الحرب التجارية الراهنة قد تتعدى أدوات القوة الناعمة وتدحض الرواية الليبرالية وتفتح الباب للصراعات الكبرى

image
Getting your Trinity Audio player ready...

د. عبد الرزاق غراف

باحث أول بمركز الخليج للأبحاث


تحت دافعية الانعزالية الحمائية المفرطة وضمن ذات السياق الذي أسّسه الإرث العقائدي لمبدأ جيمس مونرو “أمريكا للأمريكيين” ورسّخه لاحقًا مبدأ ثيودور روزفلت “أمريكا أولًا” عبر استراتيجية “العصا الغليظة”؛ قبل أن يتجاوزه فرانكلين روزفلت تحت وطأة الاندفاع الأمريكي نحو قيادة الغرب الليبيرالي وتبوأ مكانة “القوة العظمى” مناصفة مع الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية ثم انفرادًا بها بعد نهاية الحرب الباردة، وعلى ضوء مسارات التاريخ السياسي الأمريكي في القرنين الماضيين الذي شهد تقلبات جوهرية تراوحت ما بين “العزلة” و”الانفتاح” جاءت “الترامبية الجديدة” لتعيد إنتاج أحد أنماط العزلة الأمريكية التي لم تغب عن الإدراك الاستراتيجي الأمريكي منذ عصر المؤسسين؛ وإن كان ترامب قد استثنى بُعدَها الإقليمي اللاتيني حين اختزلها في بُعدِها المحلي على المستوى الفيدرالي الأمريكي الذي صاغه إبراهام لينكولين ستينات القرن التاسع عشر خلال مرحلة التأسيس الثاني للولايات المتحدة.

 لتتشكل بذلك حالة متجدّدة لها أسبابها ودوافعها وظروفها الاستثنائية حتى وإن بدت في بعض أبعادها خيارًا منافًيا للوعي الاستراتيجي الذي يفرضه واقع الهيمنة الأمريكية ليس على توازنات الاقتصاد العالمي فحسب؛ بل على الفضاء الجيو سياسي الشامل لكل أركان النظام الدولي الراهن الذي تشكل أمريكا نواته التي تحوم في فلكها باقي الفواعل، بداية بهيمنة الدولار وصعوبة فك الارتباط العضوي بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي وليس نهاية بالانتشار العسكري الأمريكي العالمي ذات الطابع الامبراطوري وخارطة التحالفات المرتبطة به، حتى في ظل بعض ارهاصات تشكل مسارات جديدة التي مردّها لما وفره الصعود المرن للبديل الصيني من فرص وهامش للمناورة أمام من يمتلك إرادة التنصل النسبي من العباءة الأمريكية، إضافة لتصاعد تأثير التكتلات الإقليمية؛ وكذا وضع روسيا الراهن التي أبان الصراع في أوكرانيا عن افتقارها النسبي للرصيد الكافي من الأدوات المتوافقة مع رغبتها الجامحة في رفع نسق التنافس مع الغرب على النحو الذي يتيح لها اكتساب شيء من سمات ومقومات القطب المستقل.

“يوم التحرير” كما وصفه الرئيس الأمريكي جاء عقب إقرار الأخير زيادة في الرسوم الجمركية على قرابة 180 دولة ومنطقة تفاوتت نسبها ما بين 10% على غرار تلك التي مست بعض الدول العربية و20على الأوروبيين في حين بلغت 34% على بعض المنافسين وفي مقدمتهم الصين قبل أن يضاعفها على مرتين لتبلغ حدًا جنونيًا قيمته 125%؛ تحت وطأة رد الفعل الصيني السريع والمكافئ والذي بلغ معدل 84% قبل أن يتقرر رفعه مرة أخرى إلى 125% ردًا على التصعيد الأمريكي، والهدف حسب  ترامب وكبار مسؤولي إدارته هو دعم الاقتصاد المحلي وبخاصة ما تعلق بالقطاع الصناعي الأمريكي، وهذا ما عكسه نصيب قطاع الواردات الأمريكية من السيارات الذي من المتوقع أن تبلغ عائداته الضريبية بعد القرار زهاء 100 مليار دولار من مجمل 700 مليار دولار التي تشكّل نظريًا إجمالي العائدات المالية التي سيتم تحصيلها من وراء هذه الرسوم، وهي قيمة تساوي في حال تحصيلها قرابة 2.4% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي.

أزمة الرسوم التي ما هي إلا حلقة أخرى في سلسلة من قرارات ترامب التي أُريد منها أن تكون استثنائية كونها تكسر المسلمات التي ظلّت راسخة منذ الحرب العالمية الثانية؛ تركت صدمة متعددة الأبعاد على كافة المستويات في الداخل الأمريكي وخارجه، على النحو الذي أفرزت فيه هذه المعطيات جملة من التساؤلات والإشكالات المرتبطة أساسًا بصعوبة التنبؤ بعواقب هذه التطورات على المدى البعيد، ولعّل الإشكال الأشمل هو كيف ستعيد عاصفة ترامب الجمركية هندسة وصياغة الانتشار الامبراطوري الأمريكي وتوازنات مراكز القوة العالمية؛ في ظل جموح الإدارة الأمريكية الراهنة نحو الانعزال والانكماش على الذات بعيدًا عن حوافز ومبررات الانتشار التي صاغها فرانكلين روزفلت قبل زهاء ثمانية عقود، وما هي التداعيات بعيدة المدى لكسر ترامب لمحاور التحالف الأمريكي التقليدية وفي مقدمتها تلك العابرة للأطلسي؟

وحتى في ظل الافتراض القائم على أن الرئيس الأمريكي سيتراجع عمّا أقّره ولو نسبيًا؛ إلا أن ارتدادات ذلك ستدوم لفترة ليست باليسيرة، انطلاقًا من أن الكل بدون استثناء سيعيد حتمًا التفكير في مسارات أخرى قد تجنبه مستقبلًا تداعيات هزات فجائية أشبه بالتي حدثت، وهو أمر يخضع له الحليف والصديق قبل المنافس والعدو، فالرهان على الشراكة الاستراتيجية الموثوقة النتائج مع الولايات المتحدة تحت أي مظلة كانت سياسية أو اقتصادية أو دفاعية وأمنية سيخضع حتمًا لإعادة مراجعة جذرية؛ مراجعة ستفرز يقينًا لا شكًا إدراكًا استراتيجيًا جديدًا بمحددات جديدة قد تكون أكثر جموحًا نحو اشدّ نماذج الواقعية راديكالية بعيدًا عن صور الليبرالية الجوفاء المرتهنة للاعتماد المفرط على التعاون والتكامل المتبادل؛ والتي سادت عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية وإلى غاية عودة الانعزالية الأمريكية التي أفرزتها الترامبية الجديدة.

1ـ الاقتصاد العالمي وعاصفة ترامب الجمركية. أي تأثير؟

في ظل التطورات المتسارعة وصعوبة التنبؤ بنتائج التغيرات الحالية؛ يبقى الثابت من مسلمات وفق ما أشارت إليه تقارير رسمية إلا أن الرفع من الرسوم الجمركية في ظل اقتصاد عالمي يعاني من معدلات نمو ضعيفة ومثقل بالديون وما زال لم يتعاف بعد من تداعيات جائحة كورونا سيترك آثارًا وخيمة على مستقبل الاستثمارات والتدفقات التجارية وسلاسل الإمداد، وهو ما يفرض حتمية تطوير القواعد التجارية العالمية لمواجهة التحديات والعواقب السلبية على الاقتصاد العالمي؛ خاصة فيما تعلق بارتفاع التضخم وتقويض النمو الاقتصادي العالمي واستقرار العلاقات التجارية الدولية، وهي معطيات ستجد صداها لدى الحلفاء قبل المنافسين.   

  • الصين “حلبة الصراع الأكبر”: نغرق معًا أو ننجو معًا!

لا خلاف على أن الصين هي المعني الأول بالرسوم الجمركية التجارية تأثيرًا وتأثرًا، ومن جهة أخرى فإنه لا يوجد من يملك مقومات الصمود بل وصناعة الصدمة المعاكسة أكثر من الصين، والمبرّر الشامل لذلك هو أن النصيب الأوفر من الاستهلاك الأمريكي يصنّع في الصين ما عزّز من حيوية موقع الأخيرة في أكبر سوق استهلاكي في العالم (الولايات المتحدة)، توازياً مع الملاذ الأكثر نفعية والأقل تكلفة الذي وفّره مناخ الاستثمار في الصين للشركات الأمريكية، وهو أمر لا يعني السوق الأمريكية لوحدها بل يعني السوق العالمية؛ أين تعتبر الصين أكبر مصدّر في العالم بقيمة تتجاوز 3.5 تريليون دولار. ولكن وفي ظل حتمية رد الفعل الصيني يبرز إشكال آخر مفاده: كيف ستساهم عاصفة الرسوم في كسر قواعد “الصبر الاستراتيجي” المعتاد في حسابات الصين بعيدة المدى؟

بلغة الأرقام تعدّ الصين ثالث أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة بـ 11% من إجمالي التجارة الأمريكية بعد كل من كندا 14% والمكسيك 16%، وتشير البيانات الأمريكية إلى أن التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين الذي بلغ زهاء 582.4 مليار دولار سنة 2024م؛ شهد عجزًا بقيمة 295.4 مليار دولار لصالح الصين حيث بلغت الصادرات الأمريكية قرابة 143.5 مليار دولار في حين بلغت وارداتها من الصين 438.9 مليار دولار، وانطلاقًا من هذا الوضع “غير العادل” حسب دونالد ترامب بنى الأخير حجته فيما أقدم عليه من قرارات؛ مراهنًا على خنق الاقتصاد الصيني وكبح نفوذه في السوق الاستهلاكية الأمريكية، غير أن الواضح أن ذلك لن يكون ضمن طريق مفروش بالورود، فالصين هي الأخرى لديها من مقومات الصمود ما يجعل من تكلفة تحقيق الإدارة الأمريكية لمبتغاها مكلفة جدًا بل قد تتجاوز المنتظر من مكاسب، وهو ما يعني ضمنيًا “انقلاب السحر على الساحر” في ضوء صعوبة إيجاد البديل الجاهز لانسحاب الصين من السوق الأمريكية؛ الذي يقي الولايات المتحدة من ارتدادات قرارات رئيسها عليها، وحتى إن افترضنا وجود البديل فإنه حتمًا لن يكون بذات المعايير والمحددات بالنظر للعروض التنافسية القوية التي عادة ما تتسم بها صادرات الصين ما يجعل من منافستها أمرًا بالغ الصعوبة.

ومن جهة أخرى فإن امتلاك الصين لبعض الأوراق الرابحة التي من المنتظر أن تبرزها ضمن استراتيجية الإجراءات المضادة الانتقامية على غرار ورقة المعادن النادرة التي تستحوذ الصين على الحصة الأكبر من إنتاجها العالمي بمعدلات تتجاوز أحيانًا 80%، وهو ما بدأت أولى إرهاصاته في الظهور بعد حزمة القيود التي فرضتها الصين على تصدير هذه المعادن، وإن كانت ورقة المعادن النادرة هي الأهم فإنها ليست الوحيدة ضمن ما قد تناور به الصين بشكل آني، فقد تم فتح العديد من التحقيقات المرتبطة بتهم الاحتكار ما أسفر عن إدراج بعض الشركات الأمريكية ضمن قائمة الكيانات غير الموثوقة وهذا كرد على استخدام إدارة دونالد ترامب لملف سرقة الملكية كوسيلة ضغط على الجانب الصيني.

والأهم من كل هذا أن المنطق الانعزالي الأمريكي الراهن سيجبر باقي دول العالم حتى لو افترضنا استثناءً أن الاتحاد الأوروبي سيصل لصيغة ما قد تعيد بث الروح من جديد في الشراكة العابرة للأطلسي؛ إلا أن ما يشكله مجموع سكان ضفتي الأطلسي البالغ زهاء (800 مليون نسمة) لا يتعدى 10% من إجمالي سكان العالم (04% للولايات المتحدة و06% لأوروبا)، في حين تحمل باقي الأسواق فرصًا ضخمة للمزيد من التمدد الصيني وإن كانت هي فرص متبادلة بين الصين وباقي أسواق العالم الراغبة هي الأخرى بشدة في منتجات الصين الأقل تكلفة بكثير بغض النظر عن رهانات تمدد المشاريع الصينية الكبرى من قبيل مشروع الحزام والطريق ومظلة بريكس، أين يوفر هذا الوضع بدائل لتراجع مكاسب الصين من السوق الاستهلاكية الأمريكية، ما يعني ضمنيًا أن الانكماش الأمريكي المعرقل للتجارة الدولية سيؤسس لعصر جديد من الانفتاح الصيني واسع النطاق على العالم الذي هو مصلحة متبادلة بين الصين والعالم على حد سواء؛ رغبة في توفير نظام تجاري مفتوح بعيدًا عن الانعزالية والحمائية الأمريكية.  

وإن كانت حالة الجنون الذي انتاب حرب الرسوم الجمركية الجارية بالنظر لما وصلت إليه مستويات التصعيد في إطار الفعل ورد الفعل والذي بلغ معدلات لم يكن أكثر المتشائمين أن يتصور حدوثها، ستجعل من الصعب جدًا الخروج بفائز من هذا الصراع الذي يبدو أنه أقرب لنموذج صراع عض الأصابع المنتصر فيه من يمتلك النفس طويل المدى على كتم ألمه، وإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك السطوة اللازمة لفرض ما تراه مناسبًا إلا أن ذلك يشمل القدرة على صناعة الأزمة وليس التحكم المطلق في مخرجاتها، وهو أمر لطالما كان شائعًا طوال الأزمات الاقتصادية التي مرّ بها العالم عامة والغرب الليبرالي خاصة منذ بداية القرن العشرين؛ أين كانت جلّ الأزمات أمريكية المولد عالمية النتائج؛ منذ أزمة الكساد الكبير أواخر عشرينات القرن الماضي وإلى غاية الأزمة الراهنة.

  • الاتحاد الأوروبي بين “تحديات الصدمة ومقتضيات الاستفاقة الاستراتيجية”

الاتحاد الأوروبي الذي نال نصيبه هو الآخر من عاصفة ترامب الجمركية سواء فيما تعلق بالتداعيات الاقتصادية الناجمة عن مضاعفة الرسوم الجمركية لـ 20% قبل تجميدها مؤقتًا لتسعين يومًا، أو ما تعلق بالتداعيات الجيو سياسية والجيو أمنية على القارة الأوروبية جرّاء إعادة إحياء الترامبية الجديدة للعقيدة الانعزالية الأمريكية، وهو وضع يجعل أوروبا أمام ثلاثة سيناريوهات:

الأول هو الانحناء أمام العاصفة وتقبل الإرادة الأمريكية الراهنة والقبول بالمحددات الجديدة التي فرضها ترامب لاستمرار الشراكة العابرة للأطلسي بشكل مؤقت، وانتظار مرور أربع سنوات من عهدة دونالد ترامب والمراهنة على مجيء رئيس تقليدي لسدة البيت الأبيض يعيد ترتيب العلاقات العابرة للأطلسي وفق قواعدها التقليدية، وهو خيار يحمل كبير المخاطرة بالنظر أولًا لمدى نجاعة ذلك في كبح ترامب عن مسار تفكيك الشراكة العابرة للأطلسي، فضلًا عن مدى قدرة الرئيس القادم على إصلاح ما فككه ترامب أصلًا.

الثاني إبداء جزء من رد الفعل في محاولة لتقليل حجم الضغط الأمريكي ومحاولة استرضاء الولايات المتحدة عبر التفاوض، وهو أقرب المسارات حاليًا في ضوء إعلان ترامب تعليق الرسوم الجمركية لتسعين يومًا ليفسح المجال أمام تسويات مع الدول الصديقة كما وصفها.

الثالث إبداء مقاومة للإرادة الأمريكية والعمل على بناء مسار مستقل عنها، وهو ما يحمل في طياته تحديات ضخمة على الأمن الأوروبي بالنظر لصعوبة توفير متطلبات مشروع الاستقلالية وتكلفته بل بالنظر لمدى امتلاك أوروبا للأدوات اللازمة لتحقيق هذا المبتغى أصلًا. 

كما تبرز تداعيات هذا المسار الأخير (مشروع الاستقلالية) على مستقبل الوحدة الأوروبية، فألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا وقاطرة الاتحاد الأوروبي المالية والاقتصادية؛ ورغم هول الصدمة إلا أنها أمام فرصة للتاريخ من أجل كسر ما كبلتها به اتفاقات الهزيمة خلال الحرب العالمية الثانية، ولا يوجد ما هو أكثر من هذه اللحظة التاريخية التي بدأت تنعكس على الإدراك الاستراتيجي الألماني بعد إعلان الحكومة الألمانية تخصيص ميزانيات ضخمة تناهز 01 تريليون دولار لتعزيز وتطوير البنية التحتية والاستثمارات الدفاعية خلال العشر سنوات القادمة حسب مصادر المفوضية الأوروبية، في خطوة حتمية من أجل مواكبة المنافسين من جهة ومواجهة تعقيدات الواقع الاستراتيجي الجديد الذي فرضته الترامبية الجديدة على أوروبا وقبلها الحرب الروسية على أوكرانيا التي كلّفت ألمانيا حسب مصادر ألمانية رسمية 280 مليار دولار منها 40 مليار دولار مساعدات لأوكرانيا، والهدف إعادة مكانة ألمانيا السياسية والعسكرية والاقتصادية، ما من شأنه أن يعيد تشكيل التوازنات ويخلق واقعًا استراتيجيًا جديدًا تمتد تداعياته حتى إلى مسار الوحدة الأوروبية في ظل الهوس التاريخي للجوار الأوروبي من تحرّر المارد الألماني.

2ـ مستقبل البُنى العلائقية في حقل العلاقات الدولية!

كثيرة هي التداعيات الاستراتيجية الآنية والمستقبلية التي قد تفرزها سياسات دونالد ترامب والجنوح الراديكالي نحو الانعزالية والحمائية، وإن كانت الرسوم الجمركية قد عبّرت أولى إرهاصاتها فإن تطورها لاحقًا قد يمس كل المستويات سواء السياسية أو الأمنية والعسكرية اتجاه الحلفاء قبل المنافسين، فالعظمة الأمريكية التي بُنيت من أنقاض الحرب العالمية الثانية والحضور القوي لروزفلت في مؤتمرات طهران ويالطا وبوتسدام الذي أسّس لموقع القوة العظمى الأمريكية في النظام الدولي هي معطيات لم تعد من أولوية الرؤية الأمريكية الراهنة في ظل الانسحاب الأمريكي من تسيير مشاكل العالم ولعب دور الشرطي، وهو ما من شأنه أن يُنهي الكثير من المسلمات التي لم تعد قادرة على توفير دافعية الاستمرار في ظل التحولات الراهنة.

  • مستقبل الغرب كوحدة جيوسياسية واحدة وموحدة!

إن أولى مخرجات الإدراك الأمريكي الجديد هو ما سيقع على مستقبل الغرب كوحدة جيو سياسية متناسقة، فالواضح أن العلاقات العابرة للأطلسي والتي ترسّخت سياسيًا وعسكريًا عبر حلف الناتو واقتصاديًا عبر مشاريع “مارشال” ثم “أيزنهاور” أربعينات وخمسينات القرن الماضي؛ والتي حمت أوروبا من المد الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية وجموح ستالين نحو توسيع خارطة النفوذ السوفياتي الذي نال من جلّ شرق القارة الأوروبية، هي كلها محددات تبدو أمام بوادر الاندثار في ظل مسار الانعزال الأمريكي الراهن، ما من شأنه أن يعيد رسم معالم البنية العلائقية للنظام الدولي على ضوء ما قد يفرزه هذا الوضع من سيناريوهات في تراتبية مواقع القوة وتوازناتها.

ومردّ ذلك أولًا لما سيوفره تراجع قوة الروابط العابرة للأطلسي من هامش لباقي القوى المنافسة من أجل توسيع دائرة نفوذها سواء ضمن مجالها الحيوي أو حتى خارجه، سواء كانت قوى إقليمية صاعدة أو حتى ما تعلق بالقوى الكبرى الساعية للاستثمار في حالة الانفصال الوظيفي بين ضفتي الأطلسي. وثانيًا لما يوفره تراجع قوة الغرب ككتلة جيو سياسية متناسقة من فرص لإعادة هندسة حدود وطبيعة التوافقات الدولية انطلاقًا من مناطق تقاطع المصالح التي يفرضها الواقع الجديد، حيث تبرز في هذا الإطار بعض المسارات المرتبطة على سبيل المثال لا الحصر بإمكانية حدوث تقارب صيني أوروبي للتقليل من تداعيات الحرب التجارية القائمة؛ كونهما أحد أهم الأطراف المعنية بعاصفة ترامب الجمركية ومنه فإن أي تقارب بينهما سيعوض نسبيًا حجم التكاليف المترتبة عن الجنوح الأمريكي نحو الانعزال، وبقدر ما يمس ذلك ملفات ذات أولوية على غرار تعزيز التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والصين؛ بقدر ما قد تشمل تداعياته ملفات جيو سياسية وجيو أمنية من قبيل الموقف الأوروبي من تايوان وغيرها.

وذات الأمر ينطبق على فرص التقارب الروسي / الأمريكي الذي ستدفع أوروبا تكاليفًا باهظة له، على كافة المستويات وبخاصة السياسية والأمنية والعسكرية، وإن كانت إرهاصات ذلك قد بدأت تتجلى ضمن مساعي تسوية الأزمة في أوكرانيا أين استبعدت أوروبا من المشاركة المباشرة في الحل، إلا أن أوكرانيا ما هي إلا البداية كون المسار الراهن قد يؤثر حتمًا في مستقبل موقع الاتحاد الأوروبي في النظام الدولي كافة تحت وطأة تعاظم تكلفة الانطواء تحت مظلة الحماية الأمريكية من جهة؛ وصعوبة توفير مقتضيات الاستقلالية عن هذه المظلة بشكل سريع من جهة أخرى، فضلًا عما يكتنف هذه الاستقلالية من تحديات على مستقبل مسار الوحدة الأوروبية في ضوء إمكانية العودة للهوس القومي الذي عانت منه أوروبا خلال الثلاثة قرون الماضية والذي ساهم بشكل مباشر في اندلاع حربين عالميتين فوق الأراضي الأوروبية ونالت منه أوروبا نصيب الأسد من الدمار.

  • موقع التكتلات الإقليمية والدولية: ما المسارات المنتظرة؟

كما تبرز في هذا السياق التكتلات الإقليمية التي حتمًا ستجد أمامها فرصًا متعاظمة من أجل مزاحمة القوى الكبرى، ومرّد ذلك أساسًا لتصاعد حوافز الإقليمية بالنظر لما أفرزته أزمة الرسوم الجمركية من مخاطر الارتباط بالقوى الكبرى، وهذا بغض النظر عن سيناريو تصاعد الأدوار الوظيفية لبعض القوى الصاعدة خاصة تلك المرتبطة بالإحجام الأمريكي عن الحضور المباشر في كل مناطق التنافس والصراع الدولي، ما سيعزز من تبادل وتكامل الأدوار مع بعض القوى الإقليمية على النحو الذي ينال فيه كل طرف حصته من المزايا.

وعلى ذات النحو تبرز إمكانية تراجع أدوار التكتلات الدولية الكبرى على غرار حلف الناتو لصالح نمط آخر من البنى العلائقية المرتكزة على التفاهمات الثنائية، وهو أمر وارد بقوة في ضوء ما حمله قرار دونالد ترامب بتجميد الرسوم الجمركية لمدة تسعين يومًا لفسح المجال أمام فرص التفاوض لتأخذ حظها، وهذا يكون ضمنيًا عبر إبرام اتفاقات ثنائية بين الولايات المتحدة وباقي دول العالم كل على حدى، ما يعطي انطباعًا أوليًا في أفضلية التعامل الثنائي عن نظيره المتعدد، وهو ما سيترك بكل تأكيد أثره على مستقبل صور البنى العلائقية في حقل العلاقات الدولية. 

5ـ الانتشار العسكري الأمريكي وتوازنات مراكز القوة العالمية “قراءة في مستقبل الأدوار”:

عبر “الناتو” أو بدونه ظلّت الولايات المتحدة طوال ثمانية عقود ماضية تتبوأ مقام القوة العظمى صاحبة الانتشار العسكري الأكبر في كل العالم وربما في التاريخ، وبقدر ما عكس هذا التوسع الامبراطوري قوة وهيمنة الولايات المتحدة على مفاصل النظام الدولي والمزايا المكتسبة من ورائه بقدر ما تطلب ذلك تكاليف ضخمة على الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثل في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة أكبر الممولين لحلف الناتو كانت أوروبا تنعم بمزايا هذا الوضع؛ مزايا تفوق أحيانًا التكاليف الناجمة عنها، وهذا ما أخذه دونالد ترامب كذريعة لخطابه المستمر بضرورة تحمل أوروبا للمزيد من الأعباء المالية تحت مظلة الناتو، والأمر لا يقتصر على الإنفاق فحسب بل في جدوى استمرار الانتشار العسكري الأمريكي الضخم في أوروبا ذاتها؛ والذي يبلغ في ألمانيا لوحدها زهاء 50 ألف جندي.

وإذا كانت الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر المتعلق بحماية أوروبا أو الجناح الشرقي للناتو فإن مساهمة الشركاء الأوروبيين في درء التحديات التي يفرضها صعود الصين على الهيمنة الأمريكية وسعي الولايات المتحدة لاحتواء الصين وعزل طموحها العسكري في التمدد في المحيطين الهندي والهادي تبدو أنها ضعيفة جدًا مقارنة مع الجهد الأمريكي في حماية أوروبا، وعليه فإن استمرار هذا الوضع غير المتوازن يبدو أنه أمر غير ممكن بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية، وهذا ما يقودنا لجملة من الافتراضات جرى ذكر بعضها سابقًا، من بينها إما رفع مظلة الحماية الأمريكية عن أوروبا، أو مضاعفة أوروبا لمسؤولياتها اتجاه حلف الناتو، فضلًا عن تصاعد الدور الوظيفي الإقليمي المكمّل للاستراتيجية الأمريكية والتي ستملأ الفراغ الناجم عن انكماش وإعادة هندسة وصياغة الانتشار الأمريكي العالمي.

ورغم أن هذه التغيرات قد لا تحمل في طياتها تداعيات مباشرة وآنية على الانتشار الامبراطوري الأمريكي الذي لطالما ركّز أساسًا على المزاوجة بين أدوات القوة الناعمة عبر الشركات الكبرى والمؤسسات الاقتصادية الدولية وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ وبين أدوات القوة الخشنة عبر السيطرة على المضائق والممرات المائية الحيوية ومسارات خطوط التجارة الدولية عبر البحار والمحيطات فضلًا على مناطق كبرى الاحتياطات النفطية، إلا أن تداعياتها في المدى الطويل على مستقبل هذا الانتشار سيكون وخيمًا في ظل تراجع فعالية الدور الأمريكي في الأمن العالمي لصالح فواعل أخرى في مقدمتها الصين، التي لم تترك فراغًا لتقليص الدور الأمريكي الناعم على المستوى الدولي إلا وحاولت ملأه، بداية بمحاولة تعويض بعض المنظمات الدولية كمنظمة الصحة العالمية وغيرها عن رفع الدعم الأمريكي عنها؛ وصولًا لتقليص الصين لرسومها الجمركية عن عشرات الدول التي نالت نصيبها من الرسوم الجمركية، وإن كان الوضع الراهن يشمل التمدد الناعم فقط فالمانع أن يتحول في أجل قادم ليشمل نظيره الخشن؟ وهو أمر وارد حتى لو لم تظهر معالمه بعد.

خاتمة:

نُذر الحرب التجارية العالمية التي قد تنحو إليها تطورات أزمة الرسوم الجمركية في ظل دافعية حالتي “الفعل” و “رد الفعل” الآخذة في التصاعد؛ قد يحمل في ثناياه تداعيات كبرى على مستقبل النظام الدولي تتعدى قواعد “العولمة” التي ترسّخت بعد نهاية الحرب الباردة إلى تلك التي صاغها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، ما ينذر بمزيد من الفوضى التي عادة ما تصاحب حالات عدم القين التي يمر بها النظام الدولي في فترات التحول وإعادة تشكيل تراتبية مراكز القوة فيه؛ بغض النظر عن الحدود الزمانية والمكانية التي يتضمنها هذا التحول وأنماط الفوضى التي يفرزها فضلًا عن روافد الاستمرارية التي قد تنتابها، وهو أمر لطالما شهده التاريخ خلال فترات صعود وسقوط الامبراطوريات التي وإن كان بعضها اتخذ مسارًا مرنًا إلا أن بعضها الآخر اتخذ مسارًا صداميًا عنيفًا؛ وهذا أكثر ما تحمله التطورات الراهنة من مخاوف تحتمل تحوّل الحرب التجارية الراهنة إلى حرب تتعدى أدوات القوة الناعمة، خاصة بعد أن أثبت الصراع في أوكرانيا أن عصر الصدامات العنيفة بين القوى الكبرى حتى لوكان بشكل غير مباشر مزال قائمًا؛ في دحض كامل للرواية الليبرالية التقليدية ومروجو العولمة في العقود الثلاث الأخيرة ممن أجزموا بأن عهد الصراعات الكبرى قد ولّى بدون رجعة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *