3 محاور لتكامل اقتصادي خليجي مع الجوار وتحويل جزء من الثروات الأحفورية لأصول إنتاجية

::cck::5663::/cck::
::introtext::

بعد مرور أربعين عامًا على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لا يزال المجلس يمثل مظلة التكامل الاقتصادي الإقليمي، سواء على مستوى دول المجموعة أو بين المجموعة والتكتلات العالمية. ويعد قيام المجلس النقدي الخليجي، ودخول اتفاقية الاتحاد النقدي، والنظام الأساسي للمجلس النقدي حيز النفاذ في 27 مارس 2010م، على رأس الإنجازات في مجال التعاون الاقتصادي منذ إنشائه، إضافة إلى إعلان قيام السوق الخليجية المشتركة بعد استكمال متطلباتها الرئيسة، في الأول من يناير 2008م.

::/introtext::
::fulltext::

بعد مرور أربعين عامًا على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لا يزال المجلس يمثل مظلة التكامل الاقتصادي الإقليمي، سواء على مستوى دول المجموعة أو بين المجموعة والتكتلات العالمية. ويعد قيام المجلس النقدي الخليجي، ودخول اتفاقية الاتحاد النقدي، والنظام الأساسي للمجلس النقدي حيز النفاذ في 27 مارس 2010م، على رأس الإنجازات في مجال التعاون الاقتصادي منذ إنشائه، إضافة إلى إعلان قيام السوق الخليجية المشتركة بعد استكمال متطلباتها الرئيسة، في الأول من يناير 2008م.

      كما كان من إنجازات المجلس في التكامل التجاري إقامة منطقة تجارة حرة بين دول المنطقة اعتبارًا من مارس 1983م، الأمر الذي أدى إلى حرية انتقال السلع الوطنية بين دول المجلس دون رسوم جمركية ومعاملتها معاملة السلع الوطنية، ثم إبرام الاتفاقية الاقتصادية بين دول المجلس عام 2001م، وإقامة الاتحـاد الجمركـي للدول الأعضاء اعتبــارًا من الأول من يناير2003م، والذي قضي بتوحيد التعرفة الجمركية وحرية انتقال السلع بين دول المجلس دون قيود جمركية أو غير جمركية.

    وتعد نجاحات مجلس التعاون في تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دول الخليج من أبرز الإنجازات، وشمل مجال التبادل التجاري، ومجال الاستثمارات، وحركة السكان، وحرية التملك، ومجال الإعمار، والتعاون في التنمية المشتركة، كما نجح في ترسخ التنسيق بين الدول الأعضاء في سياستهم التجارية تجاه التكتلات الإقليمية والمنظمات الدولية، وفتح المجال أمام مزيد من التعاون بين دول المجلس من ناحية وغيرها من التكتلات الاقتصادية الإقليمية.

    وتتزامن ذكرى مرور أربعين عامًا على قيام المجلس، مع تطورات هامة على مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية، خاصة فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي العالمي متعدد الأطراف، والتكتلات الاقتصادية الإقليمية، ويصبح على مجلس التعاون مسايرتها والتكيف معها بما يحقق مزيدًا من المكاسب على المستوى الإقليمي والعالمي، وتسعى المقالة إلى رصد أهم هذه التطورات على المستوى العالمي في هذا المجال، وكيف يمكن توسعة نطاق التعاون بين دول المجلس والعالم الخارجي مسايرة لتلك التطورات، مع إحدى التكتلات الاقتصادية الإقليمية الواعدة في إفريقيا.

 

نشأة التكتلات الاقتصادية الإقليمية

         شهد النظام الاقتصادي الدولي منذ عام 1945م، تطورات مطردة من خلال التخلي الدولي عن أسعار الصرف الثابتة في السبعينيات، واستكمال إقامة مؤسسات بريتون وودز، والانفتاح على البلدان النامية في أعقاب أزمة ديون العالم الثالث أوائل الثمانينيات، وانهيار الكتلة السوفيتية مع انتهاء ذلك العقد، إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995م، وظهور اليورو والتكامل من الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة في العالم.

     وعادة ما تؤسس الأزمات الكبرى نمطًا جديدًا من الفكر الاقتصادي، وتعيد تشكيل النظام الاقتصادي الدولي خاصة، كما حدث عقب أزمة الكساد العظيم في الثلاثينات في القرن الماضي، وما أعقبها من تطور عميق في الفكر الاقتصادي، ثم ما حدث عقب الحرب العالمية الثانية حيث تم وضع أصول وقواعد النظام الاقتصادي الدولي المعاصر، والذي ارتكز على قاعدتين رئيستين:

1 ـ التحول في التفكير من إفقار الجار وجعله ضعيفًا، إلى دفع عجلة النمو للاقتصادات الوطنية المجاورة، بما وفر للدول قدرًا من الموارد من الممكن توجيهها لصالح الاقتصاد الوطني.

2 ـ تسارع الدول إلى إنشاء مؤسسات اقتصادية متعددة الأطراف من أجل إرساء قواعد النظام الاقتصادي  الدولي، وبالتالي برز الاتجاه نحو التعاون الاقتصادي بين الدول، والذي يمكن اعتبار التكتلات الاقتصادية  من أهم أشكاله، بغرض تلافي أي نتائج سلبية قد تترتب على تلك الأزمات أو قد تنتج عن العولمة، حيث تسعى الدول من خلال التكامل مع الجوار إلى حماية اقتصاداتها من المنافسة الأجنبية وتحقيق أكبر مكسب اقتصادي، وهو ما يعني أن ثمة توجه بين الدول نحو إنشاء تكتلات اقتصادية من أجل تعظيم المكاسب الاقتصادية وتقليل أي خسائر قائمة أو متوقعة.

       وكان من نتائج هذا التحول بروز التكتلات الاقتصادية في العالم خلال النصف الثاني من القرن الماضي، كنتيجة لرغبة العديد من الدول في الانضمام إلى تجمعات إقليمية متكاملة أو ما يعرف بالتكامل الاقتصادي الإقليمي بمفهومه التقليدي لتحقيق مزيد من التوسع في التبادل التجاري، وتحرير التجارة الدولية ووقف الحروب التجارية، والاستقرار الاقتصادي. وفي هذا السياق شهدت أوروبا ولادة أكبر تجمع إقليمي في العالم، وهو الاتحاد الأوروبي الذي تأسس بناء على اتفاقية ماستريخت الموقعة عام 1992م، والتي انبثقت من اتفاق الجماعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957م، ومنذ ذلك الحين توالى ظهور عدد من التكتلات الاقتصادية الإقليمية في آسيا والأمريكتين وإفريقيا.

      ومن أبرز هذه التكتلات، اتحاد جنوب شرق آسيا ASEAN ، منطقة التجارة الحرة لدول البلطي BAFTA ، التعاون الاقتصادي للبحر الأسود BSEC، مجموعة الأندين، اتفاقية التجارة الحرة لأوروبا  CEFTAكومنولث الدول المستقلة CIS ، مجلس التعاون الاقتصادي المشترك COMECON،  اتفاقية التجارة الحرة الكندية الأمريكية CUFTA  الجماعة الاقتصادية الأورو آسيوية EAEC ،منطقة الجماعة الاقتصادية EEA الجماعة الاقتصادية الأوروبية آسيويةEAEC  المجموعة الأوروبية للتجارة  الحرة EFTA  مجموعة التكامل لأمريكا اللاتينية LAI ، منطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا NAFTA ، ومنطقة التجارة العربية الحرة، واتحاد المغرب العربي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية GCC.

        وتأكد السعي لجعل العالم أكثر انفتاحًا من خلال مبادئ منظمة التجارة العالمية عام 1995م، وقبلها جات 1947م، التي تقوم على عدم التمييز بين الدول في المعاملات التفضيلية التجارية، حيث لا ينبغي لأي بلد أن يميز بين شركائه التجاريين، ولا ينبغي أن يميز بين منتجاته أو خدماته، إلا من خلال تكامل اقتصادي إقليمي. وقد قامت التكتلات الاقتصادية الاقليمية بدور بالغ الأثر في تحولات القوة في النظام الدولي وفي نظام التجارة العالمي، وذلك في ظل سعي الدول إلى رفع قدرتها التنافسية وتعظيم قوتها الاقتصادية، ومواجهة تكتلات اقتصادية جديدة من الممكن أن تؤثر على غير أعضائها سلبًا.

    كما لعبت التكتلات دورًا بارزًا كأداة نافذة ومؤثرة في تعزيز حركة التجارة العالمية، ووفرت مخرجًا من الأزمات الاقتصادية العالمية المختلفة، مرورًا بتبلور العولمة وإنشاء منظمات بريتون وودز منذ العام 1947م، (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية)، التي أسست قيام نظام اقتصادي عالمي متعدد الأطراف، ووصولا إلى التوجه نحو إنشاء تكتلات اقتصادية إقليمية.

       وهكذا أضحى العالم يعيش عصر التكتلات والتجمعات الاقتصادية الإقليمية الكبرى، بالإضافة إلى انتشار مناطق التجارة الحرة وتكثيف العمل باتفاقيات التبادل الحر كما تسعى منظمة التجارة العالمية (WTO) إلى تنظيم الشراكات التجارية، وتكريس فكرة التكامل بين الدول والتكتلات الاقتصادية المختلفة.

  مسارات جديدة للتكامل الاقتصادي العالمي

      مع صعود بعض الدول اقتصاديًا مثل الصين ظهرت تكتلات إقليمية تنطوي على اقتصاديات كبرى، تفرض الكثير من التحديات، بما لها من تأثير بالغ على شكل الاقتصاد العالمي وحركة التجارة العالمية، والسعي نحو تدشين تكتلات اقتصادية وتجارية إقليمية كبرى، مما خلق نوعًا من إعادة ترسيم خريطة التجارة العالمية، وأصبح ينظر إلى العولمة الاقتصادية باعتبارها عملية للتكامل الاقتصادي بين الدول، والاعتماد المتبادل بين الاقتصادات الوطنية من خلال حرية تدفقات التجارة ورأس المال، الأمر الذي يتطلب خطوات أكثر إيجابية تجاه التجارة العالمية تكون أكثر إفادة للمجتمع الدولي، وبالتالي ظهر توجه عالمي نحو التكامل الاقتصادي على مستوى الأقاليم، والتكتلات وليس على مستوى الدول المتجاورة فحسب، كما تم الإعلان عن صعود البريكس باعتباره بداية التمرد على النظام العالمي أحادي القطب، الذي تقوده الولايات المتحدة، والسعي إلى عالم متعدد الأقطاب.

    كما شهد الاقتصاد العالمي في العقود الثلاثة الأخيرة ظهور مسارات جديدة للتكتلات الاقتصادية الإقليمية بما يعرف بسلاسل الإمداد والقيمة، بعدما حدث من حروب تجارية ومطالبة الولايات المتحدة بإعادة النظر في الأشكال التقليدية للتكتلات الاقتصادية الإقليمية، وظهور فكرة إعادة توزيع سلاسل الإمداد والقيمة العالمية وانتشارها لتفادي المشاكل الناجمة عن تركزها في عدد محدود من الدول ومن المناطق والمدن، لتجنب المشاكل الناجمة عن الإغلاق بسبب الأزمات الاقتصادية أو الأزمات الصحية بسبب نقص المعروض من السلع والخدمات عندما تعرضت بعض مراكز هذه التجمعات للإغلاق بسبب الجائحة، كما أن هذه التكتلات يمكن أن تتم بين اقتصادات متنافسة أو متكاملة ، بل ويمكن ألا تكون متجاورة جغرافيًا وقد تكون غير متجانسة ثقافيًا.

     وكشفت صدمة وباء فيروس كورونا عن مدى هشاشة سلاسل الإمداد والقيمة بصورتها الحالية، هذه السلاسل المعقدة بتوزيعها الحالي وتركزها في مناطق قريبة من بعضها البعض، مما يعرضها للخطر عندما يتعطل جزء منها في العالم، كما حدث في مدينة «ووهان» الصينية في بداية تفشي جائحة فيروس كورونا، توقفت سلاسل الإمداد والقيمة عن إنتاج السلع والخدمات، ومن ثمَّ واجه الاقتصاد العالمي ندرة في المعروض منها، لذا ظهر توجه عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة إعادة توزيع مراكز سلاسل الإمداد والقيمة بما يقلل من مخاطر تركزها عالميًا في مناطق معينة، وقد مثلت جائحة كورونا نقطة تحول في إعادة تشكيل التكتلات الاقتصادية بشكلها الحديث

     فمثلًا عندما أغلقت الصين مقاطعة «هوبي» وعاصمتها مدينة «ووهان» الصناعية بسبب وباء فيروس كورونا، توقفت سلاسل الإمداد والقيمة ليس فقط في الصين ولكن تجاوزتها إلى توقف نشاط بعض تلك الشركات في دول أخرى، مثل مصانع الملابس الكمبودية التي أُجبرت على الإغلاق بسبب نقص الأقمشة الصينية.

     ويقدر مركز التجارة العالمي خسائر فيروس كورونا «كوفيد – 19» في صادرات التصنيع في مراكز سلاسل التوريد العالمية الثلاثة بنحو 126 مليار دولار في 2020م، كما أن الوباء أثَّر بشدة في المعاملات التجارية للشركات الصغيرة والمتوسطة في العالم بما يقرب من 55%، وبالنسبة للدول النامية أدى التوقف في سلاسل الإمداد والقيمة إلى خسارة المصدرين الأفارقة أكثر من 2.4 مليار دولار من صادرات سلسلة التوريد الصناعية العالمية، نتيجة لإغلاق المصانع في الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، ويُعزى الجزء الأكبر من الخسارة (أكثر من 70%) إلى التوقف المؤقت لروابط سلسلة التوريد مع الاتحاد الأوروبي؛ حيث إن أكثر من 55% من الشركات الصغيرة والمتوسطة تأثرت بشدة بهذا الوباء**.

     لذا، فإن التوجه الحديث يتمثل في سعي هذه الشركات لأن تستثمر أكثر في تنويع مراكز سلاسل الإمداد والقيمة، وكذا تنويع منشأ مكونات الإنتاج، لأن هذه الشركات تحتاج إلى التنويع للتأكد من أن الموًرد لديه العديد من منشآت التصنيع في مناطق مختلفة، بالإضافة إلى أنها يمكنها التبديل والانتقال من منشأ إلى آخر للحصول على المكونات الإنتاجية التي تحتاج إليها أو يمكنها الاحتفاظ بمخزون كافٍ منها أكثر من المعتاد، ومن الواضح أن الاتجاه نحو ذلك سيتسارع بحيث سيصبح هيكل تلك السلاسل مختلفًا عما هو عليه الآن.

التكتلات الاقتصادية في إفريقيا

    تعد التجمعات الاقتصادية الإقليمية بمثابة دعامات رئيسة في إقامة منطقة التجارة الحرة القارية في إفريقيا (ACTAFTA)، وتمثل أحد أكبر مناطق التجارة الحرة القارية على مستوى العالم منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية 1995م، حيث تضم 55 دولة عضو في الاتحاد الإفريقي، وعدد سكان يبلغ 1.2 مليار نسمة عام 2019م، ومن المتوقع أن يبلغ 2.5 مليار نسمة عام 2050م، وهو ما يعني أن الدول الإفريقية تشكل قاعدة مستهلكين كبيرة أمام حركة التفاعلات الاقتصادية المختلفة، وخطوة ضرورية نحو إنشاء السوق الإفريقية المشتركة، ودفعة قوية لمسار التكامل الإقليمي وفقًا لأجندة الاتحاد الإفريقي 2063م، كما أن أنظار الكثير من الدول الاقتصادية الكبرى بدأت في الاتجاه نحو إفريقيا كسوق جديد لاستقبال مزيد من الاستثمارات.

    وحاليًا تضم إفريقيا العديد من التجمعات الاقتصادية الإقليمية، فبجانب التكتلات الإقليمية الثمانية التي يعترف بها الاتحاد الإفريقي، توجد تجمعات أخرى مثل الاتحاد النقدي والاقتصادي لغرب إفريقيا، وتتمثل تلك التجمعات المعترف بها في الجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا ،(ECCAS )، جماعة شرق إفريقيا (EAC)، الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS)، جماعة التنمية للجنوب الإفريقي(SADC)، السوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي (COMESA)، اتحاد المغرب العربي (AMU)، تجمع دول الساحل والصحراء(SEN-SAD).

    وتدمج  الاتفاقية 3 كيانات اقتصادية إفريقية ضمن كيان واحد بعد اندماج مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية “سادك” ومجموعة شرق إفريقيا “إياك” والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا “كوميسا” لتفتح سوقاً جديدة واعدة قوامها 625 مليون نسمة ويتجاوز إجمالي ناتجها المحلي تريليون دولار، ما يجعل توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع التكتلات التجارية الإفريقية في المستقبل مفيداً لتطور ونمو التجارة بين دول مجلس التعاون وقارة إفريقيا في ضوء ما يشهده العالم من تسارع حركة تحرير التجارة بين مختلف القارات والمناطق والتكتلات الاقتصادية.

 

عناصر استراتيجية التعاون الاقتصادي الخليجي الإفريقي

      في ضوء ما حدث من تطور في طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية يمكن عرض محاور الاستراتيجية المقترحة للتكامل الاقتصادي الخليجي الإفريقي على النحو التالي:

المحور الأول: توسيع نطاق التكتل الاقتصادي الإقليمي

    على الرغم من أهمية التكامل الاقتصادي الإقليمي بين دول الجوار، كما في الاتحاد الأوروبي والنافتا والأسيان والاتحاد الإفريقي، وكذلك GCC مجلس التعاون الخليجي، إلا أن تلك الأهمية تتزايد والمكاسب يمكن أن تتضاعف كلما توسعت العلاقات التجارية بين التكتلات الإقليمية وبعضها البعض، بعدما حدث من تطورات في العلاقات الاقتصادية الدولية أحدثتها جائحة كورونا.

     وتستند تلك الحقيقة على أن التوسع في التجارة الخارجية يدعم عمليات التنمية الاقتصادية، وخاصة تنويع بنيان الاقتصادات لكافة الأطراف الداخلة فيه، وهو الهدف الذي سعت إليه دول مجلس التعاون منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم، دونما الوصول إليه بسبب ضيق نطاق الأسواق المحلية. ويساعد التكامل بين دول مجلس التعاون والقارة الإفريقية، على تمكين الدول الخليجية من تطبيق برامج تنموية مستندة إلى استراتيجية التصنيع بغرض التصدير والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، على أسس جديدة، بما يساعد على إنجاح سعي بلدان دول المجلس نحو تنويع هياكلها الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية في مجمل الايرادات المالية الحكومية، ومن ثم تحقيق الاستدامة المالية التي تمثل هاجسًا لدول المجلس.

      كما يساعد عقد الاتفاقات وتحرير التجارة الدولية مع دول إفريقيا على مواجهة ارتفاع مستويات الحماية التي بدأت تظهر مؤخرًا، والتي يمكن أن تحد من تطور سلاسل القيمة العالمية، حيث تؤدي هذه النزعة الحمائية إلى إعادة العمليات القائمة لسلاسل القيمة العالمية إلى بلدانها الأصلية أو تحويلها إلى مواقع جديدة، ولا شك في أن توفير الأسواق الخارجية يدعم قدرة الشركات على الاستثمار في مناطق جغرافية متعددة، ويحفز على التوسع في خطط الإنتاج.

المحور الثاني: التكامل عبر سلاسل القيمة العالمية بديلاً عن التجارة التقليدية

      توسعت التجارة الدولية بوتيرة سريعة بعد عام 1990م، مدفوعة بظهور سلاسل القيمة العالمية، وأتاح ذلك التوسع مكاسب غير مسبوقة،  فقد سجلت البلدان الفقيرة نموًا أسرع وبدأت في  اللحاق بالبلدان المتقدمة، وكانت هذه المكاسب نتيجة لتجزئة إنتاج السلعة بين عدد من البلدان، ومع نمو الروابط فيما بين الشركات، بدأت الأجزاء والمكونات تعبر العالم في خطوط متقاطعة حيث تبحث الشركات عن الكفاءات أينما وجدت، حيث تتميز سلاسل القيمة العالمية بأن منافع المشاركة يمكن تقاسمها على نطاق واسع ومستدام، ومن هنا يمكن القول إن سلاسل القيمة العالمية يمكن أن تشكل ركيزة للتعاون الخليجي الإفريقي، بما يساعد على تعزيز النمو، وخلق فرص عمل أفضل، لكلا الطرفين، بما يساعد على تنويع البنيان الاقتصادي في دول الخليج، والحد من الفقر في الدول الإفريقية.

      كما تتميز المشروعات المشاركة في سلاسل القيمة العالمية بأن إنتاجيتها أعلى من ضعف إنتاجية الشركات المماثلة التي تشارك في التجارة التقليدية، وتحقق الشركات في البلدان النامية الأخرى مكاسب كبيرة في الإنتاجية بفضل المشاركة في  سلاسل القيمة العالمية، وتشير  التقديرات إلى أن ارتفاع المشاركة في سلاسل القيمة العالمية بنسبة 1% يزيد من نصيب الفرد من الدخل بأكثر من واحد نقطة مئوية، وهي أعلى من مكاسب الدخل الناشئة عن التجارة العالمية التقليدية التي تصل إلى 0.2 %، وتأتي الطفرة الكبرى في النمو الاقتصادي عادة عندما تنتقل البلدان من تصدير السلع الأولية إلى تصدير منتجات صناعية أساسية، أو المشاركة في إنتاجها من خلال سلاسل القيمة، حتى لو استخدمت مستلزمات مستوردة مثل المنسوجات كما حدث في  بنغلاديش وكمبوديا وفيتنام.

     

     

المحور الثالث: التحول من التعاون الثنائي إلى اتفاقية تكامل اقتصادي

     أبرمت الأمانة العامة لمجلس التعاون مذكرة تفاهم مع منظمة (كوميسا) في عام 2010م، وعقدت معها عدداً من الفعاليات لتعزيز التعاون بين منطقة مجلس التعاون ومنطقة الكوميسا التي تضم في عضويتها معظم دول شرق وجنوب إفريقيا وعدداً من الدول العربية مثل مصر وليبيا والسودان وتونس والصومال، كما تساعد المذكرة على توفير فرص جديدة لقطاع الأعمال الخليجي ونظرائه في القارة الإفريقية.

      وتفتح هذه الاتفاقية مجالات واسعة للتعاون التجاري والاستثماري بين دول مجلس التعاون وقارة إفريقيا، كما أنها تخلق أسواقًا جديدة واسعة بما يساعد الشركات الخليجية على التصدير، فضلاً عن منح المستثمرين الخليجيين فرصًا لإقامة مشاريع استثمارية إنتاجية تستهدف قاعدة كبيرة من المستهلكين في دول القارة الإفريقية الناشئة.

        خلاصة القول : إن الاندماج في الأسواق العالمية، من خلال توسيع نطاق التكامل الإقليمي، والدخول في سلاسل قيمة التوريد الحديثة، ضرورة لتجنب لعنة الموارد الطبيعية في دول الخليج، والتغلب على القيود التي فرضها ضيق الأسواق المحلية، ويمكن المشروعات من المشاركة في سلاسل القيمة العالمية، بما يرفع من إنتاجيتها، ويدعم معدلات النمو الاقتصادي، والتنمية الاقتصادية في بلدان الكتلتين.

      وتستند الاستراتيجية المقترحة على تحويل جزء من الثروات المستخرجة من باطن الأرض، إلى أصول إنتاجية في مجالات النشاط الاقتصادي الإنتاجي المختلفة تكون قادرة على خلق قيمة مضافة، وتوظيف عمالة، وتوليد دخول، يساهم في بنائها الاستثمارات الخاصة بقيادة رجال الأعمال بالداخل والخارج، مدعومين من الحكومات بتقديم الحوافز والتسهيلات، وتكون مدعومة بتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::5663::/cck::
::introtext::

بعد مرور أربعين عامًا على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لا يزال المجلس يمثل مظلة التكامل الاقتصادي الإقليمي، سواء على مستوى دول المجموعة أو بين المجموعة والتكتلات العالمية. ويعد قيام المجلس النقدي الخليجي، ودخول اتفاقية الاتحاد النقدي، والنظام الأساسي للمجلس النقدي حيز النفاذ في 27 مارس 2010م، على رأس الإنجازات في مجال التعاون الاقتصادي منذ إنشائه، إضافة إلى إعلان قيام السوق الخليجية المشتركة بعد استكمال متطلباتها الرئيسة، في الأول من يناير 2008م.

::/introtext::
::fulltext::

بعد مرور أربعين عامًا على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لا يزال المجلس يمثل مظلة التكامل الاقتصادي الإقليمي، سواء على مستوى دول المجموعة أو بين المجموعة والتكتلات العالمية. ويعد قيام المجلس النقدي الخليجي، ودخول اتفاقية الاتحاد النقدي، والنظام الأساسي للمجلس النقدي حيز النفاذ في 27 مارس 2010م، على رأس الإنجازات في مجال التعاون الاقتصادي منذ إنشائه، إضافة إلى إعلان قيام السوق الخليجية المشتركة بعد استكمال متطلباتها الرئيسة، في الأول من يناير 2008م.

      كما كان من إنجازات المجلس في التكامل التجاري إقامة منطقة تجارة حرة بين دول المنطقة اعتبارًا من مارس 1983م، الأمر الذي أدى إلى حرية انتقال السلع الوطنية بين دول المجلس دون رسوم جمركية ومعاملتها معاملة السلع الوطنية، ثم إبرام الاتفاقية الاقتصادية بين دول المجلس عام 2001م، وإقامة الاتحـاد الجمركـي للدول الأعضاء اعتبــارًا من الأول من يناير2003م، والذي قضي بتوحيد التعرفة الجمركية وحرية انتقال السلع بين دول المجلس دون قيود جمركية أو غير جمركية.

    وتعد نجاحات مجلس التعاون في تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دول الخليج من أبرز الإنجازات، وشمل مجال التبادل التجاري، ومجال الاستثمارات، وحركة السكان، وحرية التملك، ومجال الإعمار، والتعاون في التنمية المشتركة، كما نجح في ترسخ التنسيق بين الدول الأعضاء في سياستهم التجارية تجاه التكتلات الإقليمية والمنظمات الدولية، وفتح المجال أمام مزيد من التعاون بين دول المجلس من ناحية وغيرها من التكتلات الاقتصادية الإقليمية.

    وتتزامن ذكرى مرور أربعين عامًا على قيام المجلس، مع تطورات هامة على مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية، خاصة فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي العالمي متعدد الأطراف، والتكتلات الاقتصادية الإقليمية، ويصبح على مجلس التعاون مسايرتها والتكيف معها بما يحقق مزيدًا من المكاسب على المستوى الإقليمي والعالمي، وتسعى المقالة إلى رصد أهم هذه التطورات على المستوى العالمي في هذا المجال، وكيف يمكن توسعة نطاق التعاون بين دول المجلس والعالم الخارجي مسايرة لتلك التطورات، مع إحدى التكتلات الاقتصادية الإقليمية الواعدة في إفريقيا.

 

نشأة التكتلات الاقتصادية الإقليمية

         شهد النظام الاقتصادي الدولي منذ عام 1945م، تطورات مطردة من خلال التخلي الدولي عن أسعار الصرف الثابتة في السبعينيات، واستكمال إقامة مؤسسات بريتون وودز، والانفتاح على البلدان النامية في أعقاب أزمة ديون العالم الثالث أوائل الثمانينيات، وانهيار الكتلة السوفيتية مع انتهاء ذلك العقد، إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995م، وظهور اليورو والتكامل من الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة في العالم.

     وعادة ما تؤسس الأزمات الكبرى نمطًا جديدًا من الفكر الاقتصادي، وتعيد تشكيل النظام الاقتصادي الدولي خاصة، كما حدث عقب أزمة الكساد العظيم في الثلاثينات في القرن الماضي، وما أعقبها من تطور عميق في الفكر الاقتصادي، ثم ما حدث عقب الحرب العالمية الثانية حيث تم وضع أصول وقواعد النظام الاقتصادي الدولي المعاصر، والذي ارتكز على قاعدتين رئيستين:

1 ـ التحول في التفكير من إفقار الجار وجعله ضعيفًا، إلى دفع عجلة النمو للاقتصادات الوطنية المجاورة، بما وفر للدول قدرًا من الموارد من الممكن توجيهها لصالح الاقتصاد الوطني.

2 ـ تسارع الدول إلى إنشاء مؤسسات اقتصادية متعددة الأطراف من أجل إرساء قواعد النظام الاقتصادي  الدولي، وبالتالي برز الاتجاه نحو التعاون الاقتصادي بين الدول، والذي يمكن اعتبار التكتلات الاقتصادية  من أهم أشكاله، بغرض تلافي أي نتائج سلبية قد تترتب على تلك الأزمات أو قد تنتج عن العولمة، حيث تسعى الدول من خلال التكامل مع الجوار إلى حماية اقتصاداتها من المنافسة الأجنبية وتحقيق أكبر مكسب اقتصادي، وهو ما يعني أن ثمة توجه بين الدول نحو إنشاء تكتلات اقتصادية من أجل تعظيم المكاسب الاقتصادية وتقليل أي خسائر قائمة أو متوقعة.

       وكان من نتائج هذا التحول بروز التكتلات الاقتصادية في العالم خلال النصف الثاني من القرن الماضي، كنتيجة لرغبة العديد من الدول في الانضمام إلى تجمعات إقليمية متكاملة أو ما يعرف بالتكامل الاقتصادي الإقليمي بمفهومه التقليدي لتحقيق مزيد من التوسع في التبادل التجاري، وتحرير التجارة الدولية ووقف الحروب التجارية، والاستقرار الاقتصادي. وفي هذا السياق شهدت أوروبا ولادة أكبر تجمع إقليمي في العالم، وهو الاتحاد الأوروبي الذي تأسس بناء على اتفاقية ماستريخت الموقعة عام 1992م، والتي انبثقت من اتفاق الجماعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957م، ومنذ ذلك الحين توالى ظهور عدد من التكتلات الاقتصادية الإقليمية في آسيا والأمريكتين وإفريقيا.

      ومن أبرز هذه التكتلات، اتحاد جنوب شرق آسيا ASEAN ، منطقة التجارة الحرة لدول البلطي BAFTA ، التعاون الاقتصادي للبحر الأسود BSEC، مجموعة الأندين، اتفاقية التجارة الحرة لأوروبا  CEFTAكومنولث الدول المستقلة CIS ، مجلس التعاون الاقتصادي المشترك COMECON،  اتفاقية التجارة الحرة الكندية الأمريكية CUFTA  الجماعة الاقتصادية الأورو آسيوية EAEC ،منطقة الجماعة الاقتصادية EEA الجماعة الاقتصادية الأوروبية آسيويةEAEC  المجموعة الأوروبية للتجارة  الحرة EFTA  مجموعة التكامل لأمريكا اللاتينية LAI ، منطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا NAFTA ، ومنطقة التجارة العربية الحرة، واتحاد المغرب العربي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية GCC.

        وتأكد السعي لجعل العالم أكثر انفتاحًا من خلال مبادئ منظمة التجارة العالمية عام 1995م، وقبلها جات 1947م، التي تقوم على عدم التمييز بين الدول في المعاملات التفضيلية التجارية، حيث لا ينبغي لأي بلد أن يميز بين شركائه التجاريين، ولا ينبغي أن يميز بين منتجاته أو خدماته، إلا من خلال تكامل اقتصادي إقليمي. وقد قامت التكتلات الاقتصادية الاقليمية بدور بالغ الأثر في تحولات القوة في النظام الدولي وفي نظام التجارة العالمي، وذلك في ظل سعي الدول إلى رفع قدرتها التنافسية وتعظيم قوتها الاقتصادية، ومواجهة تكتلات اقتصادية جديدة من الممكن أن تؤثر على غير أعضائها سلبًا.

    كما لعبت التكتلات دورًا بارزًا كأداة نافذة ومؤثرة في تعزيز حركة التجارة العالمية، ووفرت مخرجًا من الأزمات الاقتصادية العالمية المختلفة، مرورًا بتبلور العولمة وإنشاء منظمات بريتون وودز منذ العام 1947م، (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية)، التي أسست قيام نظام اقتصادي عالمي متعدد الأطراف، ووصولا إلى التوجه نحو إنشاء تكتلات اقتصادية إقليمية.

       وهكذا أضحى العالم يعيش عصر التكتلات والتجمعات الاقتصادية الإقليمية الكبرى، بالإضافة إلى انتشار مناطق التجارة الحرة وتكثيف العمل باتفاقيات التبادل الحر كما تسعى منظمة التجارة العالمية (WTO) إلى تنظيم الشراكات التجارية، وتكريس فكرة التكامل بين الدول والتكتلات الاقتصادية المختلفة.

  مسارات جديدة للتكامل الاقتصادي العالمي

      مع صعود بعض الدول اقتصاديًا مثل الصين ظهرت تكتلات إقليمية تنطوي على اقتصاديات كبرى، تفرض الكثير من التحديات، بما لها من تأثير بالغ على شكل الاقتصاد العالمي وحركة التجارة العالمية، والسعي نحو تدشين تكتلات اقتصادية وتجارية إقليمية كبرى، مما خلق نوعًا من إعادة ترسيم خريطة التجارة العالمية، وأصبح ينظر إلى العولمة الاقتصادية باعتبارها عملية للتكامل الاقتصادي بين الدول، والاعتماد المتبادل بين الاقتصادات الوطنية من خلال حرية تدفقات التجارة ورأس المال، الأمر الذي يتطلب خطوات أكثر إيجابية تجاه التجارة العالمية تكون أكثر إفادة للمجتمع الدولي، وبالتالي ظهر توجه عالمي نحو التكامل الاقتصادي على مستوى الأقاليم، والتكتلات وليس على مستوى الدول المتجاورة فحسب، كما تم الإعلان عن صعود البريكس باعتباره بداية التمرد على النظام العالمي أحادي القطب، الذي تقوده الولايات المتحدة، والسعي إلى عالم متعدد الأقطاب.

    كما شهد الاقتصاد العالمي في العقود الثلاثة الأخيرة ظهور مسارات جديدة للتكتلات الاقتصادية الإقليمية بما يعرف بسلاسل الإمداد والقيمة، بعدما حدث من حروب تجارية ومطالبة الولايات المتحدة بإعادة النظر في الأشكال التقليدية للتكتلات الاقتصادية الإقليمية، وظهور فكرة إعادة توزيع سلاسل الإمداد والقيمة العالمية وانتشارها لتفادي المشاكل الناجمة عن تركزها في عدد محدود من الدول ومن المناطق والمدن، لتجنب المشاكل الناجمة عن الإغلاق بسبب الأزمات الاقتصادية أو الأزمات الصحية بسبب نقص المعروض من السلع والخدمات عندما تعرضت بعض مراكز هذه التجمعات للإغلاق بسبب الجائحة، كما أن هذه التكتلات يمكن أن تتم بين اقتصادات متنافسة أو متكاملة ، بل ويمكن ألا تكون متجاورة جغرافيًا وقد تكون غير متجانسة ثقافيًا.

     وكشفت صدمة وباء فيروس كورونا عن مدى هشاشة سلاسل الإمداد والقيمة بصورتها الحالية، هذه السلاسل المعقدة بتوزيعها الحالي وتركزها في مناطق قريبة من بعضها البعض، مما يعرضها للخطر عندما يتعطل جزء منها في العالم، كما حدث في مدينة «ووهان» الصينية في بداية تفشي جائحة فيروس كورونا، توقفت سلاسل الإمداد والقيمة عن إنتاج السلع والخدمات، ومن ثمَّ واجه الاقتصاد العالمي ندرة في المعروض منها، لذا ظهر توجه عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة إعادة توزيع مراكز سلاسل الإمداد والقيمة بما يقلل من مخاطر تركزها عالميًا في مناطق معينة، وقد مثلت جائحة كورونا نقطة تحول في إعادة تشكيل التكتلات الاقتصادية بشكلها الحديث

     فمثلًا عندما أغلقت الصين مقاطعة «هوبي» وعاصمتها مدينة «ووهان» الصناعية بسبب وباء فيروس كورونا، توقفت سلاسل الإمداد والقيمة ليس فقط في الصين ولكن تجاوزتها إلى توقف نشاط بعض تلك الشركات في دول أخرى، مثل مصانع الملابس الكمبودية التي أُجبرت على الإغلاق بسبب نقص الأقمشة الصينية.

     ويقدر مركز التجارة العالمي خسائر فيروس كورونا «كوفيد – 19» في صادرات التصنيع في مراكز سلاسل التوريد العالمية الثلاثة بنحو 126 مليار دولار في 2020م، كما أن الوباء أثَّر بشدة في المعاملات التجارية للشركات الصغيرة والمتوسطة في العالم بما يقرب من 55%، وبالنسبة للدول النامية أدى التوقف في سلاسل الإمداد والقيمة إلى خسارة المصدرين الأفارقة أكثر من 2.4 مليار دولار من صادرات سلسلة التوريد الصناعية العالمية، نتيجة لإغلاق المصانع في الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، ويُعزى الجزء الأكبر من الخسارة (أكثر من 70%) إلى التوقف المؤقت لروابط سلسلة التوريد مع الاتحاد الأوروبي؛ حيث إن أكثر من 55% من الشركات الصغيرة والمتوسطة تأثرت بشدة بهذا الوباء**.

     لذا، فإن التوجه الحديث يتمثل في سعي هذه الشركات لأن تستثمر أكثر في تنويع مراكز سلاسل الإمداد والقيمة، وكذا تنويع منشأ مكونات الإنتاج، لأن هذه الشركات تحتاج إلى التنويع للتأكد من أن الموًرد لديه العديد من منشآت التصنيع في مناطق مختلفة، بالإضافة إلى أنها يمكنها التبديل والانتقال من منشأ إلى آخر للحصول على المكونات الإنتاجية التي تحتاج إليها أو يمكنها الاحتفاظ بمخزون كافٍ منها أكثر من المعتاد، ومن الواضح أن الاتجاه نحو ذلك سيتسارع بحيث سيصبح هيكل تلك السلاسل مختلفًا عما هو عليه الآن.

التكتلات الاقتصادية في إفريقيا

    تعد التجمعات الاقتصادية الإقليمية بمثابة دعامات رئيسة في إقامة منطقة التجارة الحرة القارية في إفريقيا (ACTAFTA)، وتمثل أحد أكبر مناطق التجارة الحرة القارية على مستوى العالم منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية 1995م، حيث تضم 55 دولة عضو في الاتحاد الإفريقي، وعدد سكان يبلغ 1.2 مليار نسمة عام 2019م، ومن المتوقع أن يبلغ 2.5 مليار نسمة عام 2050م، وهو ما يعني أن الدول الإفريقية تشكل قاعدة مستهلكين كبيرة أمام حركة التفاعلات الاقتصادية المختلفة، وخطوة ضرورية نحو إنشاء السوق الإفريقية المشتركة، ودفعة قوية لمسار التكامل الإقليمي وفقًا لأجندة الاتحاد الإفريقي 2063م، كما أن أنظار الكثير من الدول الاقتصادية الكبرى بدأت في الاتجاه نحو إفريقيا كسوق جديد لاستقبال مزيد من الاستثمارات.

    وحاليًا تضم إفريقيا العديد من التجمعات الاقتصادية الإقليمية، فبجانب التكتلات الإقليمية الثمانية التي يعترف بها الاتحاد الإفريقي، توجد تجمعات أخرى مثل الاتحاد النقدي والاقتصادي لغرب إفريقيا، وتتمثل تلك التجمعات المعترف بها في الجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا ،(ECCAS )، جماعة شرق إفريقيا (EAC)، الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS)، جماعة التنمية للجنوب الإفريقي(SADC)، السوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي (COMESA)، اتحاد المغرب العربي (AMU)، تجمع دول الساحل والصحراء(SEN-SAD).

    وتدمج  الاتفاقية 3 كيانات اقتصادية إفريقية ضمن كيان واحد بعد اندماج مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية “سادك” ومجموعة شرق إفريقيا “إياك” والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا “كوميسا” لتفتح سوقاً جديدة واعدة قوامها 625 مليون نسمة ويتجاوز إجمالي ناتجها المحلي تريليون دولار، ما يجعل توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع التكتلات التجارية الإفريقية في المستقبل مفيداً لتطور ونمو التجارة بين دول مجلس التعاون وقارة إفريقيا في ضوء ما يشهده العالم من تسارع حركة تحرير التجارة بين مختلف القارات والمناطق والتكتلات الاقتصادية.

 

عناصر استراتيجية التعاون الاقتصادي الخليجي الإفريقي

      في ضوء ما حدث من تطور في طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية يمكن عرض محاور الاستراتيجية المقترحة للتكامل الاقتصادي الخليجي الإفريقي على النحو التالي:

المحور الأول: توسيع نطاق التكتل الاقتصادي الإقليمي

    على الرغم من أهمية التكامل الاقتصادي الإقليمي بين دول الجوار، كما في الاتحاد الأوروبي والنافتا والأسيان والاتحاد الإفريقي، وكذلك GCC مجلس التعاون الخليجي، إلا أن تلك الأهمية تتزايد والمكاسب يمكن أن تتضاعف كلما توسعت العلاقات التجارية بين التكتلات الإقليمية وبعضها البعض، بعدما حدث من تطورات في العلاقات الاقتصادية الدولية أحدثتها جائحة كورونا.

     وتستند تلك الحقيقة على أن التوسع في التجارة الخارجية يدعم عمليات التنمية الاقتصادية، وخاصة تنويع بنيان الاقتصادات لكافة الأطراف الداخلة فيه، وهو الهدف الذي سعت إليه دول مجلس التعاون منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم، دونما الوصول إليه بسبب ضيق نطاق الأسواق المحلية. ويساعد التكامل بين دول مجلس التعاون والقارة الإفريقية، على تمكين الدول الخليجية من تطبيق برامج تنموية مستندة إلى استراتيجية التصنيع بغرض التصدير والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، على أسس جديدة، بما يساعد على إنجاح سعي بلدان دول المجلس نحو تنويع هياكلها الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية في مجمل الايرادات المالية الحكومية، ومن ثم تحقيق الاستدامة المالية التي تمثل هاجسًا لدول المجلس.

      كما يساعد عقد الاتفاقات وتحرير التجارة الدولية مع دول إفريقيا على مواجهة ارتفاع مستويات الحماية التي بدأت تظهر مؤخرًا، والتي يمكن أن تحد من تطور سلاسل القيمة العالمية، حيث تؤدي هذه النزعة الحمائية إلى إعادة العمليات القائمة لسلاسل القيمة العالمية إلى بلدانها الأصلية أو تحويلها إلى مواقع جديدة، ولا شك في أن توفير الأسواق الخارجية يدعم قدرة الشركات على الاستثمار في مناطق جغرافية متعددة، ويحفز على التوسع في خطط الإنتاج.

المحور الثاني: التكامل عبر سلاسل القيمة العالمية بديلاً عن التجارة التقليدية

      توسعت التجارة الدولية بوتيرة سريعة بعد عام 1990م، مدفوعة بظهور سلاسل القيمة العالمية، وأتاح ذلك التوسع مكاسب غير مسبوقة،  فقد سجلت البلدان الفقيرة نموًا أسرع وبدأت في  اللحاق بالبلدان المتقدمة، وكانت هذه المكاسب نتيجة لتجزئة إنتاج السلعة بين عدد من البلدان، ومع نمو الروابط فيما بين الشركات، بدأت الأجزاء والمكونات تعبر العالم في خطوط متقاطعة حيث تبحث الشركات عن الكفاءات أينما وجدت، حيث تتميز سلاسل القيمة العالمية بأن منافع المشاركة يمكن تقاسمها على نطاق واسع ومستدام، ومن هنا يمكن القول إن سلاسل القيمة العالمية يمكن أن تشكل ركيزة للتعاون الخليجي الإفريقي، بما يساعد على تعزيز النمو، وخلق فرص عمل أفضل، لكلا الطرفين، بما يساعد على تنويع البنيان الاقتصادي في دول الخليج، والحد من الفقر في الدول الإفريقية.

      كما تتميز المشروعات المشاركة في سلاسل القيمة العالمية بأن إنتاجيتها أعلى من ضعف إنتاجية الشركات المماثلة التي تشارك في التجارة التقليدية، وتحقق الشركات في البلدان النامية الأخرى مكاسب كبيرة في الإنتاجية بفضل المشاركة في  سلاسل القيمة العالمية، وتشير  التقديرات إلى أن ارتفاع المشاركة في سلاسل القيمة العالمية بنسبة 1% يزيد من نصيب الفرد من الدخل بأكثر من واحد نقطة مئوية، وهي أعلى من مكاسب الدخل الناشئة عن التجارة العالمية التقليدية التي تصل إلى 0.2 %، وتأتي الطفرة الكبرى في النمو الاقتصادي عادة عندما تنتقل البلدان من تصدير السلع الأولية إلى تصدير منتجات صناعية أساسية، أو المشاركة في إنتاجها من خلال سلاسل القيمة، حتى لو استخدمت مستلزمات مستوردة مثل المنسوجات كما حدث في  بنغلاديش وكمبوديا وفيتنام.

     

     

المحور الثالث: التحول من التعاون الثنائي إلى اتفاقية تكامل اقتصادي

     أبرمت الأمانة العامة لمجلس التعاون مذكرة تفاهم مع منظمة (كوميسا) في عام 2010م، وعقدت معها عدداً من الفعاليات لتعزيز التعاون بين منطقة مجلس التعاون ومنطقة الكوميسا التي تضم في عضويتها معظم دول شرق وجنوب إفريقيا وعدداً من الدول العربية مثل مصر وليبيا والسودان وتونس والصومال، كما تساعد المذكرة على توفير فرص جديدة لقطاع الأعمال الخليجي ونظرائه في القارة الإفريقية.

      وتفتح هذه الاتفاقية مجالات واسعة للتعاون التجاري والاستثماري بين دول مجلس التعاون وقارة إفريقيا، كما أنها تخلق أسواقًا جديدة واسعة بما يساعد الشركات الخليجية على التصدير، فضلاً عن منح المستثمرين الخليجيين فرصًا لإقامة مشاريع استثمارية إنتاجية تستهدف قاعدة كبيرة من المستهلكين في دول القارة الإفريقية الناشئة.

        خلاصة القول : إن الاندماج في الأسواق العالمية، من خلال توسيع نطاق التكامل الإقليمي، والدخول في سلاسل قيمة التوريد الحديثة، ضرورة لتجنب لعنة الموارد الطبيعية في دول الخليج، والتغلب على القيود التي فرضها ضيق الأسواق المحلية، ويمكن المشروعات من المشاركة في سلاسل القيمة العالمية، بما يرفع من إنتاجيتها، ويدعم معدلات النمو الاقتصادي، والتنمية الاقتصادية في بلدان الكتلتين.

      وتستند الاستراتيجية المقترحة على تحويل جزء من الثروات المستخرجة من باطن الأرض، إلى أصول إنتاجية في مجالات النشاط الاقتصادي الإنتاجي المختلفة تكون قادرة على خلق قيمة مضافة، وتوظيف عمالة، وتوليد دخول، يساهم في بنائها الاستثمارات الخاصة بقيادة رجال الأعمال بالداخل والخارج، مدعومين من الحكومات بتقديم الحوافز والتسهيلات، وتكون مدعومة بتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

::/fulltext::
::cck::5663::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *