مواجهة تأثير سياسات ترامب على الشرق الأوسط تتطلب مرونة اقتصادية تُراعي خصوصية كل اقتصاد لامتصاص الصدمات

President,Donald,Trump,Disembarks,Air,Force,One,In,Ronkonkoma,,Ny,

President Donald Trump disembarks Air Force One in Ronkonkoma, NY, Friday, July 28, 2017.

Getting your Trinity Audio player ready...

د. أسامة الجوهري

مساعد رئيس مجلس الوزراء ـ رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار-مجلس الوزراء المصري


في صياغتها للتوقعات المستقبلية بشأن اقتصادات الدول العربية، تُولي المؤسسات المالية الدولية أهمية لعدد من العوامل التي لا تزال يكتنفها قدرٌ كبيرٌ من عدم اليقين. وتأتي في مقدمتها تطورات الاقتصاد العالمي، واتجاهات الطلب العالمي على النفط، ومسار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، إلى جانب مدى التزام تحالف “أوبك بلس” باتفاقات الإنتاج خلال المرحلة المقبلة. ويؤدي هذا التداخل بين العوامل الاقتصادية والجيوسياسية إلى تعقيد مشهد التنبؤ، ويجعل من الصعب بناء سيناريو واحد مستقر، ما يفرض اعتماد نهج مرن في تحليل المسارات المحتملة.

   وفي هذا الإطار، برزت الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة بوصفها أحد أبرز مصادر هذا الغموض، حيث تشهد الساحة الدولية موجة واسعة من التحليلات والتقارير المتخصصة التي تتناول تداعيات هذه الإجراءات. وقد أصدرت مؤسسات مالية واقتصادية كبرى تقارير مفصّلة ترصد الآثار المحتملة، ليس فقط على الاقتصاد الأمريكي، بل أيضًا على الاقتصادات العربية والأوروبية، وعدد من دول أمريكا اللاتينية، بما يعكس مدى اتساع نطاق التأثيرات لهذه السياسات الحمائية.

وغالبًا ما تُصنّف الدول المتأثرة بهذه الإجراءات ضمن ثلاث مجموعات رئيسة:

  1. المجموعة الأولى:دول تتأثر بمعدل نمو الاقتصاد العالمي ككل.
  2. المجموعة الثانية:تشمل الدول التي تواجه تأثيرات مباشرة، وعلى رأسها الصين، ودول الاتحاد الأوروبي، وبعض دول أمريكا اللاتينية.
  3. المجموعة الثالثة:دول تواجه تأثيرات غير مباشرة، والتي لا تقل أهمية، وتضم عددًا من الدول التي قد تتأثر بتداعيات هذه التطورات بشكل غير مباشر.

   وتأتي الدول العربية ضمن فئة المجموعة الأخيرة التي تتعلق بالتأثيرات غير المباشرة من التعريفات الجمركية؛ إذ إن الأثر المباشر على الاقتصادات العربية سيكون محدودًا نسبيًّا. فباستثناء الأردن، لا تمثل الصادرات العربية المتأثرة بهذه الرسوم أكثر من 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول المنطقة، بل تقل عن 1٪ في العديد منها. كما أن احتساب الاستثناءات الممنوحة لبعض السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها النفط الخام والغاز الطبيعي، يُظهر أن التأثير الفعلي لهذه التعريفات يقترب من الصفر بالنسبة لعدد من الدول العربية الرئيسة المُصدّرة للنفط، مثل السعودية والكويت والعراق وليبيا والجزائر. ومن ثمّ، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الأثر المباشر لهذه الإجراءات، وإنما فيما تتركه من تداعيات غير مباشرة أوسع نطاقًا، تمسّ بنية الطلب العالمي وتلقي بظلالها على مسارات النمو في المنطقة.

 التأثير المحدود للتعريفة الجمركية الأمريكية على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – الصادرات إلى الولايات المتحدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (%)

وفي هذا السياق، فإن التأثير غير المباشر للتطورات العالمية، سيؤدي إلى تراجع الطلب الخارجي والضغط على أسعار النفط، إذ تشير تقديرات وكالة “فيتش” إلى أن متوسط سعر برميل النفط سيتراجع من نحو 76 دولارًا إلى 68 دولارًا خلال عام 2025م؛ ما يُفضي إلى نتائج متباينة في المنطقة. فمن ناحية في حين يُتوقع أن تستفيد الدول المستوردة من هذا الانخفاض من خلال تحسن موازينها التجارية وتخفيف عبء الدعم؛ مما يعزز أوضاعها المالية والخارجية على المدى القصير، وفي المقابل، فإن تراجع أسعار النفط يضغط على اقتصادات الدول المصدّرة، ويقلل من قدرتها على تمويل برامج التنويع الاقتصادي.

وبشكل عام، فقد كان رد فعل المؤسسات المالية الدولية سريعًا في الاستجابة للمتغيرات الجديدة، حيث بدا أن الأثر غير المباشر لانخفاض أسعار النفط – الناتج عن تباطؤ الطلب العالمي بفعل السياسات الحمائية وعلى رأسها التعريفات الجمركية – كافٍ لإعادة تقييم آفاق النمو في المنطقة. ونتيجة لذلك، تم خفض التوقعات لمعدلات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نحو ٢.٦٪ خلال عام 2025م، وفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أبريل ٢٠٢٥م، مقارنة بالمعدل السابق، والبالغ 3.5٪ في التوقعات الصادرة في يناير 2025م، في ظل بيئة تتسم بعدم اليقين وركود الطلب الخارجي.

وفي ضوء هذا التراجع العام، يصبح من غير الدقيق التعامل مع دول المنطقة ككتلة اقتصادية واحدة، إذ تختلف طبيعة التأثر باختلاف هياكل الاقتصادات ومدى ارتباطها بسوق الطاقة أو الأسواق التجارية العالمية. من هنا، تبرز الحاجة إلى التمييز بين ثلاث مجموعات رئيسة عند تحليل التداعيات: دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات وتمتلك هوامش تمويل أوسع، والدول المنتجة للنفط خارج مجلس التعاون الخليجي التي تعاني من محدودية في أدوات الاستجابة للصدمة، ودول شمال إفريقيا التي، رغم اعتمادها الأقل نسبيًّا على النفط، تبقى شديدة التأثر بأداء الشركاء التجاريين الأوروبيين وقدرتها على امتصاص تباطؤهم الاقتصادي.

أولًا: دول مجلس التعاون الخليجي


   تُعد دول مجلس التعاون الخليجي من بين الاقتصادات العربية الأكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط، بحكم اعتمادها الكبير على العائدات البترولية في تمويل الموازنات العامة وتنفيذ خطط التنمية. وقد أدت التراجعات الأخيرة في أسعار النفط، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد العالمي، إلى خفض مؤسسة فيتش لتوقعات النمو لهذه الدول من 4.2٪ إلى 3.7٪ لعام 2025م. ورغم هذا الانخفاض، فإن المعدل المتوقع يظل أعلى من مستوى النمو المسجل في عام 2024م، والذي لم يتجاوز 2٪، مستفيدة من التخفيف التدريجي للقيود الإنتاجية المفروضة ضمن اتفاق “أوبك بلس”.

 وفي هذا الإطار، جاءت قرارات “أوبك بلس” الأخيرة – بالسماح بزيادات تدريجية في إنتاج النفط اعتبارًا من مايو 2025م – كخطوة تهدف إلى تحقيق توازن مرحلي، من شأنه أن يحد من شدة الصدمة على اقتصادات الدول المنتجة. ومع ذلك، فإن استمرار جدوى هذه الزيادات مرهون بقدرة التحالف على الحفاظ على مستويات إنتاج منضبطة، وتحقيق التوازن الدقيق بين الحفاظ على الحصة السوقية واستقرار الأسعار العالمية.

خطة تعويضات الإنتاج المحدّثة الصادرة عن دول أوبك بلس (ألف برميل/يوميًّا)

المصدر: مؤسسة فيتش 2025.

 هذا وسوف يساعد الاتجاه المتوقع نحو خفض أسعار الفائدة في تخفيف أثر انخفاض أسعار

 النفط على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك في تخفيف بعض الأعباء على القطاع الخاص غير النفطي. وتشير التقديرات إلى أن البنوك المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي قد تُقدم على خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس خلال عام 2025م، وهو ما يفوق التوقعات السابقة التي كانت تُقدّر الخفض بنحو 50 نقطة فقط، بما يعكس التوجه نحو تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي في ظل التباطؤ العام.

يضاف إلى ذلك، أنه لا تزال دول الخليج تتمتع بهوامش تمويلية وأدوات سياسة قادرة على استيعاب جانب من هذه الصدمة، لا سيما مع التوجه نحو تعزيز الطاقة الإنتاجية وزيادة الإنفاق الاستثماري. ومع ذلك، فإن الحفاظ على الزخم الاقتصادي الإيجابي سيظل مرهونًا بتسريع وتيرة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز البيئة الاستثمارية، وترسيخ مسارات التنويع الاقتصادي التي تُخرج هذه الدول تدريجيًّا من الحلقة المرتبطة بأسعار الطاقة.

ثانيًا: دول الأوبك خارج مجلس التعاون الخليجي

وعلى الرغم من أن الدول المنتجة للنفط تشترك في تأثرها المباشر بتقلبات الأسعار العالمية، فإن قدرتها على التعامل مع هذه الصدمات تختلف جذريًّا؛ فبينما تمتلك دول الخليج أدوات تمويل واحتياطات مالية تعزّز من مرونتها، تواجه الدول المنتجة خارج الخليج تحديات مضاعفة؛ نتيجة هشاشة أوضاعها المالية، وضعف سياسات الحماية، وارتفاع اعتمادها على النفط كمصدر وحيد للدخل.

ويظهر هذا التفاوت بوضوح في حالات مثل العراق والجزائر؛ حيث تفرض الأوضاع الاقتصادية والسياسية ضغوطًا إضافية تحد من قدرتها على الاستجابة السريعة أو المرنة للمتغيرات العالمية.

ففي حالة العراق، على سبيل المثال، وعلى الرغم من عدم تأثره المباشر بالتعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة، فإن تراجع أسعار النفط يضعه أمام ضغوط مالية وخارجية كبيرة، خاصة وأن صادرات النفط تمثل نحو 95٪ من إجمالي الصادرات، وتشكل ما يقرب من 90٪ من الإيرادات الحكومية، في ظل ضعف الأنشطة غير النفطية.

ونتيجة لهذه المعطيات، خفّضت مؤسسة فيتش في أبريل ٢٠٢٥م، توقعات معدل نمو الاقتصاد العراقي من 1.9٪ إلى 1.5٪ في عام 2025، ومن 2.1٪ إلى 1.6٪ في عام 2026م، ويزيد من حالة الضغط على العراق ترجيحات بحدوث تحرك كبير في سعر الصرف خلال نوفمبر 2025م، بعد الانتخابات البرلمانية، في محاولة لمعالجة الضغوط المتصاعدة على ميزان المدفوعات.

وبالمثل، تواجه الجزائر تحديات متزايدة نتيجة لتراجع أسعار البترول، إلى جانب ضعف الطلب من منطقة الاتحاد الأوروبي، شريكها التجاري الرئيس. وقد أدى ذلك إلى خفض توقعات معدل النمو وفقًا للتقرير الصادر عن مؤسسة فيتش في أبريل عام 2025م، من 2.8٪ إلى 2.3٪. هذا التراجع في الأداء الاقتصادي يفاقم الضغوط على الموازنة العامة للدولة، سواء من حيث الإيرادات أو النفقات، وهو ما يُتوقع أن يدفع كلًّا من الجزائر والعراق إلى تسجيل عجز مزدوج في موازناتهما المالية خلال العام المقبل.

ثالثًا: دول شمال إفريقيا

 ويُعد هذا القسم من الدول نموذجًا واضحًا لتباين التأثير غير المباشر؛ حيث لا يتجلى الأثر في أسعار النفط كما هو الحال في الخليج أو العراق، بل في انكماش الطلب من شركاء اقتصاديين رئيسيين مثل الاتحاد الأوروبي، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات الصادرات، وثقة المستثمرين، ومعدلات التشغيل.

 فقد تم خفض توقعات النمو لعام 2025م، لمنطقة شمال إفريقيا طبقًا لمؤسسة فيتش نزولًا من 3.6٪ إلى 3.2٪؛ نتيجة التباطؤ الملحوظ في الأداء الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، والذي يُعد الشريك التجاري الأكبر لدول المنطقة. ويُعزى هذا التراجع إلى النظرة المتشائمة للنمو في عدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، حيث خفضت المؤسسة التوقعات المجمّعة لنمو دول الاتحاد الأوروبي لعام 2025م، من 1.2٪ إلى 0.6٪. وعلى الرغم من هذا التراجع، يُتوقع أن تواصل كل من مصر والمغرب تحقيق معدلات نمو أسرع نسبيًّا، في حين قد تواجه تونس تباطؤًا ملحوظًا في نشاطها الاقتصادي.

في هذا السياق، تم تخفيض توقعات النمو للاقتصاد المغربي لعام 2025م، من 4.7٪ إلى 4.3٪، إلا أنه لا يزال مرشحًا لتحقيق أداء قوي نسبيًّا مقارنة بعام 2024م، الذي سجل فيه معدل نمو بلغ 3.2٪، وذلك بفضل تحسن نسبي في أداء القطاع الزراعي، إلى جانب استمرار تدفق الاستثمارات القوية.

أما تونس، فقد تراجعت توقعات النمو لعام 2025م، من 1.2٪ إلى 1٪، في ظل استمرار حالة الغموض بشأن قدرة الحكومة التونسية على التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة بخصوص الرسوم الجمركية المفروضة على صادراتها، والتي تصل إلى 25٪. ويُضاف إلى ذلك التأثير السلبي الناتج عن تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف الطلب من الشركاء التجاريين الرئيسين في دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما أن كلًّا من فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا تمثل مجتمعة ما يقرب من نصف الصادرات التونسية.

  وفي مصر، خفّضت مؤسسة فيتش توقعات معدل النمو للعام المالي 2024/2025م، (يوليو 2024 – يونيو 2025م) من 3.9٪ إلى 3.8٪، نظرًا لأن تأثير الرسوم الجمركية سيطال فقط ربعًا واحدًا من هذا العام المالي، بالإضافة إلى الأداء القوي للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من العام المالي؛ مما سيسهم في احتواء التباطؤ المتوقع في الربع الأخير من العام. أما بالنسبة للعام المالي 2025/2026م، فقد تم خفض توقعات النمو من 5.0٪ إلى 4.7٪، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى توقعات بتراجع الطلب من الشركاء التجاريين الرئيسيين مثل أوروبا وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي؛ مما سيؤدي إلى انخفاض الصادرات.

في المجمل، يكشف الأداء المتوقع لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2025م، تباينًا واضحًا بين الدول المصدّرة والمستوردة للنفط. فبينما تواجه الدول المصدّرة ضغوطًا متزايدة على موازناتها العامة؛ نتيجة انخفاض أسعار النفط وتراجع الطلب العالمي، تجد الدول المستوردة للنفط – مثل مصر والمغرب – في هذا التراجع فرصة لتحسين أوضاعها المالية والخارجية، من خلال خفض فاتورة الواردات النفطية وتقليص أعباء الدعم. غير أن هذا التوازن يظل هشًّا؛ إذ إن الدول المستوردة أيضًا متأثرة بتباطؤ النشاط لدى شركائها التجاريين الرئيسيين، خاصة في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب التحديات المرتبطة بالحصول على التمويل الخارجي وهيكل إنفاقها غير المرن. ويُبرز هذا التباين الحاجة الماسة إلى سياسات اقتصادية مرنة، تُراعي الخصوصية الهيكلية لكل اقتصاد، وتعزّز من قدرته على امتصاص الصدمات الخارجية. وفي ظل استمرار الغموض العالمي، يصبح الاستثمار في التنويع الاقتصادي وتعميق التكامل الإقليمي من أبرز الأدوات الممكنة لتحقيق الاستدامة والاستقرار المالي على المدى المتوسط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *