15 ألف موظف بقطاع الملابس مهددون بالبطالة لاستهداف 63% من الصادرات الأردنية لأمريكا
cosmetics box manufacture Box product Object for manufacturing industry technology Product export and import of future For Products, food, cosmetics, apparel warehouse mechanical future technology
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. ليلى الصواف
باحثة ومترجمة ــ المملكة الأردنية الهاشمية
منذ ولايته الرئاسية الأولى استخدم ترامب الحرب التجارية كاستراتيجية سياسية بدأها عام 2018م، بفرض ضرائب على الصين أدت إلى إضعاف الاقتصاد العالمي، ومع انتخابه مجددًا عام 2024م، ابتدأ ترامب ولايته الجديدة بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على جميع المنتجات الواردة من كندا بما فيها النفط والغاز اللذين بلغت نسبة الرسوم الجمركية عليهما 10%، كما فرض رسومًا إضافية على الصين بلغت نسبتها 10%، ورسوماً بمقدار 25% على جميع الصادرات المكسيكية إلى بلاده، ومع مرور الأسابيع أخذت الرسوم تتراكم والردود تتوالى. إذاً، هي حرب اقتصادية لم تسلم من غائلتها معظم الدول، أسلحتها الرسوم الجمركية “الفلكية” والردود الاقتصادية عليها. وفي حين يرى كثير من المحللين الأمر على أنه عملية “ليَّ ذراع” أمريكية ستكون لها تبعاتها “الثقيلة” على اقتصاد أمريكا بداية ثم على اقتصادات بقية الدول. تحولت الحرب التجارية الشاملة التي بدأها الرئيس الأمريكي إلى مبارزة عندما أعلن يوم 9 أبريل عن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25٪ على الصين، في الوقت الذي منح فيه إعفاءً لنحو ستين شريكًا تجاريًا آخرين، من الرسوم العقابية لمدة 90 يومًا. وبحسب الرئيس الأمريكي فإن “الحملة الجمركية” التي يشنها تهدف إلى نقل الأنشطة الصناعية إلى الولايات المتحدة.
تبعات القرار الأمريكي على الولايات المتحدة
بحسب رغبة الرئيس الأمريكي وإدارته المعلنة تهدف هذه الرسوم إلى إرساء شكل من أشكال “المعاملة بالمثل” التجارية بهدف خفض العجز التجاري الثنائي، إلا إن فكرة خفض العجز في الميزان التجاري نفسها تكشف عن سوء فهم لأسس التجارة الدولية، إذ ليس من الضروري ولا المرغوب فيه تحقيق التوازن التجاري مع كل شريك على حدة.
من منظور اقتصادي، تطال آثار الرسوم الجمركية الجميع، وفي حين أنه يُراد منها معاقبة المصدرين الأجانب، فإن الخاسرين الرئيسيين هم المستهلكون والمنتجون المحليون، إذ ينعكس جزء كبير من الزيادات في الرسوم على الأسعار مما يؤدي في المرتبة الأولى إلى معاقبة المستهلكين والشركات التي تعتمد على الموردين الأجانب. أما النقطة الثانية فمن خلال الحد من الضغوط التنافسية التي تمارسها الواردات، فإن هذه الإجراءات ستمنح الاحتكارات المحلية قوة سوقية متزايدة، وسيصبح بإمكان هذه الأخيرة أن ترفع أسعارها بعد ذلك بشكل أكبر. أضف إلى ذلك، ستؤجج الرسوم الجمركية الانتقام الأجنبي، ولن تعاني شركات صناعة السيارات الأمريكية من ارتفاع تكلفة المدخلات التي تم شراؤها من كندا في السابق فحسب؛ بل سيتعين عليها دفع رسوم جمركية قدرها 25% عندما تصدر منتجاتها إلى هناك. أخيراً، فإن الرسوم الجمركية الأمريكية، التي يتم تحديدها وفقاً للدول والمنتجات، سوف تؤدي إلى إثراء جيش من المستشارين وشركات التدقيق، الذين سيقع على عاتقهم أن يشرحوا لبقية العالم كيفية خفض هذه الرسوم من خلال نقل البضائع عبر دول ثالثة ذات ضرائب أقل أو من خلال تحويل هوامش الربح.
على مدى خمسين عاماً، ظلت الولايات المتحدة تسجل عجزاً تجارياً هيكلياً، ويعكس هذا الخلل واقعاً اقتصادياً أعمق: فالبلاد تستهلك أكثر مما تنتج، مما يضطرها إلى الاقتراض من الأسواق الدولية والتنازل عن جزء من أصولها للدائنين الأجانب. ولكن كيف يجعل هذا الاختيار الأمريكي للإنفاق الولايات المتحدة “فاضلة” وأوروبا “غير عادلة” وفقاً لترامب؟
ارتدادات الرسوم على الاقتصاد والخزينة الأمريكيين
بعد أسبوع من الفوضى في سوق الأوراق المالية، أُهمِلت سوق الديون الأمريكية أيضاً، مما تسبب في ارتفاع عائدات سندات الخزينة. ومنذ يوم الاثنين، كانت مبيعات سندات الخزينة التي أصدرتها الحكومة الأمريكية هائلة، مما يعكس فقدان الثقة المفاجئ في الولايات المتحدة، كما بدأت أسعار الفائدة في الارتفاع بشكل كبير. فوصل العائد على السندات الأمريكية لأجل (عشر سنوات) إلى 4.49% مساء الجمعة 11 أبريل، مما أثار دهشة الجميع. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع بداية الشهر، عندما وصل معدل الفائدة لعشر سنوات إلى أدنى مستوى له منذ أكتوبر، أي 3.88%. وبعد أن ارتفعت قيمة الدولار الأمريكي بفضل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، خسر الدولار أكثر من 8% من قيمته منذ تنصيب الرئيس الأمريكي. بالمقابل وصل سعر اليورو في نفس اليوم، الجمعة، إلى 1.13 دولار، وهو أدنى مستوى له في ثلاث سنوات. وفي رد فعل على ذلك، أعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يوم الجمعة إنه “مستعد تماماً” للتحرك من أجل استقرار الأسواق المالية إذا لزم الأمر. وفي مواجهة هذا الارتفاع غير المنظم في عائدات سندات الخزانة الأمريكية والانحدار العام في الأسواق العالمية، يتجه العديد من المستثمرين هذه الأيام إلى رهان آمن تاريخياً: الذهب، فارتفع المعدن النفيس إلى مستوى قياسي جديد يوم الجمعة، حيث وصل إلى أكثر من 3.24 دولار للأونصة.
في الواقع أحدث تطبيق الرسوم الجمركية الضخمة يومي 3 و4 أبريل تقلبات خطيرة في أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم خلال الأسبوع الأول، مما أثار مخاوف المستثمرين والمساهمين في جميع أنحاء العالم، وحتى وإن انتهى الأسبوع بهدوء طفيف، مع تعليق الرسوم الإضافية وإعلان دونالد ترامب عن “التفاؤل” بشأن اتفاق تجاري محتمل مع الصين، فإن عالم الأعمال بقي متوتراً وغير مستقر أكثر من أي وقت مضى.
العملاق الصيني
منذ ولايته الأولى، كان دونالد ترامب مهووساً بالعجز المزمن في الميزان التجاري الأمريكي، فاستهدف بشكل خاص القائمة السوداء التي تضم خمس عشرة دولة، أطلق عليها اسم “الخمس عشرة القذرة”، التي تتجاوز صادراتها إلى الولايات المتحدة وارداتها بكثير. يأتي في رأس القائمة: الصين، مع اختلال في الميزان التجاري بقيمة 320 مليار دولار في عام 2024م، (باستثناء الخدمات)، والتي فُرِضت ضريبة إضافية بنسبة 20٪ على جميع سلعها المصدرة إلى الولايات المتحدة منذ 4 مارس 2025م. تليها مباشرة، أوروبا المكونة من 27 دولة، والتي اتهمها ترامب مرة أخرى في نهاية فبراير بأنها وُجِدت “لإزعاج الولايات المتحدة”، والتي تُظهر فائضًا تجاريًا بقيمة 247 مليار دولار (باستثناء الخدمات)؛ تأتي بعدها على التوالي: المكسيك، فيتنام، تايوان، كندا، اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، تايلاند، سويسرا، ماليزيا، إندونيسيا، كمبوديا، جنوب إفريقيا.
إذاً، أصبحت الصين المستهدف الأول في هذه الحرب الاقتصادية التي لن تسلم من تبعاتها القوتان الاقتصاديتان العظميان اللتان ترتبطان ببعضهما ارتباطاً كبيراً. ومن المؤكد أن الصين، لا تنوي الاستسلام بل تعمل على رد الصاع صاعين، وتسعى إلى تحصين نفسها.
اعتبر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الصين “المصدر الرئيسي للمشاكل التجارية التي تواجهها أمريكا، وبالتالي بقية العالم”، وهي الشريك الوحيد الذي لا يزال مستهدفاً برسوم جمركية ضخمة. وفي مواجهة هذا الخطر الكبير الذي يهدد اقتصادها، الذي يعتمد إلى حد كبير على الصادرات، دعت الصين عبر المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، إلى التوصل إلى تسوية إلا أنها عادت وجددت تعنتها.
في العموم تأخذ الصين وقتها ولا تحب التسرع، وتستطيع أن تستفيد من اعتماد الولايات المتحدة على المنتجات الاستراتيجية الصينية، وخاصةً تلك التي تقع في أعلى سلسلة القيمة: المعادن النادرة والمعادن. وتُعدّ هذه ميزة استراتيجية، لا سيما وأن الصين تمتلك طاقة تكرير تبلغ حوالي 100%، وهو نشاط شديد التلويث لا يرغب به أحد. أضف إلى ذلك بطاريات الليثيوم، والمكونات المستخدمة في إنتاج الآلات الدقيقة، والروبوتات، والسلع الاستهلاكية، وغيرها…
تحالفات محتملة
رغم كونها المستهدف الرئيسي، تحرص الصين على عدم الظهور بمظهر المعزول في الحرب التي يشنها دونالد ترامب عليها، لذلك بدأت بالتحذير من التأثير الخطير لفرض رسوم جمركية غير منضبطة على جميع الشركاء التجاريين، الأمر الذي يهدد استقرار النظام الاقتصادي العالمي. كما أطلقت أيضاً إجراءات تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية يوم 9 أبريل، للتنديد بممارسات إدارة ترامب. وتستعد الصين، وإن كان ذلك بحذر، لإعادة توجيه تجارتها، كما أعلنت استئناف المناقشات بشأن منطقة تجارة “حرة ومفتوحة وعادلة” مع اليابان وكوريا الجنوبية.
إذاً، تبحث الصين عن حلفاء حتى لا تتحرك بمفردها، هكذا أعلن العملاق الآسيوي استئناف المناقشات مع بروكسل. وإذا كانت أستراليا قد رفضت يد الدبلوماسية الصينية الممدودة، ورفضت إقامة “قضية مشتركة” مع الصين، فإن الأمر يجب أن يكون مختلفاً بالنسبة للاقتصادات الآسيوية الأخرى، التي تعتمد بشكل كبير على الصين، والتي هي بمثابة الحديقة الخلفية لها، وتستفيد من رأس المال الصيني على نطاق واسع.
كما أسلفنا، ليست هذه المرة الأولى التي تخوض فيها بكين وواشنطن حرباً تجارية. ففي عام 2018م، أثناء الولاية الأولى لترامب، فرض العملاقان الاقتصاديان رسوماً جمركية ضخمة على جانبي المحيط الهادئ، ولكن وفقاً لباحثي صندوق النقد الدولي، فإن العجز التجاري الأمريكي، والذي يغذّيه إلى حد كبير الاستهلاك القوي من جانب الأسر الأمريكية، الأغنى في العالم، ليس على وشك الاختفاء إذ لا يكفي الإنتاج المحلي الأمريكي لتلبية طلب المستهلكين، الذين يتجهون بشكل متزايد إلى السلع المستوردة. ويأمل ترامب أن تشجع رسومه الشركات على نقل إنتاجها إلى أراضي بلاده، لكن عودة المصانع الضخمة إلى أمريكا ليست مؤكدة. على سبيل المثال، ذكرت مجلة Fortune أن إعادة عُشر سلسلة توريد شركة Apple، والتي يتم تصنيع 80% من أجهزتها في الصين سوف يكلف 30 مليار دولار، ويستغرق ثلاث سنوات على الأقل. إذاً، تستمر الحرب التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الرائدتين، ولا يبدو أن ترامب أو نظيره بينج مستعدان للاستسلام أو التراجع. أما بالنسبة للشركات والمستهلكين على جانبي الهادي، فمن المرجح أن ترتفع أسعار المنتجات المتضررة. ويمكن أن تكون العواقب وخيمة على الاقتصادين المترابطين بشكل وثيق.
أوروبا
تأتي أوروبا ثانياً على قائمة الـ “15 القذرة”، ورغم أنه يبدو عازماً على تطبيق الرسوم الجمركية الجديدة، إلا أن دونالد ترامب لم يغلق الباب أمام المفاوضات فقد قال في حديث لقناة “إن بي سي نيوز” الأمريكية، أنه مستعد لتقديم تنازلات “إذا كان الناس مستعدين لإعطائنا شيئاً ذا قيمة كبيرة” في المقابل، إلا أن الجميع في حالة من الترقب، لأن لا أحد يعرف حقاً ما الذي يمكن توقعه.
وبعيداً عن قائمة السلع التي قد تخضع للضريبة التي تحمل في طياتها مخاطر إحداث تأثير الدومينو على الاقتصاد العالمي، جاء الرد الكندي بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الفولاذ والألمنيوم، وكذلك على العديد من المنتجات الأمريكية المصنعة والزراعية. من جانبها، أعلنت أوروبا عن “خطة محكمة” للرد على هذا الهجوم الجمركي الأميركي.
إفريقيا
في الواقع فإن إفريقيا محمية بسبب ضعف تجارتها مع أمريكا. لكن القارة، التي طورت علاقاتها بقوة مع الصين، تخشى التأثيرات غير المباشرة للحرب التجارية، كما أن الرسوم الجمركية الجديدة “سترسل موجات صدمة أخرى” عبر الاقتصادات الإفريقية، بحسب أكينوومي أديسينا، رئيس البنك الإفريقي للتنمية، الذي يحذر من انخفاض التجارة وارتفاع تكاليف خدمة الديون، إذ سيرتفع التضخم مع ارتفاع تكاليف السلع المستوردة في حين تنخفض قيمة العملات مقابل الدولار الأمريكي بسبب ارتفاع تكلفة خدمة الدين نسبة إلى الإيرادات الحكومية، مع زيادة الإيرادات المتوقعة، وستنخفض معدلات النمو في دول العالم. وبحسب أديسينا مع تطلع أوروبا وآسيا إلى شركاء تجاريين آخرين، بما في ذلك الصين، فإنهما ستشتريان سلعاً أقل من إفريقيا بسبب الصدمات العالمية التي ستستهدف بشكل خاص بلدان جنوب وجنوب شرق إفريقيا، فضلاً عن بعض بلدان المغرب العربي، بمعدلات تتراوح بين 10% و50%، وهي معدلات مماثلة تماماً لتلك المفروضة على بقية أنحاء العالم.
وبعيداً عن التجارة، سيتعين على البلدان الإفريقية الاستغناء عن الجزء الأكبر من الدعم الذي تقدمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إذ تتعلق عملية التفكيك الأمريكية الحالية بنحو 83% من البرامج مثل: مشروع ممر لوبيتو الضخم الذي أصبح مهدداً حالياً، وهو شبكة سكك حديدية بطول 1300 كيلومتر تربط بين ثلاث دول: زامبيا والكونغو الديمقراطية وأنغولا، كان من المقرر أن تشغِّل خمسين قطاراً يومياً، تستخدم لتصدير المعادن
العالم العربي
شكَّلت سياسة “أمريكا أولاً” التي أطلقها ترامب منعطفاً محورياً في العلاقات الاقتصادية بين المنطقة العربية وأمريكا، إذ تطيح التعرفة الجمركية الجديدة بالمعاملة التفضيلية الممنوحة سابقاً للبحرين والأردن وعُمان والمغرب بموجب اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية، في تحوّل محوري عن الشراكات التجارية الراسخة طال حتى الواردات من المناطق الصناعية المؤهلة أو الكويز في مصر والأردن التي لم تُستثنى من التعريفات الجديدة. وبحسب دراسة للإسكوا فإن الصادرات العربية إلى أمريكا قد انخفضت من 91 بيليون دولار عام 2013 م، إلى 48 بيليون عام 2024م، بسبب تقليص واشنطن مستورداتها من النفط ومنتجات البترول. إذاً ستؤثر التعرفة الجديدة على الصادرات العربية غير النفطية، في حين ستبقى الأخيرة معفاة من الرسوم.
الأردن
الأردن هو أحد الدول العربية التي تتمتع بوصول تفضيلي إلى الأسواق الأمريكية، وبحسب الورقة الصادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني “تعد الولايات المتحدة شريكاً استراتيجياً مهماً للأردن لأنها تستحوذ على الحصة الكبرى من حجم الصادرات الوطنية (25.7%) بقيمة بلغت 2.21 مليار دينار عام 2024م، وذلك مقابل مستوردات بنحو 1.33 مليار دينار خلال العام نفسه” الأمر الذي يرشحه، بحسب الإسكوا، لأن يكون الأكثر تأثراً وبشكل مباشر بالتعرفة الأمريكية الجديدة. وبحسب منتدى الاستراتيجيات “شهد حجم التبادل التجاري بين الأردن وأمريكا ارتفاعاً مستمراً خلال العقدين الماضيين، وبمعدل نمو سنوي 10.4%، وتحديداً بعد دخول اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين حيز النفاذ عام 2001م.”
إذاً، نتيجة حزمة الرسوم الجديدة ارتفعت الرسوم الجمركية الأمريكية على الصادرات الأردنية إلى 20% بعد أن كانت معفاة بموجب اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، وقد أثار هذا الارتفاع قلق مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية، كما شكل تحولاً في السياسة التجارية الأمريكية تجاه الأردن أثار المخاوف على مصير اتفاقية التجارة الحرة، التي أكملت مرحلتها الانتقالية عام 2010م، وأصبحت السلع المتبادلة بين البلدين خاضعة لمبدأ “الوصول المعفى من الرسوم الجمركية”. من نافلة القول إن اتفاقية التجارة الحرة أنعشت الاقتصاد الأردني، وعززت صمود العديد من القطاعات في وجه التحديات الاقتصادية، ولعل قطاع المنسوجات والملابس الأكثر تضرراً من هذه الرسوم الجمركية في حال جرى تطبيقها بصرامة، إذ شكلت صادرات الألبسة قرابة 63% من الصادرات الأردنية إلى أسواق الولايات المتحدة في عام 2024م، وبالتالي فإن عدداً هاماً من الوظائف في هذا القطاع (10,000-15,000 وظيفة) قد يُفقد مما سيؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة، خصوصاً بين النساء اللواتي يشكلن نسبة كبيرة من اليد العاملة في هذا المجال؛ أيضاً تندرج الحلي والمجوهرات وأجهزة التكييف وأخيراً الأسمدة ضمن قائمة الصادرات الأردنية.
في الواقع يطرح الأمر جملة من التحديات أولها التأثير السلبي لهذه الرسوم على تنافسية الصادرات الأردنية في الأسواق الأمريكية، حتى وإن كان مدى هذا التأثير معتمداً على الحصة السوقية لهذه الصادرات، وعلى أثر التغير في سعر السلعة على حجم الطلب، وتنافسية المنتجات الأردنية في الأسواق الأمريكية.
على الصعيد الوطني الأردني، تواجه الحكومة الأردنية تحديات التفكير بأسواق جديدة، وتنويع الأسواق وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار، والبحث عن فرص توسع إقليمية ودولية. وبالعودة إلى ورقة منتدى الاستراتيجيات، يواجه الاقتصاد الأردني أحد احتمالين: تراجع الصادرات الأردنية إلى الأسواق الأمريكية، الذي سيجر تراجعاً في المستوردات الأردنية الداخلة في صناعة هذه المواد من أقمشة وخيوط أو غيرها من مدخلات الإنتاج الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري وتوزع تأثيره على مختلف القطاعات. وفي هذه الحال ستكون الاستثمارات الأجنبية القائمة في الأردن مهددة، بالإضافة إلى الارتدادات السلبية على جذب الاستثمارات، وخطر انتقال بعض الاستثمارات الأجنبية القائمة حالياً إلى أسواق منافسة تتمتع بتعرفة جمركية تفضيلية في دول الجوار والإقليم، وأخيراً تداعيات القرار على العمالة المحلية كما أسلفنا، وعلى الجهود التنموية في المناطق النائية.
شيء من التفاؤل
لعل من محاسن أزمة الرسوم الجمركية أنها طالت الجميع تقريباً، وأن الأسواق المنافسة للأسواق الأردنية قد خضعت هي الأخرى لزيادات في النسب الجمركية أعلى من الأردن أحياناً مما قد يترتب عليه تخفيف تنافسيتها مع الصادرات الأردنية، إلا أنه يجب التنبه إلى ضرورة التوسع في الأسواق الأمريكية لمنافسة صادرات الدول التي خضعت لرسوم أقل. أيضاً، أفسحت الأزمة المجال لدراسة إمكانيات التصدير الأردنية المتاحة والتي لم تُستغل بعد، وفئات السلع التي يمكن أن تدخل ضمن نطاق هذه الفرص التصديرية، مع ما يقتضيه ذلك من تنويع الصادرات، وتنشيط الترويج والتسويق مع تعزيز القدرات اللوجستية وإعادة توجيه بعض الإنتاج المخصص للتصدير إلى الأسواق الأمريكية نحو السوق المحلية وتلبية الطلب المحلي، وتفعيل اتفاقيات التجارة القائمة مع دول أخرى، وعقد اتفاقيات جديدة لتلافي الآثار السلبية للقرار الأمريكي.
رغم الإعلان مؤخراً عن عودة الدعم الأمريكي للأردن ولاسيما الدعم العسكري والدعم المباشر للخزينة، واستئناف مدفوعات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لمشروع تحلية المياه ونقلها بين العقبة وعمان والذي يعتبر بمثابة مفتاح الاكتفاء الذاتي للمملكة من المياه، إلا أن المساعدات المخصصة لبرامج التنمية لاتزال مجمدة باعتبارها ليست أولوية ملحّة. وإذا كان ترامب قد لوّح قبلاً بإيقاف المساعدات للأردن إذا لم توافق المملكة على استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين بموجب اقتراح تحويل غزة إلى ريفييرا الشرق الأوسط، إلا أن كبار مساعدي البيت الأبيض يعتبرون استقرار المملكة أمراً بالغ الأهمية للأمن القومي الأمريكي.
إذاً، كشفت أزمة الرسوم الجمركية أردنياً عن الحاجة إلى تبني نهج اقتصادي وتجاري مرن وشامل، يعزز منعة الاقتصاد الأردني وقدرته على امتصاص الصدمات الخارجية، وتعزيز الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتطوير قاعدة إنتاجية تعتمد على الصناعات الرأسمالية والتكنولوجية والهندسية؛ وتعزيز التنسيق والتعاون والتبادل مع دول الجوار والإقليم، وتيسير الإجراءات على المعابر الحدودية خصوصاً مع سوريا التي تشكل صلة الوصل مع الأسواق التركية وتسهيل حركة مرور الصادرات من خلالها عبر إزالة المعوقات اللوجستية والإدارية، وتشجيع التجارة البينية العربية. كذلك وجَّه الأردن اهتمامه نحو تحسين وتطوير البنى التحتية للنقل والموانئ عبر إطلاق مشاريع مثل إحياء الخط الحديدي الحجازي، وتطوير منصة رقمية للتصدير.
الخلاصة
رغم الإعفاءات التي تصدر كل فترة سواء على المنتجات الإلكترونية، أو الطاقة والسلع الدوائية والمعادن النادرة، فإن تأثير “سيناريو التوقف” أو فترة السماح، على المنطقة العربية ضئيل نسبيًا، مع ما ينجم عنه من مكاسب أو خسائر ضئيلة بحسب البلد المعني، كما أن التطبيق المنسق لزيادات التعرفة الجمركية على بقية العالم يقلل كثيراً من التكاليف المرتبطة بتأثيرات تحويل مسار التجارة بين الشركاء التجاريين الرئيسيين لأمريكا، وخاصةً الاتحاد الأوروبي ودول شرق آسيا، ومن المتوقع أن يكون الطلب العالمي على منتجات الطاقة أكثر محدودية، أو يشهد انخفاضاً طفيفاً، ولكن من غير المرجح أن يؤثر ذلك على عائدات الدول المصدرة للنفط على المدى القصير. من هنا يجب على الدول، وخصوصاً العربية، الاستعداد للتأثيرات المتباينة وإدراك الآثار المتنوعة، والمتناقضة أحيانًا، لرفع التعريفات الجمركية الأمريكية، فقد يستفيد بعضها من تحسين القدرة التنافسية للأسعار، بينما يمكن أن يواجه البعض الآخر خسائر تصديرية مباشرة أو ضغوطاً مالية نتيجة انخفاض أسعار الطاقة المرتبط بضعف الطلب في الصين والهند. يستدعي هذا تعميق وتسريع التكامل الإقليمي لتعزيز المرونة كاستجابة لتصاعد الحمائية العالمية، ضمن أطر عمل مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي، واتفاقية أغادير، التي من شأنها جميعاً تعزيز القدرة التفاوضية الجماعية والتجارة البينية لامتصاص الصدمات الخارجية. بالإضافة إلى تنويع شراكات التجارة والاستثمار وإعادة تقييم الاستراتيجيات التجارية، وتنويع أسواقها، والتفاوض جماعيًا لحماية مصالحها الاقتصادية الإقليمية، وتعزيز قدرتها على الصمود في وجه صدمات التعريفات الجمركية الأحادية الجانب، وتغيّر الطلب العالمي. أما على الصعيد الخارجي فلا مناص من الحوار البنّاء مع الولايات المتحدة، والدخول في مفاوضات استراتيجية، والتنسيق مع الجهات الفاعلة العالمية الأخرى التي تسعى إلى إعادة التفاوض على شروط التعريفات الجمركية، مع العمل لتجنب التشوهات التجارية طويلة الأجل، وهي خطوات لا بد منها للحفاظ على الوصول إلى الأسواق، والحصول على معاملة تفضيلية حيثما أمكن، مع السعي للاستفادة من الاستثناءات القانونية أو الأطر الخاصة، مثل المناطق الصناعية المؤهلة. من جهة أخرى، يمكن للدول التي لا تربطها اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة الاستفادة من وجود أطراف ثالثة للتفاوض على إعفاءات تفضيلية، بينما قد يحتاج الأردن والمغرب إلى إعادة تقييم شروط اتفاقيات التجارة الحرة الخاصة بهما لتجنب تآكل الأفضليات.
في الواقع، تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد ذات القيمة العالمية مما يتيح الفرصة للاقتصادات العربية كي تُمَثِّل بدائل جذابة في ممرات التجارة الناشئة من خلال الاستثمار في الخدمات اللوجستية، والتوافق التنظيمي، وتنقل العمالة، للاندماج في تحالفات تجارية جديدة، وهنا تبرز ضرورة تعزيز الاحتياطيات المالية واستراتيجيات التمويل المرنة لمعالجة نقاط الضعف في مواجهة الصدمات التجارية في بيئة عالمية تتزايد فيها حالة عدم اليقين، كما يتوجب على الاقتصادات العربية تطوير أطر موثوقة للمرونة المالية لإعادة التنظيم الجيوسياسي ومعالجة نقاط الضعف التي قد تظهر في مواجهة أنماط التجارة المتطورة، وتعبئة الاستثمار الخاص المحلي، وتسريع تنويع الصادرات، وتعميق التكامل في سلاسل القيمة الإقليمية؛ إذ تُعد هذه الجهود ضرورية لبناء المرونة المالية، ودعم الأفراد والاقتصادات.
