خيارات إيران: حرب مباشرة مع إسرائيل أو صفقة تبعد الحرب وتنقذ برنامجها النووي وبقية قدرات وكلائها

The,National,Flag,Of,The,Islamic,Republic,Of,Iran

The national flag of the Islamic Republic of Iran

Getting your Trinity Audio player ready...

د. محمد عباس ناجي

خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام


على مدى 45 عاماً هي عمر نظام الجمهورية الإسلامية الذي تأسس في عام 1979م، واجهت إيران أزمات عاتية فرض بعضها تهديدات مباشرة لهذا النظام، سواء على مستوى تصاعد حدة الأزمات التي واجهها في الداخل، بسبب الخلافات التي استحكمت بين رجال الدين الذين سيطروا على الحكم وبعض قوى المعارضة التي شاركت في الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، والتي تحولت إلى صراع دامٍ بدا جلياً في اغتيال رئيس الجمهورية الثاني محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر في 30 أغسطس 1981م، أو بسبب الأزمات التي تصاعدت حدتها في الخارج، وكان في مقدمتها الحرب مع العراق التي امتدت في الفترة ما بين عامي 1980 و1988م، ثم الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق المحيطتين بإيران من الغرب والشرق عامي 2001 و2003م.  

لكن رغم ذلك، ربما لم يواجه النظام خلال هذه الأزمات هذا المستوى من التهديدات التي تعرض لها منذ تنفيذ ما يسمى بعملية “طوفان الأقصى”، في 7 أكتوبر 2023م، ثم اندلاع الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان. ففضلاً عن أن تلك الحرب كشفت بشكل واضح عمق ما يمكن تسميته بـ “الثغرات الأمنية” في الداخل الإيراني، فإنها وضعت العلاقات بين إيران ووكلائها في المنطقة من الميليشيات المسلحة الموجودة في دول الأزمات، أمام اختبار صعب.

صحيح أن عملية “طوفان الأقصى” كشفت خللاً أمنياً واضحاً داخل إسرائيل بدا جلياً في المدى الذي وصلت إليه، والذي ربما لم يكن مخططاً له من الأساس من جانب “كتائب القسام”، الذراع العسكرية لحركة حماس. إلا أن الصحيح أيضاً أنها فرضت كُلفة عالية سواء على إيران أو على وكلائها، على نحو انعكس في اغتيال عدد كبير من قيادات حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني، أو القضاء على قسم من القدرات العسكرية لتلك الميليشيات، فضلاً عن دفع إيران نفسها إلى الانخراط في تصعيد عسكري مباشر ضد إسرائيل – للمرة الأولى على مدى 45 عاماً – وهو المسار الذي دائماً ما كانت تحرص الأولى على تجنبه عبر تبني ما يسمى بـ”الحرب بالوكالة”، القائمة على إدارة التصعيد مع إسرائيل عبر الميليشيات الموالية وفي أراضي الدول الأخرى وليس داخل حدود إيران.

أولاً: تداعيات الحرب:

حرصت إيران في بداية اندلاع الحرب التي شنتها إسرائيل في قطاع غزة، في 7 أكتوبر 2023م، على تبني سياسة “النأي بالنفس”، عبر نفي ضلوعها في عملية “طوفان الأقصى” والترويج إلى أنها كانت عملية فلسطينية بحتة. ففي كلمة ألقاها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي أمام كلية عسكرية بطهران، في 10 أكتوبر 2023م، قال أن “أنصار إسرائيل وآخرين نشروا شائعات في الأيام الماضية ومنها أن إيران تقف وراء هذه العملية .. إنهم مخطئون”.

ويمكن تفسير هذه السياسة في ضوء حرص إيران على تجنب دفع جزء من كُلفة هذه العملية. إذ اعتبرت إيران أن المدى الذي وصلت إليه العملية سوف يدفع إسرائيل إلى تبني استراتيجية جديدة تقوم على تدمير القدرات العسكرية للميليشيات الموالية لإيران والقريبة من حدودها، والتي تمارس إيران عبرها ضغوطاً قوية عليها. وربما لم تستبعد أن تتجه إسرائيل إلى شن حرب واسعة النطاق تصل إلى حدود إيران نفسها، في ضوء المقاربة الأوّلية التي سارعت إسرائيل إلى إعلانها والقائمة على أن إيران ليست بعيدة عن تلك العملية وأنها متورطة فيها بحكم الدعم الذي تقدمه للميليشيات الموالية لها في المنطقة.

وبدا لافتاً من البداية أن إيران حرصت على توجيه رسالة مفادها أن تلك الميليشيات تمتلك من القدرات العسكرية ما تستطيع من خلاله إدارة الصراع العسكري مع إسرائيل. لكن مع مرور الوقت، بدا واضحاً لإيران أن هذا الصراع أنتج تداعيات جديدة على الأرض يتمثل أبرزها في:

  • إضعاف القدرات العسكرية للوكلاء: لم تنته الحرب بعد في كل من قطاع غزة ولبنان. إذ ما زالت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو مُصِرَّة على المضي قدماً في عملياتها العسكرية رغم كل الجهود التي تبذل من أجل الوصول إلى وقف لإطلاق النار. وقد بدا واضحاً بعد مرور أكثر من عام على اندلاع الحرب، أن القدرات العسكرية لحركة حماس تراجعت إلى حد كبير، بالتوازي مع اغتيال عدد كبير من قياداتها وفي مقدمتهم رئيس المكتب السياسي للحركة يحيى السنوار الذي قتل في 16 أكتوبر 2024م، وقبله رئيس المكتب السياسي السابق إسماعيل هنية الذي اغتيل في طهران في 31 يوليو 2024م.

كما تمكنت إسرائيل من اغتيال قيادات الصفوف الأولى في حزب الله، وفي مقدمتهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله الذي قتل برفقة نائب قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني عباس نيلفروشان في 27 سبتمبر 2024م، وقبله القيادي العسكري البارز في الحزب فؤاد شكر الذي اغتيل في 30 يوليو من العام نفسه. وبين الاغتيالين، وجهت إسرائيل ضربة أمنية قوية للحزب بعد الهجمات التي تعرض لها نحو 4000 قيادي وكادر في الحزب، في 17 و18 سبتمبر 2024م، والتي سميت بـ”هجمات البيجر والووكي توكي”، والتي أصيب فيها أيضاً السفير الإيراني لدى لبنان مجتبي أماني.

لكن رغم ذلك، ما زال حزب الله قادراً على شن هجمات بواسطة الصواريخ والطائرات من دون طيار ضد مواقع عسكرية تابعة لإسرائيل، بل إن إحدى الطائرات من دون طيار التي أطلقها، في 19 أكتوبر 2024م، استهدفت منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قيسارية. فضلاً عن أن العمليات البرية التي تقوم بها إسرائيل في جنوب لبنان رفعت مستوى خسائرها البشرية في ظل المواجهات التي تحدث على الأرض.

  • استغلال الثغرات الأمنية الخطيرة: كشفت الحرب الحالية عن ثغرات أمنية عديدة تعرضت لها إيران سواء في الداخل أو في الخارج، وتحديداً في المواقع التابعة لها في دول الأزمات، على غرار سوريا ولبنان. وقد استغلت إسرائيل هذه الثغرات بشكل واضح. فقد تعمدت الأخيرة اغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس إسماعيل هنية، في 31 يوليو 2024م، خلال تواجده في أحد المقار التابعة للحرس الثوري في طهران بعد مشاركته في مراسم تأدية الرئيس مسعود بزشكيان اليمين الدستورية أمام مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان). كما استهدفت بعض أبرز قيادات فيلق القدس والحرس الثوري في سوريا ولبنان، على غرار قائد فيلق القدس في سوريا ولبنان محمد رضا زاهدي الذي قتل مع ستة من كوادر الحرس الثوري في الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق في أول أبريل 2024م، ونائب قائد فيلق القدس عباس نيلفروشان الذي اغتيل برفقة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في 27 سبتمبر من العام نفسه، لدرجة أن تقارير عديدة لم تستبعد أن تكون إسرائيل قد حددت مكان الأخير بعد أن رصدت تحركات الأول.
  • الاستعاضة عن “الحرب بالوكالة” بالتصعيد المباشر: كان من نتائج تلك الحرب أن أدت إلى تراجع التعويل على سياسة “الحرب بالوكالة” التي اتبعتها إيران على مدى العقود الماضية، في إدارة التصعيد سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة الأمريكية. صحيح أن إيران لم تستبعد تلك السياسة نهائياً، إلا أن الصحيح أيضاً أنها لم تعد تستبعد أن يتواصل التصعيد العسكري المباشر مع إسرائيل.

وصول المواجهة بين إيران وإسرائيل إلى هذا المستوى كان نتيجة السياسة التي اتبعتها الأخيرة، والتي حرصت على وضع إيران أمام خيار واحد هو ضرورة الرد وبشكل مباشر، بعد أن استهدفت أراضيها، سواء في الهجوم الذي شنته ضد القنصلية الإيرانية في دمشق، في أول أبريل 2024م، أو في اغتيال إسماعيل هنية في العاصمة طهران في 31 يوليو من العام نفسه.

هنا، بدا واضحاً أن إيران تواجه مأزقاً صعباً. إذ أنها اعتبرت في الحادثين أن سياسة “الحرب بالوكالة” لن تلبي رغبتها فيما يمكن تسميته بـ “رد الاعتبار” أو “حفظ ماء الوجه” سواء في الداخل أو لدى وكلائها، بعد أن كشفا عمق “الثغرات الأمنية” التي تعاني منها. لكنها في الوقت نفسه بدت حذِرة إزاء التداعيات التي يمكن أن تفرضها المواجهة المباشرة، والتي اعتبرت أن إسرائيل تتحين الفرصة للانخراط فيها في ظل الخلافات العالقة بين الطرفين والتي لا تنحصر في الدعم الإيراني للمليشيات وإنما تمتد إلى البرنامج النووي الذي وصل إلى مرحلة غير مسبوقة ترى إسرائيل أنها يمكن أن تساعد إيران على الوصول إلى مستوى امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية.

ولذا، فإن إيران استغرقت وقتاً في الحادثين قبل أن ترد عسكرياً وبشكل مباشر. إذ شنت هجمات بواسطة صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات من دون طيار، في 13 أبريل 2024م، لم يصل معظمها إلى أهدافها، خاصة أنها استغرقت ساعات قبل الوصول إليها، فضلاً عن أن دولاً عديدة شاركت في التصدي لها إلى جانب إسرائيل مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا.

ورغم أنها تعمدت في الهجمات الثانية، التي شنتها في أول أكتوبر 2024م، استخدام صواريخ فرط صوتية من طراز “فتّاح” التي وصلت – حسب روايتها – إلى أهدافها في غضون 11 دقيقة، فإنها حرصت في الوقت نفسه على عدم استهداف منشآت اقتصادية حساسة لإسرائيل على غرار محطات الطاقة، وذلك لتجنب رد فعل إسرائيلي واسع النطاق، حيث استهدفت الهجمات ثلاث قواعد عسكرية، كان من بينها قاعدة حتسريم الجوية، التي انطلقت منها المقاتلات التي نفذت عملية اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024م.

ثانياً: تحولات محتملة:

على ضوء المعطيات التي فرضتها الحرب التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة ولبنان، ترى إيران أن منطقة الشرق الأوسط ربما تكون مقبلة على تحولات استراتيجية محتملة، يمكن تناول أبرز معالمها في الآتي:

  • إعادة تشكيل الشرق الأوسط: ترى إيران أن إسرائيل تعمل على استغلال الحرب الحالية من أجل إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، وفق ترتيبات استراتيجية وأمنية تتوافق مع مصالحها وأمنها. ويعني ذلك أن إسرائيل تعمل أولاً على منع تكرار ما حدث في 7 أكتوبر 2023م، من جديد، وثانياً على “تحييد” القدرات العسكرية للميليشيات الموالية لإيران. وربما يفسر ذلك أسباب إصرار إسرائيل على مواصلة العمليات العسكرية في قطاع غزة ولبنان رغم كل الجهود التي تبذل من أجل الوصول إلى وقف لإطلاق النار.

وقد عبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن تلك المقاربة، في 13 نوفمبر 2024م، عندما قال خلال زيارته لقيادة المنطقة العسكرية الشمالية أنه “لن يوافق على أي اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان دون تحقق أهداف الحرب، ومنها نزع سلاح حزب الله، وانسحابه إلى ما وراء نهر الليطاني، والسماح بعودة سكان شمال إسرائيل إلى منازلهم”، مضيفاً: “نحن بحاجة إلى الاستمرار في ضرب حزب الله بكل قوتنا”، لافتاً إلى أن “أي اتفاق مقبل يجب أن يعطي إسرائيل الحق في تنفيذ الاتفاق بنفسها، والعمل ضد أي نشاط أو منظمة إرهابية”.

هنا، فإن إيران لن تتوانى عن تقديم مزيد من الدعم العسكري لحزب الله، مهما كلفها ذلك من موارد أو خسائر بشرية وعسكرية بسبب العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل ضدها سواء داخل أراضيها أو في سوريا ولبنان. إذ ترى إيران أن هذه الكُلفة سوف تكون أقل بكثير مقارنة بالكُلفة التي يمكن أن تتعرض لها في حالة ما إذا نجحت إسرائيل في القضاء على معظم القدرات العسكرية لحزب الله أو عملت مع القوى الدولية المعنية بما يجري في المنطقة، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، على نزع سلاح الحزب وعدم الاكتفاء بسحب عناصره إلى شمال نهر الليطاني ونشر قوات الجيش اللبناني في الجنوب.

وقد بدا ذلك جلياً في تصريحات المسؤولين الإيرانيين. فقد قال المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، خلال لقائه أعضاء مجلس خبراء القيادة في 7 نوفمبر 2023م، أن “إسرائيل لن تتمكن من هزيمة حزب الله”، مضيفاً: “لقد تحول إلى كيان لم يستطع العدو المجهز بأنواع الأسلحة المتطورة والإعلامية والترويجية أن يتغلب عليه”. فيما قال قائد الحرس الثوري حسين سلامي، في 14 نوفمبر 2024م، أن “إيران ستواصل دعمها الشامل لحزب الله والمقاومة”.

وربما لا تستبعد إيران أن تعمل إسرائيل، بدعم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لاسيما في عهد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، على تشكيل محور إقليمي مناوئ لطموحاتها الإقليمية والنووية، إلا أنها ترى أن القوى الإقليمية الرئيسية في المنطقة لن تتماهى بإيجابية مع هذه الترتيبات المحتملة، وهو ما سبق أن أعلنته حتى قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان. بل إن العلاقات الثنائية بين إيران وبعض هذه القوى تتجه نحو مزيد من التطور، على نحو بدا جلياً خلال الأعوام الأخيرة.

  • عودة الأزمة النووية إلى الواجهة: رغم أن الحرب التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة ولبنان ما زالت مستمرة، إلا أن ذلك لا ينفي أن أزمة البرنامج النووي الإيراني سوف تعود إلى الواجهة من جديد، خلال المرحلة القادمة، بفعل متغيرين: أولهما، تصاعد حدة الخلافات بين إيران والدول الغربية حول المستوى الذي وصلت إليه الأنشطة النووية الإيرانية، والذي يعكس إصراراً من جانب إيران على مواصلة تخفيض التزاماتها في الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع مجموعة “5+1” في 14 يوليو 2015م، قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة الأمريكية في 8 مايو 2018م، ثم تعيد فرض العقوبات على إيران بداية من 7 أغسطس من العام نفسه.

وقد كشف التقرير الأخير الذي صدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 19 نوفمبر 2024م، أن كمية اليورانيوم التي قامت إيران بتخصيبها بنسب مختلفة وصلت إلى 6604.4 كيلوجرام، بما يعادل 32 ضعف ما هو منصوص عليه في الاتفاق النووي (202.8 كيلوجرام). فيما وصلت كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى 185 كيلوجرام.

وصول الأنشطة النووية الإيرانية إلى هذا المستوى، بالتوازي مع استمرار تراجع تعاون إيران مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حتى بعد الزيارة التي قام بها المدير العام للوكالة رفاييل جروسي إلى طهران وتفقده منشأتي ناتانز وفوردو اللتين تجري إيران فيهما عمليات تخصيب اليورانيوم، في 15 نوفمبر 2024م، دفع ثلاث دول غربية، هي ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، بدعم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، إلى طرح مشروع قرار تمت الموافقة عليه ويقضي بإدانة عدم تعاون إيران مع الوكالة وتوسيع نطاق أنشطتها النووية، وهو ما ردت عليه إيران بإعلانها وضع أجهزة طرد مركزي جديدة ومتطورة في منشآتها النووية لتسريع عملية تخصيب اليورانيوم خلال المرحلة القادمة.

هنا، يمكن القول إن الأزمة النووية الإيرانية سوف تتصاعد حدتها خلال عام 2025م، خاصة مع اقتراب ما يسمى بـ “يوم النهاية”، في 18 أكتوبر 2025م. فمع حلول هذا اليوم، سوف تنتهي وصاية مجلس الأمن على الاتفاق النووي وستلغى العقوبات الدولية المفروضة على إيران – التي عٌلِّقت بمقتضى الاتفاق – كما ستخرج إيران من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.

ومن أجل منع حدوث ذلك، قد تلجأ الدول الغربية إلى الخيار الوحيد الذي سيكون متاحاً أمامها في هذه اللحظة وهو تفعيل “آلية الزناد” التي تتيح إعادة تطبيق هذه العقوبات الدولية مجدداً وبشكل تلقائي دون أن يكون هناك فيتو – روسي أو صيني – يستطيع أن يمنع ذلك.

ومن دون شك، فإن هذه الأزمة سوف تتفاقم مع الوضع في الاعتبار الرسائل الإيرانية المتتالية التي تفيد إمكان إقدام طهران على تغيير “العقيدة النووية”، في إشارة إلى الفتوى التي سبق أن أصدرها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي في عام 2023 م، وقضت بتحريم إنتاج وتخزين الأسلحة النووية.

هذه الرسائل لا يمكن فصلها عن قراءة إيران للمعطيات الاستراتيجية الجديدة التي فرضتها الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان، والتي خصمت من القدرات العسكرية للمليشيات الموالية لإيران، ووضعت علاقات الأخيرة مع إيران أمام اختبار صعب، والأهم من ذلك أنها دفعتها للانخراط في مواجهات مباشرة مع إسرائيل على نحو لا يتوافق مع حساباتها ومصالحها.

  • احتمال تطور المواجهات المباشرة إلى حرب شاملة: إن أكثر من تخشاه إيران حالياً وتسعى إلى تجنبه هو تحول هذه المواجهات المباشرة إلى حرب شاملة وواسعة النطاق مع إسرائيل. وفي رؤية طهران، فإن هذا المسار لم يعد مستبعداً، لاعتبارين رئيسيين: أولهما، نتائج الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل ضد إيران في 26 أكتوبر 2024م، والتي دفعت المسؤولين الإسرائيليين إلى الترويج لقدرة سلاح الجو الإسرائيلي على “التحرك بحرية في الأجواء الإيرانية”، ولحاجة إيران إلى نحو عام من أجل إعادة بناء منظومة الدفاع الجوي التي تعرضت – وفقاً للرواية الإسرائيلية – للتدمير بفعل تلك الهجمات. فقد أشارت إسرائيل إلى أن هذه الهجمات استخدمت فيها 100 مقاتلة واستهدفت منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي “إس 300″، فضلاً عن منشأة للأبحاث النووية.

وثانيهما، وصول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض من جديد، حيث يتوقع أن يعمل على إعادة تبني سياسة “الضغوط القصوى” ضد إيران القائمة على محاولة “تصفير” الصادرات النفطية الإيرانية التي وصلت إلى 1.7 مليون برميل نفط يومياً، وفرض عقوبات جديدة على إيران، بالتوازي مع التهديد باستخدام الخيار العسكري، مع السماح لإسرائيل باستخدامه فعلاً، وذلك من أجل دفع إيران إلى تغيير سياستها الحالية باتجاه العمل على إبرام تسوية جديدة يمكن أن تساهم في “تحييد الخطر” الذي يفرضه برنامجها النووي وفقاً للرؤيتين الأمريكية والإسرائيلية.

هنا، يمكن القول إن أمام إيران خياران. فإما أنها ستواصل نهجها التصعيدي الحالي، وبالتالي تغامر بالانخراط في حرب مباشرة مع إسرائيل، بدعم أمريكي أكثر قوة من ذي قبل، أو ستعمل على الوصول إلى صفقة جديدة تبعد شبح الحرب المباشرة، وتنقذ برنامجها النووي، وتحافظ على ما تبقى من القدرات العسكرية لوكلائها.

ختاماً، يمكن القول في النهاية إن هذه المعطيات والتحولات في مجملها توحي في مجملها بأن إيران تبدو مقبلة على استحقاقات استراتيجية صعبة خلال المرحلة القادمة، سواء بفعل “تآكل” استراتيجية الردع التي عملت على بنائها على مدى عقود عديدة، أو بسبب تراجع أهمية وتأثير سياسة “الحرب بالوكالة” التي استندت إليها في إدارة صراعها مع خصومها الإقليميين والدوليين، أو بسبب وصول برنامجها النووي إلى مستوى غير مسبوق سوف يضع هذه الأزمة على قمة الخلافات العالقة بين إيران والدول الغربية خلال عام 2025م.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *