تحالف الأصدقاء مع دول الخليج أحد سياسات ضمان نجاح الاحتواء لثقل المنطقة العالمي
::cck::6119::/cck::
::introtext::
يعيش العالم الآن حالة من المواجهة الاقتصادية العلنية، وصراع المصالح الصريح، بين الشرق والغرب، بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والصين وروسيا من ناحية أخرى، وهو صراع تحسمه استراتيجيات المواجهة، والبحث عن أطر مؤسسية تنهي الصراع، وربما يكون الاحتواء السمة الغالبة لتلك الاستراتيجية، بعدما أصبح الانتصار ونفي الآخر مستبعدًا.
::/introtext::
::fulltext::
يعيش العالم الآن حالة من المواجهة الاقتصادية العلنية، وصراع المصالح الصريح، بين الشرق والغرب، بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والصين وروسيا من ناحية أخرى، وهو صراع تحسمه استراتيجيات المواجهة، والبحث عن أطر مؤسسية تنهي الصراع، وربما يكون الاحتواء السمة الغالبة لتلك الاستراتيجية، بعدما أصبح الانتصار ونفي الآخر مستبعدًا.
وعندما كان الخوف من المد الشيوعي سببًا في حرب باردة طويلة، تم تدعيمها بنظام اقتصادي عالمي من صنع الغرب، يكفل زعامة الولايات المتحدة وإحكام قبضتها على الاقتصاد العالمي، ووقف المد الشيوعي في أرجاء المعمورة، فهل يؤدي الخوف من المد الصيني حاليًا ومحاولة انتزاع الصدارة، من الولايات المتحدة، إلى خلق مواجهة وحرب اقتصادية أم تحالف واحتواء.
لقد أصبح صدام المصالح والزعامة، بين الولايات المتحدة- ووراءها الاتحاد الأوروبي، والصين وفي ظلها روسيا، وما سوف يستتبعه من استقطاب، أمرًا واقعًا، فما هو المسار الذي سيسفر عنه هذا الصراع، وما هى استراتيجية الخروج منه، وما تأثير ذلك على بقية دول العالم.
تطور العلاقات الاقتصادية العالمية
تشكل النظام الاقتصادي الحالي بقيادة مطلقة للولايات المتحدة والحلفاء، في رحاب مدينة بريتون وودز بولاية هامبشير في الشمال الشرقي للولايات المتحدة عام 1944م، حيث تم تدشين مرتكزات نظام اقتصادي عالمي، بمؤسساته الثلاث الرئيسة: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية الجات (1947م) ثم منظمة التجارة العالمية 1995م.
ورغم قوة الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت ومعه باقي أعضاء دول أوروبا الشرقية الذين انتهجوا الاشتراكية سبيلاً لنظمها الاقتصادية، فقد تشكل النظام الاقتصادي العالمي وفق المباديء الرأسمالية القائمة على الحرية الاقتصادية، وانقسم العالم إلى كتلتين شرقًا وغربًا، وظلت دول الشرق متوجسين خيفة من الانضمام لمؤسسات بريتون وودز الليبرالية، ومع توازن الرعب النووي، أخذ الصراع بين الكتلتين شكل حرب باردة، ترتكز على مباديء الأيدلوجية الاشتراكية شرقًا، والرأسمالية غربًا، مع محاولة كل طرف مد نفوذه إلى دول العالم الثالث، في آسيا وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه، وسقوط النظم الاقتصادية الاشتراكية 1991م، وظهور الليبرالية الجديدة بمعنى التحول من أقصى اليسار الاشتراكي إلى اليمين قليلاً من خلال الخصخصة وتطبيق قواعد الاقتصاد الحر، لم يعد البعد الأيديولوجي واردًا كأساس للصراع، لكن الصراع استمر بغية مد النفوذ السياسي، وتحقيق مصالح اقتصادية وتجارية بحتة.
وباكتمال مثلث نظام بريتون وودز بقيام منظمة التجارة العالمية 1995م، تم الترويج لفكرة العولمة واقتصاد عالمي موحد ومنفتح تسوده الحرية الاقتصادية وحرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال وبل وحرية انتقال قوة العمل، وتزعزعت قليلا فكرة التكتلات الإقليمية، والتعاون الاقتصادي الإقليمي بدءًا من مناطق التجارة الحرة ( النافتا في شمال أمريكا) والاتحاد الجمركي وانتهاءً بالاتحاد النقدي والمالي (الاتحاد الأوروبي)، ومع العولمة ظهرت سلاسل الإمدادات الدولية التي ربطت العالم من خلال تكامل العمليات الإنتاجية عبر دوله المختلفة.
وجاء القرن الحادي والعشرون ليضع نهاية التصورات بشأن قدرة مؤسسات بريتون وودز على التنبؤ بالصدمات وإدارتها، ويبدو أن النظام العالمي الذي نشأ عام 1944م– والمؤسسات الليبرالية التي تمثله – أصبح يواجه خطرًا أكبر من أي وقت مضى. ويأتي ذلك بالتزامن مع ما نواجهه من احتمالات بحدوث المزيد من التصادمات بين الولايات المتحدة والصين، ومؤخرًا بين الولايات المتحدة والغرب من ناحية وروسيا والصين من ناحية أخرى، تحت وطأة أزمات متلاحقة ومتداخلة، وما ترتب عليها من انقسامات، شكلت تهديدًا حادًا للاستقرار الاقتصادي.
لقد أدى تداخل الأزمات الاقتصادية الأخيرة إلى تصدعات في العلاقات الاقتصادية الدولية، وحركت العالم باتجاه مراجعة شاملة لأسس العلاقات الاقتصادية الدولية، ودفعت دول العالم إلى مواجهة اضطرارية، في ضوء الاعتماد المتبادل فيما بين مجتمعاتنا، مما يكسب أي صدمة من أي مكان في العالم قوة أكبر للتأثير على العلاقات الاقتصادية الدولية.
الصين مصدر قلق جديد للعلاقات الاقتصادية الدولية
ظل هاجس المد الشيوعي مقلقًا للغرب منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط خط برلين عام 1991م، وبدأت حقبة جديدة من العلاقات الاقتصادية الدولية قائمة على قطب واحد يقود اقتصاد العالم هو الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع الوقت بدأ الاقتصاد الصيني يشق الطريق باتجاه الصدارة متخطيًا كل الدول الغربية المتقدمة، من حيث الحجم، حتى صار قابعًا وحده خلف العملاق الأمريكي، ومن المتوقع أن يلحق به، ثم يسبقه مع انتصاف القرن الحالي، مما شكل تهديدًا للزعامة والمصالح الأمريكية، ومن ثم تهديدًا للنظام الاقتصادي الذي تشكل ليضمن للولايات المتحدة الكلمة العليا في العلاقات الاقتصادية الدولية حتى اليوم.
وقد بدأت انعكاسات هذه المزاحمة تشكل تهديدات جديدة للعلاقات الاقتصادية الدولية، تمثلت في نشوب حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين، عام 2018م، من جانب الولايات المتحدة أولا، وتبعتها الصين كرد فعل، وشكلت في مجملها تهديدًا لأسس النظام الاقتصادي العالمي، والخروج عن مبادئ بريتون وودز في حرية التجارة ووقف الحروب الحمائية.
ولم تكتف الصين بقبول الدخول في حرب تجارية مع الولايات المتحدة، بل أصبحت تنتهج مسارًا خطيرًا للمنافسة وتصدر المشهد، من خلال التوغل في مناطق شتى من دول العالم، دعمًا لنفوذها التجاري وتأمينًا لأسواق صادراتها، ومنح القروض الخارجية لدول العالم الثالث والاقتصادات الناشئة منه على وجه الخصوص.
إرهاصات التحول في العلاقات الاقتصادية الدولية
كعادة التحولات الكبرى في التاريخ الاقتصادي، يلوح في الأفق انتهاء عصر الوفاق بين الغرب والشرق، وبدايات الجدال حول إمكانية استمرار الحال على ما هو عليه، أم التحول إلى نظام آخر يأخذ التحولات الحادثة في العالم في الاعتبار. وفي إطار المواجهة الصريحة بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة، والشرق من خلال تحالف يترسخ يومًا بعد يوم من الصين وروسيا، يمكن رصد عدد من إرهاصات التحول في العلاقات الاقتصادية الدولية على النحو التالي:
- بذوغ فجر عملاق اقتصادي قادم هو الصين، يقبع من حيث الحجم خلف الاقتصاد الأمريكيى ويطارده، بل ومن المتوقع أن يعادله ويسبقه في منتصف القرن (2050م).
- أزمة ركود اقتصادي 2020- 2021م، تسببت فيها جائحة كوفيد – 19 ولم يتم التغلب عليها كلية بعد.
- وقبل أن يتغلب العالم على الكوفيد، داهمته اتجاهات تضخمية، ناشئة عن السياسات الاقتصادية التوسعية طوال سنتي الوباء.
- اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، وفرض الغرب عقوبات اقتصادية على روسيا، أسفرت عن تأجيج نيران التضخم العالمي، وتفجير أزمة غذاء عالمية جديدة، ومشاكل تواجه سلاسل الإمداد العالمية، ومع زيادة التكامل بين الأسواق، فُتح المجال لانتشار الصدمات الناجمة عن العقوبات عبر مختلف أجزاء الاقتصاد العالمي.
- النزعة الإقليمية، أحد التطورات الأساسية التي لحقت بالعلاقات الاقتصادية الدولية في منتصف القرن العشرين والتي أخذت شكل تكتلات وترتيبات اقتصادية بين مجموعة من الدول تجمعهم روابط ومصالح مشتركة فيما بينهم، اقترنت بالطابع ُالإقليمي، واعتبرت من مظاهر العولمة الاقتصادية.
- إنشاء تجمع البريكس، وهو ليس بين دول الجوار كما في حالة التكتلات الاقتصادية التي تتم تحت مظلة منظمة التجارة العالمية، ولكنه توجه يمثل تكتل اقتصادي في وجه الغرب ومحاولة لكسر احتكار مؤسسات بريتون وودز، ويجمع بين الصين وروسيا والهند والبرازيل، ثم توسع ليضم جنوب إفريقيا، وهناك محاولات لضم دول أخرى من الاقتصادات الناشئة.
محددات الصراع بين الشرق والغرب
كشفت التطورات المتلاحقة السابقة عن تصدعات في العلاقات الاقتصادية الدولية، وأدت العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، إلى انعكاسات خطيرة على الغرب نفسه، وعلى دول العالم الثالث، وهددت بتجزؤ العالم إلى تكتلات اقتصادية متباينة، وأدت إلى تصدعات في تحالفات تاريخية، تحت وطأة المصالح الداخلية، وخلقت صراعًا معلنًا بين الصين وروسيا في جانب والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في جانب آخر، وهو صراع من المبكر الحكم على نهاياته أو تباعاته،و إن كان من الممكن حصر أهم محدداته مستقبلاً في العناصر التالية:
- قوة مزاحمة الاقتصاد الصيني للولايات المتحدة
يمثل العملاق الإقتصادي الصيني تهديدًا للنظام الاقتصادي القائم بلا شك، خاصة ما يتعلق بزعامة العالم إقتصاديا، وإمكانية تفوق حجم الاقتصاد الصيني على الاقتصاد الأمريكي بحكم معدلات النمو الاقتصادي التي يحرزها الاقتصد الصيني، ودخول اليوان منافسًا للدولار الأمريكي في منظومة التسويات المالية العالمية، والسعي لخلق مؤسسات متعددة الأطراف منافسة لمؤسسات بريتون وودز، إضافة إلى الاستحواذ على حلفاء تقليديين للغرب.
هناك مزاحمة قائمة بكل تأكيد من الصين للولايات المتحدة من حيث القوة الاقتصادية، لكنها لن تُحسم في الأجل القصير ولا المتوسط، فسيظل الاقتصاد الأمريكي في الصدارة لأكثر من ربع قرن قادم، وفق السيناريو الأكثر احتمالا، وحتى مع مزاحمة الصين لتلك الصدارة وانتزاعها، في منتصف القرن الحالي سيظل متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة يتفوق كثيرًا على نظيره في الصين، كما سيبقى للدولار وضعه الخاص في نظم الصرف العالمية، حتى لو زاحمه اليوان الذي أمامه الكثير حتى يصبح عملة رئيسية في نظم الصرف العالمية.
الوزن الاقتصادي النسبي للغرب في مواجهة الصين وروسيا عام 2021
|
|
الناتج المحلي الإجمالي |
دخل الفرد بالدولار |
عدد السكان |
|||
|
|
مليار دولار |
% العالم |
بالدولار |
|
مليون نسمة |
% العالم |
|
الولايات المتحدة |
22.996 |
23.92 |
69.287 |
|
331.893 |
4.23 |
|
الاتحاد الأوروبي |
17.088 |
17.78 |
38.234 |
|
446.947 |
5.7 |
|
الصين |
17.734 |
18.45 |
12.556 |
|
1412.360 |
18.02 |
|
روسيا الاتحادبة |
1.775 |
1.8 |
12.173 |
|
134.440 |
1.72 |
|
دول العالم
|
96.100 |
100 |
12.262 |
|
7836.630 |
100 |
البنك الدولي: مؤشرات التنمية في العالم
وقد يكون الاقتصاد الصيني قويًا من حيث معدلات النمو التي تتفوق على الولايات المتحدة، ومن حيث حجم الصادرات والواردات على مستوى العالم، وبافتراض استمرار تفوق معدلات النمو الاقتصادي الصيني عن نظيرتها في الولايات المتحدة، فسيظل التفوق الأمريكي متمثلاً في مصادر النمو، وهي التقدم التقني وارتفاع إنتاجية قوة العمل، وهي محددات تضمن مركزًا قويًا للاقتصاد الأمريكي، حتى بعد تفوق الاقتصاد الصيني عليه من حيث الحجم.
كما سيظل لتفوق نوعية الصادرات الأمريكية، على صادرات الصين عنصر تميز للعملاق الأمريكي، أضف إلى ذلك ما يتمتع به الدولار كعملة مركزية، يصعب على اليوان الصيني إزاحته عن مركزه باعتباره العملة الدولية المهيمنة طوال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وسيكون لصمود الدولار أثر موات على تطور النظام العالمي نظرًا لأن القوة المالية من أهم جوانب القوة الناعمة.
ويهيمن الدولار حاليًا على جميع جوانب النظام المالي العالمي. ويشكل الدولار حوالي 60% من عملات الدفع العالمية، وأكثر من 40% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية تتمثل في أصول مقومة بالدولار. كذلك يُستخدم الدولار في تقويم غالبية المعاملات المالية الدولية وتسويتها، ويستحوذ على نحو 63% من الديون العالمية، وأكثر من 50 %من القروض الدولية، وذلك عام 2021م، (صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي)
وفي ظل الاحتمالات بإصدار يوان رقمي في جميع أنحاء العالم، هناك توقعات بمنافسته للدولار،غير أن اليوان الرقمي لن يستطيع وحده تحويل ميزان القوى بين العملات الرئيسية، فمعظم المدفوعات الدولية تتم من خلال وسائل رقمية بالفعل. ولكن نظام المعاملات بين البنوك عبر الحدود الذي وضعته الصين للتواصل مباشرة مع نظم المدفوعات في البلدان الأخرى هو الذي سيكون بمقدوره تعزيز وضع اليوان كإحدى عملات المدفوعات الدولية.
وقد أحرز اليوان قدرًا من التقدم باعتباره أحد العملات الدولية، حيث يُستخدم في تنفيذ 3% تقريبًا من معاملات الدفع الدولية، كما يمثل حوالي 3% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، ورغم ما قد يحدث من تطور في هذه النسب، فمن غير المحتمل أن يهدد اليوان مركز الدولار باعتباره العملة المهيمنة حتى الأن.
كذلك لا يزال اليوان يفتقر إلى بعض السمات الأساسية التي يتعين أن تتوافر عادة في عملات الاحتياطي الدولية واعتبارها مخزنًا موثوقًا للقيمة، وهو ما قامت به السلطات مؤخرًا، وهي إزالة القيود المفروضة على التدفقات الرأسمالية عبر الحدود، والسماح بتحديد قيمته حسب قوى السوق، ومنح المستثمرين الأجانب فرصة أكبر للمشاركة في أسواق السندات المحلية، غير أنها رفضت عددًا من التغييرات المؤسسية اللازمة لكسب ثقة المستثمرين الأجانب.
- التحالف الاقتصادي الصيني / الإفريقي
شهدت العلاقات الصينية- الإفريقية في العقد الأخير من القرن العشرين قفزة کبيرة ، يغذيها دعم تنموي واجتماعي للقارة السمراء، وتطلع الجانب الإفريقي للبحث عن شراکة مربحة بعيدًا عن الدول الأوروبية، ويتضح ذلك من أوجه التعاون المختلفة بين الصين والقارة الإفريقية وهو ما کان أساس نمو فکرة تأسيس المنتدى الصيني الإفريقي للتعاون عام 2000م.
وتنظر الصين إلى إفريقيا على أنها عنصر مرکزي في مشروع استدامة نمو اقتصادها وتطويره على المدى البعيد، وقد تمسکت الدول الإفريقية بعلاقاتها بالصين، وسرعت من عجلة تلك العلاقات کما حاولت توطيدها، ويعود نجاحها في ذلك إلى منهج الصين القائم على عدم إملاء الشروط السياسية، ووعد الصين بشراكة تحقق المكسب للجميع، و اعتماد الصين لمنهج فريد في تقديم المعونات التنموية والتمويل، حيث تمزج بين المنح الخاصة، والقروض الخالية من الفوائد ( القروض التفضيلية ).
- العقوبات المفروضة على روسيا
لم يخضع اقتصاد في حجم روسيا منذ الثلاثينات لطائفة واسعة من القيود التجارية كتلك التي تم فرضها بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن روسيا تعد في الوقت الحالي من كبار مصدري النفط والحبوب وغيرهما من السلع الأولية، كما أصبح الاقتصاد العالمي أكثر تكاملاً إلى حد كبير، ونتيجة لذلك، أصبح للعقوبات حاليًا تداعيات اقتصادية عالمية أكبر كثيرًا مما عهدناه من قبل، وينبغي أن يكون حجم هذه العقوبات دافعًا لإعادة النظر في مفهوم العقوبات كأداة قوية من أدوات السياسات لما ينشأ عنها من تداعيات اقتصادية عالمية ملموسة.
وقد ترتب على هذه العقوبات أن سجلت أسعار الطاقة ارتفاعًا مستمرًا منذ العام الماضي بسبب فرط الأعباء المفروضة على سلاسل الإمداد الذي أدى بدوره إلى إعاقة مسار التعافي من الجائحة، كذلك ارتفعت الأسعار العالمية للغذاء بنسبة 28% عام 2020 و23% عام 2021م، كما سجلت زيادة حادة قدرها 17% هذا العام خلال الفترة ما بين فبراير ومارس فقط. (مجلة التمويل والتنمية ، يونية 2022 صندوق النقد الدولي)
وأدت هذه العقوبات إلى تفاقم الآثار الناجمة عن انقطاع الإمدادات من أوكرانيا، حيث شارك في العقوبات 38 حكومة في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، واستجابت الشركات والبنوك العالمية لتلك التدابير. وساهم هذا الكم الهائل من القيود القانونية والتجارية والمالية والتكنولوجية في فرض معوقات حادة أمام نفاذ روسيا إلى الاقتصاد العالمي، وأثرت سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية.
كما يمكن أن تتسبب العقوبات حاليًا في خسائر تجارية أكبر من أي وقت مضى، نظرًا لأن نسبة التجارة العالمية إلى إجمالي الناتج العالمي أضحت عالية، حيث بلغت 28% عام 2019م، قبل أزمة كوفيد- 19 ثم تراجعت إلى 25% عام 2020م، وتبلغ 30 % عام 2021م، ومن هنا تأتي خطورة العقوبات على اضطراب العلاقات الاقتصادية العالمبة. (World Trade Statistical Review 2021.WTO)
- توسع مجموعة البريكس
مر عقدين منذ أن تم تدشين مجموعة بريكس BRICs من البرازيل ، وروسيا، والهند، والصين عندما اجتمع زعماء الدول الأربع لأول مرة في عام 2006 ، ثم أخذت بعد ذلك شكل مؤسسي عام 2009م، حيث شكلت كتلة طموحة لها دينامياتها الداخلية الخاصة: فقد عقدت مؤتمرات قمة سنوية، والتزمت بمشاريع بنية تحتية واسعة النطاق داخل حدودها الوطنية وكذلك مشاريع عبر وطنية في مناطقها، وقاموا باستعراض قوتهم الاقتصادية من خلال إنشاء مؤسسة إقراض جديدة – بنك التنمية الجديد – وتحدي هيمنة دول أوروبا وأمريكا الشمالية في التمويل الدولي.
ومؤخرًا اقترحت الصين بدء عملية توسيع المجموعة حيث انضم إلى مشاورات “بريكس بلس” ممثلون عن الأرجنتين ومصر وإندونيسيا وكازاخستان ونيجيريا والإمارات، وتحاول بكين توسيع قاعدة هذا التكتل الاقتصادي، عبر دعوة عدة دول من بينها السعودية ومصر والإمارات للانضمام إلى مجموعة البريكس.
- إنهاء حالة المركزية في النظام الاقتصادي الدولي
ارتبط ظهور البريكس بالسعي إلى إنهاء حالة المركزية الاقتصادية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي الحالي، والتي تكرست مع تأسيس مجموعة السبع الصناعية، التي عبرت عن مركزية إدارة النظام الاقتصادي العالمي، وتوسع دور وأجندة عمل المجموعة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
لذا تعد مجموعة البريكس محاولة جادة لكسر احتكار القوى الغربية لإدارة الاقتصاد العالمي من خلال مجموعة السبع الصناعية ومؤسسات بريتون وودز، ومحاولة إضفاء نوع من اللامركزية على عملية صنع القرار داخل النظام الاقتصادي العالمي.
الوزن النسبي لدول البريكس في الناتج العالمي والسكان عام 2021
|
|
الناتج المحلي الإجمالي |
متوسط دخل الفرد |
عدد السكان |
|||
|
|
مليار دولار |
% العالم |
بالدولار |
|
مليون نسمة |
% العالم |
|
البرازيل |
1.609 |
1.67 |
7,519 |
|
213.993 |
2.7 |
|
روسيا |
1.775 |
1.8 |
12,173 |
|
134.440 |
1.7 |
|
الهند |
3.173 |
4.59 |
2,277 |
|
1393.409 |
17.78 |
|
الصين |
17.734 |
18.45 |
12,556 |
|
1412.360 |
18.02 |
|
جنوب إفريقيا |
0.420 |
0.437 |
6,494 |
|
60.042 |
0.766 |
|
المجموع |
24.711 |
25.71 |
|
|
1,820.835 |
23.23 |
|
العالم |
96.100 |
100 |
12.262 |
|
7836.630 |
100 |
البنك الدولي: مؤشرات التنمية في العالم
وقد تكرس هذا التحول على خلفية ثلاثة عوامل أولها، ارتباط البريكس بالاقتصادات الصاعدة والناشئة، وثانيها، تنامي الثقل الاقتصادي للمجموعة، والذي أسهم بدوره في تحسن ترتيبها داخل الاقتصادات العشرين الأكبر عالميًا خلال العقود الثلاث الأخيرة، وثالثها، سعي هذه المجموعات إلى إنشاء مؤسسات التمويل الخاصة بها مثل : بنك التنمية الجديد والذي دخل حيز التنفيذ يوليو 2015م، وأنشأت الصين البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية ، كبنك دولي متعدد الأطراف والذي دخل حيز التنفيذ ديسمبر 2015م، وصندوق طريق الحرير، الذي أسسته الحكومة الصينية في ديسمبر ٢٠١٤م، وتأتي أهمية هذه المؤسسات المالية أنها تعمل وفقًا لشروط أفضل بكثير بالنسبة للدول النامية والصاعدة، بالمقارنة بمؤسسات بريتون وودز.
انعكاسات المواجهة على دول مجلس التعاون
ستخلق الظروف الحالية أطرًا جديدة لتعامل القوى الكبرى مع دول مجلس التعاون، وهي تسعى للوصول إلى حل يجنبها أخطار حرب باردة كانت أو اقتصادية، حيث من المتوقع أن تسعى القوى العظمى لبناء تحالفات ومجالات نفوذ مستقرة في هذه المنطقة، وبالتالي فإن تعامل تلك القوى معها، سيفرض نوعًا من التعاون ومراعاة المصالح المشتركة، خاصة في غياب التهديدات العسكرية أو الأيديولوجية تضر بمصالح دول المنطقة، وتستطيع في ظلها دول الصراع فرض شروط من جانب واحد.
كما ستفرض الأزمة مراعاة أكثر لمصالح الحلفاء في مجلس التعاون، لضمان المساندة، فإذا تم اختيار الاحتواء استراتيجية من قبل الغرب، للخروج من خطر الصراع مع الصين وروسيا، فإن التحالف مع الأصدقاء في الخليج، من أجل المصالح المشتركة، سيمثل أحد سياسات ضمان نجاح الاحتواء، لما تمثله المنطقة من ثقل في استقرار الاقتصاد العالمي.
وستظل منطقة الخليج، من النقاط التي سيجري حولها محاولات للاستقطاب، بغرض فرض نوع من التحالف وتقوية النفوذ، الأمر الذي يمنح دول المنطقة فرصة وضع الشروط لضمان تحقيق المصالح، ورفض إملاء شروط التعاون.
وربما تقود دول الخليج المنطقة العربية إلى نوع ثالث من التكتل، يمكن أن يتسم بسمات الحياد الإيجابي، تجمعهم المصالح المشتركة لأخد موقف الحياد وضمان مسافات متساوية بين القطبين الرئيسيين، وقد يضطر القطبان التسليم بذلك، حيث لم تعد أوراق الضغط بيدهم قوية، وإن بقيت المصالح أداة الجذب الرئيسة.
جملة القول:
تقتضي مواجهة تحديات هذه الحقبة زيادة فعالية الجهود متعددة الأطراف، إذا ما أراد الغرب إحتواء الصراع وضم الصين وروسيا إلى نظام اقتصادي مستقر، فقد يتطلب الأمر ابتكار آليات جديدة للتعاون المتبادل بين المؤسسات متعددة الأطراف ومختلف دول العالم لتحقيق المصالح الجماعية والمصالح الذاتية للبلدان ، ويمكن أن يتم ذلك من خلال العناصر التالية:
- السعي لإعادة تحديد الغرض من مؤسستي بريتون وودز، فقد تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ ما يقرب من 80 عاما للمساعدة في حل المشكلات التي تواجهها البلدان كل على حدة، في وقت كانت فيه معظم الأسواق المالية صغيرة وغير مترابطة، ويجب تحديث مهام تلك المؤسسات لمواكبة عصر أصبحت فيه الأزمات المالية ذات طبيعة عالمية، من خلال زيادة موارد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وزيادة الصلاحيات الممنوحة لهما من المساهمين للقيام بتدخلات أكبر وأسرع في هذا العصر العالمي الجديد.
- وضع نظام متعدد الأطراف أكثر فعالية، ووجود تفاهم استراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، لوقف ما يشهده العالم من تحولات نحو تعدد الأقطاب، ويجب صياغة هذا التفاهم الجديد من خلال المصالح المشتركة الشاملة، والاعتماد الاقتصادي المتبادل بين القوى الكبرى، مما يجعل احتمالات الصراع أقل مما هي عليه.
- ولتحقيق الاحتواء يجب أن تتمثل أهم أولوياتنا في استيعاب عالم متعدد الأقطاب دون أن يصبح أكثر استقطابا، فمن شأن وجود عالم أكثر استقطابا وتشتتا أن يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف جميع البلدان، بما في ذلك البلدان الكبرى، ويجعل من الصعب تحقيق المصالح التي تشترك فيها البشرية في عالم مزدهر، يشمل الجميع ويحقق لهم الإنصاف ( مجلة التمويل والتنمية ، يونيو 2022م، صندوق النقد الدولي)
- التحـرك بصـورة عاجلـة مـن أجـل التعامـل مـع الشـعور العميـق والمتزايـد بانعـدام الثقـة في النظـام العالمـي مـن جانـب البدان الناميـة التـي يتم التعامل معها بمنطق اربعينات القرن الماضي، دون مراعاة لمصالحها من ناحية، ولتزايد قوتها الاقتصادية من ناحية أخرى.
- لم تعد دول مجلس التعاون متلقية للتوجهات من الخارج، كما كان الحال إبان تشكيل أسس العلاقات الاقتصادية الدولية المعاصرة في أربعينات القرن العشرين، فقد أصبحت أصحاب مصالح وتأثير على الاقتصاد العالمي، وصار بعضها رقمًا فاعلاً (حيث أصبحت السعودية على سبيل المثال تحتل مركزًا متقدمًا في اقتصادات مجموعة العشرين مؤخرًا) وذات ثقل عند رسم استراتيجية الخروج من المواجهة، وذات صوت مسموع في أي مخرج يسفر عنه تجنب الصدام.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::6119::/cck::
::introtext::
يعيش العالم الآن حالة من المواجهة الاقتصادية العلنية، وصراع المصالح الصريح، بين الشرق والغرب، بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والصين وروسيا من ناحية أخرى، وهو صراع تحسمه استراتيجيات المواجهة، والبحث عن أطر مؤسسية تنهي الصراع، وربما يكون الاحتواء السمة الغالبة لتلك الاستراتيجية، بعدما أصبح الانتصار ونفي الآخر مستبعدًا.
::/introtext::
::fulltext::
يعيش العالم الآن حالة من المواجهة الاقتصادية العلنية، وصراع المصالح الصريح، بين الشرق والغرب، بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والصين وروسيا من ناحية أخرى، وهو صراع تحسمه استراتيجيات المواجهة، والبحث عن أطر مؤسسية تنهي الصراع، وربما يكون الاحتواء السمة الغالبة لتلك الاستراتيجية، بعدما أصبح الانتصار ونفي الآخر مستبعدًا.
وعندما كان الخوف من المد الشيوعي سببًا في حرب باردة طويلة، تم تدعيمها بنظام اقتصادي عالمي من صنع الغرب، يكفل زعامة الولايات المتحدة وإحكام قبضتها على الاقتصاد العالمي، ووقف المد الشيوعي في أرجاء المعمورة، فهل يؤدي الخوف من المد الصيني حاليًا ومحاولة انتزاع الصدارة، من الولايات المتحدة، إلى خلق مواجهة وحرب اقتصادية أم تحالف واحتواء.
لقد أصبح صدام المصالح والزعامة، بين الولايات المتحدة- ووراءها الاتحاد الأوروبي، والصين وفي ظلها روسيا، وما سوف يستتبعه من استقطاب، أمرًا واقعًا، فما هو المسار الذي سيسفر عنه هذا الصراع، وما هى استراتيجية الخروج منه، وما تأثير ذلك على بقية دول العالم.
تطور العلاقات الاقتصادية العالمية
تشكل النظام الاقتصادي الحالي بقيادة مطلقة للولايات المتحدة والحلفاء، في رحاب مدينة بريتون وودز بولاية هامبشير في الشمال الشرقي للولايات المتحدة عام 1944م، حيث تم تدشين مرتكزات نظام اقتصادي عالمي، بمؤسساته الثلاث الرئيسة: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية الجات (1947م) ثم منظمة التجارة العالمية 1995م.
ورغم قوة الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت ومعه باقي أعضاء دول أوروبا الشرقية الذين انتهجوا الاشتراكية سبيلاً لنظمها الاقتصادية، فقد تشكل النظام الاقتصادي العالمي وفق المباديء الرأسمالية القائمة على الحرية الاقتصادية، وانقسم العالم إلى كتلتين شرقًا وغربًا، وظلت دول الشرق متوجسين خيفة من الانضمام لمؤسسات بريتون وودز الليبرالية، ومع توازن الرعب النووي، أخذ الصراع بين الكتلتين شكل حرب باردة، ترتكز على مباديء الأيدلوجية الاشتراكية شرقًا، والرأسمالية غربًا، مع محاولة كل طرف مد نفوذه إلى دول العالم الثالث، في آسيا وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه، وسقوط النظم الاقتصادية الاشتراكية 1991م، وظهور الليبرالية الجديدة بمعنى التحول من أقصى اليسار الاشتراكي إلى اليمين قليلاً من خلال الخصخصة وتطبيق قواعد الاقتصاد الحر، لم يعد البعد الأيديولوجي واردًا كأساس للصراع، لكن الصراع استمر بغية مد النفوذ السياسي، وتحقيق مصالح اقتصادية وتجارية بحتة.
وباكتمال مثلث نظام بريتون وودز بقيام منظمة التجارة العالمية 1995م، تم الترويج لفكرة العولمة واقتصاد عالمي موحد ومنفتح تسوده الحرية الاقتصادية وحرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال وبل وحرية انتقال قوة العمل، وتزعزعت قليلا فكرة التكتلات الإقليمية، والتعاون الاقتصادي الإقليمي بدءًا من مناطق التجارة الحرة ( النافتا في شمال أمريكا) والاتحاد الجمركي وانتهاءً بالاتحاد النقدي والمالي (الاتحاد الأوروبي)، ومع العولمة ظهرت سلاسل الإمدادات الدولية التي ربطت العالم من خلال تكامل العمليات الإنتاجية عبر دوله المختلفة.
وجاء القرن الحادي والعشرون ليضع نهاية التصورات بشأن قدرة مؤسسات بريتون وودز على التنبؤ بالصدمات وإدارتها، ويبدو أن النظام العالمي الذي نشأ عام 1944م– والمؤسسات الليبرالية التي تمثله – أصبح يواجه خطرًا أكبر من أي وقت مضى. ويأتي ذلك بالتزامن مع ما نواجهه من احتمالات بحدوث المزيد من التصادمات بين الولايات المتحدة والصين، ومؤخرًا بين الولايات المتحدة والغرب من ناحية وروسيا والصين من ناحية أخرى، تحت وطأة أزمات متلاحقة ومتداخلة، وما ترتب عليها من انقسامات، شكلت تهديدًا حادًا للاستقرار الاقتصادي.
لقد أدى تداخل الأزمات الاقتصادية الأخيرة إلى تصدعات في العلاقات الاقتصادية الدولية، وحركت العالم باتجاه مراجعة شاملة لأسس العلاقات الاقتصادية الدولية، ودفعت دول العالم إلى مواجهة اضطرارية، في ضوء الاعتماد المتبادل فيما بين مجتمعاتنا، مما يكسب أي صدمة من أي مكان في العالم قوة أكبر للتأثير على العلاقات الاقتصادية الدولية.
الصين مصدر قلق جديد للعلاقات الاقتصادية الدولية
ظل هاجس المد الشيوعي مقلقًا للغرب منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط خط برلين عام 1991م، وبدأت حقبة جديدة من العلاقات الاقتصادية الدولية قائمة على قطب واحد يقود اقتصاد العالم هو الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع الوقت بدأ الاقتصاد الصيني يشق الطريق باتجاه الصدارة متخطيًا كل الدول الغربية المتقدمة، من حيث الحجم، حتى صار قابعًا وحده خلف العملاق الأمريكي، ومن المتوقع أن يلحق به، ثم يسبقه مع انتصاف القرن الحالي، مما شكل تهديدًا للزعامة والمصالح الأمريكية، ومن ثم تهديدًا للنظام الاقتصادي الذي تشكل ليضمن للولايات المتحدة الكلمة العليا في العلاقات الاقتصادية الدولية حتى اليوم.
وقد بدأت انعكاسات هذه المزاحمة تشكل تهديدات جديدة للعلاقات الاقتصادية الدولية، تمثلت في نشوب حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين، عام 2018م، من جانب الولايات المتحدة أولا، وتبعتها الصين كرد فعل، وشكلت في مجملها تهديدًا لأسس النظام الاقتصادي العالمي، والخروج عن مبادئ بريتون وودز في حرية التجارة ووقف الحروب الحمائية.
ولم تكتف الصين بقبول الدخول في حرب تجارية مع الولايات المتحدة، بل أصبحت تنتهج مسارًا خطيرًا للمنافسة وتصدر المشهد، من خلال التوغل في مناطق شتى من دول العالم، دعمًا لنفوذها التجاري وتأمينًا لأسواق صادراتها، ومنح القروض الخارجية لدول العالم الثالث والاقتصادات الناشئة منه على وجه الخصوص.
إرهاصات التحول في العلاقات الاقتصادية الدولية
كعادة التحولات الكبرى في التاريخ الاقتصادي، يلوح في الأفق انتهاء عصر الوفاق بين الغرب والشرق، وبدايات الجدال حول إمكانية استمرار الحال على ما هو عليه، أم التحول إلى نظام آخر يأخذ التحولات الحادثة في العالم في الاعتبار. وفي إطار المواجهة الصريحة بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة، والشرق من خلال تحالف يترسخ يومًا بعد يوم من الصين وروسيا، يمكن رصد عدد من إرهاصات التحول في العلاقات الاقتصادية الدولية على النحو التالي:
- بذوغ فجر عملاق اقتصادي قادم هو الصين، يقبع من حيث الحجم خلف الاقتصاد الأمريكيى ويطارده، بل ومن المتوقع أن يعادله ويسبقه في منتصف القرن (2050م).
- أزمة ركود اقتصادي 2020- 2021م، تسببت فيها جائحة كوفيد – 19 ولم يتم التغلب عليها كلية بعد.
- وقبل أن يتغلب العالم على الكوفيد، داهمته اتجاهات تضخمية، ناشئة عن السياسات الاقتصادية التوسعية طوال سنتي الوباء.
- اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، وفرض الغرب عقوبات اقتصادية على روسيا، أسفرت عن تأجيج نيران التضخم العالمي، وتفجير أزمة غذاء عالمية جديدة، ومشاكل تواجه سلاسل الإمداد العالمية، ومع زيادة التكامل بين الأسواق، فُتح المجال لانتشار الصدمات الناجمة عن العقوبات عبر مختلف أجزاء الاقتصاد العالمي.
- النزعة الإقليمية، أحد التطورات الأساسية التي لحقت بالعلاقات الاقتصادية الدولية في منتصف القرن العشرين والتي أخذت شكل تكتلات وترتيبات اقتصادية بين مجموعة من الدول تجمعهم روابط ومصالح مشتركة فيما بينهم، اقترنت بالطابع ُالإقليمي، واعتبرت من مظاهر العولمة الاقتصادية.
- إنشاء تجمع البريكس، وهو ليس بين دول الجوار كما في حالة التكتلات الاقتصادية التي تتم تحت مظلة منظمة التجارة العالمية، ولكنه توجه يمثل تكتل اقتصادي في وجه الغرب ومحاولة لكسر احتكار مؤسسات بريتون وودز، ويجمع بين الصين وروسيا والهند والبرازيل، ثم توسع ليضم جنوب إفريقيا، وهناك محاولات لضم دول أخرى من الاقتصادات الناشئة.
محددات الصراع بين الشرق والغرب
كشفت التطورات المتلاحقة السابقة عن تصدعات في العلاقات الاقتصادية الدولية، وأدت العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، إلى انعكاسات خطيرة على الغرب نفسه، وعلى دول العالم الثالث، وهددت بتجزؤ العالم إلى تكتلات اقتصادية متباينة، وأدت إلى تصدعات في تحالفات تاريخية، تحت وطأة المصالح الداخلية، وخلقت صراعًا معلنًا بين الصين وروسيا في جانب والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في جانب آخر، وهو صراع من المبكر الحكم على نهاياته أو تباعاته،و إن كان من الممكن حصر أهم محدداته مستقبلاً في العناصر التالية:
- قوة مزاحمة الاقتصاد الصيني للولايات المتحدة
يمثل العملاق الإقتصادي الصيني تهديدًا للنظام الاقتصادي القائم بلا شك، خاصة ما يتعلق بزعامة العالم إقتصاديا، وإمكانية تفوق حجم الاقتصاد الصيني على الاقتصاد الأمريكي بحكم معدلات النمو الاقتصادي التي يحرزها الاقتصد الصيني، ودخول اليوان منافسًا للدولار الأمريكي في منظومة التسويات المالية العالمية، والسعي لخلق مؤسسات متعددة الأطراف منافسة لمؤسسات بريتون وودز، إضافة إلى الاستحواذ على حلفاء تقليديين للغرب.
هناك مزاحمة قائمة بكل تأكيد من الصين للولايات المتحدة من حيث القوة الاقتصادية، لكنها لن تُحسم في الأجل القصير ولا المتوسط، فسيظل الاقتصاد الأمريكي في الصدارة لأكثر من ربع قرن قادم، وفق السيناريو الأكثر احتمالا، وحتى مع مزاحمة الصين لتلك الصدارة وانتزاعها، في منتصف القرن الحالي سيظل متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة يتفوق كثيرًا على نظيره في الصين، كما سيبقى للدولار وضعه الخاص في نظم الصرف العالمية، حتى لو زاحمه اليوان الذي أمامه الكثير حتى يصبح عملة رئيسية في نظم الصرف العالمية.
الوزن الاقتصادي النسبي للغرب في مواجهة الصين وروسيا عام 2021
|
|
الناتج المحلي الإجمالي |
دخل الفرد بالدولار |
عدد السكان |
|||
|
|
مليار دولار |
% العالم |
بالدولار |
|
مليون نسمة |
% العالم |
|
الولايات المتحدة |
22.996 |
23.92 |
69.287 |
|
331.893 |
4.23 |
|
الاتحاد الأوروبي |
17.088 |
17.78 |
38.234 |
|
446.947 |
5.7 |
|
الصين |
17.734 |
18.45 |
12.556 |
|
1412.360 |
18.02 |
|
روسيا الاتحادبة |
1.775 |
1.8 |
12.173 |
|
134.440 |
1.72 |
|
دول العالم
|
96.100 |
100 |
12.262 |
|
7836.630 |
100 |
البنك الدولي: مؤشرات التنمية في العالم
وقد يكون الاقتصاد الصيني قويًا من حيث معدلات النمو التي تتفوق على الولايات المتحدة، ومن حيث حجم الصادرات والواردات على مستوى العالم، وبافتراض استمرار تفوق معدلات النمو الاقتصادي الصيني عن نظيرتها في الولايات المتحدة، فسيظل التفوق الأمريكي متمثلاً في مصادر النمو، وهي التقدم التقني وارتفاع إنتاجية قوة العمل، وهي محددات تضمن مركزًا قويًا للاقتصاد الأمريكي، حتى بعد تفوق الاقتصاد الصيني عليه من حيث الحجم.
كما سيظل لتفوق نوعية الصادرات الأمريكية، على صادرات الصين عنصر تميز للعملاق الأمريكي، أضف إلى ذلك ما يتمتع به الدولار كعملة مركزية، يصعب على اليوان الصيني إزاحته عن مركزه باعتباره العملة الدولية المهيمنة طوال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وسيكون لصمود الدولار أثر موات على تطور النظام العالمي نظرًا لأن القوة المالية من أهم جوانب القوة الناعمة.
ويهيمن الدولار حاليًا على جميع جوانب النظام المالي العالمي. ويشكل الدولار حوالي 60% من عملات الدفع العالمية، وأكثر من 40% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية تتمثل في أصول مقومة بالدولار. كذلك يُستخدم الدولار في تقويم غالبية المعاملات المالية الدولية وتسويتها، ويستحوذ على نحو 63% من الديون العالمية، وأكثر من 50 %من القروض الدولية، وذلك عام 2021م، (صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي)
وفي ظل الاحتمالات بإصدار يوان رقمي في جميع أنحاء العالم، هناك توقعات بمنافسته للدولار،غير أن اليوان الرقمي لن يستطيع وحده تحويل ميزان القوى بين العملات الرئيسية، فمعظم المدفوعات الدولية تتم من خلال وسائل رقمية بالفعل. ولكن نظام المعاملات بين البنوك عبر الحدود الذي وضعته الصين للتواصل مباشرة مع نظم المدفوعات في البلدان الأخرى هو الذي سيكون بمقدوره تعزيز وضع اليوان كإحدى عملات المدفوعات الدولية.
وقد أحرز اليوان قدرًا من التقدم باعتباره أحد العملات الدولية، حيث يُستخدم في تنفيذ 3% تقريبًا من معاملات الدفع الدولية، كما يمثل حوالي 3% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، ورغم ما قد يحدث من تطور في هذه النسب، فمن غير المحتمل أن يهدد اليوان مركز الدولار باعتباره العملة المهيمنة حتى الأن.
كذلك لا يزال اليوان يفتقر إلى بعض السمات الأساسية التي يتعين أن تتوافر عادة في عملات الاحتياطي الدولية واعتبارها مخزنًا موثوقًا للقيمة، وهو ما قامت به السلطات مؤخرًا، وهي إزالة القيود المفروضة على التدفقات الرأسمالية عبر الحدود، والسماح بتحديد قيمته حسب قوى السوق، ومنح المستثمرين الأجانب فرصة أكبر للمشاركة في أسواق السندات المحلية، غير أنها رفضت عددًا من التغييرات المؤسسية اللازمة لكسب ثقة المستثمرين الأجانب.
- التحالف الاقتصادي الصيني / الإفريقي
شهدت العلاقات الصينية- الإفريقية في العقد الأخير من القرن العشرين قفزة کبيرة ، يغذيها دعم تنموي واجتماعي للقارة السمراء، وتطلع الجانب الإفريقي للبحث عن شراکة مربحة بعيدًا عن الدول الأوروبية، ويتضح ذلك من أوجه التعاون المختلفة بين الصين والقارة الإفريقية وهو ما کان أساس نمو فکرة تأسيس المنتدى الصيني الإفريقي للتعاون عام 2000م.
وتنظر الصين إلى إفريقيا على أنها عنصر مرکزي في مشروع استدامة نمو اقتصادها وتطويره على المدى البعيد، وقد تمسکت الدول الإفريقية بعلاقاتها بالصين، وسرعت من عجلة تلك العلاقات کما حاولت توطيدها، ويعود نجاحها في ذلك إلى منهج الصين القائم على عدم إملاء الشروط السياسية، ووعد الصين بشراكة تحقق المكسب للجميع، و اعتماد الصين لمنهج فريد في تقديم المعونات التنموية والتمويل، حيث تمزج بين المنح الخاصة، والقروض الخالية من الفوائد ( القروض التفضيلية ).
- العقوبات المفروضة على روسيا
لم يخضع اقتصاد في حجم روسيا منذ الثلاثينات لطائفة واسعة من القيود التجارية كتلك التي تم فرضها بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن روسيا تعد في الوقت الحالي من كبار مصدري النفط والحبوب وغيرهما من السلع الأولية، كما أصبح الاقتصاد العالمي أكثر تكاملاً إلى حد كبير، ونتيجة لذلك، أصبح للعقوبات حاليًا تداعيات اقتصادية عالمية أكبر كثيرًا مما عهدناه من قبل، وينبغي أن يكون حجم هذه العقوبات دافعًا لإعادة النظر في مفهوم العقوبات كأداة قوية من أدوات السياسات لما ينشأ عنها من تداعيات اقتصادية عالمية ملموسة.
وقد ترتب على هذه العقوبات أن سجلت أسعار الطاقة ارتفاعًا مستمرًا منذ العام الماضي بسبب فرط الأعباء المفروضة على سلاسل الإمداد الذي أدى بدوره إلى إعاقة مسار التعافي من الجائحة، كذلك ارتفعت الأسعار العالمية للغذاء بنسبة 28% عام 2020 و23% عام 2021م، كما سجلت زيادة حادة قدرها 17% هذا العام خلال الفترة ما بين فبراير ومارس فقط. (مجلة التمويل والتنمية ، يونية 2022 صندوق النقد الدولي)
وأدت هذه العقوبات إلى تفاقم الآثار الناجمة عن انقطاع الإمدادات من أوكرانيا، حيث شارك في العقوبات 38 حكومة في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، واستجابت الشركات والبنوك العالمية لتلك التدابير. وساهم هذا الكم الهائل من القيود القانونية والتجارية والمالية والتكنولوجية في فرض معوقات حادة أمام نفاذ روسيا إلى الاقتصاد العالمي، وأثرت سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية.
كما يمكن أن تتسبب العقوبات حاليًا في خسائر تجارية أكبر من أي وقت مضى، نظرًا لأن نسبة التجارة العالمية إلى إجمالي الناتج العالمي أضحت عالية، حيث بلغت 28% عام 2019م، قبل أزمة كوفيد- 19 ثم تراجعت إلى 25% عام 2020م، وتبلغ 30 % عام 2021م، ومن هنا تأتي خطورة العقوبات على اضطراب العلاقات الاقتصادية العالمبة. (World Trade Statistical Review 2021.WTO)
- توسع مجموعة البريكس
مر عقدين منذ أن تم تدشين مجموعة بريكس BRICs من البرازيل ، وروسيا، والهند، والصين عندما اجتمع زعماء الدول الأربع لأول مرة في عام 2006 ، ثم أخذت بعد ذلك شكل مؤسسي عام 2009م، حيث شكلت كتلة طموحة لها دينامياتها الداخلية الخاصة: فقد عقدت مؤتمرات قمة سنوية، والتزمت بمشاريع بنية تحتية واسعة النطاق داخل حدودها الوطنية وكذلك مشاريع عبر وطنية في مناطقها، وقاموا باستعراض قوتهم الاقتصادية من خلال إنشاء مؤسسة إقراض جديدة – بنك التنمية الجديد – وتحدي هيمنة دول أوروبا وأمريكا الشمالية في التمويل الدولي.
ومؤخرًا اقترحت الصين بدء عملية توسيع المجموعة حيث انضم إلى مشاورات “بريكس بلس” ممثلون عن الأرجنتين ومصر وإندونيسيا وكازاخستان ونيجيريا والإمارات، وتحاول بكين توسيع قاعدة هذا التكتل الاقتصادي، عبر دعوة عدة دول من بينها السعودية ومصر والإمارات للانضمام إلى مجموعة البريكس.
- إنهاء حالة المركزية في النظام الاقتصادي الدولي
ارتبط ظهور البريكس بالسعي إلى إنهاء حالة المركزية الاقتصادية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي الحالي، والتي تكرست مع تأسيس مجموعة السبع الصناعية، التي عبرت عن مركزية إدارة النظام الاقتصادي العالمي، وتوسع دور وأجندة عمل المجموعة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
لذا تعد مجموعة البريكس محاولة جادة لكسر احتكار القوى الغربية لإدارة الاقتصاد العالمي من خلال مجموعة السبع الصناعية ومؤسسات بريتون وودز، ومحاولة إضفاء نوع من اللامركزية على عملية صنع القرار داخل النظام الاقتصادي العالمي.
الوزن النسبي لدول البريكس في الناتج العالمي والسكان عام 2021
|
|
الناتج المحلي الإجمالي |
متوسط دخل الفرد |
عدد السكان |
|||
|
|
مليار دولار |
% العالم |
بالدولار |
|
مليون نسمة |
% العالم |
|
البرازيل |
1.609 |
1.67 |
7,519 |
|
213.993 |
2.7 |
|
روسيا |
1.775 |
1.8 |
12,173 |
|
134.440 |
1.7 |
|
الهند |
3.173 |
4.59 |
2,277 |
|
1393.409 |
17.78 |
|
الصين |
17.734 |
18.45 |
12,556 |
|
1412.360 |
18.02 |
|
جنوب إفريقيا |
0.420 |
0.437 |
6,494 |
|
60.042 |
0.766 |
|
المجموع |
24.711 |
25.71 |
|
|
1,820.835 |
23.23 |
|
العالم |
96.100 |
100 |
12.262 |
|
7836.630 |
100 |
البنك الدولي: مؤشرات التنمية في العالم
وقد تكرس هذا التحول على خلفية ثلاثة عوامل أولها، ارتباط البريكس بالاقتصادات الصاعدة والناشئة، وثانيها، تنامي الثقل الاقتصادي للمجموعة، والذي أسهم بدوره في تحسن ترتيبها داخل الاقتصادات العشرين الأكبر عالميًا خلال العقود الثلاث الأخيرة، وثالثها، سعي هذه المجموعات إلى إنشاء مؤسسات التمويل الخاصة بها مثل : بنك التنمية الجديد والذي دخل حيز التنفيذ يوليو 2015م، وأنشأت الصين البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية ، كبنك دولي متعدد الأطراف والذي دخل حيز التنفيذ ديسمبر 2015م، وصندوق طريق الحرير، الذي أسسته الحكومة الصينية في ديسمبر ٢٠١٤م، وتأتي أهمية هذه المؤسسات المالية أنها تعمل وفقًا لشروط أفضل بكثير بالنسبة للدول النامية والصاعدة، بالمقارنة بمؤسسات بريتون وودز.
انعكاسات المواجهة على دول مجلس التعاون
ستخلق الظروف الحالية أطرًا جديدة لتعامل القوى الكبرى مع دول مجلس التعاون، وهي تسعى للوصول إلى حل يجنبها أخطار حرب باردة كانت أو اقتصادية، حيث من المتوقع أن تسعى القوى العظمى لبناء تحالفات ومجالات نفوذ مستقرة في هذه المنطقة، وبالتالي فإن تعامل تلك القوى معها، سيفرض نوعًا من التعاون ومراعاة المصالح المشتركة، خاصة في غياب التهديدات العسكرية أو الأيديولوجية تضر بمصالح دول المنطقة، وتستطيع في ظلها دول الصراع فرض شروط من جانب واحد.
كما ستفرض الأزمة مراعاة أكثر لمصالح الحلفاء في مجلس التعاون، لضمان المساندة، فإذا تم اختيار الاحتواء استراتيجية من قبل الغرب، للخروج من خطر الصراع مع الصين وروسيا، فإن التحالف مع الأصدقاء في الخليج، من أجل المصالح المشتركة، سيمثل أحد سياسات ضمان نجاح الاحتواء، لما تمثله المنطقة من ثقل في استقرار الاقتصاد العالمي.
وستظل منطقة الخليج، من النقاط التي سيجري حولها محاولات للاستقطاب، بغرض فرض نوع من التحالف وتقوية النفوذ، الأمر الذي يمنح دول المنطقة فرصة وضع الشروط لضمان تحقيق المصالح، ورفض إملاء شروط التعاون.
وربما تقود دول الخليج المنطقة العربية إلى نوع ثالث من التكتل، يمكن أن يتسم بسمات الحياد الإيجابي، تجمعهم المصالح المشتركة لأخد موقف الحياد وضمان مسافات متساوية بين القطبين الرئيسيين، وقد يضطر القطبان التسليم بذلك، حيث لم تعد أوراق الضغط بيدهم قوية، وإن بقيت المصالح أداة الجذب الرئيسة.
جملة القول:
تقتضي مواجهة تحديات هذه الحقبة زيادة فعالية الجهود متعددة الأطراف، إذا ما أراد الغرب إحتواء الصراع وضم الصين وروسيا إلى نظام اقتصادي مستقر، فقد يتطلب الأمر ابتكار آليات جديدة للتعاون المتبادل بين المؤسسات متعددة الأطراف ومختلف دول العالم لتحقيق المصالح الجماعية والمصالح الذاتية للبلدان ، ويمكن أن يتم ذلك من خلال العناصر التالية:
- السعي لإعادة تحديد الغرض من مؤسستي بريتون وودز، فقد تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ ما يقرب من 80 عاما للمساعدة في حل المشكلات التي تواجهها البلدان كل على حدة، في وقت كانت فيه معظم الأسواق المالية صغيرة وغير مترابطة، ويجب تحديث مهام تلك المؤسسات لمواكبة عصر أصبحت فيه الأزمات المالية ذات طبيعة عالمية، من خلال زيادة موارد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وزيادة الصلاحيات الممنوحة لهما من المساهمين للقيام بتدخلات أكبر وأسرع في هذا العصر العالمي الجديد.
- وضع نظام متعدد الأطراف أكثر فعالية، ووجود تفاهم استراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، لوقف ما يشهده العالم من تحولات نحو تعدد الأقطاب، ويجب صياغة هذا التفاهم الجديد من خلال المصالح المشتركة الشاملة، والاعتماد الاقتصادي المتبادل بين القوى الكبرى، مما يجعل احتمالات الصراع أقل مما هي عليه.
- ولتحقيق الاحتواء يجب أن تتمثل أهم أولوياتنا في استيعاب عالم متعدد الأقطاب دون أن يصبح أكثر استقطابا، فمن شأن وجود عالم أكثر استقطابا وتشتتا أن يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف جميع البلدان، بما في ذلك البلدان الكبرى، ويجعل من الصعب تحقيق المصالح التي تشترك فيها البشرية في عالم مزدهر، يشمل الجميع ويحقق لهم الإنصاف ( مجلة التمويل والتنمية ، يونيو 2022م، صندوق النقد الدولي)
- التحـرك بصـورة عاجلـة مـن أجـل التعامـل مـع الشـعور العميـق والمتزايـد بانعـدام الثقـة في النظـام العالمـي مـن جانـب البدان الناميـة التـي يتم التعامل معها بمنطق اربعينات القرن الماضي، دون مراعاة لمصالحها من ناحية، ولتزايد قوتها الاقتصادية من ناحية أخرى.
- لم تعد دول مجلس التعاون متلقية للتوجهات من الخارج، كما كان الحال إبان تشكيل أسس العلاقات الاقتصادية الدولية المعاصرة في أربعينات القرن العشرين، فقد أصبحت أصحاب مصالح وتأثير على الاقتصاد العالمي، وصار بعضها رقمًا فاعلاً (حيث أصبحت السعودية على سبيل المثال تحتل مركزًا متقدمًا في اقتصادات مجموعة العشرين مؤخرًا) وذات ثقل عند رسم استراتيجية الخروج من المواجهة، وذات صوت مسموع في أي مخرج يسفر عنه تجنب الصدام.
::/fulltext::
::cck::6119::/cck::
