرهابية العاملة في الشيشان، وأنها مصدر توريد العقائد الراديكالية التي عززت تيار التشدد شهدت تغييراً شاملاً عندما امتدح بوتين دور المملكة العربية السعودية في الحرب على الإرهاب، وأشار إلى أن البلدين لديهما اهتمامات مشتركة بشأن مكافحة الإرهاب، وكان الموقف السعودي يتمثل في البحث عن حل من خلال قنوات ووسائل دستورية محددة ضمن إطار الاتحاد الروسي، وتأكيد أن هذه المشكلة تُعتبَر شأناً روسياً داخلياً. وكانت تلك إشارة واضحة ومهمة إلى عدم وجود دور للمملكة في الصراع الخاص بالشيشان. وكان الحدث الآخر هو اغتيال الرئيس الشيشاني السابق سليم خان يندر باييف بسيارة مفخخة في الدوحة في الثالث عشر من فبراير 2004. وكانت قطر قد رفضت مرات عدة طلبات روسية بتسليم يندر باييف إلى موسكو بتهم تتعلق بالإرهاب والعلاقة مع تنظيم (القاعدة). وإلى جانب توريط يندر باييف في قضية الهجوم على المسرح في موسكو، فإن الأمر الأكثر أهمية هو أنه كان حلقة إيصال الأموال من منطقة الخليج إلى المسلحين الشيشان، وأحدثت عملية الاغتيال صدمة في قطر، وتم ترحيل السكرتير الأول في السفارة الروسية من الدوحة، وقُدم عميلان للاستخبارات الروسية إلى المحاكمة بتهمة التورط في عملية الاغتيال، وأدت هذه التطورات إلى حالة من الغضب الرسمي في موسكو، وأثرت بشدة في العلاقات بين قطر وروسيا، غير أن تفاهماً تم التوصل إليه بشأن هذه الأزمة بعد اتصال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حيث تمت إعادة المتهمين بحادث الاغتيال إلى موسكو.
نظرة نحو المستقبل
تتخبط الشيشان في الوقت الحاضر في مستنقع سياسي بالغ الحرج والخطر، إذ رفضت أغلبية الشيشانيين نتائج الانتخابات المقررة مسبقاً، والتي أُجريت في شهر نوفمبر الماضي. لهذا، فإن أي تسوية يمكن أن تقود إلى حل للمشكلة عليها أن تأخذ في الحسبان أنه يجب استئصال المتطرفين والراديكاليين من الحركة الشيشانية. ويعني هذا أن الشيشانيين سوف يحتاجون إلى التعاطي أولاً مع مشكلة الإرهاب قبل قيام أي حوار جاد. ويجب أن يتم إيجاد حالة راسخة من واقع الدولة قبل أن يصبح الشيشانيون في وضع يتيح لهم المطالبة بالحكم الذاتي. وهناك حاجة إلى تأهيل أي مطالبات بالاستقلال، ويجب أن يكون الكفاح من أجل الاستقلال سلمياً وسياسياً، كما أن الفئات المتنافسة داخل المقاومة الشيشانية تحتاج إلى الانضواء تحت رؤية موحدة.
وسوف تتطلب أي تسوية سياسية عدم إغفال الديناميكيات الأساسية التي تحرك المجتمع الشيشاني ضمن نطاق الإرث التاريخي المضطرب والعلاقات مع روسيا. وقد تعززت بمرور الوقت الذاكرة الجماعية لعمليات الإبعاد والإبادة الجماعية في عهد الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين مع ارتكاب المزيد من المذابح والأعمال الوحشية خلال الصراعات المريرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن شأن الحصول على أي تنازل من جانب روسيا تُجاه مسألة الاستقلال أن يتغلب على الهدف والمعنى الأساسيين لكفاح أولئك الذين أمضوا عقوداً في خوض تلك الصراعات.
وتحتاج القيادة السياسية في روسيا إلى الاعتراف والقبول بحقيقة أنها تحارب شعباً، وأن الاستخدام المفرط للقوة وعمليات القمع ليست هي الخيارات الاستراتيجية المثالية لحل هذه المشكلة، وسيكون التوفيق السياسي بين مطالب الاستقلال أو الحكم الذاتي وبين إعادة دمج المقاومة الشيشانية في الإطار المؤسسي للبلاد خطوة ضرورية نحو حل هذه المسألة الشائكة، وستحتاج القيادة الروسية إلى إرادة سياسية قوية لتنفيذ أي قرارات تُتخَّذ بعد إعادة تقييم السياسات.
ويمكن لمثل هذه العملية أن تسفر عن إجراء انتخابات ديمقراطية تحت إشراف طرف ثالث وإعادة دمج المقاومة في الإطار المؤسسي. ويعتبر العديد من المحللين أن روسيا لا تستطيع التعامل وحدها مع القوقاز، بل تحتاج إلى مساعدة خارجية للتوصل إلى حلول لهذه الصراعات المجمدة والمعلقة.
ويتحمل المجتمع الدولي وخصوصاً الدول الإسلامية مسؤولية نحو التعامل مع الأزمة في الشيشان والمشاركة في الضغط على موسكو من أجل الوفاء بالتزاماتها السياسية، وذلك بتسليم السلطة إلى الشيشانيين عبر انتخابات نزيهة وسحب القوات الروسية من الشيشان. ويمكن أن يكون للتحسن الذي طرأ حديثاً على العلاقات السياسية والاقتصادية بين العالم الإسلامي وروسيا دور بـنّـاء في إقناع روسيا بممارسة سياسة هادئة وعقلانية في التعامل الحصري مع الشيشان. وإذا تحقق ذلك، يمكن للمرء أن يتوقع أن يكون هذا التطور أكثر قبولاً من جانب الشيشانيين نظراً لروابطهم العقائدية وتشاركهم في الحساسيات في ما يخص العادات والتقاليد.
إن عزل الشيشان وتوكيل روسيا بمسؤولية التعامل الحصري معها وكأنها شأن داخلي هو عمل يرقى إلى مستوى ارتكاب خطأ سياسي وإنساني، خصوصاً أن سجل روسيا في هذا الشأن يدحض بشكل كامل ما تدعيه من التعامل المنطقي مع القضية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3470::/cck::
::introtext::

بدلاً من أن تفرز طبيعة الأزمة في الشيشان تطورات دراماتيكية محددة، فإنها وفرت المزيد من الدعم خلال مسار الصراع لفكرة واسعة الانتشار، وهي أن المنظمات الإسلامية المتشددة قامت بدعم الحركة الانفصالية باتجاه هدف مفترض، وهو إقامة (إمامة إسلامية) في شمال شرق القوقاز على نمط نظام حكم حركة طالبان في أفغانستان.

::/introtext::
::fulltext::

بدلاً من أن تفرز طبيعة الأزمة في الشيشان تطورات دراماتيكية محددة، فإنها وفرت المزيد من الدعم خلال مسار الصراع لفكرة واسعة الانتشار، وهي أن المنظمات الإسلامية المتشددة قامت بدعم الحركة الانفصالية باتجاه هدف مفترض، وهو إقامة (إمامة إسلامية) في شمال شرق القوقاز على نمط نظام حكم حركة طالبان في أفغانستان.
ورافق هذه الاستنتاجات بعض التطورات التي حدثت، وأبرزها الحالة الاستثنائية التي نشأت عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001. ومثال على ذلك، البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2003، وصنف ثلاث جماعات شيشانية مرتبطة بالقائد الشيشاني شامل باساييف بأنها جماعات إرهابية، وأكد ذلك البيان مزاعم بأنها تلقت ملايين الدولارات من تنظيم (القاعدة). وبناءً على ذلك، فقد أصبحت الجماعات الشيشانية عموماً توصم بأنها إرهابية على الرغم من أن بيان وزارة الخارجية الأمريكية لم يصنف الشيشانيين جميعاً بأنهم إرهابيون.
وتقف الشيشان اليوم أمام مفترق طرق بين الراديكالية المتشددة والقومية. وكان الإسلام باستمرار طرفاً مكملاً للهُوية الوطنية، ويوفر مصدراً قوياً للدعم من الجانبين العقائدي والمعنوي، لكنه لم يكن العنصر الدافع خلف الحركة الوطنية التي بدأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991.
وكان تسييس الإسلام وإصباغ الصفة الراديكالية عليه جزءاً من عملية معقدة فتحت الباب لإطلاق جميع أنواع الاحتمالات الخطرة وظهور تهديدات جادة تقوم بتحويل الصراع إلى حرب عرقية تشعل المنطقة بأكلمها. وقد أسهم في نشوء هذه التطورات الرفض العنيد لمسألة الاعتراف بالأخطاء التي تم ارتكابها أو تغيير السياسات من جانب القيادة الروسية، مما أدى إلى الوضع الراهن الأشبه بالمستنقع. وحالة العجز السياسي مع الإسلام المتشدد تهدد أي فرصة للحصول على الحكم الذاتي الذي قد تحاول السلطات تحقيقه.
ومن المهم جداً أن نفهم مدى وطبيعة الدور العربي في الحركة الشيشانية، والذي ترددت مزاعم بأنه أسهم كثيراً في تغيير مسار المقاومة من كونها حركة وطنية لكي تصبح حركة تستلهم الأفكار الدينية المتشددة.
عودة إلى الماضي القريب
تعرضت إحدى المدارس في مدينة بيسلان بجمهورية أوسيتيا الشمالية لحصار في شهر سبتمبر 2004 أسفر عن مقتل 320 شخصاً كان معظمهم من الأطفال. وجاء هذا الحادث في غمرة أحداث أخرى، من بينها حصار قاعة مسرح في موسكو وعمليات أخرى تضمنت خطف طائرات والقيام بأعمال انتحارية. وتذكّر هذه الأحداث المثيرة بالطبيعة الدموية والمؤلمة للصراع في الشيشان وتؤكد عنصرين، هما:
* عدم قدرة موسكو على كسب الحرب ضد الحركة الانفصالية في الشيشان.
* رد الفعل العنيف للشيشانيين حيال استخدام القوة الاستبدادية والأعمال الوحشية التي ارتكبها الروس، وهو ما جعل الأعمال الإرهابية تنقل الحرب إلى موسكو ذاتها.
وقد ازدادت الأوضاع تدهوراً نتيجة الإعلان الصادر عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي تحدث فيه عن (فتح باب الجحيم على تلك العصابات) واللجوء إلى القوة لقمع عمليات المقاومة. لكن الصراع في الشيشان ليس بالصراع الذي يمكن حسمه بالطرق العسكرية، لأن روسيا كما قال الجنرال ليبيد (لا تحارب إرهابيين وعصابات، بل تحارب شعباً). غير أن الرئيس الروسي بوتين اغتنم فرصة الأجواء التي نشأت عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لكي يربط بين حركة المقاومة الشيشانية وبين الإرهاب. وعززت هذا المفهومَ على نطاق واسع العمليات الإرهابية التي قامت بها فئات متشددة تُحسَب على المقاومة الشيشانية، وخففت من حدة النقد المتعلق بالانتهاكات الوحشية لحقوق الإنسان التي قامت بها القوات الروسية في الشيشان. وأسهمت أحداث أخرى في تعزيز الحديث عن خطر الانتشار الإقليمي للصراع والنظريات الروسية بشأن انتشار التطرف الإسلامي في منطقة القوقاز. ومن ذلك خطر التشدد في داغستان والغارة التي قامت بها المقاومة الشيشانية في إنغوشيا في شهر يونيو 2004، والاشتباكات الأخيرة التي جرت في كابوردينو ـ بالكاريا في شهر أكتوبر 2005، والتي قـُـتـِـل فيها عشرات الأشخاص، لكن السكان المحليين في تلك المنطقة يرفضون ما يُقال من أن هذه الأحداث هي جزء من مخطط خارجي شرير، بل يعتبرونها عملية توسع للصراع الانفصالي الشيشاني ورد فعل على السياسات الروسية.
الصراع يأخذ منحىً راديكالياً
كان التغير الذي طرأ على طبيعة الصراع الذي حدث في الفترة الانتقالية بين الحربين الشيشانيتين ناشئاً عن عوامل عدة، وهي تحديداً تعمق الوعي الديني كرد فعل على السياسات العنيفة التي انتهجتها الحكومة الروسية والأعمال الوحشية التي قامت بها قواتها، بالإضافة إلى تسلل متشددين إسلاميين أجانب إلى البلاد وممارستهم نفوذهم على القيادة الشيشانية. لكن الطبيعة الدقيقة والمدى الذي بلغته العلاقة بين بعض الفئات، وخصوصاً المقاومة الشيشانية التي يقودها شامل باساييف وبين الشبكات الإرهابية الإسلامية لا تزال غير واضحة، غير أنها استـُـخـدِمت من جانب روسيا لتصوير المقاومة الشيشانية عموماً بأنها تروّج للإرهاب بهدف تبرير الحرب والعمليات الوحشية التي تقوم بها موسكو وتعتبرها جزءاً من الحرب على الإرهاب.
وكان عدد كبير من الرجال قد التحقوا بصفوف المقاتلين للدفاع عن رفاقهم المسلمين بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان في عام 1979. وعقب ذلك تم بدعوة من عبد الله يوسف عزام تشكيل فرق إسلامية متعددة الجنسيات حملت اسم (الأنصار) أو (كتائب عزام)، وضمت محاربين من أجل الدين خارجين من حرب أفغانستان، وكان الهدف من تشكيلها الدفاع عن الجاليات الإسلامية في خطوط المواجهة في جميع أنحاء العالم.
في كتابه (ما هو مستقبل الشيشان؟)، ينسب ليفين نشوء ظاهرة جديدة خلال مجريات الحرب الأولى في الشيشان إلى ظهور مجموعة من المتشددين المسلمين الدوليين برئاسة حبيب عبد الرحمن خطاب، وهو سعودي المولد، وأنشأ فرقة إسلامية دولية شاركت في الحرب الشيشانية الأولى في عام 1994. ولم تلعب هذه الفرقة دوراً قيادياً في تلك الفترة، لكن الهدف منها كان حشد المزيد من المقاومة المسلحة الشيشانية وتوجيهها في مسار إسلامي متطرف.
ووفق روهان غونيراتنا في دراسته (داخل القاعدة: شبكة الإرهاب العالمية)، فقد سبق لحبيب خطاب القتال في أفغانستان إلى جانب أسامة بن لادن وتحت قيادة حسين السارحي في عملية معركة (عرين الأسد) التي تعود إلى عام 1987. وقد أبقى أسامة بن لادن على علاقة عقائدية وتقنية ومالية مع خطاب. واكتسب خطاب من خلال القتال في طاجيكستان سمعة كقائد لامع قبل أن ينتقل إلى الشيشان ليتزعم المجاهدين الأجانب، حيث عـُـيـِّـن قائداً عسكرياً للعمليات تحت قيادة شامل باساييف. ويؤكد غونيراتنا أن شامل باساييف أقام أيضاً علاقة قوية مع أسامة بن لادن أثناء تلقيه التدريب في أفغانستان. وقد أسهم خطاب في حشد المجاهدين من إنغوشيا وأوسيتيا وجورجيا وأذربيجان للقتال ضد الروس في الشيشان وداغستان باستخدام الأموال التي وفرها له تنظيم (القاعدة). وتزوج خطاب امرأة داغستانية وأقام في الشيشان إلى أن تم اغتياله في عام 2002 على أيدي جهاز الاستخبارات الروسية.
وحسبما يقول غونيراتنا أيضاً، فقد تم تدريب المئات من الشيشانيين في معسكرات تنظيم (القاعدة) في أفغانستان وتزويدهم بالأسلحة كذلك. وكانت الفرقة (055) التابعة لتنظيم القاعدة تضم نسبة كبيرة بصورة استثنائية من الشيشانيين ومسلمي دول آسيا الوسطى.
وكان مجاهدو (الأنصار) التابعون لتنظيم القاعدة يُعتبَرون الأكثر شراسة وتنظيماً بين جماعات المجاهدين الثلاث التي تقاتل الروس في الشيشان. وكان أولئك هم الذين بادروا إلى تنفيذ معظم الهجمات الانتحارية، وهو نمط من العمليات لم يكن معروفاً من قبل في ذلك الجزء من العالم. وتشير تقارير مصادر الاستخبارات الأوروبية إلى أن (القاعدة) تساعد مجاهدي (الأنصار) في عمليات تهريب الأسلحة بواسطة مجرمين روس وأوكرانيين وشيشان.
وتوسع نفوذ خطاب مع باساييف بصورة جوهرية في المحصلة ليحرض على تمرد في أوساط القيادة الشيشانية العليا، ويخلق انقسامات جعلت الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف يطبق أحكام الشريعة الإسلامية وينشئ محاكم شرعية، وهو الرجل الذي كان يُعتبـَـر معتدلاً ولا يشارك باساييف آراءه الراديكالية بشأن الشيشان. وفقد مسخادوف الثقة من جانب موسكو بسبب فشله في فرض النظام والقانون ومكافحة معدلات الجريمة المرتفعة والسيطرة على القادة المتشددين. ولقي اغتياله في مارس 2005 على أيدي جهاز الأمن السري الروسي الترحيب، واعتبرته الحكومة الروسية نصراً، علماً أنها فقدت في الواقع فرصة لمتابعة مسار سياسي كخيار في الشيشان مع زعيم لا يمكن تجاهله، وكان يتمتع بقدر كبير من التأثير في أوساط الشعب.
لم يتم مطلقاً تأكيد العدد الحقيقي من الإسلاميين الأجانب الذين حاربوا في الشيشان، غير أن بعض التوقعات تقدر عددهم بما يتراوح بين 200 و300 عربي، وذلك حسب مصادر الاستخبارات الروسية. ولعب تصاعد قوة هذه المجموعة في الشيشان دوراً أساسياً في التعجيل بنشوب الحرب الثانية من خلال الغارات والعمليات المسلحة التي نُفِذت في عام 1999 داخل داغستان، وكانت نتيجتها تعريض جميع الحلول الممكنة لقضية استقلال الشيشان للخطر، وكان بعض من الشيشانيين والداغستانيين يرتابون من هذه المجموعة من المقاتلين العرب، لأنها طبقت شكلاً صارماً من الإسلام يتجاوز ما يفعله الشيشانيون الذين يلتزمون بالطريقة الصوفية النقشبندية.
غير أن الشيشان اختاروا في موقعهم المعزول ذاك الاستفادة من الموارد التي وفرتها المنظمات والشبكات الإسلامية من الشرق الأوسط ودول آسيا. وأدرك أمراء الحرب الإمكانات المفيدة التي يمكن أن تـُـتـاح لهم من خلال إقامة تحالف مع هذه الجماعات المتشددة، حيث كانت الحوافز مشجعة، وتتمثل في التمويل والتدريب والتجنيد والدعم والاتصالات الدولية. وتفسر جولي ويلهلمسين في دراستها بعنوان (الحركة الانفصالية الشيشانية) منطق المغانم والمنافع الكامنة وراء تبني الإسلام السياسي والراديكالي من جانب السياسيين وأمراء الحرب الشيشانيين، مؤكدة أن الدوافع التي تقف خلف تبني هذه العقيدة لم تكن كلها قائمة على مبدأ المنفعة فقط، وتقول إن السبب في نشوء هذا الحال هو الوضع ذاته القائم في الشيشان والأعمال الوحشية التي ارتكبتها القوات الروسية والإرث التاريخي الذي التقى مع طبيعة الروح الشيشانية، وأفسح الطريق أمام التطرف لكي يتجذر هناك. وفي مجتمع مشوش ممزق بالحرب ويعاني من أوضاع اقتصادية بائسة، فقد استطاعت العقيدة التي روّج لها العرب أن تثبت أنها البديل المقنع للفئات المسلحة والراديكالية في المجتمع الشيشاني، وبخاصة في أوساط الجيل الشاب الذي لم تكن لديه القدرة أو الرغبة في الانخراط في الهياكل الاجتماعية السياسية التقليدية المتهالكة للمجتمع الشيشاني. وقد استطاع أولئك بعد أعوام من القتال المرير ضد الروس أن يبرزوا معالم عقيدة أكثر تشدداً وبسهولة أكبر مما استطاعت تحقيقه الصوفية التقليدية.
وتطورت بذلك الصفة الراديكالية للصراع في الشيشان كنتيجة للوضع الداخلي الدموي والمرير في تلك البلاد بدلاً من أن يكون ناتجاً عن استيراد أيديولوجيات أجنبية راديكالية وجماعات تتدثر بمصالح خاصة تحرضها على استغلال مثل هذه الأوضاع، واستفادت القيادة الروسية من جانبها بصورة جيدة من الدور الذي لعبه العرب، والذي وفر لها فرصة لتحميل اللوم على أخطائها هي على قوى خارجية. وتنـزع الحكومة الروسية كوسيلة للحفاظ على وحدة روسيا إلى تفسير جميع النـزاعات والحركات المعارضة على أنها خطر إسلامي، ووجدت أن من المفيد لها أن تستغل هذه الفرصة تحت مظلة التعامل مع جماعات إرهابية متشددة، وذلك من أجل تبرير الأساليب القمعية القاسية التي استخدمتها.
ويشير جون إيسبوسيتو في كتابه (الحرب غير المقدسة) إلى أن روسيا تستفيد كثيراً من استخدام شعار (المقاتلين العرب)، لأنه يعني ضمنياً وجود مشاركة خارجية في المشكلات الداخلية، ويساوي بين المعارضة السياسية والتهديد الإسلامي. وتميل الحكومة لذلك إلى أن تدرج حتى المنظمات غير السياسية مع المنظمات التي يُشتبـَـه في أنها تمول الشبكات الإرهابية، متغاضية بذلك عن القدر الهائل من الأعمال الخيرية التي تقوم بها تلك المنظمات غير السياسية في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.
وبالإضافة إلى العوامل الداخلية، فقد ازدادت حدة التوجهات الراديكالية المتطرفة نتيجة للسياسات التي اتبعتها روسيا في التعامل مع حركة الاستقلال الشيشانية. فبدلاً من أن تؤدي أصداء هذه السياسات إلى كبح جماح المقاومة، فإنها نجحت فقط في إطلاق العنان لجماعات التيارات المتشددة. وقد أسفر تبني موسكو نهج السياسات الإمبريالية الجديدة عن اندلاع أعمال العنف والفساد والجريمة والإرهاب في مناطق شمال القوقاز، حيث دعمت موسكو الحركة الانفصالية والعنف العرقي في مولدوفيا في الوقت الذي كانت تصر فيه على أن تكون لها سيادة لا تُمَس في الشيشان، مما تسبب في حالة القلاقل وظهور خطر انتشار الأفكار الراديكالية في المنطقة. وقد أدت الإدانة الحذرة من جانب الدول الغربية في الواقع إلى زيادة حدة تدهور الأوضاع، لأن تلك الإدانة تجاهلت جرائم الحرب بالمستوى الذي بلغته في الشيشان، وهو أمر لا يمكن تبريره من خلال ربط المقاومة الشيشانية كلها بتنظيم (القاعدة).
وقد حدث مؤخراً تطوران محددان بين روسيا ودول الخليج يرتبطان بالصراع في الشيشان، أحدهما هو استئناف العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المملكة العربية السعودية عقب زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود (ولي العهد السعودي آنذاك) إلى روسيا في شهر سبتمبر 2003. أما التطور الآخر فكان اغتيال الرئيس الشيشاني السابق سليم خان يندر باييف في قطر في فبراير 2004.
وكانت محاولات روسيا في الفترة الأخيرة لكي تصبح ضمن دول العالم الإسلامي من خلال الانضمام إلى عضوية (منظمة المؤتمر الإسلامي) جزءاً من خطة استراتيجية لترميم العلاقات الفاترة مع المملكة العربية السعودية. وتم توقيع اتفاقية مهمة بشأن النفط والتجارة، إلى جانب اتفاقية تعزيز التجارة بين البلدين اللذين يُعتبَران على التوالي أول وثاني أكبر مصدّرين للنفط في العالم. وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يوجد في بلاده عشرون مليون مسلم أن يلعب بالورقة الإسلامية عندما وجه خطابه إلى مؤتمر قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في كوالالمبور عاصمة ماليزيا في أكتوبر 2003. وكانت تلك أيضاً محاولة لعكس الأفكار والمفاهيم السائدة في العالم الإسلامي حول سياسات البطش الروسية التي ظهرت آثارها أكثر من مرة في منطقة شمال القوقاز. كما أن الاتهامات الروسية المتكررة لبعض الدول العربية والإسلامية بأنها تمول الجماعات المسلحة والإرهابية العاملة في الشيشان، وأنها مصدر توريد العقائد الراديكالية التي عززت تيار التشدد شهدت تغييراً شاملاً عندما امتدح بوتين دور المملكة العربية السعودية في الحرب على الإرهاب، وأشار إلى أن البلدين لديهما اهتمامات مشتركة بشأن مكافحة الإرهاب، وكان الموقف السعودي يتمثل في البحث عن حل من خلال قنوات ووسائل دستورية محددة ضمن إطار الاتحاد الروسي، وتأكيد أن هذه المشكلة تُعتبَر شأناً روسياً داخلياً. وكانت تلك إشارة واضحة ومهمة إلى عدم وجود دور للمملكة في الصراع الخاص بالشيشان. وكان الحدث الآخر هو اغتيال الرئيس الشيشاني السابق سليم خان يندر باييف بسيارة مفخخة في الدوحة في الثالث عشر من فبراير 2004. وكانت قطر قد رفضت مرات عدة طلبات روسية بتسليم يندر باييف إلى موسكو بتهم تتعلق بالإرهاب والعلاقة مع تنظيم (القاعدة). وإلى جانب توريط يندر باييف في قضية الهجوم على المسرح في موسكو، فإن الأمر الأكثر أهمية هو أنه كان حلقة إيصال الأموال من منطقة الخليج إلى المسلحين الشيشان، وأحدثت عملية الاغتيال صدمة في قطر، وتم ترحيل السكرتير الأول في السفارة الروسية من الدوحة، وقُدم عميلان للاستخبارات الروسية إلى المحاكمة بتهمة التورط في عملية الاغتيال، وأدت هذه التطورات إلى حالة من الغضب الرسمي في موسكو، وأثرت بشدة في العلاقات بين قطر وروسيا، غير أن تفاهماً تم التوصل إليه بشأن هذه الأزمة بعد اتصال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حيث تمت إعادة المتهمين بحادث الاغتيال إلى موسكو.
نظرة نحو المستقبل
تتخبط الشيشان في الوقت الحاضر في مستنقع سياسي بالغ الحرج والخطر، إذ رفضت أغلبية الشيشانيين نتائج الانتخابات المقررة مسبقاً، والتي أُجريت في شهر نوفمبر الماضي. لهذا، فإن أي تسوية يمكن أن تقود إلى حل للمشكلة عليها أن تأخذ في الحسبان أنه يجب استئصال المتطرفين والراديكاليين من الحركة الشيشانية. ويعني هذا أن الشيشانيين سوف يحتاجون إلى التعاطي أولاً مع مشكلة الإرهاب قبل قيام أي حوار جاد. ويجب أن يتم إيجاد حالة راسخة من واقع الدولة قبل أن يصبح الشيشانيون في وضع يتيح لهم المطالبة بالحكم الذاتي. وهناك حاجة إلى تأهيل أي مطالبات بالاستقلال، ويجب أن يكون الكفاح من أجل الاستقلال سلمياً وسياسياً، كما أن الفئات المتنافسة داخل المقاومة الشيشانية تحتاج إلى الانضواء تحت رؤية موحدة.
وسوف تتطلب أي تسوية سياسية عدم إغفال الديناميكيات الأساسية التي تحرك المجتمع الشيشاني ضمن نطاق الإرث التاريخي المضطرب والعلاقات مع روسيا. وقد تعززت بمرور الوقت الذاكرة الجماعية لعمليات الإبعاد والإبادة الجماعية في عهد الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين مع ارتكاب المزيد من المذابح والأعمال الوحشية خلال الصراعات المريرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن شأن الحصول على أي تنازل من جانب روسيا تُجاه مسألة الاستقلال أن يتغلب على الهدف والمعنى الأساسيين لكفاح أولئك الذين أمضوا عقوداً في خوض تلك الصراعات.
وتحتاج القيادة السياسية في روسيا إلى الاعتراف والقبول بحقيقة أنها تحارب شعباً، وأن الاستخدام المفرط للقوة وعمليات القمع ليست هي الخيارات الاستراتيجية المثالية لحل هذه المشكلة، وسيكون التوفيق السياسي بين مطالب الاستقلال أو الحكم الذاتي وبين إعادة دمج المقاومة الشيشانية في الإطار المؤسسي للبلاد خطوة ضرورية نحو حل هذه المسألة الشائكة، وستحتاج القيادة الروسية إلى إرادة سياسية قوية لتنفيذ أي قرارات تُتخَّذ بعد إعادة تقييم السياسات.
ويمكن لمثل هذه العملية أن تسفر عن إجراء انتخابات ديمقراطية تحت إشراف طرف ثالث وإعادة دمج المقاومة في الإطار المؤسسي. ويعتبر العديد من المحللين أن روسيا لا تستطيع التعامل وحدها مع القوقاز، بل تحتاج إلى مساعدة خارجية للتوصل إلى حلول لهذه الصراعات المجمدة والمعلقة.
ويتحمل المجتمع الدولي وخصوصاً الدول الإسلامية مسؤولية نحو التعامل مع الأزمة في الشيشان والمشاركة في الضغط على موسكو من أجل الوفاء بالتزاماتها السياسية، وذلك بتسليم السلطة إلى الشيشانيين عبر انتخابات نزيهة وسحب القوات الروسية من الشيشان. ويمكن أن يكون للتحسن الذي طرأ حديثاً على العلاقات السياسية والاقتصادية بين العالم الإسلامي وروسيا دور بـنّـاء في إقناع روسيا بممارسة سياسة هادئة وعقلانية في التعامل الحصري مع الشيشان. وإذا تحقق ذلك، يمكن للمرء أن يتوقع أن يكون هذا التطور أكثر قبولاً من جانب الشيشانيين نظراً لروابطهم العقائدية وتشاركهم في الحساسيات في ما يخص العادات والتقاليد.
إن عزل الشيشان وتوكيل روسيا بمسؤولية التعامل الحصري معها وكأنها شأن داخلي هو عمل يرقى إلى مستوى ارتكاب خطأ سياسي وإنساني، خصوصاً أن سجل روسيا في هذا الشأن يدحض بشكل كامل ما تدعيه من التعامل المنطقي مع القضية.

::/fulltext::
::cck::3470::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *