تحولات الشرق الأوسط تتطلب إعادة تنظيم العلاقات العربية بمشروع موحد للأمن وتعزيز القدرات الدفاعية

Tartu,Estonia,2023-07-26,Fa-18ef,Super,Hornet.,The,Boeing,Fa-18e,And

Tartu Estonia 2023-07-26

Getting your Trinity Audio player ready...

السفير/ محمد العرابي

وزير خارجية مصر الأسبق


قبل عام من الآن كانت البنية الجيوستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط تنذر بتغيير جذري في النسق الإقليمي نتيجة التوظيف الفعال لاستراتيجية  “تصفير الخلافات” بين دول المنطقة والتي نجحت في تحقيق نتائج محورية كان أهمها عودة العلاقات القطرية إلى طبيعتها مع محيطها العربي والخليجي في إطار قمة “العُلا”، وعودة سوريا للجامعة العربية، و التقارب التركي / الخليجي، و التفاهمات السعودية / الإيرانية برعاية صينية والتي ارتبطت بمستقبل العلاقات السعودية مع الحوثيين ومن ثم بمستقبل الأزمة في اليمن ككل، بالإضافة إلى  محاولة واشنطن الحثيثة خلال العام الماضي لصياغة اتفاقية تطبيع بين السعودية وإسرائيل، إلا أن هجوم السابع من أكتوبر 2023م، أدى إلى ارتدادة عكسية على مسار هذه الجهود، وذلك في ظل الممارسات الإسرائيلية في المنطقة ككل وتعمد حكومة “نتنياهو” تصعيد الموقف الحالي ليشمل أطراف أخرى خارج قطاع غزة، بما يحقق له مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي يسعى لتنفيذه من خلال آلة الحرب الإسرائيلية.

 وعلى جانب آخر نجد أنه تم تعزيز دور الفواعل المسلحة من غير الدول خاصة “محور المقاومة الإيراني” الذي عمل على تنبي استراتيجية “وحدة الساحات” لتقديم الإسناد لحركة “حماس” داخل قطاع غزة، وما ترتب على ذلك من عودة نفوذ الميليشيات والجماعات المسلحة بعد سنوات من الجهود الدولية والإقليمية لمحاولة احتواء خطرها، فضلاً عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان المنقطة لا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وتضافر هذه الجهود لإعاقة حركة التنمية في المنطقة خاصة بعد تهديدات الملاحة في البحر الأحمر الذي يعد محور أساسي في معادلة الأمن الإقليمي والعالمي.

المشهد الأمني والجيوسياسي في الشرق الأوسط بعد هجوم 7 أكتوبر

 بدا واضحاً أن الشرق الأوسط بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023م، يختلف بشكل جذري عن ما هو قبله لا سيما على الصعيد الأمني والجيوسياسي وذلك في الوقت الذي كانت تسعى فيه دول المنطقة إلى الوصول لنقاط تفاهم مشتركة تدعم تعزيز أمن واستقرار المنطقة وحلحلة الأزمات العالقة، وللوقوف على أهم هذه التغيرات لابد من مراجعة حصاد عام مضى من التصعيد بين أطراف الصراع للوقوف على أهم تداعيات هذا التصعيد على مستوى الدول التي أصبحت ضمن دائرة الصراع، أو على مستوى الملفات والتوازنات الجيوسياسية ذات الثقل على طاولة متخذي القرار الإقليمي والدولي.

  • على مستوى أطراف الصراع الجاري

الداخل الفلسطيني؛ يعتبر قطاع غزة والداخل الفلسطيني الطرف الأكثر تعرضاً للمعاناة في إطار معادلة التصعيد هذه، فالقطاع يعيش تحت وطأة معاناة إنسانية غير مسبوقة ما بين قتل واعتقال واستهداف للمدنيين ومنع وصول المساعدات الإنسانية وتدمير كامل البنية التحتية ونزوح ما يقارب 1.9 مليون فلسطيني، فيما يشهد مواطنو الضفة أقصى مستويات التضييق من الجانب الإسرائيلي في محاولة من الجانب الإسرائيلي لترميم “سياسة الردع” المتآكل.

حركة حماس: يمكن القول إن حماس استطاعت بشكل ما أو أخر في فرض القضية الفلسطينية مرة أخرى على الأجندات الدولية والإقليمية ورفع الوعي الشعبي العالمي بشأن حقيقة فلسطين التاريخية فضلاً عن أنها استطاعت تعزيز شعبيتها داخلياً وخارجياً مما ساعدها في تعزيز علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية لاسيما الرافضة للهيمنة الأمريكية، وعلى الصعيد الآخر فقد كانت تكلفة هذه النجاحات باهظة تحمها الشعب الفلسطيني في المقام الأول بالإضافة للخسائر التي تعرض لها الهيكل السياسي والعسكري للحركة.

لبنان؛  انعكس المشهد في غزة بشكل خطير على الداخل اللبناني في ظل تطبيق إيران لاستراتيجية “وحدة الساحات” لتقديم الاسناد المباشر للمقاومة في غزة، وهو ما ارتد سلباً على “حزب الله”، على مستوى الحزب فقد كلف قرار “حسن نصر الله” الانضمام “لجبة الإسناد” تدمير الهيكل التنظيمي والعسكري للحزب وتصفية كافة قادة الحزب بما فيهم “حسن نصر الله” ، داخلياً يجدر الإشارة إلى أن لبنان يعاني منذ عامين من الشغور الرئاسي نتيجة الفشل في توحيد الرؤي الداخلية حول رئيس جديد، وقد أدى التصعيد العسكري في جنوب لبنان إلى مزيد من الركود في المشهد السياسي.

اليمن: منذ الأسابيع الأولى للحرب في غزة، دفعت إيران الحوثيين لدعم المقاومة، فقاموا بتصعيد ضد إسرائيل وحلفائها. بدأ ذلك باستهداف السفن الإسرائيلية أو المتجهة للموانئ الإسرائيلية، مما دفع الولايات المتحدة لتشكيل تحالف “حارس الازدهار” لفرض التوازن في منطقة البحر الأحمر. ورغم التحالف الدولي ضدهم، واصل الحوثيون تصعيدهم حتى استهدفوا العمق الإسرائيلي، وردت إسرائيل بغارات جوية على ميناء الحديدة ومناطق لوجستية تحت سيطرة الحوثيين، مما زاد تفاقم الوضع السياسي والأمني في اليمن.

سوريا: يحاول النظام السوري النأي بعيداً عن خضم الأحداث المشتعلة في المنطقة عن طريق الموازنة بين التقارب الإيراني من جهة والضغط الدولي والإقليمي بعدم الانجرار في دائرة التصعيد من جهة أخرى، فيما ماعدا بعض الميليشيات الشيعية التي تقدم جهود الأسناد لغزة من الجبهة السورية بشكل طفيف.

العراق: يعتبر معقلاً لواحد من أهم أذرع المقاومة الإيرانية متمثلاً في المقاومة الإسلامية الشيعية الذي نفذ عددًا من العمليات العسكرية ضد أهداف إسرائيلية وأمريكية في المنطقة لتقديم الدعم لكل من “حماس” و “حزب الله“، وتجدر الإشارة إلى أن هذه العمليات كانت متوقعة بشكل كبير في ظل “وحدة ساحات” محور المقاومة الإيراني لكن ترتب عليها إنهاء الوضع الهادئ نسبياً بين قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة والفصائل العراقية بما ينذر بمزيد من التصعيد في الداخل العراقي بجانب التصعيد الإقليمي.

  • على مستوى الملفات الجيوسياسية:

على صعيد الملفات تعتبر الصورة مبهمة إلى حد كبير ولا توجد مؤشرات قريبة المدى تدل على أمكانية وجود تقدم كبير في هذه الملفات في ظل التصعيد الإسرائيلي / الإيراني المباشر وغير المباشر وعدم وجود أدوات رادعة لكافة الأطراف تمنعها من دفع المنطقة إلى حرب إقليمية، وفي هذا الإطار تظهر تداعيات ذلك على أبرز الملفات التي تداولتها حكومات المنطقة فيما قبل السابع من أكتوبر 2023م وتتمثل في:

الاتفاق السعودي / الإيراني: يعتبر توصل الرياض وطهران لنقاط مشتركة من أهم المتغيرات التي حدثت على الساحة الإقليمية، حيث كان من المنتظر أن يعمل مثل هذا التقارب على حلحلة العديد من الأزمات في المنطقة، ولكن يرتبط تحقيق ذلك في حال التزام إيران بمساعي السلام وضبط بوصلة الفعل ورد الفعل الخاصة بأذرعها في المنقطة، فيبدو أن اندلاع حرب غزة جمد نسبياً هذه الجهود خاصة أن إيران فضلت عدم تغير سياستها في تقديم الدعم لميليشياتها في المنطقة لتحقيق المصالح الجيوستراتيجية على حساب القوى الأخرى.

التطبيع السعودي / الإسرائيلي متوقف: وقفت تداعيات أحداث 7 أكتوبر كحجر عثرة أمام إتمام اتفاقية التطبيع بين السعودية وإسرائيل في ظل تمسك المملكة بموقفها الصارم تجاه الوضع في غزة والقضية الفلسطينية ككل وربطه بشكل مباشر بملف التطبيع؛ مما أدى إلى تجميد المملكة لكافة المسارات في هذا الملف إلى أن يتم التوصل لحل عاجل وعادل بشأن القضية الفلسطينية.

منطقة القرن الإفريقي: في الوقت الذي تنخرط فيه القوى الإقليمية والدولية في مسارات الحل والتسوية بشأن القضية الفلسطينية تظهر منطقة القرن الإفريقي كتهديد آخر يؤرق استقرار المنطقة لا سيما أن القرن الإفريقي هو البوابة الجنوبية للمنطقة بإشرافها على البحر الأحمر، وفي هذا الإطار تحاول قوى إقليمية في منطقة القرن الإفريقي استغلال هذا الانشغال لتنفيذ أجندتها الجيوسياسية القائمة على فرض واقع جديد وإلزام الأطراف الأخرى بتقبله وهو ما يظهر واضحاً في النموذج الإثيوبي الذي يحاول حجز موطئ قدم على سواحل البحر الأحمر للتأثير على المصالح الجيوستراتيجية لدول المنطقة وفرض المزيد من السيطرة ، الأمر الذي دفع مصر للتحرك بشكل عاجل باعتبار أن أمن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر يدخل في نطاق حسابات الأمن القومي المصري المباشرة.

الدور الأمريكي في الشرق الأوسط ما بين التفويض والانسحاب

بعد هجوم السابع من أكتوبر، رأت الولايات المتحدة أنه يمثل استهدافاً لاستراتيجيتها الإقليمية، مما يعكس تحولًا جديدًا في سياستها بالشرق الأوسط. ورغم تراجع نفوذها قليلاً مقارنة بالعقود السابقة، تظل الولايات المتحدة الفاعل الأكثر تأثيرًا في المنطقة، حيث اتاحت التطورات الأخيرة فرصة أمام واشنطن لاستعادة بعض نفوذها، وهو ما يؤكده الإعلان عن تشكيل “التحالف الدولي لحماية البحر الأحمر” في ديسمبر ٢٠٢٣م، وبالرغم من أن هذا التحالف يهدف ظاهرياً لحماية التجارة البحرية ومواجهة الحوثيين، إلا انه مؤشرًا للنوايا الأمريكية غير المُعلنة، المتعلقة بتعزيز أهمية منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي في استراتيجيتها الدولية،  وتعزيز السيطرة على باب المندب كهدف استراتيجي لواشنطن للحد من نفوذ الصين وروسيا وإيران.

وفي إطار جهودها لردع إيران ووكلائها ومنع تصاعد الصراع، نقلت الولايات المتحدة مجموعات حاملات طائرات إلى منطقة عمليات الأسطول الخامس، في استعراض واضح للقوة لدعم إسرائيل. كما نفذت ضربات جوية استهدفت مليشيات موالية لإيران في سوريا والعراق واليمن، بما في ذلك غارات مشتركة مع بريطانيا ضد الحوثيين. تزامنت هذه التحركات مع فرض عقوبات إضافية على إيران ومحور المقاومة، تستهدف الهيكل المالي لحركة حماس، سعيًا لقطع مصادر تمويلها، مما يعكس تحولًا نحو استخدام الأدوات المالية والاقتصادية لاحتواء حماس.

من خلال هذا السياق، يمكن استنتاج عدة نقاط، أولا، تسعى واشنطن لتحقيق توازن بين دعمها لإسرائيل وإدارة علاقاتها مع الدول العربية، مع احتواء الحرب وحماية مكانتها. ثانيًا، يهيمن منطق القوة على القرار الأمريكي، مع تراجع الدور الدبلوماسي لصالح التحركات العسكرية. ثالثًا، الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2024م، تؤثر على السياسة الخارجية، حيث يدعم الديمقراطيون إسرائيل لكن يواجهون ضغوطًا من الجناح التقدمي. الجمهوريون يتبنون دعمًا غير مشروط لإسرائيل ويرون في الصراع فرصة لتعزيز سياساتهم الأمنية. وأخيرًا، يبدو أن هجوم السابع من أكتوبر منح واشنطن فرصة لتعزيز نفوذها في غرب آسيا ومنطقة البحر الأحمر وترتيب الأوضاع لصالحها.

تقييم دور المنظمات الدولية في حرب غزة

  يتمحور دور المنظمات الدولية بشكل أساسي على الإدانة ورصد الانتهاكات، إلى جانب إصدار قرارات وتوصيات قانونية وسياسية محدودة، فيما يلي تقييم لدور أبرز المنظمات الدولية في حرب غزة:

  • الأمم المتحدة: تعد المنظمة الدولية الأكبر المعنية بحفظ السلام، إلا أن دورها في حرب غزة يعكس قصورًا في فاعلية أدائها، فرغم صدور قرارات مثل قرار الجمعية العامة في ديسمبر 2023م، بوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن، لم ينفذ هذا القرار بفاعلية. وفي 20 فبراير استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع قرار جزائري في مجلس الأمن يدعو لوقف إطلاق النار ويرفض التهجير القسري.
  • الأونروا: تكشف الأوضاع الحالية عن تحديات كبيرة تواجه الوكالة في دورها الإنساني، حيث تدير مراكز إيواء لأكثر من مليون شخص، لكن تعرضت منشآتها للقصف عدة مرات، الأمر الذي أثر على قدرة الوكالة لأداء مهامها، من جهة أخرى، تتضح من تصريحات الأونروا مسألة الانحياز وعدم إدانة إسرائيل، حيث يتمثل تعاملها مع الاتهامات الإسرائيلية ضد موظفيها دليلًا على حرصها على عدم إغضاب إسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى اتخاذ إجراءات تتعارض مع مبادئها الإنسانية، كما إن سرعة استجابة الأونروا للأوامر الإسرائيلية، مثل إخلاء مقارها في شمال غزة، تُظهر ضعف موقفها وتؤكد على السلطة الاستثنائية التي تتمتع بها إسرائيل في التأثير على القرارات الإنسانية.
  • محكمة العدل الدولية: على الرغم من الأدلّة القوية التي تم تقديمها من قبل دولة جنوب إفريقيا لإدانة إسرائيل، إلا أن المحكمة أصدرت بعض التدابير المؤقتة والغير كافية لوقف الحرب في غزة، وقد طالبت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الإبادة الجماعية، ولكن لم يتم إصدار أمر بوقف إطلاق النار، كما أنه على الرغم من الرمزية المتمثلة في وضع إسرائيل في قفص الاتهام، فإن هذه الأحداث لا تؤدي إلى تغييرات ملموسة في الواقع الفلسطيني، مما يوضح محدودية السلطة القانونية للمحكمة.

القوى الإقليمية وفرص السلام

رغم تعقيد المشهد الإقليمي وتوسع دائرة الصراع في غزة، بالإضافة إلى تشابك مصالح العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، فإن هناك فرصة لإيجاد حلول سلمية شاملة. القوى الإقليمية البارزة، مثل مصر والسعودية وقطر والأردن وتركيا، تحاول تفعيل مسارات الدبلوماسية لإحياء عملية السلام، مستندة إلى ثقلها السياسي والجغرافي. تستند هذه التحركات بشكل أساسي إلى دعم حل الدولتين باعتباره الإطار الأكثر قابلية لتحقيق استقرار إقليمي طويل الأمد. وفيما يلي تحليل لأدوار هذه القوى الإقليمية:

  • مصر: تظل مصر ركيزة أساسية في معادلة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بفضل موقعها الجغرافي والدور التاريخي الذي تلعبه في دعم القضية الفلسطينية، منذ اندلاع الحرب في غزة، تحركت مصر سريعًا لضمان تقديم المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح، حيث عملت على تأمين تدفق الدعم الدولي إلى غزة ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية، القيادة المصرية، بقيادة الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، كانت واضحة في رفضها القاطع لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، مُدركة أن ذلك قد يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل دائم، بالإضافة إلى ذلك، استضافت مصر قمة السلام في القاهرة في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٣م، والتي جمعت العديد من الأطراف الدولية والإقليمية بهدف احتواء التصعيد العسكري وإحياء عملية السلام، ما يبرز دور مصر كوسيط محوري قادر على إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة.
  • السعودية: لعبت دورًا مركزيًا في حرب غزة، مستندة إلى استراتيجية مزدوجة تجمع بين دعمها الثابت للقضية الفلسطينية والحفاظ على توازنها الإقليمي والدولي، على المستوى الدبلوماسي، اتخذت السعودية موقفًا واضحًا داعيًا لوقف التصعيد العسكري الإسرائيلي وحماية المدنيين الفلسطينيين، مشددة على ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية وتفعيل مسار الحل السياسي القائم على حل الدولتين، في الوقت نفسه، علقت السعودية مسار التطبيع مع إسرائيل لضمان إنهاء الحرب وحماية حقوق الفلسطينيين، والذي يعكس سياسة حذرة تهدف إلى تحقيق التوازن بين مصالحها الإقليمية والدولية، والحفاظ على دورها كداعم للقضية الفلسطينية، في ظل تحديات إقليمية تفرض عليها ضرورة التحرك بحذر لضمان استقرارها الداخلي واستمرار نفوذها الإقليمي.
  • قطر: منذ اندلاع الحرب في غزة، اتخذت قطر دورًا محوريًا كوسيط رئيسي في الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة، مستغلة علاقاتها الوثيقة مع كل من الولايات المتحدة، وحركة حماس، حيث تميز الموقف القطري بتصريحات رسمية قوية، حملت الدوحة إسرائيل المسؤولية الكاملة عن التصعيد، في الوقت نفسه، حرصت قطر على استعراض قوتها الدبلوماسية عبر التواصل مع قادة دوليين، ومن خلال التعاون مع مصر، لعبت قطر دورًا حاسمًا في التوصل إلى اتفاق الهدنة الإنسانية في نوفمبر ٢٠٢٣م، الذي شمل تبادل الرهائن، كما قدمت قطر مساعدات إنسانية مباشرة للقطاع، بما في ذلك إرسال طائرات محملة بالإمدادات الطبية والغذائية، إضافة إلى علاج جرحى غزة في مستشفياتها.
  • الأردن: إن الأردن، بحكم قربه الجغرافي والتاريخي من منطقة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، كان على تنسيق وثيق مع مصر، حيث حذرت عمان من محاولات تهجير الفلسطينيين إلى الأردن أو مصر، مُؤكدة أن الحل يجب أن يكون داخل الأراضي الفلسطينية، ورغم معاناته من أعباء اللاجئين لعقود، شدد الأردن على ضرورة أن تكون أي تسوية مستقبلية قائمة على تحقيق الحقوق الفلسطينية داخل غزة والضفة الغربية، مؤكدًا رفضه لأي حلول قد تؤدي إلى تصدير الأزمة خارج الحدود الفلسطينية. هذا التنسيق المصري-الأردني يعزز الموقف العربي الموحد في مواجهة أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الدول المجاورة.
  • تركيا: لعبت دورًا مركزيًا ومتغيرًا في حرب غزة، حيث سعت إلى تحقيق توازن بين دعمها للقضية الفلسطينية ومصالحها الإقليمية والدولية، تبنت أنقرة مواقف تصعيدية تجاه إسرائيل، ودولياً، وجدت تركيا فرصة للتصعيد دون المخاطرة بعلاقاتها مع الغرب، مستفيدةً من التراجع التدريجي في الدعم الغربي المطلق لإسرائيل، والضغوط الدولية المتزايدة لوقف الحرب وإدخال المساعدات إلى غزة.

وبالنظر لسياق توسيع رقعة الصراع في حرب غزة، يواجه مستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط تحديات هيكلية معقدة، لكن الفرصة ما زالت قائمة لإحياء المفاوضات في إطار دبلوماسي متجدد، تعتمد هذه الفرصة على دور القوى الإقليمية -خاصة السابق ذكرها-، التي تتمتع بقدرات استراتيجية وموقع جيوسياسي يمكّنها من التأثير المباشر في مسار الأحداث، ترتكز الجهود الدبلوماسية لهذه القوى على محاولة احتواء التصعيد عبر آليات الوساطة وتعزيز الحوار المباشر بين الأطراف المتنازعة.

إن مقاربة حل الدولتين، رغم التحديات، لا تزال الأساس النظري الأكثر قبولًا لتحقيق تسوية شاملة ومستدامة، ومع ذلك، فإن ترجمة هذا الإطار إلى واقع يتطلب إعادة تشكيل بيئة التفاوض، بما في ذلك فرض وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وتأمين ممرات إنسانية فعّالة لإيصال المساعدات، إضافة إلى بناء الثقة المتبادلة من خلال إجراءات أمنية وسياسية تدريجية، وفي هذا السياق تستطيع أن تلعب القوى الإقليمية السالف ذكرها دورًا محوريًا، ليس فقط من خلال التأثير الدبلوماسي، بل أيضًا عبر قدرتها على إعادة توازن القوى في المنطقة وملء الفراغات التي قد تنشأ نتيجة تراجع بعض الأطراف الدولية.

في الختام

يوجد اليوم مدخل جديد في الإقليم وهو سقف التصعيد، فوفق كل المؤشرات، التصعيد يبدو أنه آتٍ لا محالة، ولكن السؤال يمكن أن يتمحور حول السقف الذي سيصل إليه، وما إذا كان سيتدحرج إلى حربٍ كبيرة لا أحد يعرف مدى تطوّرها وإلى أين ستؤدي، لذا فنحن الآن أمام مرحلة إقليمية جديدة، والالتهاب الحالي للإقليم لا يحتمل أي تصعيد عما نعيشه.  يفرض هذا الواقع تحديات ومحددات جديدة، يتطلب التعامل معها بقدر كبير من المرونة وربط المستجدات الإقليمية والدولية بحذر لتجنب تصعيد صراعات المنطقة. وفي ظل هذه التحولات، هناك حاجة ماسة لإعادة تنظيم العلاقات العربية من خلال صياغة مشروع موحد للأمن الجماعي، الذي يستند إلى الاستقرار الداخلي والتعاون الأمني والمعلوماتي بين الدول، وتعزيز القدرات الدفاعية من خلال تنسيق أكبر بين الدول العربية. ومن الضروري أيضاً تبني نهج سياسي شامل لتعزيز فرص السلام في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر حوار سياسي يشمل جميع الأطراف. أخيرًا، يتطلب تحقيق أقصى استفادة من التحولات الجيوستراتيجية توازنًا دقيقًا بين القوى الكبرى، مثل الصين وروسيا، وضمان الاستفادة من العلاقات التاريخية مع الغرب بحسابات دقيقة ومواقف عربية موحدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *