البريكست وجائحة كورونا الامتحان الصعب المؤرق لأوروبا في 2020

Getting your Trinity Audio player ready...

د. تباني آمال

لطالما مثّل الاتحاد الأوروبي نموذجًا تتطلع إليه الكثير من الدول في مختلف بقاع العالم، ومنها الدول العربية، غير أن هذا التكتل عرف العديد من الانقسامات خلال السنوات الأخيرة، والتي تزايدت حدتها مع جائحة كورونا وما اسفرت عنه من انتقادات بسبب تسارع الدول الأوروبية للعمل منفردة متناسية كل مبادئ الوحدة والتضامن التي طالما تغنت بها.

فالعام 2020م، لم يكن في حصيلته جيدًا على الاتحاد الأوروبي، بسبب بعض القضايا المتوترة، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد 47 سنة من العضوية، وقضية اللاجئين والمهاجرين، وكذا الصراع على مصادر الطاقة في شرق المتوسط، وقضايا أخرى مفاجئة مثل وباء كورونا. فيما يلي، سنحاول أن نستعرض حصيلة عام 2020م، بالنسبة لأوروبا، والتحديات التي تعرفها وكذا الفرص الممكنة:

أهم محطات العام المنصرم 2020:

مر العام 2020م، حافلاً جدًا ومشبعاً بعدم اليقين بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وهي فترة تميزت بخروج بريطانيا منه -بعدما كانت من أولى الدول التي دعت للوحدة الأوروبية-، مما سيؤدي بالضرورة إلى إعادة صياغته على كل المستويات (الجغرافية، السياسية، الاقتصادية، وحتى الأمنية)، وفي ظل الغموض الذي يسود التوصل إلى اتفاق من عدمه، تبقى الشركات حائرة ومتخوفة من الاضطرابات القادمة. وما زاد الطين بلة جائحة كورونا وما خلفته من تداعيات وما يمكن أن تخلفه في المديين المتوسط والبعيد.

هذا مع التحديات الأخرى التي يعيشها الاتحاد كالتوترات في شرق المتوسط وعدم اتفاق الدول الأوروبية على موقف واحد، مما يضعف موقفها، بالإضافة إلى تغير الإدارة الأمريكية وما يمكن أن يحمله ذلك من مفاجآت.

ونتيجة لطريقة تعامله مع مختلف القضايا، سواء المحلية أو الدولية، أصبح الاتحاد يواجه انتقادات عدة سواء من قبل الدول الأعضاء أو غيرها، حتى أن البعض شكك في قدرة هذا التحالف على الاستمرار، خاصة مع انسحاب ركيزة من ركائزه الأساسية وأحد أعضائه المؤسسين.

بريطانيا والثمن الباهظ للخروج من الاتحاد:

 

يحتل الاقتصاد البريطاني مكانة ضمن أكبر 10 اقتصادات في العالم وأكثرها تنافسية، وهو يشكل حوالي 15 %  من اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وتمثل صادراته 20 %من صادرات الاتحاد نحو الخارج، في حين يشكل الاتحاد سوقًا لحوالي 50% من الصادرات البريطانية.

كما تمثل بريطانيا ثاني أكبر مُصدِّر للخدمات في العالم بعد الولايات المتحدة، ويعتبر مركز لندن كمركز مالي أوروبي وعالمي. كما ازدهرت أيضا الشركات البريطانية في مجال الخدمات التجارية، مثل الاستشارات الإعلانية والإدارية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأعمال، مع العلم أن صادرات الخدمات البريطانية باتت تساوي ضعف ما تضاهيه صادرات البلاد من السلع.

غير أنه على إثر الأزمة المالية العالمية في عام 2008م، والتي عصفت باقتصادات الدول الكبرى وفشل الاتحاد في احتواء تداعياته، تراجع الاقتصاد البريطاني ما عزز الشعور لدى البريطانيين أن ارتباط اقتصادهم بالاقتصاد الأوروبي يعيق تنافسية اقتصادهم مقارنة باقتصاديات الدول الكبرى، هذا بالإضافة إلى رغبة البريطانيين باستقلالية أكبر في مجال السياسات الداخلية والخارجية. عمومًا يمكن تلخيص أهم الأسباب التي دفعت البريطانيين للتصويت لصالح الانسحاب في النقاط التالية:

 1ـ التخلص من عبء المهاجرين واللاجئين.
2 ـ الخوف من الإرهاب.
3 ـ التوفير المالي للصحة والتعليم.
4 ـ وعود فضفاضة بالازدهار.
5 ـ التجارة الحرة.
6 ـ النفوذ الدولي.
7 ـ الكلمة الأولى للتشريعات الوطنية.
8 ـ المخاوف من انضمام تركيا للاتحاد.

غير أن وزارة الخزانة البريطانية توقعت في تقرير تم إعداده في نوفمبر 2018م، أنه خلال 15 عاما سيكون الاقتصاد البريطاني أسوأ بنسبة 3,9 % مقارنة مع البقاء في الاتحاد. كما سيتسبب الانفصال في تراجع في الناتج المحلي الإجمالي، سواء كان ذلك “بدون اتفاق” (وهنا ستكون النسبة 7,6%) أو مع اتفاق (وحينها ستكون النسبة 4,9%)، غير أن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يرى أن بلاده ستزدهر في كلا الحالتين، إذ سيتم تعويض الخسائر عبر إبرام اتفاقيات تجارية مع مختلف دول العالم، بما فيها الاتحاد الأوروبي.

بالنسبة لهذا الأخير، إضافة لخسارته للممول الأساسي، حيث تمثل مساهمة بريطانيا حوالي 11% من إجمالي ناتجها المحلي، وفقدانه لمركزه المصرفي وجاذبيته للاستثمارات الأجنبية نتيجة حالة عدم الثقة وكذا هجرة رؤوس الأموال، كل ذلك من شأنه إضعاف المركز التنافسي للاتحاد في مواجهة الأقطاب الاقتصادية الدولية.

الاتحاد الأوروبي وامتحان جائحة كورونا:

لم يكن البريكست هو الوحيد الذي أرّق أوروبا سنة 2020م، بل فاقم تعقيد الوضعية انتشار وباء كورونا، وهي أزمة أكبر بكثير من حجم الاتحاد استراتيجيا واقتصاديا، وحتى صحيا، وقد راح ضحيتها لحد الآن أكثر من 468 ألف وفاة في أوروبا، أغلبها في إيطاليا التي سجلت أكثر من 64 ألف وفاة، تليها فرنسا بأكثر من 57 ألف وفاة ثم إسبانيا بأكثر من 47 ألف، وسجلت ألمانيا أكثر من 21 ألف، بينما سجلت بلجيكا أعلى معدل وفيات مقارنة بعدد السكان بلغ 154 وفاة لكل 100 ألف نسمة (إحصائيات جامعة جونز هوبكنز الأمريكية).

وتعتبر تجربة أوروبا مع الوباء امتحانا فشلت فيه الدول الأوروبية منفردة ومجتمعة على حد سواء، خاصة في بداية انتشاره، حيث تميزت الحكومات ببطء التحرك وعدم الكفاءة، وإهمال تحذير الناس من الوباء والتأخر في دعوتهم للتباعد من أجل تجنب انتشار العدوى، بالإضافة إلى انهيار المنظومة الصحية.

هذا وقد أدى انتشار جائحة كورونا إلى تزايد الانقسامات وطرح الكثير من التساؤلات حول مصير التضامن الأوروبي، وكذا حول فعالية السياسة الصحية والدعم المالي الأوروبي خلال الوباء. إذ تعتقد كل من إسبانيا وإيطاليا أنهما لم تتلقيا الدعم الكافي من دول شمال أوروبا مثل ألمانيا وهولندا، بل تم التخلي عنهما في أوج محنتهما مع الوباء، رغم نداءات الاستغاثة المتكررة. بل وأعلنت فرنسا وألمانيا في البداية عن قيود على تصدير المستلزمات الطبية، كما لم تستجب دول أخرى أوروبية لطلبات المساعدة، في حين كانت أولى الاستجابات من الصين.

تأثير نزاع شرق المتوسط على وحدة دول الاتحاد الأوروبي:

لقد كان اكتشاف شركة إيني الإيطالية لحقل الغاز في مصر سنة 2015م، وهو الأكبر من نوعه في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وقد أظهر أن المنطقة تحتوي كميات هائلة من الغاز، وكذا توقيع الاتفاق الحدودي بين اليونان ومصر في السادس من أغسطس الماضي، القطرة التي أفاضت الكأس بالنسبة للتوترات والصراع على الثروات شرق المتوسط، إذ أدى إلى تجدد الأزمة التركية-اليونانية خاصة مع خطة تجميع الغاز القبرصي والمصري والإسرائيلي واستخدام مصانع تسييل الغاز في مصر لتسويقه إلى أوروبا، دون ترك أي دور لتركيا، لذا –كرد فعل- عمدت هذه الأخيرة إلى الانخراط في سلسلة من التدريبات للزوارق الحربية وإرسال سفن الاستكشاف والتنقيب إلى المياه القبرصية، وفي المقابل احتشد الدعم الأوروبي لليونان بقيادة فرنسا.

نتيجة لذلك أصبحت هذه المنطقة محل منافسة دولية ومنطقة صراع بين تركيا واليونان وقبرص ومصر والكيان الإسرائيلي، وتساهم فيها كبرى شركات الطاقة العالمية، مثل: شركة إيني الإيطالية، شركة توتال الفرنسية واكسون الأمريكية. حيث يتنافس في هذه المنطقة مشروعان اقتصاديان كبيران يسعى كل منهما لمد خط الأنابيب من شرق المتوسط ​​إلى أوروبا، الأول بموافقة إسرائيلية، ويسعى لنقل الغاز إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، ويبلغ طوله 1900كم، واسمه «ايست ميد»، ويتقاطع خط المشروع مع المنطقة الموقع عليها بين تركيا وليبيا.

الخط الثاني يسمى «ترك ستريم»، وهو خط روسي تركي لنقل الغاز الروسي إلى تركيا ثم إلى غرب أوروبا وجنوبها، وهذا المشروع مرفوض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي.

وعلى خلاف الكتلة الأوروبية الأولى المكونة من اليونان، قبرص، النمسا و فرنسا وبزعامة هذه الأخيرة، التي تؤيد تشديد العقوبات على تركيا وتوسيعها لتشمل قطاعات البنوك والطاقة وجر دول الاتحاد إلى موقف صدامي مع تركيا، فإن كل من إيطاليا، إسبانيا، بلغاريا، المجر، مالطا، وألمانيا التي تتزعم الكتلة الثانية، ترى أن هذه المطالب غير موضوعية وتضر بالمصالح الأوروبية الاقتصادية والاستثمارية، خاصة أنها جاءت في توقيت غير مناسب يتميز بتزامنه مع خروج بريطانيا وتداعيات جائحة كورونا وما نتج عنهما من اضرار اقتصادية ومالية.

فألمانيا على سبيل المثال، هي الشريك التجاري الأهم لتركيا، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 36 مليار دولار، ويحتل المواطنون الألمان المرتبة الثانية في قائمة عدد السياح نحو تركيا بحوالي 5 ملايين سائح. وينطبق الشيء نفس، وإن كان بدرجة أقل، على كل من إيطاليا وإسبانيا، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين إيطاليا وتركيا حوالي 20 مليار دولار، وتستثمر إسبانيا إلى حد كبير في القطاع المصرفي في تركيا، ما يعني أن أي عقوبات قاسية لن تقتصر تداعياتها على تركيا، بل ستؤثر بالتأكيد على الدول الأوروبية.

كما تدرك دول أخرى مثل بلغاريا والمجر ومالطا أهمية تركيا بالنسبة للأمن الأوروبي وأنه لا يمكن الحفاظ على الأمن الأوروبي إذا فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على البوابة الشرقية للاتحاد.

غير أنه حتى الدول الداعمة لتشديد العقوبات، تدرك أن المصلحة المباشرة للاتحاد الأوروبي تكمن في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في شرق البحر المتوسط المحاذي له مباشرة، بما يعود بالفائدة على الجميع ويمنع نشوء التوترات.

فصل جديد من العلاقات الأورو-أمريكية مع تغير الإدارة الأمريكية:

مع الإعلان عن فوز جو بايدن في الانتخابات الأمريكية بعد عملية إعادة فرز تاريخية، تدخل أوروبا عهدًا جديدًا من العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية التي لا شك أنها ستكون مختلفة تمامًا، بعد أربع سنوات من العلاقات المتوترة مع الإدارة السابقة.

فالرئيس المنتهية ولايته، والذي فتح جبهات مع أغلب شركاء بلاده، عمل على تدمير العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين الطرفين. ولم يتوقف عن تأييد القرار البريطاني للخروج من الاتحاد، ووعد بريطانيا بعلاقات اقتصادية أمريكية-بريطانية تسمح لها بالتخفيف من خسارة بريطانيا للسوق الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق، بل لم يتوانى عن انتقاده للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أغضب الأوروبيين وغذى التوتر الحالي بشكل غير مسبوق بين أمريكا والاتحاد الأوروبي.

لذا من الممكن-مع الإدارة الأمريكية الجديدة-أن تتراجع هذه الأخيرة خاصة عن قرار الانسحاب من التزاماتها الأمنية تجاه أوروبا، بالإضافة إلى قرارات أخرى متعلقة بفرض الضرائب على السلع الأوروبية وغيرها.

مستقبل أوروبا في العام الجديد 2021م:

 بعد عام من الأحداث العصيبة كان أسوأها فيروس كورونا، من المتوقع ألا تكون سنة 2021م، أحسن من سابقتها، على الأقل إلى حد ما.

فرغم ظهور عدة لقاحات عبر العالم، بالإضافة إلى التدابير المتخذة لدعم الاقتصاد والشركات التي تواجه خسائر كبيرة في دورة رأس المال، والتي ستسمح بالتوجه التدريجي نحو التعافي من تداعيات فيروس كورونا بالنسبة للاقتصاد الأوروبي وحتى أغلبية دول العالم، غير أن الآثار النهائية لهذا الفيروس لم تظهر بعد، خاصة في الجانب الاقتصادي (إفلاس الشركات، البطالة، تنامي معدلات المديونية……).

على صعيد آخر، ومما لا شك فيه، سيكون لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تداعيات على الجانبين في مختلف المجالات، وقد يصل الأمر سياسيًا إلى مطالب بعض الدول للانفصال عن المملكة المتحدة، مثل اسكتلندا وإيرلندا الشمالية اللتين صوتتا من أجل البقاء في الاتحاد.

غير أنه مع وجود توافق في السياسات بشأن تغير المناخ والأمن السيبراني وسياسة الشرق الأوسط لدى بريطانيا والاتحاد الأوروبي، يمكن أن تكون هذه النقاط بداية لاتفاقات أخرى، فعلى كلا الطرفين العمل معا والتنازل من أجل الحفاظ على علاقات وثيقة فيما يخص السياسة الخارجية والتجارية.

فعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن لبريطانيا أن تستفيد من معاملة تفضيلية في كل المستويات نظرًا للتاريخ المشترك وحتى يحافظ كل طرف على مصالحه المكتسبة، علما أن أكثر من 50% من الصادرات البريطانية تدور داخل المجال الأوروبي، نفس النسبة تقريبا تسجل فيما يتعلق بالواردات، إذ أن أكثر من 50% منها مصدرها الاتحاد الأوروبي، مما يؤكد ارتفاع حجم التجارة بين الطرفين. كما لا يمكن لأحد نكران أن بريطانيا كانت أحد أهم المحركات الرئيسية للاتحاد، فضلاً عن الدور الرئيسي والفعال الذي لعبته بريطانيا تاريخيًا في عملية البناء الأوروبي.

بالنسبة للاتحاد، علاوة على فقده لسوق تجارية مهمة بحوالي 66 مليون مستهلك، سيفقد أيضا قرابة 15% من قوة اقتصاده، نفس الأمر بالنسبة إلى القوة العسكرية، فبالإضافة إلى امتلاك بريطانيا للأسلحة النووية، فإنها أيضًا تعتبر عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وتحظى بحق الفيتو. لذا ستسعى الكثير من الدول الأوروبية عقد اتفاقات مع الحكومة البريطانية للحفاظ على مصالحها، خاصة في ظل الشكوك المتزايدة حول استمرار الاتحاد، وفي أحسن السيناريوهات سيتم إجراء تعديلات على قوانين ولوائح الاتحاد في كل المجالات خاصة ما تعلق منها بآليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الاتحاد، ذلك أن خروج بريطانيا أدى إلى فقدان 29 صوتًا في مجلس الوزراء الأوروبي وشغور 73 مقعدًا في البرلمان الأوروبي، مما يستلزم بالضرورة إعادة تحديد الحد الأدنى للأغلبية المؤهلة.

كما يأتي ملف الهجرة على رأس النقاط التي تختلف عليها دول الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تزايد التوترات في شرق المتوسط وشمال إفريقيا وانعكاساتها على زيادة أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء، وآثار ذلك على الجانبين المالي والاجتماعي وحتى الأمني. غير أنه من المستبعد-في المدى القريب-أن تطالب دولة أوروبية أخرى بالانسحاب منه، فالجميع ينتظر ما ستسفر عنه تجربة البريكست على الأقل في المدى المتوسط لاتخاذ أي قرار مماثل.

كما أن الدول، التي ربما قد تفكر في الانسحاب، فإنها تعلم أن ما يصلح لبريطانيا لن يصلح بالضرورة لها، خاصة بسبب كونها قوة اقتصادية وعسكرية، وكذا سياسية لا يستهان بها، لكن في المقابل، قد تبحث هذا الدول عن إبرام اتفاقات وعقد تحالفات بصفة منفردة خارج الاتحاد، خاصة مع الضعف والأنانية الذين تميزت بهما دول الاتحاد في بداية الجائحة.

الاتحاد الأوروبي ومستقبل العلاقات مع الدول العربية:

يرتبط الاتحاد الأوروبي بمنطقة الشرق الأوسط ​​لعدة أسباب منها إبرامه لعدة اتفاقيات مع دول المنطقة مثل سوريا، لبنان، الأردن، إسرائيل، السلطة الفلسطينية، ومصر، بالإضافة إلى كون الاتحاد الأوروبي فاعلاً رئيسيًا في كثير من المبادرات متعددة الأطراف في المنطقة، باعتباره أحد أعضاء اللجنة الرباعية الداعمة لعملية السلام في الشرق الأوسط.

كما تستحوذ كل من فرنسا وبريطانيا على السياسة الخارجية الأوروبية تجاه إفريقيا والشرق الأوسط، حيث تعد بريطانيا هي المساهم الرئيسي لإعلان البندقية 1980م، المتعلق بتسوية الصراع العربي / الإسرائيلي، كما كان لفرنسا الدور الأساسي في صياغة قرار مجلس الأمن بعد حرب إسرائيل على جنوب لبنان سنة 2006م.  

على الصعيد التجاري، يعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك الأهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: إذ بلغ متوسط ​​قيمة التجارة بين الكتلتين حوالي 636 مليار دولار سنويًا، بين عامي 2014 و2017م، ويمثل هذا الرقم 21٪ من إجمالي حجم التجارة العالمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وإلى حد أكبر بكثير من الشركاء الدوليين الآخرين في دول المنطقة، مثل الصين (206 مليار دولار) والولايات المتحدة الأمريكية (136 مليار دولار).

وقد بلغ إجمالي مبيعات الأسلحة من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا حوالي 12 مليار دولار إلى دول الشرق الأوسط بين عامي 2014 و2017م، وبذلك احتلت المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية (22 مليار دولار)، ومتقدمة على روسيا (6 مليارات دولار)، ثم الصين (مليار دولار).

في المجموع، قام الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بصرف 52 مليار دولار على شكل مساعدات إنمائية على أساس سنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال نفس الفترة، وهو المبلغ الذي يأتي مباشرة بعد مساهمات للولايات المتحدة في نفس المنطقة والتي بلغت 63 مليار دولار لدول المنطقة، كما وافق بنك الاستثمار الأوروبي على تقديم قروض بأكثر من ملياري دولار، على أساس سنوي، لدول المنطقة، بين عامي 2014 و2017م.

بالنسبة للعلاقات المستقبلية بين الطرفين، ونتيجة للوضعية التي آلت إليها المنطقة العربية بتحولها إلى ساحة للكثير من الثورات (ليبيا، سوريا والعراق) والانقسامات “المسلحة”، كما أصبحت منطقة عبور للمهاجرين وملاذاً لنحو ثلث لاجئي العالم (خاصة لبنان والأردن)، لذا كان لا بد من المزيد من التنسيق والتعاون المشترك بين الطرفين، نظرًا لتأثير هذه المشاكل على أمن واستقرار الاتحاد الأوروبي.

الخاتمة:

إن خروج بريطانيا من الاتحاد هو لا شك بداية جديدة لبريطانيا وكذلك للتكتل الأوروبي، بداية جديدة لكنها صعبة بكل المقاييس، بل يبدو أحيانًا أن بريطانيا أساءت التقدير وأغفلت أن قوتها مع الجماعة.

وإذا أثبتت السنوات القادمة صحة رؤية بريطانيا وتعافت في المدى القريب أو المتوسط من تداعيات الانسحاب، فإن احتمال أن يشجع ذلك دولا أخرى على أن تحذو حدوها، كاليونان ودول أخرى هشة لا سيما الشرقية منها، يتساوى مع احتمال رغبتها في البقاء، ذلك أن هذه الأخيرة تدرك أنها لا تماثل بريطانيا قوة وثقلا في كل الميادين، وبالتالي فإن صَلُح الأمر لبريطانيا، قد لا يكون المصير نفسه لها.

كما أظهرت أزمة وباء كورونا، التي انتشرت على نطاق واسع في دول القارة الأوروبية، ضعف مبدأ “التضامن” الذي يشكل أساس نشأة الاتحاد الأوروبي، نتيجة لعدم فاعلية دول الاتحاد في التعامل مع هذه الأزمة الخطيرة وغير المسبوقة، من خلال تقديم المصالح القومية على مصالح المجموعة.

غير أنه، وفي كل الأحوال، برهنت القارة العجوز-على مر الأزمات-أن لديها من الحنكة ما يمنعها من السقوط، وهذا ما قد يكون عليه حال أوروبا بعد جائحة كورونا والبريكست، فبعدما توقع العديد تفكك هذا التحالف إلا أن الأيام قد تثبت عكس ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *