عند اللجوء لمجلس الأمن لإنفاذ الحكم تستخدم أمريكا “الفيتو” لإبطاله فتبقى فقط دلالته الرمزية
Jerusalem with the wall and the dome protected behind barbed wire at dusk


السفير د. صلاح حليمة
عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ـ سفير سابق
ارتكبت إسرائيل ولم تزل ترتكب على مدى ما يقرب من 75 عامًا حزمة ضخمة من الجرائم المتنوعة ضد الشعب الفلسطيني، الذى تحتل أرضه ـ “الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة “ـ في مخالفات صريحة وانتهاكات واضحة لا لبس فيها للمواثيق والاتفاقات والقوانين الدولية ذات الصلة، والتي تجرم إسرائيل كدولة، وكسلطة احتلال بل وقاداتها السياسيين والعسكريين لارتكابهم هذه المخالفات وتلك الانتهاكات عبر سياسات وممارسات ممنهجة وتصريحات صادمة من جانب تلك القيادات ضد الشعب الفلسطيني، وأرضه وممتلكاته، مهدرة لحقوقه المشروعة، ومرتكبة العديد من الجرائم التي تقع تحت طائلة القوانين الدولية، بما يستوجب محاكمتها دوليًا.
أولًا: ـ إسرائيل:
دولة استعمار استيطاني توسعي، بما تملكه من إمكانات اقتصادية وقوة عسكرية متوجة نوويًا ” تتحصن بحاضنة أمنية وسياسية واقتصادية ومادية وإعلامية، تعد الأعظم في العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، ويدور في فلكها في هذا الإطار دول غربية أبرزها ألمانيا وبريطانيا. تتأسس تلك الحاضنة على شراكة استراتيجية كنموذج لا نظير له، محوره التحالف الاستراتيجي بين الطرفين. إسرائيل دولة اغتصبت واحتلت أراضي فلسطين ودول بالجوار العربي، مهدرة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وشعوب أخرى، في تحد صارخ وانتهاك واضح للمواثيق والاتفاقات والقوانين الدولية ذات الصلة، دولة لا تحترم النظام الدولي القائم ومؤسساته التي تنتمي إليه، بل وتهاجمه بازدراء صراحة وضمنًا، وتحط من قدره ومن شأنه، ويطال هذا التهجم والازدراء، الشخصيات رفيعة المستوى ممن يتولون إدارته، بل وقد طال هذا التهجم مؤسسات العدالة الدولية وشخصياتها رفيعة المستوى. في المجمل، وبناءً على ما تقدم فإن إسرائيل تعد دولة مارقة بامتياز يتعين على المجتمع الدولي ـ دول ومنظمات إقليمية ودولية وأهلية وشعبية أن يتعامل معها ويتصدى لها من هذا المنطلق.
وارتباطًا بما تقدم، فإن إسرائيل وهي دولة احتلال ليس لها ـ طبقًا للقانون الدولي ـ الحق فيما تدعيه بدعم أمريكي غربي بحق الدفاع الشرعي عن النفس، في مواجهة مقاومة مشروعه لشعب تحتل أرضه. وإذا كانت إسرائيل تتهم المقاومة وخاصة حماس بانها إرهابية فواقع الأمر تمارس إسرائيل أصلًا إرهاب الدولة، وعلى مدى أكثر من 75 عامًا في كل من الضفة الغربية والقدس أي منذ احتلالهما وحتى تاريخه ، حيث يتم عبر الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وخاصة حكومة نتنياهو ، والأجهزة الأمنية ومنظمات المستوطنين المتطرفين باستخدام القوة والعنف ضد الشعب الفلسطيني، وبناء المستوطنات، وممارسة التمييز العنصري والفصل العنصري وتهويد الدولة والنزوح القسري ونزع الممتلكات وتجريف الأراضي وهدم المنازل وانتهاك حرمات الأماكن المقدسة .
تمتد تلك السياسات وتمارس في قطاع غزة ـ الذي وإن كان غير محتل صراحة إلا أنه كان محاصرًا وتحت هيمنة سلطة الاحتلال وكأنه شبه محتل ـ بالإبادة الجماعية والعقاب الجماعي وهدم المباني والمنشآت بما فيها الخدمية، وقتل المدنيين من الأطفال والنساء عشوائيًا وعمدًا واتباع سياسات التجويع والتعطيش وجعل القطاع غير قابل للحياة خاصة مع استخدام ورقة السيطرة على المعابر وإغلاقها.
إن ما يجرى من جانب تلك الدولة المارقة، الممارسة لإرهاب الدولة، وفى إطار مجمل ما تقدم ومع تصريحات رسمية باعتزام البقاء في غزة وبناء مستوطنات، إنما يؤكد على أن إسرائيل تعتزم تصفية القضية الفلسطينية جغرافيًا بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وديمغرافيًا، بإفراغ الأراضي المحتلة للدولة الفلسطينية ـ الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ـ من الفلسطينيين، على نحو تنتهي معه فرص تسوية القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين.
في ظل هذه التطورات وفى إطارها تم جلب إسرائيل أمام القضاء الدولي، وأعمدته الرئيسية وأساسًا، هما ” محكمة العدل الدولية “، “والمحكمة الجنائية الدولية ” لتمتثل إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية ” كــدولــــة ” متهمة بارتكاب جرائم جنائية، ولتمتثل قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية ” كأشخــــاص ” أمام المحكمة الجنائية الدولية متهمون بارتكاب حزمة من الجرائم الجنائية.
وبصفة عامة، تشتمل منظومة القضاء الدولي على مجموعة من المحاكم والهيئات القضائية التي تتفاوت درجة ارتباطها بالأمم المتحدة. وتشمل هذه المحاكم والهيئات القضائية محكمة العدل الدولية وهي الهيئة القضائية الرئيسية للمنظمة الدولية، والمحاكم الجنائية المخصصة التي ينشئها مجلس الأمن، المحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة الدولية لقانون البحار، بالإضافة إلى محاكم دولية أخرى قد تكون مستقلة تمامًا عن الأمم المتحدة، هذا ومن بين ما تشمله منظومة القضاء الدولي المحكمة الجنائية الدولية، وهي هيئة قضائية مستقلة عن المنظمة الدولية، وتجرى حاليًا محاكمة إسرائيل وقاداتها أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
ثانيًا: محكمــــة الـعــدل الدوليـــــــــة:
تأسست عام 1945م، وباشرت أعمالها في العام التالي ـ ولتحل محل المحكمة الدائمة للعدالة الدولية. يشكل النظام الأساسي من الوثيقة الدستورية الرئيسية التي تنظم أنشطتها. محكمة العدل الدولية بموجب ميثاق الأمم المتحدة ـ هي كما أشرنا من قبل هي الجهاز القضائي الرئيسي للمنظمة الدولية، مقرها لاهاي بهولندا. تتألف الهيئة القضائية من خمسة عشر قاضيًا بالانتخاب عبر الجمعية العامة ومجلس الأمن. وجميع أعضاء الأمم المتحدة أطراف بشكل تلقائي في النظام الأساسي للمحكمة. تباشر المحكمة أعمالها في إطار القانون الدولي، ويمكن أن تركن المحكمة في قراراتها بجانب ذلك وفى حالات معينة إلى مبدأ العدل والإنصاف بموافقة طرفي النزاع. واقع الأمر أن المحكمة، تباشر أعمالها على هذا النحو في وظيفتين قضائيتين أساسيتين.
إحداهما، هي الفصل في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول طبقًا لأحكام القانون الدولي، وتكتسب قراراتها قوة الإلزام بموافقة الطرفين المتنازعين، وقراراتها غير قابلة للاستئناف. وإلى أن تصدر المحكمة حكمًا نهائيًا تتمتع المحكمة باختصاص الآمر بإجراءات مؤقته (احترازية) لحماية حقوق أحد أطراف النزاع ويجوز لأحد أطراف النزاع أو كليهما طلب إصدار تدابير مؤقتة.
وتنص المادة 94 على وجوب امتثال جميع أعضاء المحكمة لقرارات المحكمة المتعلقة بهم، وإذا لم يمتثل أحد الأطراف يمكن عرض القضية على مجلس الأمن لاتخاذ قرار بإجراءات الإنفاذ.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة سحبت اعترافها بالسلطة القضائية الإلزامية للمحكمة، بمعنى أنها تلتزم بما تقبله من قرارات المحكمة وتتحلل مما لا تقبله، من ناحية أخرى قد لا تخرج قرارات محكمة العدل الدولية إلى حيز التنفيذ وتبقى ذات دلالة رمزية في حال قيام إحدى دول حق النقض بنقض القرار عبر مجلس الأمن، ليثير استياءً وامتعاضًا عندئذ تجاه تلك المنظومة.
من ناحية أخرى، فإن الاختصاص الإجباري للمحكمة يقتصر على موافقة طرفي النزاع، وطبقًا لمبدأ السيادة، وغياب قوة ملزمة فليس هناك ما يدفع الدول الأعضاء قبول الاختصاص القضائي للمحكمة.
والأخرى، وهي الوظيفة الاستشارية، وتختص بإصدار الفتاوى للجهات التي تحال إليها من هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، يمنح ميثاق الأمم المتحدة الجمعية العامة أو مجلس الأمن سلطة مطالبة المحكمة بإصدار رأى استشاري بشأن مسألة قانونية، كما تتمتع الأجهزة الأخرى في الأمم المتحدة بطلب الرأي الاستشاري للمحكمة فيما يتعلق بالمسائل التي تدخل في نطاق أنشطتها. ومن حيث المبدأ الآراء الاستشارية للمحكمة ذات طابع استشاري لكنها ذات تأثير واحترام على نطاق واسع إذ تستمد الفتوى قوتها وسلطتها من حقيقة أنها ـ أي المحكمة ـ الناطق الرسمي للجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة.
ثالثًا: المحكمــــة الجنائيـــة الدوليـــــــة:
هيئة قضائية مستقلة لها شخصيتها القانونية الدولية، وتتمتع بالأهلية القانونية اللازمة لممارسة وظائفها وتحقيق مقاصدها وتمارس وظائفها طبقًا للنظام الأساسي للمحكمة. المحكمة ليست أحد أجهزة الأمم المتحدة، وإنما تم تقنين علاقة تعاون بين المحكمة والمنظمة الدولية، من أبرزها أنه وفقًا لنظام روما الأساسي يمكن لمجلس الأمن إحالة حالات معينة إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، كما يمكن أن تشارك الأمم المتحدة في إنشاء محاكم جنائية لحالات محددة، مثل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة 1993م، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا 1994م.
يخضع لاختصاص المحكمة الأشخاص المتهمون بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وجرائم العدوان وينظم عملها نظام روما الأساسي. وقد أنشئت المحكمة ـ ومقرها لاهاي بهولندا ـ في 17 يوليو عام 1998م، ودخل نظامها حيز النفاذ في أول يوليو 2002م، تضم في عضويتها 124 دولة هم أطراف النظام الأساسي للمحكمة بعد التوقيع عليه من جانبهم. وتجدر الإشارة إلى أن سبع دول صوتت ضد قرار تأسيس المحكمة وبالتالي لم توقع على اتفاقية المحكمة، وبالتالي ليسوا أطراف في الاتفاقية، وعلى رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة بجانب الصين والعراق واليمن وليبيا وقطر. وعلى الرغم من أن المحكمة ليست لها جهاز يتولى تنفيذ الأحكام الصادرة بالقبض على المتهم، إلا أنها تعتمد على الدول الأعضاء في الالتزام بالقبض على المشتبه بهم وتسليمهم، وتظل أوامر القبض سارية المفعول مدى الحياة ما لم تقرر المحكمة غير ذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن اقتصار ولاية المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم الدولية دون سواها مرده اعتبارات تتعلق برغبة دول تحجيم دور القضاء الدولي كي لا تتسع ولايته على حساب سيادة الدولة وولاية القضاء الوطني، ومن هنا جاء الأخذ بمبدأ أن ولاية المحكمة الجنائية الدولية تمتد لتشمل الدول غير القادرة وغير الراغبة في محاكمة مرتكبي هذه الجرائم في إطار الولاية القضائية الوطنية.
في إطار مجمل ما تقدم وتأسيسًا على، الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة منذ عدوانها على القطاع، تم جلب إسرائيل أمام المحكمتين الدوليتين، وتوجيه الاتهام إليها كدولة ولكبار المسؤولين من قياداتها بارتكاب حزمة من الجرائم من أبرزها جريمة الإبادة الجماعية.
رابعًا: جـــلب إسرائيل “كدولـــــــة ” أمــام محكمـــة الــعدل الدوليـــة:
بموجب أن محكمة العدل الدولية هي المختصة بارتكاب ” الدول ” للجرائم أقامت جنوب إفريقيا ـ بحكم أنها دولة طرف في النظام الأساسي ـ دعوى ضد إسرائيل ـ انضم إليها لاحقًا دول كثر. تتضمن الدعوى في الموضوع وبوثائق ومستندات وبدفوع قوية اتهام إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وقد أصدرت المحكمة قرارًا طالبت فيه إسرائيل بضرورة اتخاذ إجراءات احترازية لمنع حدوث جريمة الإبادة الجماعية، كما تقدمت جنوب إفريقيا بطلبات جديدة إزاء ما تم رصده من أن إسرائيل لم تتجاوب مع قرار المحكمة الاحترازي، وهو ما قد يستوجب في حال تواصل عدم التجاوب أن تصدر المحكمة قرارًا منشودًا لم يزل مفقودًا بوقف الحرب (أي العدوان) على غزة، خاصة وأن إسرائيل بتواصل عملياتها العسكرية اتسع نطاق المواجهة إلى دول بالجوار ومنطقة البحر الأحمر.
تجدر الإشارة هنا إلى أن طرفي الصراع ـ اتساقًا مع طبيعة الصراع، واختصاص المحكمة ـ هما دولة إسرائيل ” أي الجاني “، والشعب الفلسطيني ” المجني عليه ” وبالتالي لم يرد ذكر أسم حماس أو أي من منظمات المقاومة.
خامسًا: ـ جلب كبــار المســؤولـين الإسرائيليين أمــام المحكمــة الجـنائية الدوليــة:
تأسيسًا على أن المحكمة الجنائية الدولية هي المختصة بالمسؤولية الجنائية ” للأفراد ” عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، وجرائم العدوان، تحرك المدعي العام للمحكمة في إطار اختصاصه الأصيل، بتقديم طلب للدائرة الأولى بالمحكمة ـ فهي مع الاجراءات المتبعة في هذا الصدد ـ لإصدار قرارات بتوقيف ـ أوامر اعتقال ـ إلقاء القبض ـ بحق كل من وجه إليه اتهام بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وهم بالنسبة للقادة الإسرائيليين الموجه إليهم الاتهام بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وحزمة من الجرائم الجنائية الأخرى ـ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ـ رئيس الوزراء نتنياهو، ووزير الدفاع جالانت. وقد تضمنت لائحة الاتهام أن ما تم ارتكابه من جرائم قد جاء في إطار هجوم واسع النطاق “ممنهج ” على المدنيين الفلسطينيين عملاً بسياسة الدولة الإسرائيلية مع استمرار وقوع هذه الجرائم. (الإبادة / القتل العمد / التجويع / العطش / التعذيب / إلحاق الضرر بالصحة العامة / إغلاق المعابر/ قطع المياه / قطع إمدادات الكهرباء / إعاقة توصيل المساعدات // الهجوم على أطقم الإغاثة، وقتلهم).
كما تم توجيه الاتهام إلى ثلاث قيادات فلسطينية من حماس ( هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس / يحيى السنوار رئيس الجناح العسكري لحركة حماس/ ضيف رئيس كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة) استنادًا طبقًا ـ لما ورد في لائحة طلب المدعي العام وبيانه ـ إلى وجود ” أسباب معقولة ” تبلورت في عدد من الأدلة لتدفع بتحملهم المسؤولية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت منذ السابع من أكتوبر 2023م، بقتل مئات المدنيين بالهجمات التي شنتها حماس وخاصة عبر جناحها العسكري بتخطيط مسبق ( الإبادة ، القتل العمد، أخذ رهائن ، الاغتصاب وغيرها من أشكال العنف الجنسي ،التعذيب أفعال إنسانية أخرى المعاملة القاسية، الاعتداء على كرامة الشخص ).
وغنى عن البيان، إذا تناولت الدائرة الأولى أي التمهيدية لائحة الطلب المرفوعة إليها من المدعي العام بموضوعية وحياد دون ضغوط، فقد تضيف إلى قائمة المتهمين الإسرائيليين قيادات إسرائيلية أخرى مثل رئيس الأركان، وزير المالية وزير الأمن الداخلي على الاقل).
واقع الأمر، أن فرص ” تسيس ” أي من المحكمتين أمر وارد وجرت محاولات بصدده من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل ودول غربية، ولكنه في حالة محكمة العدل الدولية تعد محدودة نسبيًا، بحكم طبيعة اختصاص المحكمة في التعامل مع الدول، ولكونها الهيئة القضائية الرئيسية الرسمية للأمم المتحدة، وقوة الأدلة والأسانيد التي تقدمت بها جنوب إفريقيا وانضمام عدد كبير من الدول الداعمة للدعوى الجنوب إفريقية.
أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية فقد بدت ملامحه في تأخر المدى العام في تحريك القضية أشهر عديدة على عكس موقفه في حالة الحرب الروسية / الأوكرانية إذ جاء تحركه سريعًا بتأثير أمريكي / غربي، بل إن المدعي العام نفسه في الحالة الإسرائيلية صرح بتعرضه لضغوط وتلقيه تهديدات، بل وصدرت تصريحات أمريكية تتضمن تلويحًا بفرض عقوبات على القضاة، مقترنة بانتقادات حادة للمحكمة وللمدعي العام من جانب إسرائيل، ودول غربية ولو بدرجة أقل.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة قد دفعت في مرحلة ما بأن الولاية القانونية للمحكمة الجنائية الدولية لا تنسحب على المسؤولين الإسرائيليين من منطلق أن كلا البلدين لم يوقعا على اتفاقية المحكمة الجنائية وبالتالي ليس أطرافًا بها، إلا أن المحكمة في قرار سابق لها عام 2015م، دفعت للتأكيد على أحقية ولايتها القانونية في النظر في جرائم ترتكب على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، أيا كانت جنسية مرتكبيها حتى لو كانت دولة الجنسية ليست عضوًا في اتفاقية إنشاء المحكمة، وهو ما يعنى بوضوح لا لبس فيه أن ولاية المحكمة تطال الإسرائيليين مرتكبي تلك الجرائم . ويتعزز موقف المحكمة في هذا الصدد بالدفع أيضًا بأن المحكمة فتحت تحقيقًا عام 2021م، في جرائم حرب محتمله طال إسرائيل وحماس وفصائل أخرى، وأن التحقيق توسع ليشمل ما جرى في غزة بعد هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023م.
سادسًا: تـقــديــــــــر:
في التقدير، أنه في حال إصدار محكمة العدل الدولية ـ وهو أمر مرجح ـ قرارًا بإدانة إسرائيل فيما نسب إليها من جرائم، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية، سيعد عندئذ وصمة عار على جبين إسرائيل، دولة وشعبًا، حاليًا ومستقبلًا. هذا فضلًا عن إمكانية التحرك دوليًا سياسيًا وقضائيًا ضد إسرائيل للمطالبة بتعويض مادي عن حزمة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالشعب الفلسطيني. وهنا قد تجدر الإشارة إلى نهج إسرائيلى محتمل للخروج من عباءة حكم المحكمة والتهرب من حكم قد يصدر ضدها. حيث أن المبدأ العام هو وجوب امتثال جميع أعضاء المحكمة للقرارات المتعلقة بها، وإذا لم يمتثل أحد أطراف النزاع يجوز لأحد الأطراف أو كليهما اللجوء إلى مجلس الأمن، مع الأخذ في الاعتبار أن قبول الاختصاص الإجباري للمحكمة يستوجب موافقة الطرفين. قد تدعي إسرائيل بأنها ” لم ” توافق صراحة ” على أن تكون طرفًا في تلك القضية وبالتالي لن تقبل بحكم المحكمة وتلتزم بتنفيذه ـ باعتبار أن الموافقة المسبقة شرط وجوبي مطلوب للالتزام بتنفيذ حكم المحكمة، وعندئذ يتم اللجوء إلى مجلس الأمن للنظر في إنفاذ الحكم، ومن المؤكد ستستخدم الولايات المتحدة وربما أيضًا دول غربية حق النقض الفيتو لإيقاف التنفيذ أو إبطاله ليبقى قرار المحكمة ذو دلالة رمزية فقط.
وفى التقدير أيضًا، في حال صدور قرار من المحكمة الجنائية الدولية قد تسعى إسرائيل لتجاوزه بدعوى أنها كدولة ” قادرة وراغبة ” في إجراء محاكمة المتهمين أمام محاكمها الوطنية في إطار الولاية القضائية الوطني، وقد تتم المحاكمات عندئذ على النحو الذي يمكن معه تجاوز العدالة الدولية بأحكام على الأرجح صورية. ومع ذلك يظل تنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية ملزمًا للتنفيذ من جانب الدول أطراف اتفاقية روما منذ صدوره، بمعنى يتعين على أي دولة من الدول الأطراف أن تلقي القبض وتعتقل أي من المحكوم عليهم وتسليمهم للمحكمة حال تواجده بها.
