تحسين بيئة الأعمال والبيئة التكنولوجية ووضع خرائط استثمارية وتسهيل إجراءات التصدير والاستيراد
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. بهجت أبو النصر
وزير مفوض ـ مدير إدارة التكامل الاقتصادي العربي ـ جامعة الدول العربية
أعلن الرئيس ترامب عن الجولة الأخيرة من التعريفات الجمركية وإيقاف بعضها لاحقًا، وهذه التعريفات من المؤكد حال تطبيقها ستجعل سلاسل التوريد العالمية في مأزق، وفي الواقع أن سلاسل التوريد كانت تأثرت بالفعل بجائحة كوفيد 19 أواخر عام 2019م، والتي تطورت إلى حالة طوارئ صحية عالمية، تسببت في مستويات غير مسبوقة من الفوضى والتكيف. ثم ظهر اتجاه “الصداقة”، وهو إعادة صياغة عالمية لسلسلة التوريد على أسس جيوسياسية ردًا على غزو روسيا لأوكرانيا أوائل عام 2022م. والآن، ستؤدي الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي الذي كان بدأ في العودة إلى طبيعته.
وفي ضوء تلك التعريفات فمن المتوقع أن تشهد سلاسل التوريد العالمية حالةً من الاضطراب الشديد، إذ تعمل عوامل متعددة على تعطيلها على المديين القصير والمتوسط. وأبرزها، تأثير التعريفات الجمركية سلبًا على دقة التنبؤ بالطلب وتخطيط المخزون ضمن سلسلة التوريد العالمية، ورغم استفادة سلاسل التوريد من تطورت تقنيات المعلومات بشكل كبير على مدى العقود القليلة الماضية، حيث تشهد سلسلة التوريد العالمية استفادة متزايدة من البيانات والمعلومات لتحسين التنبؤ بالطلب وتخطيط المخزون، وفي ضوء سعي الشركات لتحسين سلسلة التوريد الخاصة فإنها تسعى إلى تحسين التنبؤ بالطلب ثم تخطيط المخزون بالاعتماد على تلك المعلومات، لذلك سيؤثر تغير التعريفات الجمركية على دقة التوقعات، مما يدفع الشركات إلى إيقاف الطلبات مؤقتًا أو إلغائها، بالإضافة إلى ذلك فالتمييز في فرض الرسوم الجمركية بين دول العالم من قبل الولايات المتحدة من شأنه أن يدفع عددًا من الدول إلى إعادة توطين صناعاتها في دول تتسم بفرض رسوم جمركية منخفضة من قبل الولايات المتحدة ، حال تعرض منتجات تلك الصناعات لرسوم جمركية مرتفعة من قبل الولايات المتحدة ، ومن ثم تحول في سلاسل التوريد العالمية، فمن المتوقع ان تنقل الصين على سبيل المثال عددًا من الصناعات إلى الدول العربية التي تتمتع بإعفاءات جمركية ورسوم منخفضة على منتجات تلك الصناعات من الولايات المتحدة.
ومن ثم يتناول البحث ثلاثة عناصر رئيسة وهي:
أولًا: واقع الرسوم الجمركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة.
ثانيًا: أثر الرسوم الجمركية على سلاسل التوريد العالمية.
ثالثًا: أثر الرسوم الجمركية على سلاسل التوريد للدول العربية.
أولًا: واقع الرسوم الجمركية المفروضة من الولايات المتحدة
بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شهر فبراير 2025م، تنفيذ رؤيته الاقتصادية بشأن فرض رسوم جمركية على بعض الدول، بدءًا بكندا والمكسيك والصين، ثم تبع ذلك فرض رسوم على معظم دول العالم ليشمل أكثر من 200 دولة فيما وصف بـ “يوم التحرير “كما أطلق على تلك الرسوم عنوان “استعادة ثراء أمريكا”، حيث تم فرض رسوم جمركية متفاوتة أقلها بنسبة 10%، والتي كانت من نصيب المملكة المتحدة ومعظم الدول العربية.
وجاءت التعريفات الجمركية الأمريكية الأعلى عالمياً من نصيب “ليوسوتو” المملكة التي تحيطها جنوب إفريقيا، ومجموعة الجزر الفرنسية “سان بيير وميكلون”، اللتين بلغت الضريبة المفروضة عليهما 50 %. وتلتهما كمبوديا التي بلغت الضرائب المفروضة عليها 45%، و”لاوس” الواقعة جنوب شرق آسيا، بنسبة 48%، وكذلك فيتنام بنسبة 46%، بما يزيد على الصين التي تصدرت لائحة الأرقام حيث بلغت الرسوم المفروضة على بضائعها 34%، كما تم فرض تعرفة جمركية على السيارات المصنعة خارج الولايات المتحدة بنسبة 25%،
تأتي القرارات الأمريكية الأخيرة في إطار مواجهة الخلل التجاري غير العادل، في إشارة إلى عجز الميزان التجاري للولايات المتحدة، بالإضافة إلى مبدأ المعاملة بالمثل في إشارة إلى أن الدول المفروضة عليها تفرض هي الأخرى ضرائب مماثلة على البضائع الأمريكية الواردة إليها. حيث ترى الإدارة الأمريكية أن تؤدي التعريفات الجمركية الجديدة إلى “نهضة” صناعية أمريكية، وأن يُشجع هذا على المدى الطويل المزيد من الشركات على تصنيع منتجاتها في الولايات المتحدة، وأن يؤدي إلى زيادة وظائف التصنيع.
الدول المستهدفة من الرسوم الجمركية
شملت التعريفات الجمركية الجديدة 184 دولة وجزيرة وإقليماً، بخلاف دول الاتحاد الأوروبي الـ 27، مما يعني أن معظم دول العالم شملتها الضرائب التي فُرضت بنسبة لا تقل عن 10%، ففي البداية، في مطلع فبراير 2025م، أعلنت واشنطن عن جمارك حدودية داخل القارة الأمريكية الشمالية، حيث فُرضت رسومًا جمركية على كندا في الشمال والمكسيك في الجنوب. وشملت الرسوم جمهورية الصين، التي تعد المنافس الأقوى للولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي الذي يبلغ فائضها التجاري مع أمريكا نحو 350 مليار دولار، ومع الاتحاد الأوروبي، وبناءً على ذلك فرضت عليهم تعريفات جمركية بنسبة 20% وتتمتع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأكبر علاقة تجارية في العالم، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 1.7 تريليون دولار من السلع والخدمات في عام 2023م، أي ما يقرب من 30%من حجم التجارة العالمية.
كما فرضت الولايات المتحدة ضرائب على العديد من الدول الآسيوية كاليابان وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا والهند وباكستان وتايلاند وتايوان، وكان نصيب إسرائيل وتركيا بنسبة 17%و10%على التوالي، بالإضافة إلى ضرائب أخرى متباينة على البرازيل وجنوب إفريقيا وبريطانيا وكوريا الجنوبية وسويسرا.
الرسوم الجمركية على الدول العربية
شملت الرسوم الجمركية عددًا كبيرًا من الدول العربية، وكانت أعلاها سوريا فجاء نصيبها بنسبة 41 %، ثم العراق 39 %، فليبيا بنسبة 31%، والجزائر بنسبة 30%، تونس 28%، والأردن بنسبة 20 %، في حين بلغ نصيب معظمها 10% من الضرائب الجمركية وقد شملت مصر والسودان ولبنان واليمن والسعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين والمغرب وموريتانيا وعُمان وجزر القمر.
وفي الواقع لا يمكن تبرير ذلك بمعالجة الميزان التجاري معها، حيث أن الميزان التجار يحقق فائضًا لصالح الولايات المتحدة مع معظمها؛ فقد بلغ فائض تجارة السلع الأمريكية مع مصر 3.5 مليار دولار في عام 2024م، في حين بلغ هذا الفائض مع السعودية 443.3 مليون دولار، وبلغ الفائض الأمريكي مع الإمارات 19.5 مليار دولار في العام نفسه.
في حين حقق عجز تجاري أمريكي مع بعض الدول العربية كالعراق التي بلغت صادراتها 7.4 مليار دولار في عام 2024، مقابل استيرادها من الولايات المتحدة بما قيمته 1.7 مليار دولار، والأردن التي صدرت 3.4 مليار دولار، مقابل استيرادها ما قيمته ملياري دولار. ومع ذلك، فإن العجز التجاري بين الصادرات والواردات الأمريكية مع هاتين الدولتين لا يُقارَن بأي حال من الأحوال بالفارق الكبير بين الولايات المتحدة وكندا على سبيل المثال، الذي يقدر بنحو 63 مليار دولار.
أهم ردود الأفعال لفرض الرسوم الجمركية
تباينت ردود الأفعال من مختلف الدول والتجمعات تجاه فرض الرسوم الجمركية من قبل الولايات المتحدة، واختلفت حدة تلك الردود حسب حجم تجارة تلك الدول مع الولايات المتحدة، ومدى حدة الرسوم المفروضة، ومدى توافر بدائل للسوق الأمريكي ، فالدول التي فرضت عليها رسوم منخفضة ( 10%) نجد أن رد فعلها كان محدودًا أو منعدمًا أحيانا، أما الدول التي لها علاقات تجارية كبيرة مع الولايات المتحدة فردود فعلها كانت أشد قسوة، وهذا يفسر تعليق الرئيس الأمريكي لتلك الرسوم لمدة ثلاثة أشهر، وفيما يلي أمثلة على ردود أفعال أهم الدول تجاه رفع الرسوم الجمركية على صادراتها للولايات المتحدة :
- الصين: قامت باتخاذ بعض الإجراءات الانتقاميةمن خلال فرض رسوم بنسبة 34% على الواردات الأمريكية، كما فرضت مجموعة من القيود على تصدير بعض المواد النادرة، وفي نفس السياق قدمت شكوى رسمية ضد الولايات المتحدة الأمريكية في منظمة التجارة العالمية بسبب تلك الرسوم، وكانت انتقاداتها أشد حدة بشأن إلغاء ثغرة “دي مينيماس”، وهي معاملة كانت تسمح بإعفاء السلع منخفضة القيمة من الرسوم الجمركية، كما أن وقف الصين الفوري لواردات الذرة الرفيعة والدواجن من والولايات المتحدة يستهدف المزارعين الأمريكيين بشكل مباشر، حيث تعد من الصادرات الأمريكية الأساسية إلى الصين، حيث تتعرض شحنات كاملة لخطر التوقف مما سيؤثر سلبًا على قطاع الزراعة الأمريكية، التي عانت بالفعل من حروب تجارية سابقة وضغوط مناخية، ويصف البعض هذا القرار بكونه بمثابة ضربة موجعة. فهو يؤكد دقة بكين في الرد على القطاعات الحساسة سياسيًا.
- دول الاتحاد الأوروبي: أدانت دول الاتحاد الأوروبي الرسوم الجمركية الأمريكية ووصفته بالضربة الخطيرة للتجارة العالمية، تدرس دول الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات مضادة، مثل فرض رسوم على المنتجات الأمريكية.
- كندا والمكسيك: توقعت كندا حدوث خسائر كبيرة على الاقتصاد الأمريكي، وزيادة في الأسعار، وخسائر في قطاع الوظائف نتيجة للرسوم المفروضة، وقد أعلنت كندا عن فرض رسوم على المنتجات الأمريكية بقيمة 30 مليار دولار.
- دول جنوب شرق آسيا: تأثر الوضع الاقتصادي لدول جنوب شرق آسيا بشكل حاد، وخاصة فيتنام التي كانت تستفيد من التوترات التجارية السابقة بين الولايات المتحدة والصين.
- عبرت كل من اليابان، كوريا الجنوبية، وتايوان عن استيائها، واعتبرت أن هذه الرسوم تعد خيانة للعلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة.
تأثير التعريفات الجمركية على سلسلة التوريد
المراجع للتعريفات الجمركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة، يجد أنها لا تمثل مجرد تحديات قصيرة الأجل؛ بل قد تؤدي إلى تحولات طويلة الأمد في هيكل التجارة العالمية، ومن ثم سوف تتأثر سلاسل التوريد العالمية بالتعريفات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة بطرق متعددة، خاصة في ظل اختلاف النسب المفروضة على مختلف الدول؛ بدءًا من التكاليف والتسعير وصولًا إلى استراتيجيات التوريد والمخزون. وهذا ما يتطلب إعادة النظر في استراتيجيات التوريد، وزيادة الاستثمارات في التكنولوجيا، والتحول نحو سلاسل توريد أكثر مرونة وقدرة على الصمود في مواجهة الاضطرابات التجارية، وفيما يلي عدة طرق يمكن أن تؤثر بها التعريفات الجمركية على سلاسل التوريد:
- اضطرابات سلسلة التوريد، سيترتب على التعريفات الجمركية اختناقات لوجستية من خلال فرض إجراءات جمركية جديدة، ومن ثم متطلبات توثيقية، وعقبات تنظيمية، ويمكن أن تؤدي هذه الاضطرابات إلى تأخيرات على الحدود، وازدحام في الموانئ، وتباطؤ عام في حركة البضائع، كما يتطلب الامتثال للتعريفات الجمركية من الشركات تقديم وثائق إضافية، والخضوع لعمليات تفتيش جمركية، وتتبع معدلات التعريفات المتغيرة. وهذا يمكن أن يُرهق الشركات الصغيرة التي قد لا تمتلك فرق امتثال مخصصة، بالإضافة الى أن الشركات التي تعتمد على أنظمة المخزون في الوقت المناسب، حيث تصل المكونات عند الحاجة، معرضة بشكل خاص لانقطاعات سلسلة التوريد، ويمكن أن يؤدي التأخير في شحن البضائع بسبب التعريفات الجمركية إلى تباطؤ الإنتاج، وخاصةً في قطاعات مثل صناعة السيارات أو الإلكترونيات.
- تأثير صناعة التكنولوجيا: تُعد صناعة أشباه الموصلات من أكثر الصناعات تأثرًا بتلك التعريفات. ومع تركيز ترامب على تقليل الاعتماد على الصين في المكونات الأساسية، قد تدفع الولايات المتحدة نحو زيادة إنتاج أشباه الموصلات محليًا، مما يؤدي إلى تغييرات في سلاسل التوريد العالمية التي اعتمدت تقليديًا على التصنيع والتجميع الصينيين
- التغيرات في أحجام التجارة، ستؤدي ارتفاع التعريفات الجمركية إلى انخفاض حجم الواردات بسبب زيادة التكلفة ومن ثم انخفاض حجم التجارة بين الدول المتضرر ، وهذا سوف يؤثر على صناعات بأكملها، كما أنه في بعض الحالات، قد تجد الشركات أن شراء السلع المنتجة محليًا أكثر فعالية من حيث التكلفة، حتى لو كانت أغلى قليلاً من البدائل الأجنبية، مما سيؤدي إلى تحول في ميزان التجارة، حيث تستورد تلك الدول سلعًا أقل، بينما تستورد دول أخرى سلعًا أكثر، وفي السياق ذاته ستؤدي التعريفات الجمركية إلى ديناميكيات التجارة العالمية، مما يدفع الدول إلى البحث عن أسواق أو موردين جدد.
- زيادة تكاليف السلع المستوردة: من المؤكد أن تؤدي التعريفات الجمركية إلى التأثير على هيكل التكلفة، حيث تزيد التعريفات الجمركية بشكل مباشر من تكلفة السلع والمواد الخام المستوردة. وارتفاع تلك الأخيرة سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث يتعين على المنتجين تحميل هذه التكاليف على سعر المنتج ومن ثم نقلها إلى المستهلكين، ومن ناحية أخرى سوف تؤثر تلك التعريفات على هوامش الربح بالنسبة للشركات ذات هوامش الربح المنخفضة، إذا لم تتمكن الشركة من تحميل التكاليف على المستهلكين في بعض الحالات، قد تختار الشركات تحمل التكاليف مؤقتًا، وفي ظل التفاوت في مستوى التعريفات المفروضة فسوف تتأثر الميزة التنافسية إذا كان المنافسون موجودين في دول ذات تعريفات جمركية منخفضة أو معدومة فقد يتمكنون من الحفاظ على أسعار منخفضة، مما يضغط على الشركات التي تواجه زيادات في التكاليف بسبب التعريفات الجمركية.
- تنويع الموردين، في ظل عدم الاستقرار التي خلقته الرسوم الجمركية تسعى الشركات إلى تنويع مورديها للحد من المخاطر المرتبطة بالرسوم الجمركية. فبدلاً من الحصول على جميع المواد من بلد واحد، قد توزع الشركات مصادرها على مناطق جغرافية مختلفة لتجنب الاعتماد على مصدر واحد قد يتأثر بالرسوم الجمركية، كما ستؤدي تلك الرسوم الجمركية إلى تحول في العلاقات التجارية؛ بأن تلجأ الدول إلى تحول الاستيراد من دول أخرى لا تخضع لنفس الرسوم الجمركية، وهذا التحول سيؤدي بالطبع إلى تغييرات في علاقات الموردين طويلة الأمد ويخلق فرص عمل جديدة في مناطق أخرى، وهنا يجب الإشارة إلى أنه بالرغم من كون التنويع قد يقلل من المخاطر، إلا أنه قد يزيد من تعقيدها من ناحية أخرى، فإدارة موردين متعددين في دول مختلفة قد تؤدي إلى تحديات لوجستية، وزيادة تكاليف النقل، والحاجة إلى أنظمة إدارة سلسلة توريد أكثر تطورًا لتتبع الشحنات المختلفة، وعمليات مراقبة الجودة، ومسائل الامتثال
- إعادة تقييم استراتيجيات التوريد، حيث ستعيد العديد من الشركات تقييم استراتيجياتها في التوريد للتخفيف من أثر الرسوم الجمركية، فقد تُقرّب بعض الشركات الإنتاج من موطنها، أو حتى تُنقل التصنيع إلى بلدها يُساعد هذا على تجنّب الرسوم الجمركية الأجنبية ويُقلّل من التعرّض لمخاطر التجارة الدولية، كما ستعمل الشركات على موازنة التكلفة المتزايدة للإنتاج المحلي ،مثل ارتفاع تكاليف العمالة وضعف وفورات الحجم، مع الوفورات المُحتملة من تجنّب الرسوم الجمركية، وهذا الحساب سيعتمد على عوامل مثل القرب من السوق النهائي، والحاجة إلى المرونة، وأهمية تقليل مخاطر سلسلة التوريد، كما أنه بالنسبة للشركات التي تعتمد بشكل كبير على سلاسل التوريد العالمية، قد يُصبح التوريد الإقليمي أكثر جاذبية، حيث يُتيح لهذه الشركات الحفاظ على قربها من الأسواق الرئيسية مع التخفيف من أثر الرسوم الجمركية بين الدول البعيدة..
- فترات تسليم أطول مع تطبيق التعريفات الجمركية، قد تواجه الشركات تأخيرات في استلام بضائعها، إما بسبب الإجراءات الجمركية أو أوقات عبور أطول من موردين بديلين. ويمكن أن يؤدي هذا إلى إطالة فترات التسليم للإنتاج وخلق حالة من عدم اليقين في جداول التسليم، وطول فترات التسليم الطويلة تؤثر بالطبع على رضا العملاء، خاصةً إذا لم تتمكن الشركة من تسليم البضائع في الوقت المحدد. وهذا أمر بالغ الأهمية بشكل خاص في الصناعات التي يُعد فيها “الوقت اللازم للوصول إلى السوق” عاملاً رئيسيًا، مثل صناعة الأزياء والإلكترونيات والسيارات، وهذا قد يدفع تلك الشركات لتفضيل الاستيراد من دول دون الأخرى ومن ثم تغير في مكونات سلاسل التوريد.
- تحولات في استراتيجية سلسلة التوريد العالمية، من الممكن أن تدفع التعريفات الجمركية الشركات إلى إعادة النظر في استراتيجية سلسلة التوريد العالمية بأكملها، قد يشمل ذلك نقل مرافق الإنتاج، أو تغيير الموردين، أو تعديل استراتيجيات دخول السوق. والهدف هو تقليل تأثير التعريفات الجمركية مع الحفاظ على الكفاءة التشغيلية، وقد تدفع تلك التعريفات إلى أن تتخلى الشركات عن سلاسل التوريد العالمية عالية الكفاءة ولكنها هشة، وتعطي الأولوية للمرونة،
أثر التعريفات الجمركية على سلاسل التوريد للدول العربية
ستنعكس التعريفات الجمركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة على الهيكل الجغرافي لتجارة الدول العربية الخارجية ومن ثم على سلاسل التوريد للدول العربية، فالدول محل الصراع التجاري ( الولايات المتحدة والصين واليابان والهند والاتحاد الأوروبي،) تستحوذ على نصف تجارة الدول العربية ،حيث تستحوذ مجموعة دول آسيا على النصيب الأكبر من الصادرات العربية في عام 2023 م، بنسبة 44.7 % على الرغم من انخفاضها عن العام السابق الذي سجل بنسبة 45.4 %، منها 6 % لليابان، 9.3 % للهند والصين بنسبة 12.8 % وباقي دول آسيا 16.6%، حيث مازالت آسيا هي المستوعب الأول لصادرات الدول العربية من النفط وهذا أمر طبيعي لكون الصين والهند في طليعة الدول المستوردة للنفط في العالم بصفة عامة ومن الدول العربية بصفة خاصة، كما ارتفع نصيب الاتحاد الأوروبي من الصادرات ليسجل نحو 15.2 % مقارنة بما نسبته 10.2 % في العام السابق، بينما انخفضت الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتسجل نحو 3.4 %مقارنة بنسبة 4 % عام 2022م.
وفيما يتعلق بالواردات السلعية العربية من الشركاء التجاريين الرئيسيين خلال عام 2023م، فقد استحوذ الاتحاد الأوروبي على ما نسبته 21.3% بارتفاع محدود عن العام السابق الذي سجل 20.2 %، كما انخفضت حصة الدول العربية ليبلغ 11.9%مقارنة بنسبة 13.6% في العام السابق، واستمرت آسيا تشكل أعلى مصدر للدول العربية واسـتأثرت بالحصة الأكبر بنسبة بلغت 32.1%مقارنة بنحو 32.6 % العام السابق، حيث استأثرت الصين بـ 14.9%وباقي دول آسيا ب 10% من إجمالي الواردات العربية، أما الواردات من الولايات المتحدة الأمريكية فقد انخفضت لتبلغ 8.1%، مقارنة ب 8.9%العام السابق.
اتجاهات التجارة العربية إلى أهم الشركاء التجاريين عام 2023
.png)
.png)
المرجع: جامعة الدول العربية وآخرون، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، 2024.
إن فرض التعريفات الجمركية من قبل الولايات المتحدة سوف يؤثر على سلاسل التوريد بالدول العربية من خلال العناصر التالية:
- من المؤكد أن الدول التي تعرضت لفرض رسوم جمركية مرتفعة، الصين واليابان، ستسعى للاستفادة من الرسوم الجمركية المنخفضة التي فرضت على الدول العربية، بتوطين صناعاتها داخل الدول العربية، ومن ثم إعادة التصدير إلى الدول العربية المجاورة وحتى إلى الولايات المتحدة.
- إن تعزيز مبادرات إعادة التصنيع إلى الوطن، التصنيع المحلي، في الولايات المتحدة، وخاصةً للمنتجات كثيفة العمالة مثل المنسوجات والسيارات والآلات، قد يساهم في تغير هيكل واردات الدول العربية من تلك المنتجات لتتحول للولايات المتحدة بدلًا من دول اخرى.
- شدد ترامب على تأمين سلاسل التوريد الحيوية المتعلقة بالأمن القومي، مما قد يؤدي إلى إعادة توطين صناعات مثل الأدوية والمعادن الأرضية النادرة والمعدات العسكرية، وبالتالي زيادة واردات الدول العربية من تلك المنتجات من الولايات المتحدة.
ولكن لكي تستفيد الدول العربية من التحول في سلاسل التوريد العالمية جراء تلك التعريفات يجب عليها أن تجري عدة أمور لتكون جاذبة للاستثمارات الأجنبية ومن ثم إعادة توطين صناعات الدول المتضررة بها وأهم تلك الإجراءات:
- تحسين بيئة الأعمال لديها، واعتماد نظام النافذة الواحدة في إنشاء المشروعات الجديدة، وبيئة الاعمال تلك تشمل أمورًا متعددة منها المعاملة الضريبة والوقت المستغرق في انشاء المشروع، وتكاليف التأسيسي، وسهولة التخارج وسهولة تحويل الأرباح للخارج.
- تحسين البيئة التكنولوجية، فمن غير المقبول أن توجد مناطق في بعض الدول العربية تفتقر لخدمات الانترنت، وكذلك تشير البيانات الخاصة بعدد مرات انقطاع الانترنت أنها مازالت متواضعة في بعض الدول العربية.
- وضح خريطة استثمارية لكل الدول عربية توضح الأماكن المتاحة والإجراءات اللازمة، للمزايا الممنوحة
- تسهيل إجراءات التصدير والاستيراد من خلال تقليص عدد المستندات المطلوبة للاستيراد والتصدير وتطبيق النافذة الواحدة بالمنافذ الجمركية.
