لن تستطيع إسرائيل هذه المرة أن تدير ظهرها كما فعلت مع مئات القرارات الأممية

Panzer der israelischen Armee
Getting your Trinity Audio player ready...

د. حنان ملاعب

خبير قانوني في وزارة الخارجية بدولة قطر


شنت حركة «حماس» والجماعات الفلسطينية المسلحة الأخرى في 7/10/2023م، عملية عُرفت بـ «طوفان الأقصى» ضد إسرائيل، نتج عنها مقتل أكثر من 1200 شخص وإصابة الآلاف واختطاف حوالي 245 شخصاً من الإسرائيليين. رداً على ذلك، شن الكيان المحتل عملية عسكرية واسعة النطاق في غزة، براً وبحراً وجواً، بطريقة غير مسبوقة، عُرفت بـ «السيوف الحديدية»، أسفر عنها قتل أكثر من 38,000 فلسطيني، وإصابة أكثر من 90,000 آخرين، وحرمان الفلسطينيين في قطاع غزة من الوصول إلى الماء والغذاء والوقود والكهرباء، وانعدام للرعاية والإمدادات الطبية، كما نَزحَ أكثر من 800,000 شخص من رفح، وبات يعيش الآلاف بين الأنقاض.

تأثرت أغلب دول العالم لما حصل في غزة، ومن بينها دولة جنوب إفريقيا، التي رفعت في29/12/2023م، دعوى أمام «محكمة العدل الدولية» اتهمت فيها الكيان المحتل بارتكاب جرائم «إبادة جماعية» ضد الشعب الفلسطيني. بادرت هذه المحكمة فوراً بإصدار قرارات وأوامر ابتدائية وتدابير طارئة اتهمت فيه الكيان المحتل بانتهاك «اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م».  كما أصدرت «المحكمة الجنائية الدولية» قراراً طالبت فيه باعتقال أبرز الشخصيات الإسرائيلية والفلسطينية التي شاركت بتلك الأحداث.

فيما يلي، بيان بدور هاتين المحكمتين في مواجهة إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى.

أولاً) لمحة عن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية

  • التاريخ والتشكيل: «محكمة العدل الدولية» هي الجهاز القضائي الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة وفق المادة (92) من الميثاق الذي تأسست بموجبه هذه المنظمة عام 1945م، تتكون من 15 قاضياً، تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، ومقرها في لاهاي بهولندا.

أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد نشأت بموجب معاهدة عُرفت بـ «نظام روما الأساسي لعام 1998م» ودخلت حيز النفاذ عام 2002م. تتكون هذه المحكمة من 18 قاضياً. ومقرها أيضاً في لاهاي. هناك 124 دولة عضو في هذه المحكمة، لكن ثمة دول أخرى لم تقبل باختصاص هذه المحكمة، من بينها إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا والصين.

  • الاختصاص: تختص محكمة العدل الدولية في تسوية النزاعات بين الدول، لكنها لا تملك صلاحية النظر في أي قضية إلا إذا وافقت الدول الأطراف المتنازعة سلفاً على اختصاصها للفصل في النزاع القائم بينها. تهتم هذه المحكمة فقط بمسؤولية الدول وليس الأفراد. وتعتبر جميع الأحكام الصادرة عنها نهائية وغير قابلة للاستئناف وملزمة للأطراف، بالرغم من أن المحكمة لا تملك آلية لفرض تنفيذ أحكامها. لذلك، تتعهد كل دولة عضو في الأمم المتحدة بالالتزام بتنفيذ حكم هذه المحكمة في أية قضية تكون الدولة طرفاً فيها، وفي حال امتناع إحدى الدول المتقاضية عن تنفيذ الحكم الصادر بحقها، يجوز للدولة الخصم في القضية أن تلجأ إلى مجلس الأمن، الذي له إقرار تدابير لتنفيذ حكم المحكمة.

أما «المحكمة الجنائية الدولية» فيقتصر اختصاصها على تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية التي نص عليها نظام روما الأساسي، وهي: جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، والعدوان. وعلى تلك التي ارتُكبت على أراضي إحدى الدول الأعضاء، أو من قبل مواطنيها. ويمكن لأي من الدول الأعضاء إحالة القضية إلى المحكمة والطلب من المدعي العام إجراء تحقيق أولي، كما يستطيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القيام بذلك. بإمكان هذه المحكمة فرض أحكام بالسجن وغرامات ومصادرة الأصول المتأتية من الجرائم المرتكبة وتعويضات للضحايا، لكن لا يمكنها فرض عقوبة الإعدام.

ثانياً) دور محكمة العدل الدولية بعد عملية طوفان الأقصى

أصدرت محكمة العدل الدولية، القرارات التالي بيانها:

  • قرار صدر بتاريخ 26/1/2024م، بدأت في لاهاي بتاريخ 11/1/2024م، جلسة لمحكمة العدل الدولية، لتقرير ما إذا كانت حرب إسرائيل ضد «حماس» في غزة ترقى إلى مستوى «الإبادة الجماعية»، وذلك بعد أن تقدمت – كما أسلفنا-دولة جنوب إفريقيا بدعوى أمام هذه المحكمة اتهمت فيها الكيان المحتل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. دارت القضية حول «اتفاقية الإبادة الجماعية» التي كانت إسرائيل وجنوب إفريقيا قد وقعتا عليها سابقاً، والتي وُضّعت في الأصل على شرف الكيان الإسرائيلي بعد المحرقة النازية التي راح ضحيتها ستة ملايين يهودي.

أعدّت جنوب إفريقيا، ملفاً محكماً قدمته للمحكمة، سردت فيه كل ما ارتكبته إسرائيل في غزة، من جرائم، وسهلت إسرائيل بغطرستها المَهَمَة، حيث قرنت أفعالها المشينة بأقوال صريحة من مسؤوليها، أثبتت بوضوح النيّة المبيّتة للعدو بارتكاب جريمته، وهو ما كانت تحتاج إليه المحكمة.

استندت جنوب إفريقيا في دعواها التي ضمت 84 صفحة، على المادة (الثانية) من الاتفاقية التي عَرّفت «الإبادة الجماعية»، ودعّمتها بمعطيات تعزز انتهاك إسرائيل لهذه الاتفاقية، وأشارت في دعواها إلى تصريحات القيادة الإسرائيلية التي وصفت فلسطينيي «حماس» بأنهم «حيوانات بشرية»، ووثقت دعواها بتقارير أصدرتها الأمم المتحدة ومنظمات مجتمع مدني.

ذهبت جنوب إفريقيا في ملفها إلى محكمة العدل الدولية «لإثبات مسؤولية إسرائيل عن انتهاكات اتفاقية الإبادة الجماعية، ومحاسبتها على تلك الانتهاكات» و«ضمان الحماية العاجلة والكاملة الممكنة للفلسطينيين في غزة، الذين لا يزالون مُعرضين لخطر الاستمرار في ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية». وقدمت إلى المحكمة ثلاثة التمسات لاتخاذ تدابير طارئة مؤقتة، بانتظار بتّها في الدعوى القضائية التي اتهمت بها إسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية في قطاع غزة. 

بعد نظر المحكمة في الالتماسات التي قدّمتها إسرائيل بردّ الدعوى وعدم إصدار تدابير مؤقتة، أصدرت قراراً في26/1/2024م، أشار إلى أن على إسرائيل:

  • أن تضمن عدم قيام جيشها بارتكاب أي أعمال موصوفة في المادة (الثانية) من اتفاقية الإبادة الجماعية.
  • وأن عليها أن تتخذ جميع التدابير:
  • لمنع ومعاقبة التحريض على ارتكاب الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
  • لتوفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية لقطاع غزة.
  • لضمان الحفاظ على الأدلة المتعلقة بالادعاءات بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.
  • وأن تقدم تقريراً إلى المحكمة بشأن التدابير المتخذة خلال شهر واحد من تاريخ هذا القرار.

وخلصت المحكمة إلى أن بعض الأفعال التي اشتكت جنوب إفريقيا منها، إذا ثبتت، يمكن أن تندرج تحت اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وأن الفلسطينيين معرضون لخطر حقيقي لا يمكن إصلاحه.

تم النظر إلى هذا القرار، بتفاؤل شديد من قبل الفلسطينيين، حيث صرح الدكتور طلال أبو غزالة بأنه أهمّ وأفضل قرار في تاريخ القضية الفلسطينية، لاستقلاليته والزاميته واجراءاته التطبيقية، ولأن الحديث فيه عن «وقف العدوان» وليس «وقف القتال» أكد على أن القرار موجّه للعدوّ الصهيوني باعتباره الطرف المعتدي ومرتكب الإبادة الجماعية وليس أهل غزة.

  • قرار صدر بتاريخ 28/3/2024م، وفيه أمرت المحكمة بالإجماع الكيان المحتل باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لضمان دخول إمدادات الغذاء الأساسية لسكان غزة دون تأخير.

3) قرار صدر بتاريخ 24/5/2024م، ورد فيه، أن الهجوم البري على رفح -الذي بدأ في 7 مايو/أيار2024م-يُعدُّ تطوراً خطيراً ويزيد من معاناة السكان. وأن على إسرائيل وقف عملياتها العسكرية وأي أعمال أخرى في رفح. وأن على إسرائيل ضمان وصول لجان التحقيق أو تقصي الحقائق بشأن تهمة الإبادة الجماعية، وتقديم تقرير شهري إلى المحكمة عن الخطوات التي ستتخذها. على إثر صدور هذا القرار، أعلن الكيان المحتل: «بأن ما يطلبونه منا هو عدم ارتكاب إبادة جماعية في رفح. ونحن لم نرتكب إبادة جماعية ولن نرتكبها. لكن، بموجب القانون الدولي، لدينا الحق في الدفاع عن أنفسنا». و «أن صياغة حكم محكمة العدل الدولية، لا تَحظُر كل الأعمال العسكرية، وبأننا لم ولن نقوم أبداً بأي عمل عسكري في رفح أو في أي مكان آخر»، غير أن ما حدث لاحقاً أثبت عكس ذلك.

بالإضافة لهذه القرارات، شّكل اعتراف محكمة العدل الدولية بالفلسطينيين باعتبارهم «جامعة قومية، أثنية، عرقية أو دينية، مشمولة بالحامية وفقاً الاتفاقية الإبادة»، دحضاً قانونياً لادعاءات متكررة لقادة إسرائيليين بعدم وجود شعب فلسطيني. لا شك بأن هذا الاعتراف سيسهم في خدمة مطلب تقرير مصير الفلسطينيين، إن تم توظيفه سياسياً. خاصة بعد الدعوى التي تقدمت بها جنوب إفريقيا والتي حظيت بتأييد العديد من الدول، على نحو عَكَسَ الدعم المتزايد للقضية الفلسطينية، حيث قررت تركيا الانضمام إلى جنوب إفريقيا، لتلتحق بنيكاراغوا وكولومبيا وإيرلندا.

بمناسبة الحديث عن الدول التي ساندت دعوى جنوب إفريقيا، نشير إلى أن هذه الدعوى لم تجد استجابة لدى الدول العربية، إذ لم تتخذ إجراءً ملموساً للانضمام إليها، أو لرفع دعاوى مماثلة. وفضلت الدول العربية تقديم مشاريع قرارات لوقف إطلاق النار في غزة، والدفع باتجاه عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة. لكن مشاريع هذه القرارات لم تستطع تمريرها في مجلس الأمن، لاصطدامها بالرفض الأمريكي.

ثالثاً) دور المحكمة الجنائية الدولية في قضية فلسطين

في عام 2012م، رفعت الجمعية العامة للأمم المتحدة وضع دولة فلسطين من «مراقب في الأمم المتحدة» إلى «دولة مراقبة غير عضو». فتح ذلك الباب أمام فلسطين للانضمام إلى المنظمات الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية. وقبلت هذه المحكمة «دولة فلسطين» عضواً فيها عام 2015م. وزار المدعي العام الحالي للمحكمة «كريم خان» رام الله وإسرائيل في ديسمبر 2023م، والتقى مسؤولين فلسطينيين وعائلات الإسرائيليين الذين قُتلوا أو احتجزوا رهائن. وطالب بعد الزيارة، بإصدار أوامر اعتقال، بحق كل من:

  • «رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو» و«وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت»، على أساس أنهما ارتكبا جرائم حرب متمثلة في الاستخدام المتعمد لتجويع المدنيين والتسبب عمداً في معاناة شديدة أو إلحاق أضرار جسيمة بالجسم أو الصحة …. وأيضاً بجرائم ضد الإنسانية تتمثل في القتل والإبادة وغيرها من الأعمال اللاإنسانية والاضطهاد تتعلق بالوفيات والإصابات الناجمة عن الحرمان المنهجي من الأشياء التي لا غنى عنها للبقاء على قيد الحياة. كما سعى إلى توجيه التهم إليهما لمسؤوليتهما الجنائية كرؤساء، لأنهما لم يتخذا الإجراءات اللازمة لمنع هذه الجرائم.
  • كذلك، طالب باعتقال ثلاثة من قادة حركة «حماس»، وهم: «يحيى السنوار» و«محمد الضيف» و«إسماعيل هنية»، بتهمة ارتكاب جرائم حرب تتمثل في القتل وأخذ ما لا يقل عن 245 شخصاً كرهائن وفي الاغتصاب وغيره من أشكال العنف المرتكبة ضد الرهائن الإسرائيليين أثناء وجودهم في الأسر. وبارتكاب جرائم ضد الإنسانية متمثلة في قتل مئات المدنيين في7/10/2023م. كما سعى إلى توجيه التهم إليهم لمسؤوليتهم جنائياً باعتبارهم رؤساء، لعدم اتخاذهم التدابير اللازمة لمنع تلك الجرائم.

رابعاً) تداعيات أحكام المحاكم على الكيان المحتل

كان الأسبوع الأخير من شهر مايو 2024م، صعباً لإسرائيل، لأن القرار الذي اتخذته المحكمة الجنائية الدولية، بطلب إصدار أوامر اعتقال بحق قادة كل من إسرائيل وحماس، أعقبه حكم من محكمة العدل الدولية قضى بضرورة وقف إسرائيل لأي هجوم عسكري في رفح. هاجمت إسرائيل القرارين بشكل لاذع، وهبت زمرة نتنياهو في وجه المحكمة الدولية قائلة «لا إبادة جماعية في غزة». في حين مرت أشهر من الغارات اليومية وغزة كلها على الأرض، وتشرد مليونا فلسطيني، وتم إرسال ألوف الأطفال إلى الأكفان بدل المدارس، وبات كل شيء خراب ورماد، وغدت المستشفيات مقابر، والمقابر أمست لا تتسع، ودُفن فقط من كان محظوظاً، ومَنع جيش دفاع نتنياهو الطعام والمياه، والذين ظلوا أحياء تحت الركام خرجوا يبحثون عن موتاهم وبقاياهم، لذلك، كان على قوات نتنياهو بدل إظهار الغضب من اتهامها بارتكاب الإبادة الجماعية، أن تطرح اسماً بديلاً لأفعالها الإجرامية، علماً أن الذين أحيلوا سابقاً إلى محكمة الجنايات الدولية، لا تقارن جرائمهم بما ارتكبته قوات نتنياهو.

نتيجة لما تقدم، وفي غضون أشهر قليلة تراجعت مكانة الكيان المحتل على المستوى الدولي، وتحولت المشاعر نحوه من التعاطف والدعم العالميين إلى اتهامه بارتكاب أبشع الجرائم، واستمر جيش الدفاع الإسرائيلي في خسارة جنوده، وتم إخلاء أجزاء كبيرة من إسرائيل، التي عانت من أسوأ الاضطرابات السياسية والاجتماعية. كما أدى إصرار الكيان المحتل على الاستمرار في الحرب في أعقاب قرارات المحاكم الدولية، إلى الإضرار بقدرته على المساومة على طاولة المفاوضات. فضلاً عن أن الدعوى القضائية التي أُقيمت ضده، كان لها تبعات سياسية ضخمة عليه، كونه مَثَل للمرة الأولى أمام محكمة العدل الدولية. ما سَلَطَ الضوء على ممارساته المجحفة في غزّة، وأثار ضده الرأي العالم العالمي، وزاد من إرباكه واحتمالات محاسبته.

خامساً) قدرة المحاكم الدولية على إلزام إسرائيل تنفيذ أحكامها

نظراً لعدم وجود وسيلة لدى محكمة العدل الدولية لفرض قرارها الذي أصدرته في قضية فلسطين، قد تحتاج إلى دعم مجلس الأمن الدولي لإنفاذ قرارها بوقف إطلاق النار.

جدير أن نشير في هذا السياق، إلى أن استجابة محكمة العدل الدولية للدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد الكيان المحتل، والتي اتسمت بالاستعجال وتصويت الغالبية الساحقة من القضاة لمصلحة التدابير المؤقتة التي أقّرتها المحكمة، نتج عنها تقييد حرية تنفيذ خطط الكيان المحتل العسكرية باجتياح رفح، لما يقارب ثلاثة شهور، ودل على أن هذه المحكمة ساهمت في إيجاد تعبئة قانونية غير مسبوقة لصالح فلسطين، ودفعت العديد من الدول والشركات الخاصة إلى وقف إمداد الكيان المحتل بالأسلحة، وكسرت جدار استثنائية هذا الكيان، وفتحت باب مساءلته جنائياً.

أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، فإن إصدار مدعي عام المحكمة قرار اتهام بحق عدد من الأشخاص وصدور مذكرات توقيف بحقهم، يتطلب عادة موافقة الغرفة التمهيدية وتصديق التهم. لذلك، عكفت الغرفة على دراسة الملف، ومن المتوقع أن تُصدر قراراها قريباً، فإن تمت مصادقتها على قرار الاتهام وتم إصدار مذكرات توقيف بحق المتهمين من أجل السير بالمحاكمة، تكون دولة فلسطين والدول الأخرى الأطراف في هذه المحكمة، مُلزَمَة بتسليم المتهمين الفلسطينيين للعدالة. أما إسرائيل -كونها ليست عضو في هذه المحكمة-فهي غير مُلزمة بتسليم المتهمين الإسرائيليين. غير أن ذلك لا يمنع الأطراف الآخرين في هذه المحكمة من توقيف المتهمين الإسرائيليين، في حال دخولهم أراضي إحداها، وهذا بحد ذاته يزرع الخوف في قلوب قادة الكيان المحتل، وسيقيد تحركاتهم المستقبلية خارج إسرائيل.

سادساً) الدعم الدولي لقرارات المحاكم الدولية المعنية بفلسطين

1) المنظمات غير الحكومية: دعا عدد من المنظمات غير الحكومية، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لاتخاذ إجراءات فورية لضمان تنفيذ أوامر محكمة العدل الدولية، والسماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المحتاجين، والتحرك لحماية حقوق الإنسان والحفاظ على السلام والأمن الدوليين.

2) فريق خبراء في القانون الدولي: تم تشكيل هذا الفريق من المستشارين الأكاديميين وقضاة القانون الإنساني الدولي في المحاكم الجنائية الدولية، وعمل الفريق بشكل مجاني ومستقل، واتفق مع تقييم المدعي العام، على أن المحكمة الجنائية الدولية لها اختصاص في الجرائم المرتكبة على أراضي فلسطين، بما في ذلك غزة، منذ 13/6/2014، والجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون والفلسطينيون في غزة أو الضفة الغربية، أو على أراضي إسرائيل.

3) الدول: مارست العواصم الأوروبية ضغوطاً على إسرائيل كي تلتزم بحكم محكمة العدل الدولية ووقف هجومها العسكري في مدينة رفح، من منطلق أن «قرارات المحكمة ملزمة لكل الأطراف، ويجب تنفيذها بشكل كامل وفعال»، مع تأكيدها على ضرورة اتخاذ كافة التدابير للحيلولة دون وقوع المزيد من الضرر للسكان المدنيين. كما واجهت إسرائيل التحذير من واشنطن بسبب عملياتها في رفح، لأثرها الفادح على المدنيين.

سابعاً) الخاتمة

بعد أن استعرضنا دور محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في مواجهة الكيان الإسرائيلي لقطاع غزة بعد أحداث طوفان الأقصى، نتساءل: هل يمكن لإسرائيل أن تفلت هذه المرة من الإدانة أمام محكمة العدل الدولية وسواها، كما تعودت بفضل الدعم الغربي الدائم لها؟

في الحقيقة، لا يتوقع العالم محاسبة حقيقية لإسرائيل على ممارساتها في غزّة، لأنّ العدالة الدولية أثبتت فشلها في العديد من المحطات. إلّا أن لهذه المحاسبة رمزية كبيرة، تتمثّل في هوية الدولة المُدّعية، أي جنوب إفريقيا، والتي لا تُعدّ في مصاف القوى العالمية، وفي هوية المدّعى عليها، أي إسرائيل، التي لم تعتد على مبدأ المحاسبة يوماً. كما تحمل تبعات سياسية دولية مهمة، لأن في دّعوى جنوب إفريقيا ظهوراً لعالم متعدّد الأقطاب، وانتقالاً لإدارة شؤون العالم، من احتكار القوى العظمى المتعارف عليها، إلى الدول الصاعدة كجنوب إفريقيا، الهند، البرازيل وغيرها.

كما أن لهذه الخطوة تبعات سياسية أيضاً على جنوب إفريقيا، لأنها في دعواها أمام محكمة العدل الدولية لمحاسبة إسرائيل على ارتكاب جرائم إبادة جماعية، وضعت نفسها في مواجهة إسرائيل، التي لا يُمكن أن تتقبّل أيّ انتقاد دون الرّد عليه.

وبصرف النظر عما ستخرج به المحاكم الدولية التي قد تُسيس لاحقاً، فإن الرأي العام العالمي بات مجيش، وثمة منظمات وقّعت العرائض وقامت بالتظاهر، وها هي قضية فلسطين تنتعش وتكشف الغطاء عن احتلال لم يكن وجهه البشع سافراً يوماً أمام العالم كما هو عليه اليوم. في حين انهارت صورة ومكانة إسرائيل تدريجياً. لذلك، على إسرائيل التقيّد بأي حكم يصدر من محكمة العدل الدولية، لأنه في حال عدم امتثالها، يُمكن لجنوب إفريقيا التوجّه نحو مجلس الأمن.

لكن، علينا أن نتذكر أن إثبات ارتكاب الجرائم المنسوبة لإسرائيل صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً، وأن حقّ النقض (الفيتو) قد يكون ماثلاً لمصلحتها في مجلس الأمن، وأن الأحكام التي يمكن أن تصدر عن محكمة العدل الدولية، لن تتجاوز المطالبة بتعويضات للمتضرّرين من تلك الجرائم في حال تمّ التأكّد منها، وتعويضات لجنوب إفريقيا التي تحمّلت تكاليف الدعوى.

رغم ذلك، يجب ألا نيأس من العدالة الدولية، إذ بالرغم من أن محكمة العدل الدولية أصدرت أحكامًا وأوامر تؤول صلاحية إنفاذها إلى مجلس الأمن والدول المعنية، كان لها وقعٌ على إسرائيل وعدد من الدول المساندة لها. وبالمثل يتوقع أن تكون أحكام المحكمة الجنائية الدولية، المنتظر صدورها في المستقبل القريب، وبالتالي، لن تستطيع إسرائيل هذه المرة أن تدير ظهرها كما فعلت مع مئات القرارات الأممية التي أدانتها، بل باتت مضطرة للمواجهة، على أمل أن تتم محاسبتها قانونياً بما يليق بجرائمها المتعددة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *