تراجع ضم أوكرانيا وجورجيا للناتو يقلل ” حرب الحدائق الخلفية” وإبعاد موسكو عن بكين هدف دول الناتو

::cck::5724::/cck::
::introtext::

تقمص الرئيس جو بايدن شخصية الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون عندما قام الأخير بزيارة بيكين  في فبراير عام 1972م، وكانت هذه الزيارة الخطوة الأهم  في احتواء الصين لعقود طويلة، وعندما قرر الرئيس جوزيف بايدن دعوة نظيره الروسي فلاديمير بوتن للقاء مباشر في أرض محايدة في أبريل الماضي كان يدرك أهمية ” تخفيف التوتر ” و” تبريد الصراعات ” مع أكبر دولة لديها قنابل نووية في العالم ، ووسط أجواء الاتهامات الأمريكية لموسكو بالمسؤولية عن التدخل في الانتخابات الأمريكية عامي 2016 و2020م، والقيام بهجمات سبرانية على المنشآت الحيوية الأمريكية، ناهيك عن وصف بايدن لبوتن ” بالقاتل ” والاقتراب من الدخول في حرب بسبب الصراع في دونباس جنوب شرق أوكرانيا، وسط هذه الأجواء المشحونة قرر الرئيس الأمريكي ومساعدوه سلك طريقًا موازيًا من أجل إنجاح القمة قبل أن تعقد عبر تخفيف حدة التصريحات والبيانات ضد روسيا، وتركيز الهجوم على الصين فقط، ومن يدقق في  كل البيانات التي صدرت قبل قمة جنيف سواء  في قمة الدول السبع الصناعية الكبرى أو القمة الأمريكية الأوروبية أو حتى قمة حلف الأطلسي التي لم تستمر إلا ساعتين فقط ولم يصدر منها أي جديد ضد روسيا سيتأكد لها أن الولايات المتحدة وحلفاءها قرروا تبني ما أطلقت عليه المستشارة أنجيلا ميركل ” بالنهج المزدوج ” للتعامل مع روسيا، وهو مد يد الحوار والتعاون بالتزامن وبنفس القوة مع الاستعداد للرد على أي سلوك عدواني روسي خاصة في شرق أوروبا.

::/introtext::
::fulltext::

تقمص الرئيس جو بايدن شخصية الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون عندما قام الأخير بزيارة بيكين  في فبراير عام 1972م، وكانت هذه الزيارة الخطوة الأهم  في احتواء الصين لعقود طويلة، وعندما قرر الرئيس جوزيف بايدن دعوة نظيره الروسي فلاديمير بوتن للقاء مباشر في أرض محايدة في أبريل الماضي كان يدرك أهمية ” تخفيف التوتر ” و” تبريد الصراعات ” مع أكبر دولة لديها قنابل نووية في العالم ، ووسط أجواء الاتهامات الأمريكية لموسكو بالمسؤولية عن التدخل في الانتخابات الأمريكية عامي 2016 و2020م، والقيام بهجمات سبرانية على المنشآت الحيوية الأمريكية، ناهيك عن وصف بايدن لبوتن ” بالقاتل ” والاقتراب من الدخول في حرب بسبب الصراع في دونباس جنوب شرق أوكرانيا، وسط هذه الأجواء المشحونة قرر الرئيس الأمريكي ومساعدوه سلك طريقًا موازيًا من أجل إنجاح القمة قبل أن تعقد عبر تخفيف حدة التصريحات والبيانات ضد روسيا، وتركيز الهجوم على الصين فقط، ومن يدقق في  كل البيانات التي صدرت قبل قمة جنيف سواء  في قمة الدول السبع الصناعية الكبرى أو القمة الأمريكية الأوروبية أو حتى قمة حلف الأطلسي التي لم تستمر إلا ساعتين فقط ولم يصدر منها أي جديد ضد روسيا سيتأكد لها أن الولايات المتحدة وحلفاءها قرروا تبني ما أطلقت عليه المستشارة أنجيلا ميركل ” بالنهج المزدوج ” للتعامل مع روسيا، وهو مد يد الحوار والتعاون بالتزامن وبنفس القوة مع الاستعداد للرد على أي سلوك عدواني روسي خاصة في شرق أوروبا.

ورغم عدم التفاؤل الذي ساد قبل القمة إلا أن الباحث بين السطور سوف يكتشف أن كلا من  واشنطن وموسكو  توفرت لهما الإرادة السياسية من أجل تحقيق نتيجة إيجابية في جنيف حيث أبدى الرئيس بوتن استعداده لتسليم الولايات المتحدة ” القراصنة السبرانيين ” المقيمين على الأراضي الروسية مقابل قيام الولايات المتحدة بالمثل، كما تحدثت روسيا عن إمكانية استبدال 17 أمريكي في السجون الروسية مقابل 100 روسي في السجون الأمريكية، وكانت الخطوة الأكبر هي سحب الإدارة الأمريكية اعتراضها على خط نقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، كما رفض الرئيس جو بايدن استقبال نظيرة الأوكراني في البيت الأبيض قبل القمة، بل وتسربت معلومات تقول أن واشنطن أوقفت بالفعل تسليم بعض المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، وكل هذا مهد ليكون هناك أجواء إيجابية في القمة التي خرج الرئيس بوتن بعدها ليدافع عن بايدن ويصفه بالمحترف وصاحب الخبرة الكبيرة، بل ويلوم الصحافة ووسائل الإعلام التي لا تنقل ولا تعرف حقيقة وشخصية الرئيس بايدن، وفي المقابل دافع البيت الأبيض ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان عن قمة جنيف التي وصفها بأنها حققت كثيرًا من الأهداف الأمريكية، فكيف يمكن البناء على تلك الأجواء الإيجابية ؟ وما هي الملفات التي يمكن العمل عليها في القريب العاجل؟ وإلى أي مدى ستكون القضايا الشائكة عقبة في طريق التطبيع الكامل للعلاقات الروسية الأمريكية؟ وأين الصين من كل ذلك؟

 مساحات مشتركة

تناولت القمة ثلاثة ملفات رئيسية هي الحوار الاستراتيجي وخفض الأسلحة في العالم، والقضايا الإقليمية، والملفات الثنائية، وهناك عدد كبير من القضايا يمكن العمل عليها في المستقبل القريب ومنها:

أولاً : خفض التوتر، فالنتيجة الواضحة للجميع بعد لقاء جنيف هي عدم رغبة  الزعيمين الروسي والأمريكي للدخول في ” حرب باردة “، وقالها بصراحة الرئيس بايدن عندما قال أن نظيرة الروسي لا يريد الدخول في   ” حرب باردة ” جديدة، وهي خلاصة يمكن البناء عليها كثيراً سواء في تخفيف الصراعات في أوكرانيا والبحر الأسود، أو فتح مجال للتعاون بين أوروبا وروسيا، وهي ذات النتيجة التي يتحدث عنها قادة أوروبيون مثل المستشارة أنجيلا ميركل والرئيس إيمانويل ماكرون الذين دعموا “بشكل كامل وغير مشروط ” أجندة الرئيس بايدن في قمة جنيف، وهو ما يعني وجود مسارات كثيرة للتعاون ليس بين الولايات المتحدة وروسيا بل بين الدول الأوروبية وروسيا.

ثانياً: العودة لاتفاقية منع نشر وإنتاج الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدي، والتي تحمل رؤوسًا نووية في أوروبا، وكانت روسيا والولايات المتحدة انسحبتا من الاتفاقية في أغسطس عام 2019م، بسبب ما قيل عن إنتاج روسيا لصاروخ قصير يتجاوز مدي 500 كيلو متر المتفق عليه في الاتفاقية التي وقعتها واشنطن وموسكو عام 1987م، وإدراكاً من الطرف الروسي أن الولايات المتحدة انسحبت من هذه الاتفاقية بسبب القدرات العسكرية الكبيرة للصين، وعدم دخول الصين كطرف في هذه الاتفاقية، وليس بسبب الصاروخ الروسي، لذلك بحث الوفدان الأمريكي والروسي على هامش القمة إمكانية ” العودة المشروطة”  لهذه المعاهدة ذات الأهمية الاستراتيجية، وذلك بعودة الجانبين الروسي والأمريكي للالتزام بها في أوروبا وبالقرب من الأراضي الروسية في مقابل عدم التزام واشنطن بذلك خارج أوروبا، بما يعني السماح لها بنشر تلك الصواريخ في شرق وجنوب شرق آسيا، وبذلك يتحقق الهدف الذي من أجله كانت تلك الاتفاقية بعدم توجيه الصواريخ التي تحمل قنابل نووية على العواصم الأوروبية مثل برلين وباريس وروما ولندن.

ثالثاً : العودة لاتفاقية ” السماوات المفتوحة ” وهي اتفاقية هدفها الحد من التسلح، وتعزيز التفاهم المتبادل والثقة عن طريق منح جميع الأطراف دورًا مباشرًا في جمع المعلومات عن القوات العسكرية والأنشطة التي تهمها، كما تسمح هذه الاتفاقية بتسيير رحلات جوية غير مسلحة فوق الأراضي الروسية والأمريكية و30 دولة أخرى، وكل ذلك يهدف إلى  تعزيز الشفافية العسكرية، وعدم قيام طرف بحرب ضد الآخر بشكل مفاجئ، ونجحت هذه الاتفاقية منذ دخولها حيز التنفيذ عام 2002م،  في عدم الوقوع في ” الحسابات الخاطئة ” نتيجة التقديرات أو المعلومات غير الدقيقة، وانسحبت منها الولايات المتحدة في مايو الماضي، وسوف تنسحب منها روسيا بشكل نهائي في ديسمبر القادم، وتشكل الفترة من الآن وحتى ديسمبر فرصة كبيرة للعودة لهذه الاتفاقية التي سيكون العودة إليها بمثابة تخفيف حقيقي للتوتر وبدء مرحلة جديدة بين واشنطن وموسكو.

رابعاً : العودة للعمل باتفاقية ” الأرض المفتوحة ” بعد أن وقع رئيس الوزراء الروسي، ميخائيل ميشوستين، على أمر بإنهاء عمل اتفاق “الأرض المفتوحة” بين روسيا والولايات المتحدة، وهي الاتفاقية الخاصة بالرحلات البعيدة للسفراء و الدبلوماسيين في أراضي الدولة الأخرى، وإنهاء العمل بمذكرة التفاهم بين حكومتي روسيا والولايات المتحدة بشأن الأرض المفتوحة، الموقعة في واشنطن بتاريخ 17 يونيو 1992م، والعودة لهذه الاتفاقية ليست مستحيلة في ظل عودة السفيرين إلى مقر عملهما في واشنطن وموسكو، ويمكن أن يتحقق ذلك إذا قررت الولايات المتحدة إعادة فتح المقار الدبلوماسية المغلقة لروسيا خارج العاصمة واشنطن، والتوقف عن سياسة طرد الدبلوماسيين التي ينفذها حلفاء واشنطن الأوربيون ضد موسكو.

خامساً: آلية العمل المشترك حول أوكرانيا، وهي مقترح سابق لم يتم التوافق عليه في عهد الرئيسين أوباما وترامب، ويقوم على أن روسيا والولايات المتحدة يمكنهما تشكيل ” آلية أمريكية روسية ” للنقاش حول أوكرانيا، وجرى مناقشة هذه الآلية بالفعل في جنيف، ورغم تأكيد الطرفين أن هذه الآلية لن تكون بديلة لآلية النورماندي التي تضم أوكرانيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، إلا أن الكثيرين بما فيهم الأوكرانيين على ثقة بأن مثل هذه الآلية المباشرة بين واشنطن وموسكو يمكن أن تساهم في إيجاد حلول مقبولة من جانب روسيا وأوكرانيا تكون نتيجتها تبريد الصراع في شرق أوروبا وليس تطبيع العلاقات الأوكرانية الروسية التي أصابها ” عقدة ” شبة جزيرة القرم، ورغم إعلان الكرملين بعد القمة أن الالتزام الوحيد للرئيس بوتن في جنيف كان بتنفيذ اتفاق ” مينسك ” إلا أن هناك معلومات تؤكد انفتاح روسيا على حل يمكن أن يؤدي لوقف الحرب بشكل نهائي شرق أوكرانيا يقوم على أن تمنح أوكرانيا منطقة دونباس التي يعيش فيها أكثر من 400 ألف روسي الحكم الذاتي مقابل بقاء الإقليم تحت السيادة الأوكرانية مع الاعتراف بأن الروس جزء من الشعوب الأصلية لأوكرانيا مقابل ذلك يتم سحب الإعلان عن جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك والتي تم الإعلان عنهما من جانب الانفصاليين في جنوب شرق أوكرانيا عام 2014 م.

سادساً : التراجع عن ضم أوكرانيا وجورجيا لحلف الناتو، وهي قضية ذات حساسية خاصة بالنسبة لروسيا لأن الرئيس بوتن قال إن ضم أوكرانيا سيكون خطراً  مباشراً على أمن المدن الروسية الرئيسية مثل موسكو وسان بطرسبرج، لأن من شأن نقل صواريخ الناتو إلى الأراضي الأوكرانية سيقلص زمن وصول صواريخ الناتو النووية لضرب  موسكو أو المدن الروسية في الجزء الأوروبي من روسيا إلى 7 أو 10 دقائق فقط، وهذا ما أعاد التذكير بأزمة الصواريخ الكوبية في “خليج الخنازير”  في أـكتوبر 1962 م، وسيشكل القرار النهائي بعدم ضم أوكرانيا وجورجيا لحلف الناتو حكمة لا تقل عن حكمة الرئيسين جون كيندي وخروشوف الذين منعا نشوب حرب بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي بعد 13 يومًا من اكتشاف الطائرات الأمريكية للصواريخ السوفيتية في كوبا، كما أن تراجع الناتو عن ضم أوكرانيا وجورجيا للحلف سيقلل من حدة ” حرب الحدائق الخلفية ” بين واشنطن وموسكو حيث تنشط موسكو في كوبا وفنزويلا والدول ذات الحكم الاشتراكي في أمريكا اللاتينية مقابل نشاط واشنطن وحلفائها الأطلنطيين قرب الحدود الروسية في شرق وجنوب أوروبا ومنطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز

سابعاً : الملفات الإقليمية، حيث كشفت قمة جنيف أن الرئيسين بوتن وبايدن منفتحان على حل العديد من القضايا الإقليمية وفي مقدمتها القضية السورية حيث شارك الممثل الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ، ألكسندر لافرنتييف في الوفد الروسي إلى قمة جنيف،  وتم طرح سلسلة من السيناريوهات التي تشكل أرضية جديدة للعمل معاً في الملف السوري منها زيادة التواصل بين القوات الروسية والأمريكية على الأرض السورية حتى لا تحدث أخطاء، كما تم كان هناك طرح أمريكي يقوم على إبداء روسيا المرونة في إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا والتي تدخل الآن عبر معبر واحد فقط حيث ترفض روسيا فتح مزيد من المعابر خوفاً من تدفق المقاتلين والسلاح لدعم المعارضة في حين ترى الولايات المتحدة ضرورة وصول المعونات الإنسانية إلى ملايين الأشخاص شمال غرب سوريا في إدلب وريف حلب الشمالي، بالإضافة إلى شمال شرق سوريا ومناطق شرق الفرات والتي يتواجد بقربها القوات الأمريكية، ويمكن أن تقود قمة جنيف إلى موقف روسي جديد عندما ينعقد مجلس الأمن لتجديد ” آلية التفويض ” بتسليم المساعدات عبر الحدود لمدة 12 شهرًا إضافية في يوليو 2021م، وهي الآلية التي يتمكن من خلالها ثلاثة ملايين شخص من الحصول على الغذاء والدواء واللقاحات

كما عبرت واشنطن وموسكو عن هدف مشترك يتعلق بدعم المسار السياسي في ليبيا، وضرورة خروج كل المرتزقة من هناك ، ويمكن للتوافق الروسي الأمريكي أن يشكل قوة وزخم كبير للجهود الحالية لضمان إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ليبيا في ديسمبر القادم ، لكن أكثر الملفات التي تنظر تعاون روسيا والولايات المتحدة هو الملف الأفغاني ، وكان هناك مساحة من التوافق خلال قمة جنيف، وهذه المساحة يمكن البناء عليها لضمان الاستقرار في أفغانستان في ظل القرار الأمريكي بخروج كل قواته وقوات الناتو والمتعاقدين قبل 11 سبتمبر القادم، واتفاق بوتن وبايدن في قمة جنيف  على أن عودة الجماعات الإرهابية إلى أفغانستان ليست في صالح الأمن القومي للبلدين يشكل ” منصة ” قوية للتعاون في الملف الأفغاني حيث ترى روسيا في إنعاش الجماعات الإرهابية في أفغانستان خطرًا كبيرًا سيمتد من آسيا الوسطى وجنوب القوقاز إلى جمهوريات شمال القوقاز الروسية في الشيشان وبشكيريا وأنجوشيا، كما أن عودة الجماعات الإرهابية إلى أفغانستان ستكون عنوانًا عريضًا لفشل 20 عاماً من الوجود الأمريكي في أفغانستان

ثامناً : وقف الهجمات السبرانية، فالقمة كشفت أن كلاً من الولايات المتحدة وروسيا ودول كثيرة تتعرض لهجمات سبرانية،  وأن الولايات المتحدة تتعرض لهجمات من داخل الأراضي الأمريكية نفسها التي وصفها الرئيس بوتن بأنها أكبر مصدر للهجمات السبرانية في العالم، أن روسيا ليست من بين الدول العشر الأولى التي تخرج منها هجمات سبرانية في العالم، لكن ما يمكن البناء عليه عقب قمة جنيف هو استعداد الرئيس بوتن لتسليم ” القراصنة السبرانيين” الذين يعملون من الأراضي الروسية، وهذا تطور كبير في العلاقات بين البلدين بعد أن عانت كثير من الشركات والمؤسسات الأمريكية من هجمات سبرانية أدت في بعض الأحيان لوقف تدفق الوقود في كل ولايات الساحل الشرقي الأمريكي، كما أن تبادل تسليم القراصنة السبرانيين بين واشنطن وموسكو من شانه أن يعطي رسالة قوية لمن يقفون وراء الهجمات السبرانية في العالم، وما يؤكد إمكانية العمل الروسي الأمريكي المشترك في هذا الملف هو تقديم الولايات المتحدة 17 مجالاً وقطاعًا حيويًا للجانب الروسي أعتبر الرئيس بايدن بأن الهجوم عليها سيدفع الولايات المتحدة للرد القاسي

تاسعاً: لأول مرة يبدي الجانبان الروسي والأمريكي الاستعداد لتبادل السجناء في البلدين، وهذه القضية تمثل أولوية كبيرة للرئيس بايدن ، لأن استرجاع السجناء الأمريكيين من السجون الروسية سيعطي انطباعًا بأن الرئيس بايدن قوي، واستطاع أن يحقق إنجازًا للمواطنين الأمريكيين ، ورغم ما يقال عنه أنه رئيس طاعن في السن إلا أنه استطاع أن يقلب المعادلة التاريخية التي تقول أن الولايات المتحدة دائمًا أقوى من روسيا  لكن ” سيد الكرملين”  أقوى دائما من “ساكن البيت الأبيض “

عاشراً: توافق الطرفان الأمريكي والروسي على قضايا المناخ والتعاون في مجال مكافحة جائحة كورونا يشكل محورًا هامًا لأمن ومستقبل العالم خاصة في ظل تراجع الاعتراض الغربي على اللقاحات الروسية التي أثبتت فاعليتها، وهو ما يمهد لاعتماد منظمة الصحة العالمية للقاح الروسي، الأمر الذي يعزز من الأمن والسلام الدولي

 

ملفات شائكة

رغم الزخم والقوة وتغير الانطباعات والصور النمطية عن كل طرف إلا أن هناك قضايا كشفت قمة جنيف أنه لا يمكن أن يكون فيها حلحلة قريبًا نظراً لطبيعة كل نظام من ناحية، والضغوط التي يتعرض لها في تلك القضايا من ناحية أخرى، ومن تلك الملفات ما يلي:

1-ملف حقوق الإنسان والمعارض الروسي ألكسي نافلني، حيث لا يمكن لروسيا أن تقدم على أي مرونة في هذا الملف بعد أن خرج أنصار نافلني في أكثر من 30 مدينة روسية، وهو ما يراه الرئيس بوتن تهديدًا مباشرًا لروسيا ولنظام حكمه، كما ترى روسيا هذا الأمر من منظور دعم الولايات المتحدة ” للثورات الملونة ” التي تستهدف روسيا على غرار الثورة في جورجيا عام 2003م، والثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2005م، على الجانب الأخر تمثل قضية نافلني وحقوق الإنسان في روسيا قضية جوهرية للرئيس بايدن أمام الجناح ” التقدمي ” في الحزب الديمقراطي ، وهو الجناح الأقوى في الحزب ، وأي تنازل في ملف حقوق الإنسان سيضعف بايدن أمام صقور هذا الجناح مثل بيرني ساندرز وإليزابيث وارن وغيرهم

2-يعد ملف بيلاروسيا ” خط أحمر ” بالنسبة للرئيس بوتن الذي يرى في روسيا البيضاء جزء طبيعي من الأمة الروسية، ولذلك لا يتوقع أن يكون هناك أي تعاون في ظل دعم الغرب والولايات المتحدة للمعارضين في بيلا روسيا، ومن الصعب في ذات الوقت توقع تراجع الولايات المتحدة وأوروبا في هذا الملف

 

الأناكوندا والصين

من يراجع البيانات الصادرة خلال رحلة الرئيس بايدن إلى أوروبا يرى أنها تستهدف الصين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فالولايات المتحدة وضعت خطة مع شركائها في مجموعة الدول الصناعية السبع لإفشال المشروع الصيني ” الحزام والطريق ” التي دشنها الرئيس شي جين بينج عام 2013م ، وذلك عندما وضعت قمة الدول السبع الصناعية  مشروعًا بديلاً بـ 40 تريليون دولار حتى عام 2035م، يتم من خلال تمويل البنية التحتية في الدول الفقيرة، كما نص بيان حلف الناتو بشكل واضح على خطر الصين على الحلف، بالإضافة إلى أن ” العقيدة العسكرية الجديدة ” للحلف التي يجرى إعدادها وتنتهي العام القادم تستهدف الصين بشكل مباشر ، ولكل ذلك جاء التقارب الأمريكي تجاه روسيا لتحقيق مجموعة من الأهداف وهي :

  • سحب روسيا بعيداً عن الصين، لأن بقاء روسيا والصين معاً معناه مواجهة الولايات المتحدة ما يمكن تسميته ” بالناتو الأوراسي ” الذي يضم ثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي الصين بـ13.4 تريليون دولار وفق أرقام ما قبل الجائحة، ومعها أكبر دولة نووية في العالم وهي روسيا التي لديها 6650 رأس نووي، وإبعاد روسيا عن الصين ليس صعباً من وجهة نظر الرئيس بايدن الذي قال بعد قمة جنيف إن خطر الصين على روسيا أكبر بكثير من خطر الصين على الولايات المتحدة لأن الصين على حدود روسيا، وهو ما يتفق مع بعض المخاوف الروسية التي تقول إن الصين تسيطر فعلياً على الجزء الشرقي من روسيا ” ثقافياً وتجارياً ”
  • يحاول الرئيس بايدن تجنب الخطأ الذي وقع فيه سلفه دونالد ترامب والتقدير الخاطئ من إدارته نفسها في شهر مارس الماضي عندما وضعت الصين وروسيا في خانة الأعداء والمنافسين الاستراتيجيين للولايات المتحدة على الساحة العالمية، فالاقتصاد الروسي ضعيف وفق بعض الأمريكيين، ولا يتجاوز نصف الناتج القومي لولاية نيويورك، ولهذا يجب الفصل بين بكين وموسكو.
  • تحييد روسيا سيساعد الولايات المتحدة على تطبيق نظرية ” الأناكوندا ” على الصين، والتي تقوم على خنق الصين من خلال عزلها عن أصدقائها، وفي نفس الوقت خلق المشاكل على حدودها وتجييش كل الموارد العسكرية والسياسية الأمريكية والغربية على حدود الصين، ولهذا هناك من يفكر في واشنطن بأن إبعاد الصين عن روسيا وإعادة العلاقة بينهما إلى ما كانت عليه عام 1969م، عندما اندلعت الحرب الحدودية سيكون تنفيذ على الأرض لنظرية الأناكوندا ، وحتى لو نجح الغرب نسبياً في تعطيل التجارة والتعاون بين موسكو وبيجين سيصب في صالح الولايات المتحدة في صراعها مع بيجين التي تحلم  للوصول بالتجارة البينية مع موسكو عام 2025م،  إلى 200 مليار دولار.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::5724::/cck::
::introtext::

تقمص الرئيس جو بايدن شخصية الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون عندما قام الأخير بزيارة بيكين  في فبراير عام 1972م، وكانت هذه الزيارة الخطوة الأهم  في احتواء الصين لعقود طويلة، وعندما قرر الرئيس جوزيف بايدن دعوة نظيره الروسي فلاديمير بوتن للقاء مباشر في أرض محايدة في أبريل الماضي كان يدرك أهمية ” تخفيف التوتر ” و” تبريد الصراعات ” مع أكبر دولة لديها قنابل نووية في العالم ، ووسط أجواء الاتهامات الأمريكية لموسكو بالمسؤولية عن التدخل في الانتخابات الأمريكية عامي 2016 و2020م، والقيام بهجمات سبرانية على المنشآت الحيوية الأمريكية، ناهيك عن وصف بايدن لبوتن ” بالقاتل ” والاقتراب من الدخول في حرب بسبب الصراع في دونباس جنوب شرق أوكرانيا، وسط هذه الأجواء المشحونة قرر الرئيس الأمريكي ومساعدوه سلك طريقًا موازيًا من أجل إنجاح القمة قبل أن تعقد عبر تخفيف حدة التصريحات والبيانات ضد روسيا، وتركيز الهجوم على الصين فقط، ومن يدقق في  كل البيانات التي صدرت قبل قمة جنيف سواء  في قمة الدول السبع الصناعية الكبرى أو القمة الأمريكية الأوروبية أو حتى قمة حلف الأطلسي التي لم تستمر إلا ساعتين فقط ولم يصدر منها أي جديد ضد روسيا سيتأكد لها أن الولايات المتحدة وحلفاءها قرروا تبني ما أطلقت عليه المستشارة أنجيلا ميركل ” بالنهج المزدوج ” للتعامل مع روسيا، وهو مد يد الحوار والتعاون بالتزامن وبنفس القوة مع الاستعداد للرد على أي سلوك عدواني روسي خاصة في شرق أوروبا.

::/introtext::
::fulltext::

تقمص الرئيس جو بايدن شخصية الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون عندما قام الأخير بزيارة بيكين  في فبراير عام 1972م، وكانت هذه الزيارة الخطوة الأهم  في احتواء الصين لعقود طويلة، وعندما قرر الرئيس جوزيف بايدن دعوة نظيره الروسي فلاديمير بوتن للقاء مباشر في أرض محايدة في أبريل الماضي كان يدرك أهمية ” تخفيف التوتر ” و” تبريد الصراعات ” مع أكبر دولة لديها قنابل نووية في العالم ، ووسط أجواء الاتهامات الأمريكية لموسكو بالمسؤولية عن التدخل في الانتخابات الأمريكية عامي 2016 و2020م، والقيام بهجمات سبرانية على المنشآت الحيوية الأمريكية، ناهيك عن وصف بايدن لبوتن ” بالقاتل ” والاقتراب من الدخول في حرب بسبب الصراع في دونباس جنوب شرق أوكرانيا، وسط هذه الأجواء المشحونة قرر الرئيس الأمريكي ومساعدوه سلك طريقًا موازيًا من أجل إنجاح القمة قبل أن تعقد عبر تخفيف حدة التصريحات والبيانات ضد روسيا، وتركيز الهجوم على الصين فقط، ومن يدقق في  كل البيانات التي صدرت قبل قمة جنيف سواء  في قمة الدول السبع الصناعية الكبرى أو القمة الأمريكية الأوروبية أو حتى قمة حلف الأطلسي التي لم تستمر إلا ساعتين فقط ولم يصدر منها أي جديد ضد روسيا سيتأكد لها أن الولايات المتحدة وحلفاءها قرروا تبني ما أطلقت عليه المستشارة أنجيلا ميركل ” بالنهج المزدوج ” للتعامل مع روسيا، وهو مد يد الحوار والتعاون بالتزامن وبنفس القوة مع الاستعداد للرد على أي سلوك عدواني روسي خاصة في شرق أوروبا.

ورغم عدم التفاؤل الذي ساد قبل القمة إلا أن الباحث بين السطور سوف يكتشف أن كلا من  واشنطن وموسكو  توفرت لهما الإرادة السياسية من أجل تحقيق نتيجة إيجابية في جنيف حيث أبدى الرئيس بوتن استعداده لتسليم الولايات المتحدة ” القراصنة السبرانيين ” المقيمين على الأراضي الروسية مقابل قيام الولايات المتحدة بالمثل، كما تحدثت روسيا عن إمكانية استبدال 17 أمريكي في السجون الروسية مقابل 100 روسي في السجون الأمريكية، وكانت الخطوة الأكبر هي سحب الإدارة الأمريكية اعتراضها على خط نقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، كما رفض الرئيس جو بايدن استقبال نظيرة الأوكراني في البيت الأبيض قبل القمة، بل وتسربت معلومات تقول أن واشنطن أوقفت بالفعل تسليم بعض المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، وكل هذا مهد ليكون هناك أجواء إيجابية في القمة التي خرج الرئيس بوتن بعدها ليدافع عن بايدن ويصفه بالمحترف وصاحب الخبرة الكبيرة، بل ويلوم الصحافة ووسائل الإعلام التي لا تنقل ولا تعرف حقيقة وشخصية الرئيس بايدن، وفي المقابل دافع البيت الأبيض ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان عن قمة جنيف التي وصفها بأنها حققت كثيرًا من الأهداف الأمريكية، فكيف يمكن البناء على تلك الأجواء الإيجابية ؟ وما هي الملفات التي يمكن العمل عليها في القريب العاجل؟ وإلى أي مدى ستكون القضايا الشائكة عقبة في طريق التطبيع الكامل للعلاقات الروسية الأمريكية؟ وأين الصين من كل ذلك؟

 مساحات مشتركة

تناولت القمة ثلاثة ملفات رئيسية هي الحوار الاستراتيجي وخفض الأسلحة في العالم، والقضايا الإقليمية، والملفات الثنائية، وهناك عدد كبير من القضايا يمكن العمل عليها في المستقبل القريب ومنها:

أولاً : خفض التوتر، فالنتيجة الواضحة للجميع بعد لقاء جنيف هي عدم رغبة  الزعيمين الروسي والأمريكي للدخول في ” حرب باردة “، وقالها بصراحة الرئيس بايدن عندما قال أن نظيرة الروسي لا يريد الدخول في   ” حرب باردة ” جديدة، وهي خلاصة يمكن البناء عليها كثيراً سواء في تخفيف الصراعات في أوكرانيا والبحر الأسود، أو فتح مجال للتعاون بين أوروبا وروسيا، وهي ذات النتيجة التي يتحدث عنها قادة أوروبيون مثل المستشارة أنجيلا ميركل والرئيس إيمانويل ماكرون الذين دعموا “بشكل كامل وغير مشروط ” أجندة الرئيس بايدن في قمة جنيف، وهو ما يعني وجود مسارات كثيرة للتعاون ليس بين الولايات المتحدة وروسيا بل بين الدول الأوروبية وروسيا.

ثانياً: العودة لاتفاقية منع نشر وإنتاج الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدي، والتي تحمل رؤوسًا نووية في أوروبا، وكانت روسيا والولايات المتحدة انسحبتا من الاتفاقية في أغسطس عام 2019م، بسبب ما قيل عن إنتاج روسيا لصاروخ قصير يتجاوز مدي 500 كيلو متر المتفق عليه في الاتفاقية التي وقعتها واشنطن وموسكو عام 1987م، وإدراكاً من الطرف الروسي أن الولايات المتحدة انسحبت من هذه الاتفاقية بسبب القدرات العسكرية الكبيرة للصين، وعدم دخول الصين كطرف في هذه الاتفاقية، وليس بسبب الصاروخ الروسي، لذلك بحث الوفدان الأمريكي والروسي على هامش القمة إمكانية ” العودة المشروطة”  لهذه المعاهدة ذات الأهمية الاستراتيجية، وذلك بعودة الجانبين الروسي والأمريكي للالتزام بها في أوروبا وبالقرب من الأراضي الروسية في مقابل عدم التزام واشنطن بذلك خارج أوروبا، بما يعني السماح لها بنشر تلك الصواريخ في شرق وجنوب شرق آسيا، وبذلك يتحقق الهدف الذي من أجله كانت تلك الاتفاقية بعدم توجيه الصواريخ التي تحمل قنابل نووية على العواصم الأوروبية مثل برلين وباريس وروما ولندن.

ثالثاً : العودة لاتفاقية ” السماوات المفتوحة ” وهي اتفاقية هدفها الحد من التسلح، وتعزيز التفاهم المتبادل والثقة عن طريق منح جميع الأطراف دورًا مباشرًا في جمع المعلومات عن القوات العسكرية والأنشطة التي تهمها، كما تسمح هذه الاتفاقية بتسيير رحلات جوية غير مسلحة فوق الأراضي الروسية والأمريكية و30 دولة أخرى، وكل ذلك يهدف إلى  تعزيز الشفافية العسكرية، وعدم قيام طرف بحرب ضد الآخر بشكل مفاجئ، ونجحت هذه الاتفاقية منذ دخولها حيز التنفيذ عام 2002م،  في عدم الوقوع في ” الحسابات الخاطئة ” نتيجة التقديرات أو المعلومات غير الدقيقة، وانسحبت منها الولايات المتحدة في مايو الماضي، وسوف تنسحب منها روسيا بشكل نهائي في ديسمبر القادم، وتشكل الفترة من الآن وحتى ديسمبر فرصة كبيرة للعودة لهذه الاتفاقية التي سيكون العودة إليها بمثابة تخفيف حقيقي للتوتر وبدء مرحلة جديدة بين واشنطن وموسكو.

رابعاً : العودة للعمل باتفاقية ” الأرض المفتوحة ” بعد أن وقع رئيس الوزراء الروسي، ميخائيل ميشوستين، على أمر بإنهاء عمل اتفاق “الأرض المفتوحة” بين روسيا والولايات المتحدة، وهي الاتفاقية الخاصة بالرحلات البعيدة للسفراء و الدبلوماسيين في أراضي الدولة الأخرى، وإنهاء العمل بمذكرة التفاهم بين حكومتي روسيا والولايات المتحدة بشأن الأرض المفتوحة، الموقعة في واشنطن بتاريخ 17 يونيو 1992م، والعودة لهذه الاتفاقية ليست مستحيلة في ظل عودة السفيرين إلى مقر عملهما في واشنطن وموسكو، ويمكن أن يتحقق ذلك إذا قررت الولايات المتحدة إعادة فتح المقار الدبلوماسية المغلقة لروسيا خارج العاصمة واشنطن، والتوقف عن سياسة طرد الدبلوماسيين التي ينفذها حلفاء واشنطن الأوربيون ضد موسكو.

خامساً: آلية العمل المشترك حول أوكرانيا، وهي مقترح سابق لم يتم التوافق عليه في عهد الرئيسين أوباما وترامب، ويقوم على أن روسيا والولايات المتحدة يمكنهما تشكيل ” آلية أمريكية روسية ” للنقاش حول أوكرانيا، وجرى مناقشة هذه الآلية بالفعل في جنيف، ورغم تأكيد الطرفين أن هذه الآلية لن تكون بديلة لآلية النورماندي التي تضم أوكرانيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، إلا أن الكثيرين بما فيهم الأوكرانيين على ثقة بأن مثل هذه الآلية المباشرة بين واشنطن وموسكو يمكن أن تساهم في إيجاد حلول مقبولة من جانب روسيا وأوكرانيا تكون نتيجتها تبريد الصراع في شرق أوروبا وليس تطبيع العلاقات الأوكرانية الروسية التي أصابها ” عقدة ” شبة جزيرة القرم، ورغم إعلان الكرملين بعد القمة أن الالتزام الوحيد للرئيس بوتن في جنيف كان بتنفيذ اتفاق ” مينسك ” إلا أن هناك معلومات تؤكد انفتاح روسيا على حل يمكن أن يؤدي لوقف الحرب بشكل نهائي شرق أوكرانيا يقوم على أن تمنح أوكرانيا منطقة دونباس التي يعيش فيها أكثر من 400 ألف روسي الحكم الذاتي مقابل بقاء الإقليم تحت السيادة الأوكرانية مع الاعتراف بأن الروس جزء من الشعوب الأصلية لأوكرانيا مقابل ذلك يتم سحب الإعلان عن جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك والتي تم الإعلان عنهما من جانب الانفصاليين في جنوب شرق أوكرانيا عام 2014 م.

سادساً : التراجع عن ضم أوكرانيا وجورجيا لحلف الناتو، وهي قضية ذات حساسية خاصة بالنسبة لروسيا لأن الرئيس بوتن قال إن ضم أوكرانيا سيكون خطراً  مباشراً على أمن المدن الروسية الرئيسية مثل موسكو وسان بطرسبرج، لأن من شأن نقل صواريخ الناتو إلى الأراضي الأوكرانية سيقلص زمن وصول صواريخ الناتو النووية لضرب  موسكو أو المدن الروسية في الجزء الأوروبي من روسيا إلى 7 أو 10 دقائق فقط، وهذا ما أعاد التذكير بأزمة الصواريخ الكوبية في “خليج الخنازير”  في أـكتوبر 1962 م، وسيشكل القرار النهائي بعدم ضم أوكرانيا وجورجيا لحلف الناتو حكمة لا تقل عن حكمة الرئيسين جون كيندي وخروشوف الذين منعا نشوب حرب بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي بعد 13 يومًا من اكتشاف الطائرات الأمريكية للصواريخ السوفيتية في كوبا، كما أن تراجع الناتو عن ضم أوكرانيا وجورجيا للحلف سيقلل من حدة ” حرب الحدائق الخلفية ” بين واشنطن وموسكو حيث تنشط موسكو في كوبا وفنزويلا والدول ذات الحكم الاشتراكي في أمريكا اللاتينية مقابل نشاط واشنطن وحلفائها الأطلنطيين قرب الحدود الروسية في شرق وجنوب أوروبا ومنطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز

سابعاً : الملفات الإقليمية، حيث كشفت قمة جنيف أن الرئيسين بوتن وبايدن منفتحان على حل العديد من القضايا الإقليمية وفي مقدمتها القضية السورية حيث شارك الممثل الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ، ألكسندر لافرنتييف في الوفد الروسي إلى قمة جنيف،  وتم طرح سلسلة من السيناريوهات التي تشكل أرضية جديدة للعمل معاً في الملف السوري منها زيادة التواصل بين القوات الروسية والأمريكية على الأرض السورية حتى لا تحدث أخطاء، كما تم كان هناك طرح أمريكي يقوم على إبداء روسيا المرونة في إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا والتي تدخل الآن عبر معبر واحد فقط حيث ترفض روسيا فتح مزيد من المعابر خوفاً من تدفق المقاتلين والسلاح لدعم المعارضة في حين ترى الولايات المتحدة ضرورة وصول المعونات الإنسانية إلى ملايين الأشخاص شمال غرب سوريا في إدلب وريف حلب الشمالي، بالإضافة إلى شمال شرق سوريا ومناطق شرق الفرات والتي يتواجد بقربها القوات الأمريكية، ويمكن أن تقود قمة جنيف إلى موقف روسي جديد عندما ينعقد مجلس الأمن لتجديد ” آلية التفويض ” بتسليم المساعدات عبر الحدود لمدة 12 شهرًا إضافية في يوليو 2021م، وهي الآلية التي يتمكن من خلالها ثلاثة ملايين شخص من الحصول على الغذاء والدواء واللقاحات

كما عبرت واشنطن وموسكو عن هدف مشترك يتعلق بدعم المسار السياسي في ليبيا، وضرورة خروج كل المرتزقة من هناك ، ويمكن للتوافق الروسي الأمريكي أن يشكل قوة وزخم كبير للجهود الحالية لضمان إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ليبيا في ديسمبر القادم ، لكن أكثر الملفات التي تنظر تعاون روسيا والولايات المتحدة هو الملف الأفغاني ، وكان هناك مساحة من التوافق خلال قمة جنيف، وهذه المساحة يمكن البناء عليها لضمان الاستقرار في أفغانستان في ظل القرار الأمريكي بخروج كل قواته وقوات الناتو والمتعاقدين قبل 11 سبتمبر القادم، واتفاق بوتن وبايدن في قمة جنيف  على أن عودة الجماعات الإرهابية إلى أفغانستان ليست في صالح الأمن القومي للبلدين يشكل ” منصة ” قوية للتعاون في الملف الأفغاني حيث ترى روسيا في إنعاش الجماعات الإرهابية في أفغانستان خطرًا كبيرًا سيمتد من آسيا الوسطى وجنوب القوقاز إلى جمهوريات شمال القوقاز الروسية في الشيشان وبشكيريا وأنجوشيا، كما أن عودة الجماعات الإرهابية إلى أفغانستان ستكون عنوانًا عريضًا لفشل 20 عاماً من الوجود الأمريكي في أفغانستان

ثامناً : وقف الهجمات السبرانية، فالقمة كشفت أن كلاً من الولايات المتحدة وروسيا ودول كثيرة تتعرض لهجمات سبرانية،  وأن الولايات المتحدة تتعرض لهجمات من داخل الأراضي الأمريكية نفسها التي وصفها الرئيس بوتن بأنها أكبر مصدر للهجمات السبرانية في العالم، أن روسيا ليست من بين الدول العشر الأولى التي تخرج منها هجمات سبرانية في العالم، لكن ما يمكن البناء عليه عقب قمة جنيف هو استعداد الرئيس بوتن لتسليم ” القراصنة السبرانيين” الذين يعملون من الأراضي الروسية، وهذا تطور كبير في العلاقات بين البلدين بعد أن عانت كثير من الشركات والمؤسسات الأمريكية من هجمات سبرانية أدت في بعض الأحيان لوقف تدفق الوقود في كل ولايات الساحل الشرقي الأمريكي، كما أن تبادل تسليم القراصنة السبرانيين بين واشنطن وموسكو من شانه أن يعطي رسالة قوية لمن يقفون وراء الهجمات السبرانية في العالم، وما يؤكد إمكانية العمل الروسي الأمريكي المشترك في هذا الملف هو تقديم الولايات المتحدة 17 مجالاً وقطاعًا حيويًا للجانب الروسي أعتبر الرئيس بايدن بأن الهجوم عليها سيدفع الولايات المتحدة للرد القاسي

تاسعاً: لأول مرة يبدي الجانبان الروسي والأمريكي الاستعداد لتبادل السجناء في البلدين، وهذه القضية تمثل أولوية كبيرة للرئيس بايدن ، لأن استرجاع السجناء الأمريكيين من السجون الروسية سيعطي انطباعًا بأن الرئيس بايدن قوي، واستطاع أن يحقق إنجازًا للمواطنين الأمريكيين ، ورغم ما يقال عنه أنه رئيس طاعن في السن إلا أنه استطاع أن يقلب المعادلة التاريخية التي تقول أن الولايات المتحدة دائمًا أقوى من روسيا  لكن ” سيد الكرملين”  أقوى دائما من “ساكن البيت الأبيض “

عاشراً: توافق الطرفان الأمريكي والروسي على قضايا المناخ والتعاون في مجال مكافحة جائحة كورونا يشكل محورًا هامًا لأمن ومستقبل العالم خاصة في ظل تراجع الاعتراض الغربي على اللقاحات الروسية التي أثبتت فاعليتها، وهو ما يمهد لاعتماد منظمة الصحة العالمية للقاح الروسي، الأمر الذي يعزز من الأمن والسلام الدولي

 

ملفات شائكة

رغم الزخم والقوة وتغير الانطباعات والصور النمطية عن كل طرف إلا أن هناك قضايا كشفت قمة جنيف أنه لا يمكن أن يكون فيها حلحلة قريبًا نظراً لطبيعة كل نظام من ناحية، والضغوط التي يتعرض لها في تلك القضايا من ناحية أخرى، ومن تلك الملفات ما يلي:

1-ملف حقوق الإنسان والمعارض الروسي ألكسي نافلني، حيث لا يمكن لروسيا أن تقدم على أي مرونة في هذا الملف بعد أن خرج أنصار نافلني في أكثر من 30 مدينة روسية، وهو ما يراه الرئيس بوتن تهديدًا مباشرًا لروسيا ولنظام حكمه، كما ترى روسيا هذا الأمر من منظور دعم الولايات المتحدة ” للثورات الملونة ” التي تستهدف روسيا على غرار الثورة في جورجيا عام 2003م، والثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2005م، على الجانب الأخر تمثل قضية نافلني وحقوق الإنسان في روسيا قضية جوهرية للرئيس بايدن أمام الجناح ” التقدمي ” في الحزب الديمقراطي ، وهو الجناح الأقوى في الحزب ، وأي تنازل في ملف حقوق الإنسان سيضعف بايدن أمام صقور هذا الجناح مثل بيرني ساندرز وإليزابيث وارن وغيرهم

2-يعد ملف بيلاروسيا ” خط أحمر ” بالنسبة للرئيس بوتن الذي يرى في روسيا البيضاء جزء طبيعي من الأمة الروسية، ولذلك لا يتوقع أن يكون هناك أي تعاون في ظل دعم الغرب والولايات المتحدة للمعارضين في بيلا روسيا، ومن الصعب في ذات الوقت توقع تراجع الولايات المتحدة وأوروبا في هذا الملف

 

الأناكوندا والصين

من يراجع البيانات الصادرة خلال رحلة الرئيس بايدن إلى أوروبا يرى أنها تستهدف الصين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فالولايات المتحدة وضعت خطة مع شركائها في مجموعة الدول الصناعية السبع لإفشال المشروع الصيني ” الحزام والطريق ” التي دشنها الرئيس شي جين بينج عام 2013م ، وذلك عندما وضعت قمة الدول السبع الصناعية  مشروعًا بديلاً بـ 40 تريليون دولار حتى عام 2035م، يتم من خلال تمويل البنية التحتية في الدول الفقيرة، كما نص بيان حلف الناتو بشكل واضح على خطر الصين على الحلف، بالإضافة إلى أن ” العقيدة العسكرية الجديدة ” للحلف التي يجرى إعدادها وتنتهي العام القادم تستهدف الصين بشكل مباشر ، ولكل ذلك جاء التقارب الأمريكي تجاه روسيا لتحقيق مجموعة من الأهداف وهي :

  • سحب روسيا بعيداً عن الصين، لأن بقاء روسيا والصين معاً معناه مواجهة الولايات المتحدة ما يمكن تسميته ” بالناتو الأوراسي ” الذي يضم ثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي الصين بـ13.4 تريليون دولار وفق أرقام ما قبل الجائحة، ومعها أكبر دولة نووية في العالم وهي روسيا التي لديها 6650 رأس نووي، وإبعاد روسيا عن الصين ليس صعباً من وجهة نظر الرئيس بايدن الذي قال بعد قمة جنيف إن خطر الصين على روسيا أكبر بكثير من خطر الصين على الولايات المتحدة لأن الصين على حدود روسيا، وهو ما يتفق مع بعض المخاوف الروسية التي تقول إن الصين تسيطر فعلياً على الجزء الشرقي من روسيا ” ثقافياً وتجارياً ”
  • يحاول الرئيس بايدن تجنب الخطأ الذي وقع فيه سلفه دونالد ترامب والتقدير الخاطئ من إدارته نفسها في شهر مارس الماضي عندما وضعت الصين وروسيا في خانة الأعداء والمنافسين الاستراتيجيين للولايات المتحدة على الساحة العالمية، فالاقتصاد الروسي ضعيف وفق بعض الأمريكيين، ولا يتجاوز نصف الناتج القومي لولاية نيويورك، ولهذا يجب الفصل بين بكين وموسكو.
  • تحييد روسيا سيساعد الولايات المتحدة على تطبيق نظرية ” الأناكوندا ” على الصين، والتي تقوم على خنق الصين من خلال عزلها عن أصدقائها، وفي نفس الوقت خلق المشاكل على حدودها وتجييش كل الموارد العسكرية والسياسية الأمريكية والغربية على حدود الصين، ولهذا هناك من يفكر في واشنطن بأن إبعاد الصين عن روسيا وإعادة العلاقة بينهما إلى ما كانت عليه عام 1969م، عندما اندلعت الحرب الحدودية سيكون تنفيذ على الأرض لنظرية الأناكوندا ، وحتى لو نجح الغرب نسبياً في تعطيل التجارة والتعاون بين موسكو وبيجين سيصب في صالح الولايات المتحدة في صراعها مع بيجين التي تحلم  للوصول بالتجارة البينية مع موسكو عام 2025م،  إلى 200 مليار دولار.

::/fulltext::
::cck::5724::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *