بلاد الرافدين إلى أين …؟!

::cck::3714::/cck::
::introtext::::/introtext::
::fulltext::

إن ما يحدث في العراق الآن (وفى غيره من البلاد العربية الجريحة) يدمي فؤاد كل عربي ومسلم.  فهذا البلد الرائع والعريق، وبكل ما يمثله للأمة العربية من شموخ وإباء، وباعتباره رمزا خالدا من رموز هذه الأمة، قد ظلم ظلما فادحا….   وهو يعاني ما يعانيه نتيجة إجحاف صارخ تعرض له، على مدار نصف القرن الماضي. إنه الآن يحتضر … وعلى بعد خطوات من الانهيار والتواري.  أما سبب هذا الاحتضار فهو: ظلم قلة من بنى جلدته، وكيد القوى الدولية المعادية الطامعة (التتار الجدد) إضافة إلى أطماع وعدوان إيران، وبعض “أشقائه” العرب.

  كل هذا أصبح معروفا، وموثقا، ولا يحتاج إلى المزيد من التفاصيل. إن من يهمه العراق، ويريد الخير له ولهذه الأمة، عليه الآن أن يفكر في: ماذا بعد ؟!  ثم يسارع في مد يد العون والإنقاذ، وتبني الطرق التي تكفل الخروج من هذه الأزمة (المأساة) الطاحنة التي – وإن تفاقمت مؤخرا-أصابت أرض السواد منذ رحيل المستعمر البريطاني عنه، عام 1932م.  لقد أضحى العراق مثالا حيا للدولة العربية ” الفاشلة “… التي وجدت لتزول، ولو بعد عقود من ميلادها.  وعز وجود من يوحدها ويبنيها …  فساد فيها الاستبداد، واستشرت الطائفية، والمذهبية، بكل ما تحملانه من تبعات سلبية مقيتة.  وتوج ذلك بقيام جماعات تكفيرية متطرفة ومسلحة …  تحارب كل ما هو مختلف عنها، وتدمر الأخضر واليابس، ودون أي هدف بناء، لتحتل إحداها حوالي ثلث العراق وتعلن عن قيام ” دولة الخلافة الإسلامية ” … ؟!  

    

    لقد كشفت الأحداث والنكبات المتتابعة -بوضوح-طبيعة كارثة العراق والدول التي تشابهه (سوريا، اليمن، ليبيا، وغيرهم). إن الحالة العراقية هي مجرد مثل يؤكد صحة نظرية: (لا اتحاد دون عدل، ولا دولة قوية متماسكة دون مؤسسات سياسية سليمة)، وإن التاريخ غالبا ما يكرر نفسه.  فمنذ ” استقلال ” العراق وهو يعاني- في أغلب الأوقات –  الأمرين…. والأمرين هنا هما: الديكتاتورية، والتدخلات الأجنبية المعادية والطامعة.  وقد ساهمت “طبيعة” التكوين المجتمعي العراقي (وما فيه من اختلالات طائفية ومذهبية) على قيام واستتباب هذين الأمرين… اللذان كانا – ومازالا-  بمثابة خنجرين حادين، يطعنان الجسد العراقي، على مدار الساعة.

  وسبب ازدهار الأمرين، ليس لعيب في الشعب العراقي ومكوناته، بل هي “الظروف” الداخلية والخارجية التي وجد العراق نفسه فيها.  فالعراق مكون في الأساس من ثلاث دول رئيسة، حشرت في دولة واحدة -هذا إذا استثنينا “الأقليات” الأصغر الأخر؛ السنة في الوسط والغرب، والشيعة في الجنوب والشرق، وجزء من كردستان في الشمال.  هكذا شاءت بريطانيا أن يكون العراق.  فهي التي رسمت حدوده، كما حدود كثير من الدول الأخرىبالتعاون مع فرنسا وفق اتفاقية ” سايكس- بيكو ” سيئة الذكر .

   ها هو العراق الآن يحصد سوء سايكس – بيكو، لأنه لم يأخذ بالتنظيم السياسي الناجع الذي كان سيكفل له البقاء والازدهار، رغم تعدد فئات شعبه واختلافهم الطائفي والمذهبي.  فاللوم الأكبر يجب ألا يوجه لبريطانيا وفرنسا، أو لأميركا، بل لعجز العراق عن إنجاب قلة قيادية وطنية عراقية مخلصة …  تضع العراق على الطريق الصحيح للبقاء والنمو والازدهار.  ربما كانت هناك قلة من هذا النوع، ماضيا وحاضرا، ولكنها لم تمكن، لضعف فيها، أو لقوة أعدائها.  

                                         

العلاج الموصوف : 

نشأ العراق عليلا.  وكان من الممكن أن يشفى … لو عملت قياداته على أن ” تنصهر” فيه مكوناته المذهبية والطائفية، ويتعمق الانصهار الوطني فيه، فتصبح هناك شخصية عراقية واحدة، بصرف النظر عن الانتماء العرقي والديني.  خاصة وأن القوى الدولية المتنفذة (لحسابات خاصة بها) كانت تعارض إقامة دولة شيعية مستقلة، إضافة إلى معارضتها الشهيرة السابقة لإقامة دولة كردية مستقلة، تكون نواتها المنطقة الشمالية من العراق.

   ولكن الاستبداد (واستشراء الطائفية والمذهبية) أفسد النمو الطبيعي السليم للدولة المدنية العراقية…  فالاستبداد العسكري كان من مصلحتهأن يؤكد على “المركزية” الصارمة، التي تجعل العراق كله، وبكل فعالياته، يدور حول بغداد …  بل وحول شخص الزعيم (الأوحد، الملهم، الضرورة …الخ) .هذا أدى-بطبيعة الحالإلى: تعميق الانتماء الطائفي والمذهبي، وخلق قدرا من التنافر بين مكونات العراق الرئيسة.

   ادعت الديكتاتوريات العراقية – زورا وبهتانا – أن حكم ( وإدارة ) العراق بشكل سليم لا يتم إلا بهذا الأسلوب الوحشي والصارم . والحقيقة أن تلك الديكتاتوريات – وخاصة الأخيرة-كانت تعمل ما يحقق مصالحها ويضمن بقاءها هي، ولم يكن هدفها الأساسي هو : “الإبقاء على وحدة العراق “،  بقدر ما كان همها هو الإبقاء  على “زعامة الزعيم القائد” وأتباعه .  حتى وإن افترضنا حسن النية – وهو غالبا غير وارد في هذا الشأن –  فإن هذه المركزية تمزق ، ولا ترتق،  تشر ذم ولا توفق… خاصة في بلد متعدد الطوائف كالعراق .

 

حل الإشكال العراقي المأساوي كان يكمن في تولي ديكتاتورية مصلحة مقاليد الأمور في العراق … تعمل – بجد وإخلاص -على التطبيق السليم للديمقراطية والفيدرالية.  فـ “الفيدرالية” السليمة لا يمكن أن تنجح إلا في ظل نظام ديمقراطي … وإن نجحت، فإنها توحد ولا تفرق.  إنها “الصيغة السحرية” الأهم، القادرة على خلق دولة واحدة (كيان واحد) من عدة كيانات، أو هويات مختلفة، خاصة عندما يقوم الـ “تقسيم” على أساس مناطقي جغرافي…. كأن تصبح كل من “المحافظات” العراقية الثماني عشرة الحالية عبارة عن “ولاية”.

     إن “الفيدرالية” – وهى اختراع سياسي حيوي وهام –هي الوسيلة الأهم التي يمكن أن تحقق هذه المعادلة الصعبة ، عبر :إقامة كيان واحد متحد، مع تمتع كل من مكوناته ( الولايات ) بحق إدارة نفسها،  وفق الأسلوب الذى يناسبها وترتضيه ،  شريطة انسجامه مع الدستور الاتحادي العام للكيان الأكبر الواحد .  وباعتبار العراق بلدا اسلاميا، كان من الطبيعي أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيس للتشريع فيه.

    إن هذه “الوصفة” هي العلاج الأنجع، الذي يوصي به غالبية علماء ومفكري السياسة الحاليين، من عرب وغيرهم، ليس للعراق الممزق المتعب وحسب، بل ولمعظم الدول الأخرى، التي تعاني من ذات العلل … وقد تم تبني الفيدرالية في دستور اليمن الذي توصل إليه الحوار الوطني اليمنى قبل أن يستولى الحوثيون وميليشيا صالح على السلطة هناك. ويظل العراق أحوج للفيدرالية من اليمن.  وقد تم تبني هذه الوصفة في أخر دستور صدر بالعراق سنة 2005 م.  ولكن العراق افتقر إلى القلة القيادية المصلحة التي كان يمكن أن تضمن تناول البلد المريض لهذه الوصفة الشافية – بإذن الله.  كل القيادات العراقية التي تولت السلطة فيه بعد استقلاله، كان همها الأكبر هو: تكريس بقائها في السلطة، لأطول فترة ممكنة.  فحرم هذا البلد من التعافي والشفاء، وأوشكمحبوه على تشييعه قريبا لمثواه الأخير. 

                                          

  تجزئة المجزأ :

كان هذا القطر العربي مشروع دولة عربية قوية وكبرى، ولكنه هوى … وبدأ يتجزأ ويتفتت لأسباب معروفة … تشاركه فيها الدول العربية المضطربة وغير المستقرة حاليا. لذا، أضحى تحليل الوضع السياسي العام بالعراق ينطبق –إلى حد كبير – على البلاد العربية المشابهة سياسيا له.  ثم أن العراق يعتبر من أكثر البلاد أهمية وحيوية بالنسبة لدول الخليج العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية.  فهناك تداخل جغرافي وديموغرافي بين البلدين الذين تفصل بينهما حدود مشتركة تمتد لحوالي 800 كيلو متر.           

  وكما ذكرنا، يكاد يجمع علماء وخبراء السياسة العالميين والعرب المعنيون بالشأن العراقي أن نجاة العراق وقيامه كدولة مستقلة ومزدهرة، كان يتطلب تأسيسه على قاعدتين أساسيتين هما: الديمقراطية (القائمة على دستور تقبله غالبية الشعب العراقي) والفيدرالية … القائمة على أساس مناطقي وجغرافي، وليس على أساس عرقي أو مذهبي .  وإن سلمنا بذلك، نجد أن الوضع السياسي العام بالعراق يضطرب كلما ابتعد بالعراق عن هاتين القاعدتين، ويستقر كلما اقترب بتلك البلاد منهما.  وقد ابتعد العراق كثيرا عن هذين الأساسين … بل أنه لم يكن يوما ديمقراطيا وفيدراليا. لذلك، تعثر… ثم وصل إلى حافة الانهيار والتفكك والزوال، في الوقت الحاضر.

    ولم يكن من الصعب تبني هذا الخيار بالنسبة للعراقيين (بكل أطيافهم) خاصة بعد أن تأكد – عبر تجربة تاريخية مريرة – بطلان وفساد وسوء ” الخيارات ” الأخرى ،بالنسبة لهم، ولمن يشابههم  في التنوع . وكان يمكن – منعا للانقسام المذهبي والعرقي أكثر – اعتبار كل من محافظات العراق الثماني عشرة الحالية ” ولاية ” قائمة بذاتها …. لها ما للولاية، في الاتحاد الفيدرالي، وعليها ما عليها – كما أسلفنا.

    ويبدو أن غالبية أبناء الطوائف العراقية الثلاث الرئيسة (الشيعة والأكراد والسنة) تتفهم الآن هذا الخيار على حقيقته، وتدرك أهمية تبنيه بشكل سليم. ولكن انتهازية القيادات الاستبدادية العراقية، والتدخلات المغرضة (الإيرانية بخاصة) جعلت فكر أبناء الطوائف السياسي موزع بين التقسيم، أو الوحدة الاندماجية الكاملة، وكلاهما سيء.  وكل فئة تريد – وهذا مفهوم في كل الظروف – أن يكون لها نصيب الأسد في ” حكومة العراق “، بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى.  هذا، رغم أن نسبة متزايدة،من طائفتي السنة والشيعة قد بدأت تقبل بالفعل بالإطار الديمقراطي – الفيدرالي، وتحبذ فكرة تقاسم السلطة، بناء على الحجم الديموغرافي لكل ولاية. ولكن، يبدو أن الأوان أوشك أن يفوت. 

                        

      أما معظم قادة الأكراد، فإنهم يهدفون – في الواقع – إلى: الانفصال، وإقامة دولة ” كردستان ” في الجزء المعروف الآن بـ” كردستان العراق “، تمهيدا لإقامة كردستان الكبرى. ويتضح ذلك من ” المطالب ” السياسية التي قدموها، ويقدمونها تجاه بقية العراقيين والتي ستؤدي– إن تم الأخذ بها كلها – إلى الانفصال و” الاستقلال “. فبالإضافة إلى المناصب العليا التي يطالبون بها – وحصلوا على بعضها – فإنهم يريدون أشياء أخرى …لا تتناسب مع كونهم يمثلون 20 % فقط، من أبناء الشعب العراقي منها :

 إقرار الفيدرالية في العراق ليس على أساس مناطقي وإدارى، بل على أسس عرقية ومذهبية ….وربما بما يضمن تجهيز كردستان العراق للانفصال والاستقلال قريبا .

 ضم مدينة كركوك – الغنية بالنفط – إلى ولاية كردستان.  ورفض حل المشكلة بعودة المواطنين الذين أخرجهم نظام صدام حسين منها. بل إنهم يصرون على ترحيل العرب المقيمين فيها. 

 الحصول على ما نسبته 25 % من الثروات العراقية (بما فيها النفطية) بدلا من الـ17 % التي اتفق عليها سابقا.

 بقاء قوات ” البشمرجة ” (ميليشيا – جيش -الأكراد العراقيين) وبعدد لا يقل عن 100 ألف مسلح …. وذلك مخالف للقوانين العراقية التي صدرت بحظر تشكيل ميليشيات خاصة ,  من قبل الجماعات العراقية المختلفة. ويرفض الأكراد دمج هذه القوات في الجيش العراقي، ويصرون على استقلاليتها وتمركزها في كردستان العراقية فقط.   كما يطالبون من الحكومة المركزية العراقية دفع رواتبها الشهرية ؟!

   وعندما نتأمل التصريحات التي أدلى بها حاكم اقليم كردستان السيد مسعود البرزاني مؤخرا، وبينما كان يزور واشنطن في شهر مايو الماضي، نجد أن إعلان استقلال هذا الإقليم قد أصبح وشيكا. 

                                    

هل نقول وداعا:

ومن تحليل سلوك قادة أكراد العراق يتبين أن الهدف الحقيقي الكبير لأولئك القادة هو الانفصال، والاستقلال … ولا يمنعهم من التصريح بهذه الرغبة (بشكل قاطع) سوى معارضة بعض الدول المجاورة والكبرى لقيام دولة كردية مستقلة.  وتظل الولايات المتحدة –عبر تواجدها السياسي والعسكري بالمنطقة – هي الطرف الأكثر تأثيرا على مجريات الأمور والأحداث بالعراق وعلى الشكل النهائي الذي سيستقر عليه هذا القطر العربي الجريح وأهم ملامح مستقبله.  ويبدو أن أمريكا ستسمح – في المدى القريب – بقيام دولة كردية مستقلة، على كردستان العراق ….  ثم تمضي في مباركة تقسيم العراق، ليصبح عبارة عن ثلاث دول …  ترتبط اثنتان منها، على الأقل، بالاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة.  وهذا مما يدعم الهيمنة الأمريكية بالمنطقة. 

   ويمكن أن نقول، عندئذ، وداعا عراقنا الأبي …  إن تفتت هذا القطر العربي القوى إلى ثلاث دويلات ضعيفة. وتلك خسارة كبرى للأمة العربية، وكسب ثمين لأعدائها. ولكن، وقبل أن نلوم أميركا، وشركاءها، على ما حصل، يجب أن نلوم النخب العراقية والعربية … التي لم تعمل، بإخلاص وجد على توحيد وبناء العراق وفق الأسس السليمة، وانصرفت للصراع على السلطة ومكاسبها الآنية …  فسهلت هذا الاغتيال السياسي لواحدة من أكبر وأهم بلادنا العربية.  ومما يؤكد هذا الانهيار الوشيك هو استيلاء ما يسمى بـ ” تنظيم الدولة الاسلامية ” (داعش) على جزء كبير من الأرض العراقية الأمر الذيعقد الوضع السياسي العراقي أكثر وزاد من احتمالات تشرذمه واضطرابه.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3714::/cck::
::introtext::::/introtext::
::fulltext::

إن ما يحدث في العراق الآن (وفى غيره من البلاد العربية الجريحة) يدمي فؤاد كل عربي ومسلم.  فهذا البلد الرائع والعريق، وبكل ما يمثله للأمة العربية من شموخ وإباء، وباعتباره رمزا خالدا من رموز هذه الأمة، قد ظلم ظلما فادحا….   وهو يعاني ما يعانيه نتيجة إجحاف صارخ تعرض له، على مدار نصف القرن الماضي. إنه الآن يحتضر … وعلى بعد خطوات من الانهيار والتواري.  أما سبب هذا الاحتضار فهو: ظلم قلة من بنى جلدته، وكيد القوى الدولية المعادية الطامعة (التتار الجدد) إضافة إلى أطماع وعدوان إيران، وبعض “أشقائه” العرب.

  كل هذا أصبح معروفا، وموثقا، ولا يحتاج إلى المزيد من التفاصيل. إن من يهمه العراق، ويريد الخير له ولهذه الأمة، عليه الآن أن يفكر في: ماذا بعد ؟!  ثم يسارع في مد يد العون والإنقاذ، وتبني الطرق التي تكفل الخروج من هذه الأزمة (المأساة) الطاحنة التي – وإن تفاقمت مؤخرا-أصابت أرض السواد منذ رحيل المستعمر البريطاني عنه، عام 1932م.  لقد أضحى العراق مثالا حيا للدولة العربية ” الفاشلة “… التي وجدت لتزول، ولو بعد عقود من ميلادها.  وعز وجود من يوحدها ويبنيها …  فساد فيها الاستبداد، واستشرت الطائفية، والمذهبية، بكل ما تحملانه من تبعات سلبية مقيتة.  وتوج ذلك بقيام جماعات تكفيرية متطرفة ومسلحة …  تحارب كل ما هو مختلف عنها، وتدمر الأخضر واليابس، ودون أي هدف بناء، لتحتل إحداها حوالي ثلث العراق وتعلن عن قيام ” دولة الخلافة الإسلامية ” … ؟!  

    

    لقد كشفت الأحداث والنكبات المتتابعة -بوضوح-طبيعة كارثة العراق والدول التي تشابهه (سوريا، اليمن، ليبيا، وغيرهم). إن الحالة العراقية هي مجرد مثل يؤكد صحة نظرية: (لا اتحاد دون عدل، ولا دولة قوية متماسكة دون مؤسسات سياسية سليمة)، وإن التاريخ غالبا ما يكرر نفسه.  فمنذ ” استقلال ” العراق وهو يعاني- في أغلب الأوقات –  الأمرين…. والأمرين هنا هما: الديكتاتورية، والتدخلات الأجنبية المعادية والطامعة.  وقد ساهمت “طبيعة” التكوين المجتمعي العراقي (وما فيه من اختلالات طائفية ومذهبية) على قيام واستتباب هذين الأمرين… اللذان كانا – ومازالا-  بمثابة خنجرين حادين، يطعنان الجسد العراقي، على مدار الساعة.

  وسبب ازدهار الأمرين، ليس لعيب في الشعب العراقي ومكوناته، بل هي “الظروف” الداخلية والخارجية التي وجد العراق نفسه فيها.  فالعراق مكون في الأساس من ثلاث دول رئيسة، حشرت في دولة واحدة -هذا إذا استثنينا “الأقليات” الأصغر الأخر؛ السنة في الوسط والغرب، والشيعة في الجنوب والشرق، وجزء من كردستان في الشمال.  هكذا شاءت بريطانيا أن يكون العراق.  فهي التي رسمت حدوده، كما حدود كثير من الدول الأخرىبالتعاون مع فرنسا وفق اتفاقية ” سايكس- بيكو ” سيئة الذكر .

   ها هو العراق الآن يحصد سوء سايكس – بيكو، لأنه لم يأخذ بالتنظيم السياسي الناجع الذي كان سيكفل له البقاء والازدهار، رغم تعدد فئات شعبه واختلافهم الطائفي والمذهبي.  فاللوم الأكبر يجب ألا يوجه لبريطانيا وفرنسا، أو لأميركا، بل لعجز العراق عن إنجاب قلة قيادية وطنية عراقية مخلصة …  تضع العراق على الطريق الصحيح للبقاء والنمو والازدهار.  ربما كانت هناك قلة من هذا النوع، ماضيا وحاضرا، ولكنها لم تمكن، لضعف فيها، أو لقوة أعدائها.  

                                         

العلاج الموصوف : 

نشأ العراق عليلا.  وكان من الممكن أن يشفى … لو عملت قياداته على أن ” تنصهر” فيه مكوناته المذهبية والطائفية، ويتعمق الانصهار الوطني فيه، فتصبح هناك شخصية عراقية واحدة، بصرف النظر عن الانتماء العرقي والديني.  خاصة وأن القوى الدولية المتنفذة (لحسابات خاصة بها) كانت تعارض إقامة دولة شيعية مستقلة، إضافة إلى معارضتها الشهيرة السابقة لإقامة دولة كردية مستقلة، تكون نواتها المنطقة الشمالية من العراق.

   ولكن الاستبداد (واستشراء الطائفية والمذهبية) أفسد النمو الطبيعي السليم للدولة المدنية العراقية…  فالاستبداد العسكري كان من مصلحتهأن يؤكد على “المركزية” الصارمة، التي تجعل العراق كله، وبكل فعالياته، يدور حول بغداد …  بل وحول شخص الزعيم (الأوحد، الملهم، الضرورة …الخ) .هذا أدى-بطبيعة الحالإلى: تعميق الانتماء الطائفي والمذهبي، وخلق قدرا من التنافر بين مكونات العراق الرئيسة.

   ادعت الديكتاتوريات العراقية – زورا وبهتانا – أن حكم ( وإدارة ) العراق بشكل سليم لا يتم إلا بهذا الأسلوب الوحشي والصارم . والحقيقة أن تلك الديكتاتوريات – وخاصة الأخيرة-كانت تعمل ما يحقق مصالحها ويضمن بقاءها هي، ولم يكن هدفها الأساسي هو : “الإبقاء على وحدة العراق “،  بقدر ما كان همها هو الإبقاء  على “زعامة الزعيم القائد” وأتباعه .  حتى وإن افترضنا حسن النية – وهو غالبا غير وارد في هذا الشأن –  فإن هذه المركزية تمزق ، ولا ترتق،  تشر ذم ولا توفق… خاصة في بلد متعدد الطوائف كالعراق .

 

حل الإشكال العراقي المأساوي كان يكمن في تولي ديكتاتورية مصلحة مقاليد الأمور في العراق … تعمل – بجد وإخلاص -على التطبيق السليم للديمقراطية والفيدرالية.  فـ “الفيدرالية” السليمة لا يمكن أن تنجح إلا في ظل نظام ديمقراطي … وإن نجحت، فإنها توحد ولا تفرق.  إنها “الصيغة السحرية” الأهم، القادرة على خلق دولة واحدة (كيان واحد) من عدة كيانات، أو هويات مختلفة، خاصة عندما يقوم الـ “تقسيم” على أساس مناطقي جغرافي…. كأن تصبح كل من “المحافظات” العراقية الثماني عشرة الحالية عبارة عن “ولاية”.

     إن “الفيدرالية” – وهى اختراع سياسي حيوي وهام –هي الوسيلة الأهم التي يمكن أن تحقق هذه المعادلة الصعبة ، عبر :إقامة كيان واحد متحد، مع تمتع كل من مكوناته ( الولايات ) بحق إدارة نفسها،  وفق الأسلوب الذى يناسبها وترتضيه ،  شريطة انسجامه مع الدستور الاتحادي العام للكيان الأكبر الواحد .  وباعتبار العراق بلدا اسلاميا، كان من الطبيعي أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيس للتشريع فيه.

    إن هذه “الوصفة” هي العلاج الأنجع، الذي يوصي به غالبية علماء ومفكري السياسة الحاليين، من عرب وغيرهم، ليس للعراق الممزق المتعب وحسب، بل ولمعظم الدول الأخرى، التي تعاني من ذات العلل … وقد تم تبني الفيدرالية في دستور اليمن الذي توصل إليه الحوار الوطني اليمنى قبل أن يستولى الحوثيون وميليشيا صالح على السلطة هناك. ويظل العراق أحوج للفيدرالية من اليمن.  وقد تم تبني هذه الوصفة في أخر دستور صدر بالعراق سنة 2005 م.  ولكن العراق افتقر إلى القلة القيادية المصلحة التي كان يمكن أن تضمن تناول البلد المريض لهذه الوصفة الشافية – بإذن الله.  كل القيادات العراقية التي تولت السلطة فيه بعد استقلاله، كان همها الأكبر هو: تكريس بقائها في السلطة، لأطول فترة ممكنة.  فحرم هذا البلد من التعافي والشفاء، وأوشكمحبوه على تشييعه قريبا لمثواه الأخير. 

                                          

  تجزئة المجزأ :

كان هذا القطر العربي مشروع دولة عربية قوية وكبرى، ولكنه هوى … وبدأ يتجزأ ويتفتت لأسباب معروفة … تشاركه فيها الدول العربية المضطربة وغير المستقرة حاليا. لذا، أضحى تحليل الوضع السياسي العام بالعراق ينطبق –إلى حد كبير – على البلاد العربية المشابهة سياسيا له.  ثم أن العراق يعتبر من أكثر البلاد أهمية وحيوية بالنسبة لدول الخليج العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية.  فهناك تداخل جغرافي وديموغرافي بين البلدين الذين تفصل بينهما حدود مشتركة تمتد لحوالي 800 كيلو متر.           

  وكما ذكرنا، يكاد يجمع علماء وخبراء السياسة العالميين والعرب المعنيون بالشأن العراقي أن نجاة العراق وقيامه كدولة مستقلة ومزدهرة، كان يتطلب تأسيسه على قاعدتين أساسيتين هما: الديمقراطية (القائمة على دستور تقبله غالبية الشعب العراقي) والفيدرالية … القائمة على أساس مناطقي وجغرافي، وليس على أساس عرقي أو مذهبي .  وإن سلمنا بذلك، نجد أن الوضع السياسي العام بالعراق يضطرب كلما ابتعد بالعراق عن هاتين القاعدتين، ويستقر كلما اقترب بتلك البلاد منهما.  وقد ابتعد العراق كثيرا عن هذين الأساسين … بل أنه لم يكن يوما ديمقراطيا وفيدراليا. لذلك، تعثر… ثم وصل إلى حافة الانهيار والتفكك والزوال، في الوقت الحاضر.

    ولم يكن من الصعب تبني هذا الخيار بالنسبة للعراقيين (بكل أطيافهم) خاصة بعد أن تأكد – عبر تجربة تاريخية مريرة – بطلان وفساد وسوء ” الخيارات ” الأخرى ،بالنسبة لهم، ولمن يشابههم  في التنوع . وكان يمكن – منعا للانقسام المذهبي والعرقي أكثر – اعتبار كل من محافظات العراق الثماني عشرة الحالية ” ولاية ” قائمة بذاتها …. لها ما للولاية، في الاتحاد الفيدرالي، وعليها ما عليها – كما أسلفنا.

    ويبدو أن غالبية أبناء الطوائف العراقية الثلاث الرئيسة (الشيعة والأكراد والسنة) تتفهم الآن هذا الخيار على حقيقته، وتدرك أهمية تبنيه بشكل سليم. ولكن انتهازية القيادات الاستبدادية العراقية، والتدخلات المغرضة (الإيرانية بخاصة) جعلت فكر أبناء الطوائف السياسي موزع بين التقسيم، أو الوحدة الاندماجية الكاملة، وكلاهما سيء.  وكل فئة تريد – وهذا مفهوم في كل الظروف – أن يكون لها نصيب الأسد في ” حكومة العراق “، بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى.  هذا، رغم أن نسبة متزايدة،من طائفتي السنة والشيعة قد بدأت تقبل بالفعل بالإطار الديمقراطي – الفيدرالي، وتحبذ فكرة تقاسم السلطة، بناء على الحجم الديموغرافي لكل ولاية. ولكن، يبدو أن الأوان أوشك أن يفوت. 

                        

      أما معظم قادة الأكراد، فإنهم يهدفون – في الواقع – إلى: الانفصال، وإقامة دولة ” كردستان ” في الجزء المعروف الآن بـ” كردستان العراق “، تمهيدا لإقامة كردستان الكبرى. ويتضح ذلك من ” المطالب ” السياسية التي قدموها، ويقدمونها تجاه بقية العراقيين والتي ستؤدي– إن تم الأخذ بها كلها – إلى الانفصال و” الاستقلال “. فبالإضافة إلى المناصب العليا التي يطالبون بها – وحصلوا على بعضها – فإنهم يريدون أشياء أخرى …لا تتناسب مع كونهم يمثلون 20 % فقط، من أبناء الشعب العراقي منها :

 إقرار الفيدرالية في العراق ليس على أساس مناطقي وإدارى، بل على أسس عرقية ومذهبية ….وربما بما يضمن تجهيز كردستان العراق للانفصال والاستقلال قريبا .

 ضم مدينة كركوك – الغنية بالنفط – إلى ولاية كردستان.  ورفض حل المشكلة بعودة المواطنين الذين أخرجهم نظام صدام حسين منها. بل إنهم يصرون على ترحيل العرب المقيمين فيها. 

 الحصول على ما نسبته 25 % من الثروات العراقية (بما فيها النفطية) بدلا من الـ17 % التي اتفق عليها سابقا.

 بقاء قوات ” البشمرجة ” (ميليشيا – جيش -الأكراد العراقيين) وبعدد لا يقل عن 100 ألف مسلح …. وذلك مخالف للقوانين العراقية التي صدرت بحظر تشكيل ميليشيات خاصة ,  من قبل الجماعات العراقية المختلفة. ويرفض الأكراد دمج هذه القوات في الجيش العراقي، ويصرون على استقلاليتها وتمركزها في كردستان العراقية فقط.   كما يطالبون من الحكومة المركزية العراقية دفع رواتبها الشهرية ؟!

   وعندما نتأمل التصريحات التي أدلى بها حاكم اقليم كردستان السيد مسعود البرزاني مؤخرا، وبينما كان يزور واشنطن في شهر مايو الماضي، نجد أن إعلان استقلال هذا الإقليم قد أصبح وشيكا. 

                                    

هل نقول وداعا:

ومن تحليل سلوك قادة أكراد العراق يتبين أن الهدف الحقيقي الكبير لأولئك القادة هو الانفصال، والاستقلال … ولا يمنعهم من التصريح بهذه الرغبة (بشكل قاطع) سوى معارضة بعض الدول المجاورة والكبرى لقيام دولة كردية مستقلة.  وتظل الولايات المتحدة –عبر تواجدها السياسي والعسكري بالمنطقة – هي الطرف الأكثر تأثيرا على مجريات الأمور والأحداث بالعراق وعلى الشكل النهائي الذي سيستقر عليه هذا القطر العربي الجريح وأهم ملامح مستقبله.  ويبدو أن أمريكا ستسمح – في المدى القريب – بقيام دولة كردية مستقلة، على كردستان العراق ….  ثم تمضي في مباركة تقسيم العراق، ليصبح عبارة عن ثلاث دول …  ترتبط اثنتان منها، على الأقل، بالاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة.  وهذا مما يدعم الهيمنة الأمريكية بالمنطقة. 

   ويمكن أن نقول، عندئذ، وداعا عراقنا الأبي …  إن تفتت هذا القطر العربي القوى إلى ثلاث دويلات ضعيفة. وتلك خسارة كبرى للأمة العربية، وكسب ثمين لأعدائها. ولكن، وقبل أن نلوم أميركا، وشركاءها، على ما حصل، يجب أن نلوم النخب العراقية والعربية … التي لم تعمل، بإخلاص وجد على توحيد وبناء العراق وفق الأسس السليمة، وانصرفت للصراع على السلطة ومكاسبها الآنية …  فسهلت هذا الاغتيال السياسي لواحدة من أكبر وأهم بلادنا العربية.  ومما يؤكد هذا الانهيار الوشيك هو استيلاء ما يسمى بـ ” تنظيم الدولة الاسلامية ” (داعش) على جزء كبير من الأرض العراقية الأمر الذيعقد الوضع السياسي العراقي أكثر وزاد من احتمالات تشرذمه واضطرابه.

::/fulltext::

::cck::3714::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *