دول الخليج والصين شراكة لاستكشاف مسارات التنمية وشركاء في التنمية والسلام

Waving,Flag,Of,China.,Beautiful,Flag,Of,The,People's,Republic

Waving flag of china. Beautiful flag of the People's Republic of China on the street flagpole.

Getting your Trinity Audio player ready...

أ.د. وانغ قوانغدا

أستاذ بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية ــ أمين عام لمركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية


في العصر الجديد، ومع تسارع التحولات الكبرى التي لم يشهدها العالم منذ قرن، تواجه منطقة الشرق الأوسط تيارين متوازيين: تيار الصراع والحرب وتيار السلام والتنمية. وفي هذا السياق، تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دورًا رياديًا كنموذج في تعزيز تيار السلام والتنمية، مما يُرسي أسس الاستقرار والأمن في المنطقة. كما نرى أن دول مجلس التعاون تلتزم بالحفاظ على استقرار المنطقة وأمنها، وتعزيز ازدهار شعوبها، وتقوية العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الإقليمية والدولية، وتعزيز دور المجلس في تحقيق السلام والتنمية المستدامة.

أولًا: بذلت دول مجلس التعاون جهودًا دؤوبة لتحقيق السلام والأمن الإقليميين

تعمل دول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز الوحدة والتكامل الذاتي من خلال قمة مجلس التعاون الخليجي التي تُعقد بشكل دوري، حيث يتم التعبير عن صوت مشترك للسلام الإقليمي. في ديسمبر 2024م، عُقدت القمة الـ 45 لمجلس التعاون في مدينة الكويت، بحضور قادة الدول الأعضاء لمناقشة القضايا الاستراتيجية، وركّزت القمة على كيفية تعزيز الأمن الإقليمي والاستقلالية الاقتصادية. جاءت هذه القمة في ظل تصاعد حدة الصراعات الإقليمية مثل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، الذي كان أحد محاور الاهتمام. وفي البيان المشترك الصادر عن القمة، دعت الدول الأعضاء الجانب الإسرائيلي إلى وقف دائم وفوري لإطلاق النار، كما دعت إلى تقديم كافة المساعدات الإنسانية اللازمة لسكان قطاع غزة لتلبية احتياجاتهم الأساسية. في ظل استخدام إسرائيل “الجوع كسلاح حرب”، أولت دول مجلس التعاون أهمية كبيرة للأمن والاستقرار الإقليميين، ودعت علنًا إلى إنهاء الصراع في غزة. قامت كل من السعودية، الإمارات، وقطر بعمليات إسقاط جوي إنسانية في غزة، مساهمةً بذلك في دعم السلام الإقليمي عمليًا. ومع التوترات الإقليمية المتزايدة واحتمالات عدم الاستقرار التي قد تنجم عن عودة ترامب، تواصل دول مجلس التعاون، من خلال القمم وغيرها من الآليات، تعزيز التوافق لمنع امتداد الصراعات، مما يرسخ السعي العالمي نحو السلام والتنمية، ويجعلها مصدرًا إيجابيًا على الساحة الدولية.

من ناحية أخرى، تولّي دول مجلس التعاون اهتمامًا بالتعاون مع الصين الصديقة لاستكشاف مسارات السلام والتنمية. “إبحث عن السلام، ولو كان في الصين”، هذه العبارة التي أصبحت شائعة في وسائل الإعلام الرئيسية في الصين والدول العربية خلال السنوات الأخيرة، تُبرز ثقة الدول العربية وتطلّعها إلى دور الصين في تعزيز السلام والاستقرار الإقليميين. في أوائل عام 2022م، قام وزراء خارجية أربع دول أعضاء في مجلس التعاون (السعودية، الكويت، عمان، البحرين) والأمين العام للمجلس بزيارة جماعية إلى الصين. وفي مارس 2023م، نجحت الصين في التوسّط لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، مما أدّى إلى موجة من المصالحات بين دول المنطقة، شملت العلاقات بين إيران والإمارات، والإمارات وسوريا، وتركيا ومصر. وفي 27 سبتمبر 2024م، عقد وزير الخارجية الصيني السيد وانغ يي اجتماعًا جماعيًا مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون. وأكّدت الدول الأعضاء في المجلس على تقديرها للدور الإيجابي الذي تلعبه الصين في المنطقة، وأعربت عن تطلّعها إلى مزيد من الإسهامات الصينية في حل قضايا الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن المبادرات الصينية تتماشى مع التغيّرات التي تشهدها المنطقة وتلبّي احتياجاتها، مما يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها دول مجلس التعاون لعلاقاتها مع الصين، ويعدّ خطوة حاسمة في دبلوماسيتها المتّجهة نحو الشرق.

في ديسمبر 2024م، التقى وزير الخارجية الصيني السيد وانغ يي في بكين مع سفراء الدول العربية لدى الصين. عُقد هذا الاجتماع في ظل التغيرات المفاجئة في الوضع السياسي في سوريا. وأكد وانغ يي أن الشرق الأوسط هو ملك لشعوبه، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى ساحة صراع للقوى الكبرى أو أن يكون ضحية للنزاعات الجيوسياسية. وقد قدّمت الدول العربية ثلاثة مطالب رئيسية للصين خلال هذا الاجتماع: أولاً، وقف إطلاق النار في قطاع غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية بشكل دائم. ثانيًا، ضمان وحدة الأراضي اللبنانية ومنع أي محاولات لاحتلالها مجدّدًا. ثالثًا، تعزيز الحوار السياسي بين الأطراف السورية لمنع عودة الإرهاب. تعكس هذه المطالب توق العرب الشديد إلى السلام في المنطقة، كما تعكس خيبة أملهم الكبيرة من السياسات الغربية. على مدار السنوات الأخيرة، عزّزت الصين والدول العربية التعاون في مجالات متعدّدة، بدءًا من الاستثمار في البنية التحتية والطاقة وصولاً إلى البناء المشترك لـ “الحزام والطريق”. أدّى هذا التعاون إلى تعزيز الوجود الصيني في الشرق الأوسط، حيث تزايدت ثقة الدول العربية بالصين التي تعتمد على مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية. وباتت العديد من الدول العربية تطمح إلى دور صيني أكبر في قضايا الأمن الإقليمي.

ثانيًا: خطت دول مجلس التعاون خطوات جديدة نحو بناء علاقات دولية جديدة

في مارس 2023م، أعلنت السعودية اعترافها بوضع “شريك الحوار” في منظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما جذب اهتمامًا واسعًا من المجتمع الدولي. أتاح هذا الوضع للسعودية منصة جديدة لتحقيق أهدافها السياسية والسعي نحو ازدهار اقتصادي واستقرار أمني، ما يتجاوز مفهوم “الحوار” التقليدي. وفي أغسطس 2023م، شهدت منظمة بريكس توسّعًا هو الأول منذ 12 عامًا من تأسيسها، حيث انضمت السعودية إلى جانب خمس دول أخرى لتصبح جزءًا من عائلة بريكس. يعد هذا الحدث لحظة تاريخية في مسيرة تطوّر المنظمة. كمنصة تمثل الاقتصادات الناشئة، تهدف بريكس إلى تعزيز التعاون بين الأسواق الناشئة والدول النامية. ومع انضمام السعودية، زادت قدرة بريكس على تمثيل الدول النامية وتعزيز صوتها وتأثيرها في عملية إصلاح النظام العالمي.

كما أن المصالحة بين السعودية وإيران، التي تمت بوساطة صينية في بكين عام 2023م، أسفرت عن موجة “المصالحة” في المنطقة. انضمام البلدين لاحقًا إلى بريكس يعكس دورًا رياديًا يمكن أن تلعبه السعودية وإيران في تعزيز الاستقرار الإقليمي. يظهر هذا التحوّل رؤية السعودية الجديدة، التي تتسم بالانفتاح والبراغماتية، وسعيها نحو الاستقلالية في صنع قراراتها الدولية، بما يخدم استقرارها الداخلي والخارجي. تمثل السعودية نموذجًا عمليًا في السياسة الخارجية، حيث تعمل على تحقيق تحوّلها من قوة إقليمية إلى قوة عالمية. هذه الاستقلالية لا تعزّز فقط مكانة السعودية في العالم العربي، بل من المتوقّع أن تلهم دولًا أخرى في المنطقة لتبني سياسات تركز على التنمية والاستقرار الإقليميين. من جهة أخرى، تعكس عملية توسعة بريكس التي شملت أربع دول شرق أوسطية الأهمية التي توليها الدول العربية، ومنها السعودية، للمنصات التي تقودها الصين ودول أخرى مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. تعكس هذه الخطوة رغبة السعودية والدول العربية في تعزيز التعاون مع الدول النامية ومواجهة التحديات العالمية بصوت موحّد من الجنوب العالمي. وكما صرح وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان: “نتطلع إلى تعزيز التعاون مع دول بريكس وخلق فرص جديدة للنمو والتطوّر الاقتصادي، ورفع مستوى العلاقات إلى آفاق جديدة”.

يُظهر التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي اتجاهًا إيجابيًا في بناء الثقة الاستراتيجية بينها. في ظل الاتجاه المتزايد نحو التكامل السياسي والاقتصادي على المستوى الإقليمي، يبدو التعاون الجماعي بين الصين والمنظمات الإقليمية مثل مجلس التعاون أكثر فعالية. يعكس هذا التعاون تطلّعات دول الخليج للتنمية والوحدة، كما يساهم في تعزيز التنسيق الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الإقليمي. في المستقبل، يُتوقع أن تشهد الشراكة بين الصين ودول مجلس التعاون تعزيزًا في إطار منظمات إقليمية مثل منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس، مما يتيح تنسيقًا أفضل في مواجهة الأحداث العالمية والإقليمية الكبرى، وتعزيز القدرة على التعامل مع التحديات العالمية في عالم مليء بالاضطرابات.

ثالثًا: تطبّق الصين مبادئ “التوسط لتعزيز الحوار” و”التعاون من أجل التنمية”

من ناحية، تعزّز الصين جهودها لحل النزاعات في الشرق الأوسط. بتوجيه من مبادرة الأمن العالمي، دفعت الصين في عام 2024م، نحو حل النزاعات في الشرق الأوسط. صوّتت الصين في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة عدة مرات لصالح وقف إطلاق النار الفوري في غزة وفتح ممرّات إنسانية لتقديم المساعدات لها. في يوليو 2024م، دعت الصين 14 فصيلًا سياسيًا فلسطينيًا لزيارة بكين، حيث تم التوصّل إلى “إعلان بكين”، مما أسهم في دفع مسار المصالحة الداخلية الفلسطينية. وقدّمت الصين دعمًا إيجابيًا لتحقيق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي من خلال مساعيها لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. ترى الصين أن القضية الفلسطينية هي القضية المحورية في الشرق الأوسط، وأنه لا يمكن حل قضايا لبنان وسوريا وأزمة البحر الأحمر إلا بتحقيق استقلال فلسطين. إلى جانب ذلك، قدّمت الصين مساعدات طارئة مالية وإنسانية لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) والحكومة الفلسطينية، وأرسلت شحنات من المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر مصر. كما دعمت الصين لبنان في المحافل الدولية، واستمرت في تشجيع المصالحة السعودية-الإيرانية، ودعت إلى حل الخلافات من خلال الحوار الشامل وتعزيز الثقة المتبادلة لتحقيق هيكل أمني مستدام في الشرق الأوسط.

من ناحية أخرى، تساهم الصين في تعزيز التنمية في الشرق الأوسط من خلال تنفيذ مبادرة التنمية العالمية. في 30 مايو 2024م، عقد المنتدى الوزاري العاشر للتعاون الصيني العربي في بكين، بحضور رؤساء مصر والإمارات وتونس والبحرين. أعلنت الصين والبحرين إقامة شراكة استراتيجية شاملة، وأقامت شراكة استراتيجية مع تونس. على أساس “ثمانية أعمال مشتركة”، اقترح الرئيس الصيني شي جين بينغ بناء “خمس معادلات للتعاون”، مما أعطى زخمًا جديدًا لبناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين والدول العربية. وفي سبتمبر 2024م، زار رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ السعودية والإمارات لتعزيز التعاون العملي بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي. ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق”، حقّق التعاون بين الصين ودول الخليج إنجازات ملموسة. على سبيل المثال، تعدّ السعودية شريك التجارة الأكبر للصين في الشرق الأوسط لمدة 22 عامًا متتالية. كما أن أكبر محطة طاقة شمسية في العالم، “محطة الظفرة للطاقة الشمسية الكهروضوئية” في أبو ظبي، والتي أنجزتها شركات صينية عام 2023م، توفّر الكهرباء لما يقارب 200 ألف منزل. في السعودية، يهدف مشروع “مدينة البحر الأحمر الجديدة” بمشاركة شركات صينية، إلى الاعتماد بنسبة 100% على الطاقة النظيفة عند اكتماله. وفي الدوحة، تمثل الحافلات الكهربائية الصينية 80% من إجمالي الحافلات العامة. علاوة على ذلك، يتزايد اعتماد دول مجلس التعاون الخليجي على اليوان الصيني في التبادلات التجارية. في عام 2023م، أكملت الصين أول عملية تسوية عبر الحدود للنفط الخام باستخدام اليوان الرقمي. قد وقّعا الشعب الصيني والبنك المركزي السعودي على اتفاق مبادلة العملة المحلية الثنائية، وحجم التبادل هو 50 مليار يوان / 26 مليار ريال سعودي، فهذا الاتفاق ساري المفعول لمدة ثلاث سنوات، يمكن تمديدها بموافقة الطرفي. كما جددت الصين والإمارات اتفاقية تبادل العملات بقيمة 48.9 مليار دولار لمدة خمس سنوات، ووقّعتا مذكرة تفاهم لتطوير العملات الرقمية. وعلى الرغم من استمرار المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي منذ أكثر من 20 عامًا، يواصل الطرفان بذل جهود مشتركة لتحقيق هذا الهدف قريبًا.

رابعًا: تتعاون الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لتحقيق السلام والتنمية

على أساس المساواة والاحترام المتبادل، تدفع الصين ودول مجلس التعاون الخليجي معًا نحو إصلاح نظام الحوكمة العالمي. تُعد الصين ودول مجلس التعاون الخليجي شركاء طبيعيين في البناء المشترك لـ “الحزام والطريق”، وأخوة وشركاء وأصدقاء يعملون معًا لتحقيق التحديث والتنمية. كلما زادت اضطرابات العالم، ازدادت الحاجة لتعميق التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون، وزادت أهمية تعزيز التضامن. في هذا العالم المضطرب، تمثل الصين ودول مجلس التعاون قوة للسلام والتنمية. على عكس المنظمات الدولية التقليدية التي تتبنى سياسات العزل ومهاجمة طرف معين أو تعزيز الانقسامات الجيوسياسية، تعتمد الصين ودول مجلس التعاون، بالتعاون مع الدول العربية والجنوب العالمي، مبادئ الاحترام المتبادل والمساواة والتعاون من أجل تحقيق مكاسب متبادلة، مع التزام الأطراف بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، مما يعزّز إعادة تشكيل النظام الدولي وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. يمكن القول بأن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون ليس فقط نموذجًا للتعاون بين دول الجنوب، بل هو أيضًا نموذج للتعاون الإقليمي والدولي.

تحترم الصين ودول مجلس التعاون الخليجي المسارات التنموية الخاصة بكل منهما، وتعملان معًا على تنفيذ التعدّدية الحقيقية، مما يسهم في حماية المصالح المشتركة للدول النامية، وتعزيز القواعد الأساسية للعلاقات الدولية والعدالة الدولية. في الوقت الذي تروج فيه بعض الدول لما يسمى بـ “فراغ السلطة في الشرق الأوسط”، تظل الصين داعمة للاستقلال الاستراتيجي لدول مجلس التعاون، وتعزّز التضامن الذاتي، وتدعم التعاون الإقليمي لحل قضايا الأمن، كما تؤيّد حق شعوب المنطقة في استكشاف المسارات التنموية الخاصة بها. في أوائل عام 2022م، وخلال الزيارة المكثّفة لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وأمينه العام إلى الصين، أكّد وزير الخارجية الصيني وانغ يي على التزام الصين تجاه دول مجلس التعاون ودعمها لمسارها المستقل، معارضة أي تدخّل خارجي في شؤونها الداخلية. هذا الالتزام يقوم على القيم والمصالح المشتركة، مما يعزّز باستمرار الثقة السياسية المتبادلة بين الطرفين. حتى الآن، أقامت الصين شراكات استراتيجية شاملة مع السعودية والإمارات والبحرين، وشراكات استراتيجية مع قطر وعمان والكويت، مما عزّز دور الدول غير الغربية في العلاقات الدولية وساهم في بناء نظام جديد للعلاقات الدولية.

على أساس المنفعة المتبادلة، تستكشف الصين ودول مجلس التعاون الخليجي معًا طرقًا لتحقيق التنمية الحديثة. تمتلك الصين سوقًا استهلاكية واسعة ونظامًا صناعيًا متكاملًا، بينما تتمتع دول مجلس التعاون بموارد طاقة غنية وتشهد تقدمًا في تنويع اقتصادها. يمثل الجانبان نوعًا جديدًا من الشراكة في الجوهر، حيث يسهم تكامل الاستراتيجيات التنموية بينهما في تعزيز المزايا التكميلية وتنمية الديناميكيات المشتركة. في العقد الماضي، حافظت الصين على مكانتها كأكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون وتحافظ دول مجلس التعاون على المرتبة الأولى كأكبر مصدّر للنفط الخام إلى الصين. وقد وقّعت الصين مع جميع دول مجلس التعاون اتفاقيات تعاون في إطار مبادرة “الحزام والطريق”. لنأخذ مثال حجم التجارة بين الطرفين خلال هذه السنوات الثلاث الأخيرة، ففي عام 2020م، بلغ حجم التجارة بين الصين ودول مجلس التعاون أكثر من 160 مليار دولار. وفي عام 2021م، تجاوز حجم التجارة الثنائية 230 مليار دولار، بزيادة 44%. في عام 2023م، وصل حجم التجارة إلى 286 مليار دولار، مما يعزّز مكانة الصين كأكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون.

الطاقة هي المحور الرئيسي للتعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي. في عام 2021م، تجاوزت واردات الصين من النفط الخام من دول مجلس التعاون حاجز 200 مليون طن، حيث احتلت دول مجلس التعاون أربعة مراكز ضمن أكبر عشرة مصادر لواردات الصين النفطية. وفي العام نفسه، تعهّدت شركة أرامكو السعودية بإعطاء الأولوية لتزويد الصين بالنفط الخام لمدة 50 عامًا. في عام 2022م، وقّعت العديد من الشركات الصينية اتفاقيات طاقة مع دول مجلس التعاون. على سبيل المثال، أعلنت شركة قطر للطاقة عن إبرام اتفاقية طويلة الأجل مع شركة “سينوبك” الصينية لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 27 عامًا، وهي أطول اتفاقية من نوعها في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال. تهدف هذه الاتفاقية إلى تحسين هيكل استهلاك الطاقة في الصين وتعزيز أمن واستقرار وموثوقية إمدادات الطاقة. في ظل مساعي بعض الدول إلى تسييس موارد الطاقة العالمية واستخدامها كأداة سياسية، تلتزم دول مجلس التعاون الخليجي بالاستقلال الاستراتيجي وتتعاون مع الصين للحفاظ على استقرار سوق الطاقة الدولية وتحقيق مكاسب متبادلة، مما يعزّز العمق الاستراتيجي للعلاقات بين الجانبين.

مع التوجّه نحو تنويع الاقتصاديات الوطنية وترقية البنية الصناعية في دول مجلس التعاون، توسع التعاون بين الصين ودول المجلس من المجالات التقليدية للطاقة إلى مجالات الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والطاقة النووية والهيدروجينية. مشاريع مثل محطة “حصيان للطاقة النظيفة” في الإمارات، ومشروع الطاقة الشاملة في البحر الأحمر بالسعودية، ومحطة الخرسعة للطاقة الشمسية في قطر، ومحطة عبري للطاقة الشمسية في سلطنة عمان، لم ترفع فقط مستوى التعاون بين الصين ودول المجلس في مجال الطاقة، بل ساهمت أيضًا في دفع عجلة التحوّل الطاقوي في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، أصبح التعاون في التكنولوجيا المتقدّمة نقطة مضيئة جديدة في العلاقات بين الجانبين. تعتبر دول المجلس من أوائل الدول التي تعتمد تقنية الجيل الخامس الصينية، كما أقامت شراكات واسعة مع الشركات الصينية في مجالات مثل الفضاء، الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، وغيرها، مما جعلها سوقًا رئيسيًا للشركات الصينية في التكنولوجيا المتقدّمة. فقد حقّقت مشاريع مثل مدينة جازان للصناعات في السعودية، ومنطقة التعاون الصناعي الصيني-الإماراتي، ومنطقة الصناعات الصينية-العمانية تقدمًا ملموسًا.

تعمل الصين ودول مجلس التعاون الخليجي حاليًا على تسريع مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، ما سيمكّن الطرفين من تعزيز تعاونهما إلى مستوى جديد. ستتيح هذه الاتفاقية للصين فرصة الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لدول المجلس، بينما ستسهم في تحويل المنطقة إلى مركز لوجستي وشحن رئيسي يمتد تأثيره إلى المناطق المجاورة، مع جذب أكثر استثمارات وتقنيات لتسريع تنويع اقتصاداتها.بتوجيه من القمة الأولى بين الصين ودول مجلس التعاون، سيستمر تعميق التعاون في المجالات التقليدية مثل القدرة الإنتاجية والبنية التحتية والطاقة، وستتوسع آفاق التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة مثل الجيل الخامس والتصنيع الذكي، مما يشكل صورة جديدة للتنمية المشتركة بين الصين ودول المجلس.

من المعروف أن التنمية باعتبارها الموضوع الأبدي للمجتمع الإنساني، ستظل القضية الكبرى التي تواجهها الصين ودول مجلس التعاون. نعتقد أن السلام أساس التنمية، والتنمية قوة دافعة للسلام. السلام يوفر بيئة داخلية وخارجية مواتية للتنمية بينما تكمن أهمية التنمية في دفع التقدم الوطني، ورفع مستوى معيشة الشعب، والقضاء على التطرّف. على الرغم من أن النزاعات في المنطقة مثل الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي والتغيّرات في سوريا تؤدي إلى اضطرابات محلية وتؤثّر جزئيًا على الاستقرار الإقليمي، إلا أنها لن توقف تقدّم دول مجلس التعاون نحو بناء نظام إقليمي متعدد الأقطاب ومتوازن. في الصراع الفلسطيني / الإسرائيلي الأخير، أظهرت دول المنطقة مثل السعودية وإيران تنسيقًا واضحًا ودعمت العدالة الفلسطينية، لكنها تجنبت التورط المباشر في النزاع، مما يظهر حرصها على الحفاظ على استقرارها المكتسب بشق الأنفس. ورغم التوترات الإقليمية واحتمالات عدم الاستقرار نتيجة سياسات ترامب، فإن دول مجلس التعاون الخليجي لن تحيد عن استراتيجياتها التنموية المستقلة. أما الصين، فإنها، بصفتها دولة مسؤولة، لن “تبتعد عن الشرق الأوسط”، بل ستواصل لعب دور بنّاء في الحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين، ستدعم دول مجلس التعاون الخليجي في استكشاف مساراتها التنموية المستقلة، وستبقى شريكًا موثوقًا يمكن الاعتماد عليه لتحقيق التنمية والسلام في الشرق الأوسط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *