الموقف الخليجي تجاه “خور عبد الله” حفز بغداد لتطويق محاولات إيران تعكير العلاقات العراقية -الخليجية
Iran and Iraq flag together
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. إحسان الشمري
استاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية _جامعة بغداد
كان لغزو النظام العراقي السابق لدولة الكويت في العام 1990م، آثار كبيرة على منطقة الشرق الأوسط والدول العربية والخليجية، وكان نسفًا لروابط العلاقة بين العراق والكويت، إلا أن الخطوات الإيجابية بين البلدين للتخلص من تلك الآثار بدأت بعد العام 2003م، سواء من خلال تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي، أو من خلال علاقات ثنائية اتسمت بالثقة للبدء بمرحلة جديدة من التعاون على أساس المصالح المشتركة، فقد كانت الكويت من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام السياسي الجديد في العراق وقدمت العديد من المبادرات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية لدعم مسار العلاقة بين الدولتين حتى وصل الأمر إلى رعايتها مؤتمر الدولة المانحة عام 2018م، لغرض إعادة إعمار المحافظات التي دمرها تنظيم داعش ، وعمل العراق على الإيفاء بكل التزاماته تجاه الكويت وطبقًا للقرارات الأممية، مما ساعد بغداد على استكمال الظروف القانونية لخروجه من أحكام البند السابع بعد تصويت مجلس الأمن الدولي على القرار 2621 لعام 2022م، على إغلاق ملف القرارات الأممية، بعد إيفائه بجميع التزاماته.
رغم التقدم في حل وغلق الملفات العالقة بين الدولتين، إلا أن ملف ترسيم الحدود البحرية يعد آخر الملفات الحساسة التي لم يتم تجاوزها بشكل نهائي، فقد كان قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993م، من أبرز المحطات القانونية، حيث رسم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، بما في ذلك النقاط الحدودية في خور عبد الله ؛ ورغم التصديق على هذا القرار وتنفيذه جزئيًا، ظلت بعض النقاط محل خلاف أبرزها المنطقة البحرية الواقعة بعد العلامة 162 التي تعد نقطة غير مرسمة بين البلدين، ويُشكّل خور عبد الله نقطة محورية في هذا السياق، إذ يقع بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويُعدّ ممرًا ملاحيًا حيويًا كونه المنفذ الوحيد الذي يربط العراق بموانئ البصرة ويتصل بالساحل العراقي عبر خور الزبير، و على ضفتي هذا الممر يقع ميناء الفاو العراقي وميناء مبارك الكبير الكويتي، مما يجعل المنطقة ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية للطرفين.
_ ترسيم الحدود البحرية وقرار المحكمة الاتحادية:
اعتمدت العلاقات الثنائية بين العراق والكويت على سلسلة من القرارات الدولية لتنظيم الحدود البرية والبحرية وخصوصاً قرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993م، والذي مهد لعقد اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله عام 2012م، والتي أقرتها السلطات العراقية في عام 2013م، هذه الاتفاقية جاءت تعزيزاً لالتزام العراق بقرارات الأمم المتحدة، بهدف إظهار حسن النية وتحسين العلاقات مع الكويت، وتضمنت الاتفاقية تنظيم الملاحة البحرية وضمان حرية الملاحة البحرية لكلا الطرفين في خور عبد الله، وترسيم الحدود البحرية لتعزز الالتزام بترسيم الحدود البحرية، وكذلك تضمنت الاتفاقية الإدارة المشتركة للممر المائي والتعاون بين الجانبين لتنظيم استخدام خور عبد الله، مع تشكيل لجان مشتركة لإدارة القناة البحرية، كما نصت على المسار القانوني وآليات لتسوية الخلافات التي قد تنشأ حول تفسير أو تنفيذ بنودها، وذلك عبر الحوار الثنائي أو اللجوء إلى الهيئات الدولية.
رغم هذا الاتفاق إلا أن الخلاف استمر لاحقًا وتمحور حول تحديد الخط الأساس الذي يتم من خلاله ترسيم حدود البحر الإقليمي للدولة ؛ فالكويت اعتمدت عام 2014م، خط أساس يبدأ من البر الرئيسي والجزر الكويتية، وليس خط الوسط كما هو الحال في خور عبد الله ، وتعاملت مع مرتفع يسمى “فشت العيچ” يقع في مدخل خور عبد الله على أنه جزيرة وبالتالي تريد دولة الكويت ترسيم الحدود البحرية انطلاقًا منها، وهو ما اعترض عليه العراق الذي يعد هذه المنطقة مجرد “منطقة ضحلة” لا يجب أن يُلتفت إليها في ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، إذ يرى العراق أن الرؤية الكويتية في تلك المنطقة تؤدي إلى تغيير الحدود البحرية دون اتفاق ثنائي واضح، في المقابل، تستند الكويت إلى قرارات مجلس الأمن وإلى سيادتها على تلك المنطقة، حيث تؤكد الكويت أن منطقة فشت العيج الواقعة بعد العلامة 162، تقع داخل مياهها الإقليمية، في حين يرى العراق أنها تقع في منطقة بحرية لم يتم الاتفاق على تبعيتها بعد ؛ مما دفع عددًا من نواب في البرلمان العراقي إلى رفع دعوة إلى المحكمة الاتحادية بالطعن بدستورية اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله ، إلا أن المحكمة الاتحادية أصدرت قرارها المرقم 21/ اتحادية/ 2014م، الذي رد الدعوى بأن الطعن لا يدخل ضمن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا، وعلى المستوى الرسمي قدم العراق شكوى رسمية في أغسطس 2019م، إلى الأمم المتحدة اعتراضًا على إنشاء الكويت منصة بحرية في فشت العيج، مشيرًا إلى أنها تُحدث تغييرًا في الحدود البحرية دون اتفاق مسبق، رغم إدراك العراق عدم وجود إمكانية للاعتراض أو الشكوى على القرارات الصادرة من مجلس الأمن فيما يخص الكويت.
عاد حراك بعض القوى السياسية في العراق مجددًا في سبتمبر 2020م، عندما طالب 100 نائب عراقي بإلغاء اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله، معتبرين أنها تؤثر سلبًا على مشروع ميناء الفاو الكبير بسبب ضيق القناة المائية المتاحة للعراق ضمن الخور ، فضلاً عن ذلك فقد أعاد العراق ترسيم خطه الأساس لتحديد بحره الإقليمي جنوب العلامة 162 عام 2021 م، يبدأ من كاسر الأمواج الخاص بميناء الفاو الكبير، وليس الساحل الطبيعي، وعلى الأغلب أنه لجأ إلى هذا التحديد الجديد لاستخدامه كورقة تفاوضية ؛ ومع اقتراب رسمي عراقي / كويتي لترسيم الحدود البحرية من خلال اللجان الفنية المشكلة بين البلدين تقدم عدد من النواب بطلب للمحكمة الاتحادية للنظر من جديد بدستورية اتفاقية الملاحة في خور عبد الله وعلى أثرها قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق في 4 سبتمبر 2023م، بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله بين العراق والكويت، والمعروف بقانون رقم 42 لسنة 2013م، بسبب أن عملية التصديق على الاتفاقية خالفت أحكام المادة 61/رابعًا من دستور جمهورية العراق، التي تنص على أن المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية يجب أن تتم بقانون يُسنّ بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، هذا القرار ألزم حكومة محمد شياع السوداني بعدم العمل بالاتفاقية أولاً وإعاقة عمل اللجان الفنية لترسيم الحدود وأدخل العلاقات بين بغداد والكويت في مرحلة التوتر .
– موقف دول الخليج وجامعة الدول العربية من الأزمة:
لم يكن قرار المحكمة الاتحادية متوقعًا من قبل دولة الكويت، رغم وجود دعوات داخلية في البرلمان العراقي لإسقاط اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، الأمر الذي ضاعف من المخاوف الكويتية من أن يكون هذا الإلغاء مقدمة لبداية تعثر في العلاقات ومن ثم عدم استكمال عمل اللجان الفنية المعنية بترسيم الحدود فضلاً عن ذلك عدت الكويت بأن قرار الإلغاء يتناقض مع بنود الاتفاقية في جانبها القانوني ، لذا دعت الكويت إلى ضرورة اتخاذ العراق إجراءات لمعالجة تداعيات الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا القاضي ببطلان الاتفاقية المبرمة بين البلدين بشأن تنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله إذ سلمت وزارة الخارجية الكويتية السفير العراقي لدى الكويت، مذكرة احتجاج على هذا الحكم، وكذلك كان هناك موقفًا رسميًا مثله ولي العهد (آنذاك) مشعل الأحمد الجابر الصباح ممثل أمير دولة الكويت في كلمة ألقاها في 31 أكتوبر 2023م، خلال افتتاح الفصل التشريعي لمجلس الأمة الكويتي، شدد فيها على موقف بلاده الرافض لقرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق بشأن عدم دستورية اتفاقية خور عبد الله المبرمة لتنظيم الملاحة بين البلدين وعد هذا القرار ” مخالفًا للاتفاقيات والقوانين والمواثيق الدولية كافة ” وأكد على التزام بلاده بتلك الاتفاقيات والقوانين الدولية.
إزاء هذه التطورات تناول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في اجتماعه المنعقد في دولة الكويت في 1 ديسمبر 2024 م، تداعيات قرار المحكمة الاتحادية العراقية وخصص بيانه الختامي في دورته الخامسة والأربعين المواد ( 113 إلى ( 118 رؤيته تجاه العراق أولا وخارطة طريق لدفع العلاقات الخليجية – العراقية والعلاقات العراقية – الكويتية نحو مزيد من الاستقرار ، فقد أكد المجلس الأعلى على مواقفه وقراراته الثابتة تجاه العراق، ودعم الجهود القائمة لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق، مشدداً على أهمية الحفاظ على سلامة ووحدة أراضي العراق وسيادته الكاملة وهويته العربية، ومساندته لمواجهة الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة تكريساً لسيادة الدولة وإنفاذ القانون، كما أشاد المجلس الأعلى بالشراكة الإيجابية بين مجلس التعاون والعراق، وأكد على المضي قدماً في إنجاز مشروع الربط الكهربائي لربط العراق بشبكة الكهرباء في دول مجلس التعاون، وبخصوص تداعيات قرار المحكمة الاتحادية العراقية دعا المجلس الأعلى العراق لاستئناف اجتماعات الفرق الفنية القانونية المعنية بترسيم الحدود لما بعد العلامة الحدودية رقم 162، كما دعا العراق للاستجابة لطلب دولة الكويت باستئناف اجتماعات اللجنة الكويتية-العراقية المشتركة لتنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله، وشدد المجلس الأعلى على أهمية احترام جمهورية العراق لسيادة دولة الكويت ووحدة أراضيها، والالتزام بالتعهدات والاتفاقيات الثنائية والدولية وكافة قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 833 (1993م)، بشأن ترسيم الحدود الكويتية – العراقية البرية والبحرية. كما دعا المجلس الأعلى جمهورية العراق إلى العمل الجاد لاستكمال ترسيم الحدود البحرية بين البلدين لما بعد العلامة البحرية 162، والالتزام باتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله الموقعة بين الطرفين عام 2012م، ورفض المجلس حيثيات حكم المحكمة الاتحادية العليا في العراق بشأن الاتفاقية واعتبر أي قرارات أو ممارسات أحادية الجانب في هذا الشأن باطلة ولاغية.
إن النظر لما طرحه المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون يؤكد أن هناك مسؤولية تضامنية مع دولة الكويت أولاً ، وقلق المجلس على ألا يكون قرار إلغاء الاتفاقية بين العراق والكويت بداية لتصدع العلاقات الوثيقة بين البلدين مما قد يؤثر على العلاقات الخليجية – العراقية التي تمر بأفضل حالاتها ثانيًا، وكما يهدف المجلس من خلال هذه البنود إلى دعم الحلول الدبلوماسية بين الدولتين من خلال حوارات ثنائية تستند إلى القرارات الأممية وبما يعزز العلاقة والمصالح المشتركة بين البلدين ، ثالثًا، كذلك فإن بنود البيان الختامي للمجلس التي تناولت أزمة ترسيم الحدود تطابقت مع موقف الجامعة العربية التي أكدت في مايو 2024م ، أن الكويت والعراق يستطيعان مناقشة وحل قضية ترسيم الحدود البحرية بشكل ثنائي دون الحاجة إلى تدخل الجامعة، مما يعكس رؤية عربية لدول مجلس التعاون الخليجي في بيانهم الختامي بخصوص هذه القضية رابعا.
ــ العراق والتعاطي الداخلي والخارجي مع الأزمة:
شكل قرار المحكمة الاتحادية تقييدًا قانونيًا لمحاولات حكومة محمد شياع السوداني لتطوير علاقات العراق مع دولة الكويت وتاليًا مع دول الخليج العربية، فقرارات المحكمة الاتحادية باتت ملزمة لكافة السلطات، فضلًا عن أن تبنى تقديم الطلب للمحكمة الاتحادية هي كتلة “حقوق” الجناح السياسي لكتائب حزب الله العراقي الحليفة لإيران والتي هي جزء من الإطار التنسيقي الشيعي حاضنة السوداني السياسية وتزامن طلبها مع أزمة استثمار حقل الدرة الغازي في الخليج العربي من قبل المملكة العربية السعودية ودولة الكويت بمعزل عن ادعاءات إيران بالعائدية المشتركة بالحقل، لذا واجهت الحكومة العراقية تحديات داخلية وضغوط سياسية من بعض الأحزاب والفصائل المسلحة القريبة من إيران التي تعارض بعض بنود الاتفاقيات السابقة مع الكويت، بل يطالب عدد منهم بمراجعة للقرارات السابقة التي صدرت من مجلس الأمن الدولي في تسعينيات القرن الماضي، مع الاعتراض الكامل على اتفاقية خور عبد الله ، ومع وجود هذه الإرادة السياسية إلا أن حكومة بغداد انخرطت بحوارات سياسية داخلية أثمرت عن تطويق التصعيد مع دولة الكويت ، والانتقال بالتطمينات إلى الجانب الكويتي، ففي اول لقاء بين رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني مع نظيره رئيس الوزراء الكويتي أحمد نواف الأحمد الصباح على هامش مشاركتهما في الدورة الـ78 لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت بين 19 و26 سبتمبر 2024م، أظهر السوداني موقفًا أكثر مرونة وأكد حرصه على سيادة أراضي دولة الكويت وسلامتها، بما لا يتعارض مع الدستور العراقي والقانون الدولي، وهو ما يعني ضمنيًا التزام الحكومة العراقية باتفاقية 2013م، مع الكويت وقرار مجلس الأمن رقم 833 ، ولكن دون موقف حاسم بشأن حكم المحكمة الاتحادية العليا غير القابل للطعن ؛ كذلك فإن رئيس المحكمة الاتحادية العليا في العراق، وفي موقف لافت ، شدد على أن اتفاقية خور عبد الله ليس لها تأثير سلبي على حسن الجوار مع الكويت وأن المحكمة الاتحادية أصدرت حكماً يقضي بعدم دستورية اتفاقية خور عبد الله، ولم تخض في الجوانب الفنية للاتفاقية ومشيدًا بالعلاقات التاريخية والقديمة سواء على الصعيد الشعبي أو على الصعيد الرسمي بين العراق والكويت.
على الأرجح فإن الموقف الموحد لمجلس التعاون لدول الخليج العربي تجاه تطورات قرار المحكمة الاتحادية العراقية، ساهم وحفز بشكل كبير السلطات العراقية على تطويق تداعيات هذا القرار وبما يعزز الاستقرار الإقليمي ويضمن احترام الاتفاقيات الدولية ، كذلك شجع الموقف الخليجي على عدم استخدام ملف ترسيم الحدود البحرية من قبل إيران لتعكير العلاقات العراقية – الخليجية المتنامية على أساس المصالح المشتركة ، خصوصًا وأن توسع الخلاف بين بغداد والكويت قد يؤثر على سياسة الحكومة العراقية التي تسعى إلى تعزيز العلاقات مع دول الخليج من خلال مشروعات التعاون الاقتصادي والأمني ، وكان لدعوة مجلس التعاون لدول الخليج العربية العراق إلى استئناف الاجتماعات الفنية مع الكويت لترسيم الحدود بعد العلامة 162، قد أثمرت في ديسمبر 2024م، إلى عقد الاجتماع للجنة الفنية بين العراق والكويت، إذ تم بحث استكمال ترسيم الحدود البحرية بما يتماشى مع القانون الدولي .
_ترسيم الحدود البحرية التحديات والفرص:
إن عقد أعمال الاجتماع السابع للجنة الفنية القانونية العراقية – الكويتية المشتركة في بغداد بتاريخ 16 ديسمبر 2024م، الخاصة بترسيم الحدود البحرية، رغم أنه يعكس رغبة الحكومة العراقية بتجاوز أي مساحة خلاف حول الالتزامات مع الكويت، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود تحديات تعيق الوصول إلى اتفاق نهائي بهذا الملف ترتبط بالجانب العراقي على وجه الخصوص ، وتتمثل هذه التحديات باستمرار وجود إرادة سياسية تمثلها عدد من القوى والأحزاب والشخصيات السياسية التي تجد أن ترسيم الحدود البحرية سيؤدي إلى قتل الممر البحري العراقي المطل على الخليج العربي مما يعني خروج ميناء الفاو عن الخدمة وموانئ أم قصر في محافظة البصرة الإجراء الذي سيؤثر على الاقتصاد العراقي، وهذه التفصيلية ستكون عامل ضغط كبير على صانع القرار في العراق خصوصًا والذي قد ينظر للترسيم ليس على أساس الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي وإنما على أساس المنافسة الجيوسياسية بين البلدين في المنطقة الاقتصادية ومستويات الضرر على إطلالة العراق البحرية على الخليج العربي، فضلاً عما يمثله الحضور الإيراني في الداخل العراقي الضاغط في هذا الملف على العراق خصوصًا وأن إيران أيضًا لم تحسم إلى الآن حدودها البحرية مع دولة الكويت .
قد تكون احتمالية عدم التوصل لاتفاق نهائي بخصوص الترسيم أمراً واردًا على المدى القريب، لذا قد تكون هنالك عدة سيناريوهات لحسم هذا الملف ومنها في الداخل العراقي يتمثل بإعادة التصويت في مجلس النواب العراقي على اتفاقية الملاحة في خور عبد الله أو طرح مسودة مشروع لتعديل عدد من بنود الاتفاقية، أو أن تذهب الحكومة العراقية إلى إخطار الكويت بتعليق الاتفاقية وبدء مفاوضات جديدة ، مما قد يقوض هذا السيناريو فرص التوصل لاتفاق ثنائي ويدفع الكويت بالعودة إلى مجلس الأمن الدولي لإلزام العراق بتنفيذ قراراته السابقة، أو قد يضطر العراق كجزء من الالتزام بنصوص الاتفاقية ( في حال الخلاف ) من اللجوء لمبدأ التحكيم الدولي من خلال المحكمة الدولية لقانون البحار لحسم النزاع في الحدود البحرية، وهذا الخيار أيضاً سيكون أحد الخطوات التي يمكن لدولة الكويت العمل عليه إذا ما وجدت أن العراق لم يعالج قرار المحكمة الاتحادية العليا.
لا يمكن القفز على حقيقة أن ترسيم الحدود يمثل اختبارًا وتحديًا كبيرًا أمام العراق والكويت ودول الخليج العربي، إلا أن هذا التحدي ممكن أن يتحول لمسار من الفرص لبناء مصالح مشتركة بين جميع هذه الأطراف، سيما وأن هناك مقدمات لترابط سياسي واقتصادي وأمني ؛ إن القناعة بالحوار المتبادل الذي ينتج عنه اتفاق تثبيت الحدود البحرية والوصول إلى حلول مرضية للطرفين سواء بالتوافق، أو من خلال الآليات القانونية التي تتيحها الاتفاقية، سيفتح الباب أمام اتفاقات في مجالات أخرى ما بين العراق والكويت بخصوص الحقول النفطية المشتركة وفي مجالات التنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية المتداخلة بينهم أو على مستوى البقع الجغرافية النفطية في المحافظات العراقية، واقتصاديًا يمكن أن يفتح الباب لتعاون أكبر في مجالات التجارة المتبادلة ورفع حجم التبادل بين البلدين والاستثمار وبما يعزز الاقتصاد العراقي ويوفر فرص عمل للأيدي العراقية، كذلك إن بناء الثقة سيكون عامل مساعد لإمكانية التعاون والتنسيق (تجاري – تنظيمي) ما بين ميناء الفاو الكبير العراقي وبين ميناء مبارك الكبير الكويتي وبما يعزز مكانة الخليج العربي ودوله في خطوط النقل والتجارة العالمية بتحويل خور عبد الله إلى ممر دولي مشترك في سياق الخطط العديدة المطروحة لخطوط نقل بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط ،وأيضًا يساعد هذا التعاون في مجال الموانئ على الربط السككي بين الكويت والعراق مُستقبلاً ومنها أيضاً مشروع طريق التنمية من خلال إشراك دولة الكويت كطرف فاعل في هذا المشروع، مما يحول العراق إلى ممر دولي لنقل البضائع إلى بقية الدول العربية والإقليمية وأوروبا، كما سيعزز الوصول إلى اتفاق بين بغداد والكويت الحضور العراقي في العقل السياسي والاقتصادي لدول الخليج العربية الذي سينظر للعراق شريكًا موثوقًا في مختلف المجالات خصوصًا وأن بغداد في سباق مع الوقت لاستكمال الربط الكهربائي مع المنظومة الخليجية مما يتيح له التحرر من الضغوط الإيرانية في هذا القطاع، وعلى المستوى الخارجي سيظهر العراق للمجتمع الدولي، ما بعد الوصول لاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية، قدرته على الالتزام بالقرارات والاتفاقيات الدولية الضامنة لحقوق الدول مما يساهم، استراتيجيًا، في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي ويجعل من العراق دولة محورية وفاعلة وموثوق فيها .
