أحكام المحكمة الجنائية الدولية لا تعفي قادة الدول من المحاسبة ولا تسقط بالتقادم

The,Statue,Of,Liberty,With,World,Trade,Center,Background,,Landmarks

The statue of Liberty with World Trade Center background, Landmarks of New York City

Getting your Trinity Audio player ready...

المحامي د. بول مرقص

رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية في بيروت ـــ العميد في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ


تساهم المؤسسات القانونية والمحاكم الدولية في حفظ السلم والأمن الدوليين من خلال الفصل في النزاعات الدولية وتوفير العدالة. تُعتبر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية من أبرز هذه المؤسسات التي تساهم في حماية حقوق الإنسان وتعزيز سيادة القانون على المستوى العالمي. وتبرز أهمية هذه المؤسسات بشكل خاص في معالجة قضايا الاستعمار، الاعتداءات، واحتلال الأراضي، مثل القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.

1-الدور الدولي في تنفيذ القانون الدولي الإنساني: التحديات والآليات:

– أوّلاً: أهمية المحاكم الدولية في مساعدة الدول المتضررة:

تمثل المحاكم الدولية منبرًا للعدالة يمكن من خلاله للدول المتضررة التظلم ضد الانتهاكات التي تتعرض لها. على سبيل المثال، تتيح محكمة العدل الدولية للدول المتضررة من الانتهاكات القانونية السعي للحصول على تعويضات وإحقاق العدالة. بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب نظام روما الأساسي 1998م، بمحاكمة الأفراد المسؤولين عن ارتكابهم جرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية.

تأثير المحاكم الدولية على قطاع غزة يبرز كأداة أساسية في تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان. تلعب هذه المحاكم دوراً مهماً في توثيق الانتهاكات، ومحاكمة المسؤولين عنها، وإصدار أحكام تلزم بالتعويض على الضحايا ووقف الاعتداءات. رغم التحديات، فإن جهودها تساهم في تحقيق العدالة وتعزيز حقوق الإنسان في مناطق النزاع، وتمثل منصة دولية للبحث المحايد والتصدي للانتهاكات.

أ-محكمة العدل الدولية (اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها):

تأسست محكمة العدل الدولية عام 1945م، كجزء من الأمم المتحدة، وهي تختص بالنزاعات بين الدول ويجب على جميع الدول الامتثال لقراراتها. هي تختص بمحاكمة الدول فتصدر تدابير احتياطية وأحكامًا بحقها. حاليًا، تحاكم إسرائيل لخرقها اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م، التي أبرمتها إسرائيل سنة 1950م، أحكام المحكمة ملزمة، ولكن لا يوجد وسيلة لإجبار أي دولة على تنفيذها سوى باللجوء إلى مجلس الأمن، ومع ذلك فإن صدور قرار عن مجلس الأمن وخاصة الأعضاء الدائمين الذين يمتلكون حق “الفيتو”، فضلًا عن قوة الدولة المعنية ونفوذها الدولي، والتحالفات السياسية والدبلوماسية، والوضع الدولي العام.

إن محكمة العدل الدولية مختصة لجهة محاكمة الدول وليس الأفراد، وتقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. فقد جاء في الفقرة الأولى من المادة رقم 34 من نظام المحكمة (الملحق أساساً بميثاق الأمم المتحدة): “الدول فقط هي التي يجوز لها أن تكون أطرافاً في القضايا المعروضة على المحكمة.”

سبق أن نظرت هذه المحكمة في مسائل تتعلق بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية، كقضية البوسنة – الهرسك/ يوغسلافيا (صربيا ومونتينيغرو)، وأصدرت تدابير مؤقتة عديدة قبل صدور الحكم بشأنها. في هذا الإطار، نشير إلى أن إسرائيل وقّعت هذه الاتفاقية في 11 ديسمبر 1948م، وصادقت عليها في 9 مارس 1950م، وقد وافقت على جميع أحكامها، بما فيها النص المتعلق بصلاحية المحكمة الإلزامية من دون أي تحفظ. وفي جميع الأحوال، فإن هذه الاتفاقية ملزمة للأطراف التي صادقت عليها، أما الدول التي لم تصادق على الاتفاقية فهي ليست ملزمة قانونيًا بأحكامها.  

تنص المادة رقم 9 من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها على ما يلي: “تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسؤولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأُخرى المذكورة في المادة الثالثة.”

رغم أن محكمة العدل الدولية تتمتع بسلطة إصدار الأحكام، إلا أن تنفيذ هذه الأحكام يعتمد على التعاون الدولي. غالبًا ما تكون هناك تحديات في إلزام الدول القوية بتنفيذ الأحكام الدولية، خاصة في ظل النفوذ السياسي والمصالح الدولية.

أمّا بالنسبة لإسرائيل، فتعتبر محاكمتها أمام محكمة العدل الدولية قضية حاسمة، ليس من الناحية القانونية فحسب ولكن أيضًا من الناحية السياسية. من الناحية القانونية، يمكن أن تؤدي هذه المحاكمة إلى إصدار أحكام تلزم إسرائيل بوقف انتهاكاتها وتعويض المتضررين. لكن من الناحية العملية، تنفيذ هذه الأحكام يعتمد بشكل كبير على التعاون الدولي والضغط السياسي وتظل القدرة على تنفيذ هذه الأحكام محدودة بسبب الدعم السياسي والعسكري القوي الذي تحظى به من قبل دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

ب-المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (نظام روما 1998):

باشرت المحكمة الجنائية الدولية عملها عام 2002م، بموجب نظام روما الأساسي لعام 1998م، وهي تختص بمحاكمة الأفراد على جرائم خطيرة هي الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان. شهدت هذه المحكمة إصدار العديد من القرارات الهامة، مثل الحكم ضد جدار الفصل الإسرائيلي والحكم في قضايا الجرائم في يوغوسلافيا السابقة ورواندا.

أنشأ نظام روما الأساسي المحكمة الجنائية الدولية كمحكمة دولية دائمة لمحاكمة الأفراد بتهم الجرائم الأكثر خطورة ذات الصلة دولياً، من دون إعفاء الرؤساء وقادة الدول من الملاحقة والمحاكمة والمحاسبة، وهو ما يعني أنهم لا يتمتعون بأي حصانة أمامها والجرائم هذه لا تسقط بمرور الزمن.

فقد نصت المادة رقم 13 من نظام روما الأساسي على ما يلي: “للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها في المادة (5) وفقاً لأحكام هذا النظام الأساسي في الأحوال التالية: أ – إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام وفقاً للمادة (14) حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت؛ ب – إذا أحال مجلس الأمن، متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت؛ ج – إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة (15(“

وفي 5 فبراير 2021م، قضت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية بالأغلبية بما يلي:

  1. انضمت فلسطين بشكل صحيح إلى نظام روما الأساسي وأصبحت بالتالي دولة طرفاً فيه.
  2. يمتد الاختصاص الإقليمي للمحكمة الجنائية الدولية إلى “الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967م، أي غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.”

وقد جاء هذا القرار بالغ الأهمية بناء على طلب من مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للحصول على تأكيد الاختصاص الإقليمي للمحكمة، بعد أن كانت المدعية العامة قد خلصت في وقت سابق إلى وجود أساس معقول للاعتقاد بأن جرائم حرب قد ارتكبت أو يجري ارتكابها في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة.

تنظر المحكمة حالياً بقضية الحرب في غزة وذلك بناء على الالتماس القضائي الذي تقدمت به في اكتوبر 2023م، كل من جيبوتي، إفريقيا الجنوبية، بنغلادش، بوليفيا وجزر القمر إلى المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية ليَقوم بالتحقيق وما إذا كانت ترتكب ُواحدة أو أكثر من الجرائم التي تختص المحكمة بالنظر بها (مادة 14). وفي يناير 2024م، انضمت إلى هذه الدول دول من بينها المكسيك وتشيلي.

رغم أن إسرائيل ليست طرفاً في نظام روما الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، وبالتالي لا تعترف باختصاصها، تبقى هذه المحكمة مختصة للنظر في الجرائم المرتكبة في غزة لأن فلسطين أصبحت سنة 2015م، طرفاً في نظام روما تعترف باختصاص المحكمة وذلك بعد ان اكتسبت صفة “دولة مراقب” في الأمم المتحدة (2012م).

بالتالي، تكون المحكمة الجنائية الدولية مختصة للنظر في المسألة عندما تكون الأحداث المحالة إليها قد وقعت على أرض دولة طرف في نظام روما (المادة 12 من نظام روما).

للمحكمة الجنائية الدولية القدرة على اصدار مذكرات إلقاء قبض وفق الأسس التالية:

دائرة ما قبل المحاكمة، المؤلفة من ثلاثة قضاة، مختصة لإصدار مذكرة إلقاء قبض بناءً على طلب المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية (المادة 58 من نظام روما). هذه الدائرة لم تُصدر بعد أي مذكرة ضد أي مسؤول إسرائيلي أو من حماس، لكن هناك إمكانية جدية بإصدار مذكرة إلقاء قبض، مما أثار امتعاضات شديدة لدى الجانب الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية. المحكمة الجنائية الدولية لا تستطيع إصدار حكم غيابي، لذلك فإن إصدار وتطبيق مذكرة اعتقال أمر أساسي للتأكد من أن المتهمين سيكونون حاضرين أثناء المحاكمة (المادة 63 من اتفاق روما). العائق الأساسي هو أن المحكمة لا تملك أي وسائل لتنفيذ مذكرة القبض الصادرة عنها. الدول الأعضاء في اتفاقية روما هي التي يجب أن تتعاون لإلقاء القبض على الأشخاص الصادرة بحقهم هذه المذكرات في حال تواجدهم على أراضيها.

إضافةً لذلك، فالمسألة حساسة على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، خصوصاً إذا كان الشخص الصادر بحقه مذكرة إلقاء قبض مسؤولًا مهمًا في دولة معينة، مثل إسرائيل. الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف القوي لإسرائيل، ليست طرفًا في نظام روما ولا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية. من المتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة خطوات لمنع إصدار مذكرات إلقاء القبض بحق مسؤولين إسرائيليين، كما فعلت في السابق عندما أصدرت عقوبات ضد المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية. دول عدة، مثل النمسا، ليتوانيا، هنغاريا وجمهورية التشيك، ترفض اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وتدعم إسرائيل، مما يعقد إصدار وتنفيذ مذكرات إلقاء القبض.

– ثانياً: دور الهيئات الدولية في تحقيق العدالة الدولية: من مجلس الأمن إلى لجان التحقيق

أ-مجلس الأمن الدولي (الأمم المتحدة):

يتمتع مجلس الأمن الدولي بسلطة التصدي لتهديدات السلم والأمن الدوليين بموجب المادة رقم 39 من ميثاق الأمم المتحدة، ويمكنه إنشاء محاكم دولية خاصة أو الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق والمحاكمة. ممارسة المجلس لهذه السلطة يخضع للتصويت، وبالتالي فإن المصالح السياسية المتضاربة بين الدول الأعضاء قد تعرقل عمل المجلس وخاصة استخدام حق النقض.

ب-دور المنظمات الدولية في تنفيذ الأحكام:

تلعب المنظمات الدولية والأممية دورًا مهمًا في تنفيذ أحكام المحاكم الدولية من خلال ممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية على الدول المخالفة. في حالة فلسطين، يمكن للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية أن تساهم في توثيق الانتهاكات وممارسة الضغوط لتحقيق العدالة. لكن تحقيق نتائج ملموسة يتطلب تعاونًا دوليًا وتوازنًا في المصالح الجيوسياسية.

ج-الاتفاقيات الدولية والبروتوكولات والقرارات (القانون الدولي الإنساني):

توفر اتفاقيات جنيف الأربع حماية للمدنيين وغير المقاتلين خلال النزاعات المسلحة، وقد وقّعت إسرائيل هذه الاتفاقيات، لكنها لم تصادق عليها ولم تُدخل أحكامها ضمن قوانينها الداخلية. يجب أن تؤدي الانتهاكات المرتكَبة، كاستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية واستخدام القوة بصورة مفرطة والتهجير القسري، إلى التحقيق والمحاكمة وفقاً لأحكام المواد رقم 3 ورقم 27 ورقم 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949م، التي ترعى وجوب حماية المدنيين، بالإضافة إلى المادة رقم 18 منها، التي تحظر استهداف المنشآت الاستشفائية والطبية.

البروتوكول الأول لسنة 1977م، وتحديداً المادة رقم 79 منه، ينص على موجب حماية الصحافيين. لم تلتزم إسرائيل بهذه الأحكام، بل قامت باستهدافهم على نحو مباشر. كذلك، تندرج قرارات مجلس الأمن في هذا الإطار، كالقرار رقم 1738 بتاريخ 23/12/2006م، بعنوان “حماية المدنيين في النزاعات المسلحة”. على الرغم من أن إسرائيل لم تكن طرفاً في البروتوكولات العائدة إلى هذه الاتفاقيات لسنة 1977م، فإن ذلك لا يسمح لها بالتنصل من موجبها في احترام المعايير الدولية الإنسانية.

د-الجمعية العامة للأمم المتحدة:

في حال فشل مجلس الأمن في إصدار قرار ما، يمكن الاتجاه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تُعتبر معبراً لفضح الانتهاكات وتأكيد حدوثها عبر “الاتحاد من أجل السلام” (القرار رقم 377/5)، الذي اتخذته الجمعية سنة 1950م، سبق أن تم اللجوء إلى هذه الآلية بشأن الجدار الفاصل في فلسطين سنة 2003م، حين جرت مطالبة محكمة العدل الدولية برأي استشاري.

و-لجان التحقيق وبعثات تقصّي الحقائق:

غالباً ما يتم اللجوء إلى لجان التحقيق وبعثات تقصّي الحقائق لمواجهة انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. تُشكَّل هذه اللجان من مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو مجلس حقوق الإنسان أو الأمين العام للأمم المتحدة. في السنوات العشرين الماضية، تم إنشاء العديد منها لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني في فلسطين المحتلة. أيضاً، اللجنة الدولية للصليب الأحمر تلعب دوراً حيوياً في رصد اتفاقيات جنيف وتعزيز إلتزامها.

2 -السياسة الأمريكية تجاه المحكمة الجنائية الدولية ودور المحامين في دعم المحاكم الدولية:

 أ-موقف الولايات المتحدة الأمريكية:

موقف الولايات المتحدة الأمريكية من محكمة العدل الدولية (ICC)، خاصة فيما يتعلق بإسرائيل، يعكس سياسة تحفظ وتدخل نشط في الشؤون الدولية لحماية مصالحها الجيوسياسية ومصالح حلفائها في المنطقة. تتمثل هذه السياسة في عدم الاستعانة بالمحكمة الدولية لتحقيق العدالة أو محاسبة أي من الأطراف التي تستفيد من دعمها، مثل إسرائيل.

على مدار السنوات، عرفت الولايات المتحدة بتقديم الدعم الدبلوماسي والسياسي الكبير لإسرائيل في المحافل الدولية، مما يشمل الاستخدام المستمر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحماية إسرائيل من قرارات قد تسهم في فتح تحقيقات دولية ضدها.

خلال حروب غزة ونزاعات أخرى، أظهرت الولايات المتحدة استعدادها لمنع أي تحقيقات دولية تستهدف إسرائيل أمام المحاكم الدولية، سواء من خلال الضغوط الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العقوبات على الدول والمنظمات التي تدعم مثل هذه التحقيقات.

الولايات المتحدة الأمريكية ليست طرفاً في نظام روما وبالتالي هي لا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مما سيساعد إسرائيل لمنع إصدار مذكرات إلقاء القبض بحق مسؤولين إسرائيليين وفي حال إصدارها فمن الممكن أن تُعاقب بشدة تلك الخطوة التي تكون قد قامت بها المحكمة الجنائية الدولية. فهذا الأمر ليس بمستبعد لأن الولايات المتحدة الأمريكية سبق وأن قامت سنة 2020م، بإصدار عقوبات ضد المدعية العامة السابقة لدى المحكمة الجنائية الدولية، “فاتو بنسودا”، عندما قررت المحكمة فتح تحقيق بحق مسؤولين إسرائيليين لأن هناك برأيها أسباب كافية تُرجح ارتكابهم جرائم حرب في فلسطين، وحيث عمدت الولايات المتحدة إلى إدراجها على لائحة العقوبات الأمريكية مع مسؤول آخر لدى المحكمة وكذلك تم تجميد أملاكهم في الولايات المتحدة ومنعهم من استخدام النظام المالي الأمريكي، وأي شخص يقوم بمساعدة هؤلاء مادياً يكون معرّضاً لعقوبات أمريكية. بالإضافة إلى ذلك قامت إسرائيل باتهام “بنسودا” بمعاداة السامية.

هذا كله ولم تكن دائرة ما قبل المحاكمة قد وافقت على إصدار أي مذكرة إلقاء قبض، فردّةُ فعل مماثلة يُمكن توقعها في حال صدورها وهو الأمر المتوقع حالياً بعد أن تقدّم المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية “كريم خان” للدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة بطلبات لإصدار مذكرات إلقاء القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” ووزير الحرب “يوآف غالانت”، بتهمة إرتكاب جرائم ضد الإنسانية في غداة أحداث 7 أكتوبر عام 2023م، والحرب في غزة.

ويجدر الذكر بأن القانون الأمريكي يمنع أي حكومة أو سلطة أو حتى محكمة أمريكية التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في حال طلبت الأخيرة ذلك ولا يمكن للولايات المتحدة إرسال أي شخص إلى المحكمة الجنائية الدولية ويُمنع السماح للمحكمة المذكورة بقيام أي تحقيق على الأراضي الخاضعة للسلطة الأمريكية.

ب-دعم المحامين حول العالم للمحكمة الدولية:

المحامون حول العالم يمكنهم أن يكونوا عمادًا في دعم محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بأدوار متعددة وهامة. يمكنهم أولاً التوعية بأهمية العدالة الدولية ودور المحاكم في حل النزاعات العابرة للحدود بطريقة عادلة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمحامين تقديم القضايا والشكاوى إلى المحاكم الدولية، ما يعزز من إمكانية تحقيق العدالة وتقديم التعويضات للمتضررين من جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، فهم يلعبون دورًا هامًا في توثيق الأدلة والشواهد على ارتكاب الجرائم الدولية، مما يدعم فرص المحاكم الدولية في إجراء التحقيقات اللازمة وإصدار الأحكام العادلة.

 وأخيرًا، بالمشاركة في جهود تعزيز التعاون الدولي لتنفيذ قرارات المحاكم، يساهم المحامون في تعزيز النظام القانوني الدولي وحماية حقوق الإنسان على مستوى العالم. يمكنهم العمل مع الحكومات والمنظمات الدولية لضمان احترام وتنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية. كما يمكنهم المساهمة في تطوير القوانين والتشريعات الوطنية لتتوافق مع المعايير الدولية، مما يسهم في إنشاء بيئة قانونية تدعم العدالة الدولية.

من خلال هذه الأدوار المتعددة، يسهم المحامون بشكل فعال في تعزيز العدالة الدولية وضمان أن تكون المحاكم الدولية قادرة على أداء دورها في حل النزاعات وحماية حقوق الإنسان على مستوى العالم.

خاتمة:

تلعب المؤسسات القانونية والمحاكم الدولية دورًا حيويًا في مواجهة القضايا العالمية وتعزيز العدالة الدولية. رغم التحديات التي تواجه تنفيذ أحكامها، تظل هذه المؤسسات تمثّل أملاً للدول والشعوب المتضررة في سعيها لتحقيق العدالة والسلام. قضية فلسطين ومحاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية تجسد أهمية هذه المؤسسات في إحقاق الحق ومحاسبة الجناة على جرائمهم. وبالرغم من التحديات السياسية والقانونية التي تعترض هذه الجهود، فإن دور هذه المؤسسات يظل أساسياً في إنقاذ المجتمعات من آثار الظلم والتعسف.

بالنظر إلى الجوانب القانونية، تساهم المحاكم الدولية في تطوير قواعد القانون الدولي وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية على المستوى العالمي. تمثل قضية فلسطين ومحاكمة إسرائيل تجسيداً لهذه الجهود، حيث تعكس إلتزام المجتمع الدولي بمحاسبة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي وضمان الحقوق الأساسية للشعوب المتضررة.

على الرغم من أن التحديات تظل كبيرة والمسارات طويلة، إلا أن الإصرار على إحقاق العدالة والتشبث بها والنضال في سبيلها دون ملل يعزز الأمل في بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً للأجيال القادمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *