الجماعات العراقية .. سلطوية بتحالفات خارجية وقواعد شعبية ما يجعلها رديفًا للدولة

Silhouette,Of,A,Soldier,With,The,Iraq,Flag,Stands,Against

Silhouette of a soldier with the Iraq flag stands against the background of a sunset or sunrise. Concept of national holidays. Commemoration Day.

Getting your Trinity Audio player ready...

أ.د. إحسان الشمري
أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية -جامعة بغداد


 يمثل وجود الميليشيات المسلحة في العراق تهديدًا مباشرًا لكيان الدولة ومؤسساتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، سيما وأن تشكيل هذه الجماعات لم يكن هدفه مقاومة ” الاحتلال الأمريكي ” مثلما ترفع من شعارات ما بعد إسقاط النظام السابق في العام 2003 م، بل تجاوز إلى عملية تأسيس كيان أمني موازي للدولة العراقية بعد محاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” واجتياحه لثلاث مدن عراقية ، وبالرغم من أن دعوة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في حزيران من العام 2014 م، لم تتضمن تشكيل أي كيان خارج إطار المؤسسة الأمنية بل إلى التطوع فيها ، إلا أن البناء العقائدي والأجندات الإقليمية لهذه المجاميع غذت بشكل أساسي فكرة البقاء كدولة وسلاح ونظام موازي تحت مبرر الحفاظ على النظام السياسي بعد العام 2018 م، وهو ما خلق تبعات في كل المستويات ليست على المستوى الداخلي والمتمثل بصعود قوى خارج إطار الدولة بل على المستوى الخارجي مثل اندماج هذه الكيانات المسلحة بناءً على شعار “وحدة الساحات” في اشتباك وهجمات خارج القرار الرسمي ما بعد حرب 7 أكتوبر 2023 م، السبب في أن يتعرض العراق إلى خطر بأن يكون ضمن بنك الأهداف  الإسرائيلي وكذلك أخذ ينظر له على إنه أصبح يمثل جغرافية تهديدًا لدول الجوار العربي والمنطقة ، مما دفع إلى طرح مشروع تفكيك هذه الجماعات المسلحة من أطراف دولية مع مطالب وسيناريوهات داخلية تعمل على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء هيمنة الفصائل المسلحة على الدولة رغم ما تمتلكه من مقدرات عسكرية واقتصادية ومالية .

  • بُنية الميليشيات وسلاحها ومصادر التمويل:

  كان صعود الفصائل المسلحة قد بدأ منذ العام 2003 م، حين شاركت ضمن القوى السياسية التي حلت بديلة للنظام السابق كمنظمة بدر التي يقودها هادي العامري ، وفيما بعد تم تأسيس عدد من الفصائل تحت مبرر “مقاومة الاحتلال الأمريكي” وبدعم مباشر من قبل إيران حتى وصل عددهم إلى 6 فصائل مسلحة ما قبل العام 2014 م، إلا أن سيطرة تنظيم داعش على المحافظات العراقية وانهيار الجيش العراقي وصدور فتوى المرجع السيستاني كان قد ساهم بتشكيل فصائل عديدة لم تنضم إلا بعد إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي في العام 2016 ، ومع ذلك فإن هناك عدد من هذه الجماعات اتّبعت استراتيجية المناورة بين الخضوع للدولة بانضمامها لهذه الهيئة والخروج عنها تحت شعار “المقاومة”.

 شكلت هذه الفصائل تحالفًا معقّدًا من الجماعات الشيعية والسنّية “حشد العشائر”وحتى الإيزيدية والمسيحية، إلا أن النفوذ الحقيقي في قلب هذه البنية هيمنت عليه الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران بشكل مباشر ويمكن تصنيفها على أساس عقيدتها ومصادر تمويلها وولائها للخارج ومستوى تهديدها للدولة والنظام السياسي، وهي كالآتي:

  • المجموعة الأولى: تضم الجماعات ذات التهديد المباشر للدولة وهي الفصائل الموالية لإيران وبالتحديد الحرس الثوري وقوة القدس، هذه المجموعة تمازج بين السلاح والعمل السياسي، وتُعدّ مؤسسات شبه مستقلة داخل هيئة الحشد لكنها تتحكم بالمفاصل العليا للهيئة، وتتمتع بنفوذ يفوق سلطة الدولة في بعض المواقف، وتتدخل في قرارات القيادة والسيطرة والتسليح والانتشار ، تلعب هذه الجماعات دورًا فعّالًا في الصراعات الإقليمية، وتشارك في عمليات خارج حدود العراق ؛ وتمتلك مصادر تمويل مزدوجة جزء منها يأتي من إيران، والجزء الآخر من موارد محلية تشمل التجارة، شبكات التهريب، والاستثمار في مشاريع اقتصادية داخل العراق، وبسبب قوتها العسكرية وتنظيمها العقائدي، تُعَدُّ هذه الفصائل الأخطر على الدولة العراقية من حيث التهديد المباشر لاستقلال القرار السياسي والأمني.
  • المجموعة الثانية: وهي الجماعات شبه المدمجة ضمن الدولة مثل سرايا السلام التابعة للتيار الصدري، وحشد المرجعية التابعة للمرجع السيستاني، ورغم أن أغلب هذه الجماعات تحمل طابعًا عسكريًا، إلا أن علاقتها بالدولة تبدو أكثر وضوحًا حين اندمجت مع وزارة الدفاع العراقية، الا انها تحتفظ ببنية قيادة مستقلة وقدرة على التحرك خارج سلطة الحكومة المركزية في بعض الأحيان، مصادر تمويل هذه الجماعات تتوزع بين الدعم الحكومي المباشر، ومصادر اقتصادية ذاتية، وتبعيتها يمكن اعتبارها داخلية.
  • المجموعة الثالثة: وهي الكيانات المحلية التي تم تشكيلها على أسس جغرافية ومكوناتية، مثل حشود نينوى والأنبار، وكركوك وتلعفر والحشد المسيحي والحشد العشائري، ولها هدف رمزي بكونها تأكيداً لشمولية الحشد لا أكثر وهي محدودة التأثير، أما تمويلها وتسليحها فهو مرتبط بهيئة الحشد الشعبي ووزارة الدفاع العراقية.
  • أثر السلاح الرديف على المؤسسة الأمنية والدولة والمجتمع:

  تعد استراتيجية الميليشيات والمتمثلة بخلق الدولة الموازية ذات أثر على بنية الدولة الرسمية والمجتمع بشكل عام، فهذه الجماعات استطاعت أن تنشئ واقعًا هجينًا تتداخل فيه السلطة الرسمية وسلاحهم مما أدى إلى نشوء دولة ظاهرية تمثلها الحكومة والجيش، ودولة فعلية موازية تمثلها الفصائل المسلحة.

ركزت منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي على استراتيجية التمدد بمؤسسات الدولة المدنية ، لذا وجدت هذه الكيانات أن تثبيت شرعيتهم السياسية يتم من خلال استغلال صعود سلاحهم كواقع حال بعد العام 2017م، مما دفعهم إلى الانخراط بقوائم انتخابية وخوض المنافسة مع الأحزاب التقليدية في انتخابات 2018 ، والتي أدت إلى سيطرتهم الكاملة على حكومة عادل عبد المهدي (2018-2019) ، وأصبحوا جزءًا من تقاسم الوزارات والهيئات والمناصب المدنية السيادية العليا مع إقصائهم كل من لا يمت بالولاء لهم ، وهذه تعد أول خطواتهم في إعادة هيكلة الدولة العراقية ، وقد أدى تغلغل الفصائل في المؤسسات الحكومية إلى تحويل بعض الوزارات إلى أدوات تنفيذ غير مباشرة لإرادتها ، هذا التغلغل لم يُظهر فقط ضعف الدولة، بل مكن الفصائل المسلحة من إعادة إنتاج سلطتها من داخل مؤسسات الدولة، من خلال التعيينات، والتمويل الرسمي، ومنح الشرعية لأنشطتها غير القانونية ؛ الأمر الذي واجه رد فعل تجاه تجريف الدولة من قبلهم وتمثل ذلك بما يعرف ب”انتفاضة تشرين” التي أسقطت حكومتهم ، إلا أن ذلك لم يحد من نزعتهم في تأصيل الدولة الموازية ، لذلك شاركت الميليشيات في الانتخابات لعام 2021 م، ضمن محاولة للهيمنة على البرلمان من الداخل، إلا أن تراجع نتائجها في هذه الانتخابات كشف عن أزمة تمثيل شعبي وارتفاع منسوب النقد المجتمعي لها،، وهو ما دفعها نحو مزيد من الإصرار السياسي والأمني ورفض الانتقادات الداخلية، عبر خطاب تعبوي يرى في أي معارضة مؤامرة خارجية ، في محاولة للاستمرار بالهيمنة على الدولة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية ، وقد تكون المعادلة السياسية التي فرضتها الفصائل من خلال السلاح  والتي أدت إلى انبثاق حكومة محمد السوداني واحد من أبرز الأمثلة على تثبيت الدولة الموازية، إذ فتحت الكابينة الوزارية للسوداني الباب أمام شخصيات تقود فصائل مسلحة بشكل مباشر أو غير مباشر بوجود وزراء ظل يمثلون مصالح هذه الجماعات وتحويلهم الدوائر الحكومية إلى إقطاعيات تابعة للفصائل ، مما انعكس على أداء الحكومة أولاً والخدمات التي تقدمها تاليًا، ومع استمرار ضعف الأداء الحكومي لكابينة السوداني، حاول الأخير إجراء تعديل وزاري إلا أنه أحبط بفعل قرار من حاضنته السياسية التي تمثلها الميليشيات ، ونتيجة لذلك فإن تقييم عمل حكومة السوداني أصبح متأثرًا بالشكل الذي يمكن أن نصفها بــ”الحكومة العاجزة” .

  الأثر الأكبر لهذا التمدد يكمن بأن هذه الجماعات المسلحة ركزت بشكل أكبر على اختراق المؤسسة الأمنية العراقية ، فرغم أن القائد العام للقوات المسلحة هو من يمتلك القرار العسكري وهو من حاضنتهم السياسية إلا أن ذلك لم يكن كافيًا بالنسبة لهم ، لذلك نفذوا للمؤسسات العسكرية من خلال المحاصصة التي تتشكل على أساسها الحكومات وهذه المحاصصة سهلت عملية الحصول على إدارة وزارات أمنية حساسة في أكثر من حكومة ، بالإضافة إلى ذلك صنعت هذه الفصائل المسلحة حالة إدماج عناصرها في المؤسسة الأمنية ، وذلك ما ظهر حين تم استبعاد ما يقارب 300 عنصر في أحد الأجهزة الاستخبارية الحساسة في حكومة مصطفى الكاظمي ( 2020-2022) م، والذي عدته الفصائل المسلحة جزءًا من عمليات استهداف طائفي ، كذلك إن قيام الفصائل المسلحة بهجمات على مواقع الوجود الأمريكي وعدم إمكانية المؤسسة الأمنية من كشف المتورطين، أعطى صورة ضعف للقوات الرسمية على الرغم من أنها قادرة على الملاحقة والكشف إلا أن الإرادة السياسية قوّضت عملها بسبب الضغط لهذه الفصائل ، وبحسب تقرير لمجلة “Foreign Policy” (2022)، فإن وحدات من الشرطة والجيش تخلت عن واجباتها أمام ضغوط الميليشيات، أو امتنعت عن التدخل حينما نفذت عمليات اعتقال أو اغتيالات خارج القانون ؛ كما أن بناء القدرات التسليحية للفصائل المسلحة تحت العنوان الرسمي للحشد الشعبي عد هدفًا عملت عليه هذه المجاميع ، مما جعلها تمتلك أسلحة نوعية كطائرات الدرونز  ، وطرح مشروع إنشاء قوة جوية وبحرية خاصة ، مما قد يعد تقويضًا لمبدأ “احتكار الدولة للسلاح النوعي” للمؤسسة الأمنية الرسمية والذي هو أساس بناء أي مؤسسة عسكرية محترفة ، وخلق حالة موازية لها من ناحية السلاح الثقيل والذي لم يسمح للبيشمركة التابع لإقليم كردستان بامتلاكه .

 لم يتوقف أثر هذه الجماعات على خلق حالة سياسية وأمنية موازية، وتجاوز ذلك إلى خلق حالة مجتمعية موازية للهوية الوطنية، إذ أن تركيزها على الولاء الطائفي أدى إلى وجود انقسام مجتمعي طائفي بالاعتماد على تغذية العواطف بشعارات ماضوية ما جعلها فاعلًا اجتماعيًا يملك النفوذ الرمزي والفعلي في الوقت نفسه

 ، لقد أفرز هذا الواقع انقسامات مجتمعية عميقة، ليس فقط بين الطوائف، بل داخل الطائفة الواحدة، كما هو الحال بين الفصائل الولائية من جهة وفصائل مرجعية النجف وسرايا السلام من جهة أخرى، وبين مؤيدي الحشد ومعارضيه داخل الأوساط الشيعية نفسها؛ كذلك فإن الحديث عن تورط عدد من الميليشيات في قمع انتفاضة أكتوبر 2019، عبر اغتيال واختطاف مئات المتظاهرين، وفق ما كشفته تقارير لمنظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” كانت قد أدت إلى تعميق الانقسام الشعبي وبث ثقافة الخوف والاحتقان الطائفي.

  مما تقدم يظهر لنا أن هذه الكيانات تحوّلت إلى بنية سلطوية ذات طابع سياسي وعسكري وأمني واجتماعي، لها قوتها السياسية وسلاحها النوعي، وتحالفاتها الخارجية، وقواعدها الشعبية، ما يجعلها كيانًا رديفًا للدولة، وهذا الواقع يجعل أي إصلاح مؤسسي للدولة العراقية معقدًا من دون معالجة جذرية لوجود هذه الميليشيات وسحب السلاح خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، فبقاء هذه الفصائل بهذا الشكل لا يُهدد فقط الدولة ككيان قانوني، بل يُقوّض أيضًا الثقة المجتمعية في العدالة والمواطنة.

  • الدولة وتحدي حصر سلاح الميليشيات:

 إن الإدراك بأن السلاح خارج إطار الدولة تحول إلى أداة لتنفيذ الأجندات الإقليمية والمصالح الشخصية لعدد من قادة الميليشيات مع استخدامه في تحديد موازين القوى الداخلية بعيدًا عن الآليات الديمقراطية، شجع عددًا من الجهات إلى رفع شعار حصر السلاح بيد الدولة ، ففي ذات الوقت الذي أقرت فيه حكومة حيدر العبادي    (2014)ـ(2018)  قانون هيئة الحشد الشعبي في العام 2016 ، ظنًا منها أن ذلك سيحد قانونيًا من تمدد السلاح خارج إطار الدولة ، إلا أنها تنبهت مبكرًا إلى ضرورة وتأكيد حصر السلاح بيد الدولة وعدت فيما بعد أي سلاح آخر هو في نطاق التعدّي والفوضى ، وتاليًا تحولت الرغبة في حل هذه الميليشيات إلى أن تكون حاضرة في الخطاب الرسمي للحكومات العراقية مستندة لنصّ الدستور العراقي (المادة 9 ) على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومنع تكوين ميليشيات خارجة عن القانون ، إذ ظهر لهذه الحكومات ان الميليشيات شرعنت عملها بشكل رسمي ، الأمر الذي مكن من دمج فصائل عقائدية وولاءات خارجية ضمن منظومة الدولة دون أن تتخلى عن هياكلها وأسلحتها وأجنداتها الخاصة وكذلك دون الالتزام بسياق الدولة أو حتى أوامر القائد العام للقوات المسلحة ، وقد تكون حادثة يونيو 2022 م، التي فيها حاول رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي اعتقال مجموعة من العناصر المتورطة في الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد من الأمثلة الواضحة على عدم الالتزام بالأوامر  ومن ثم ممارسة ضغوط  استجاب لها القائد العام للقوات المسلحة لاحقًا بإطلاق سراح المعتقلين تحت ضغط سياسي وأمني مباشر من الفصائل ، في مشهد أظهر حالة من التمرد  ، الأمر الذي كشف عن معادلة قوة خارج إطار الدولة وحتمية تفكيك هذه المجاميع وسلاحها ؛ وحتى مع رغبة حكومة السوداني المدعومة من الإطار التنسيقي بحصر السلاح بيد الدولة ، ومحاولاتها منذ بداية ولايتها اتباع مقاربة احتوائية تقوم على إعادة هيكلة الحشد الشعبي، ودمج بعض الفصائل ضمن الجيش والشرطة الاتحادية ، إلا أن هذه المحاولة سرعان ما فشلت أو جُمّدت، ليس فقط بسبب رفض هذه الفصائل التخلي عن سلاحها وهيكلها الخاص، بل لأن جزءًا منها يتمتع بغطاء سياسي برلماني، ويدير مصالح اقتصادية وشبكات أمنية لا يمكن إخضاعها عبر قرارات إدارية.

 يواجه مشروع حصر السلاح بيد الدولة تحديات معقدة منها كونه ممازجة العقيدة معه مما دعم فكرة القدسية التي سوقتها المجموعات المسلحة وارتباطها بالمرجعيات الدينية مما يضعف أي محاولة بتفكيكها كونها أصبحت تمس جانبًا عقائديًا ، فضلًا عن أن التمدد للمليشيات وهيمنتها على القرار والواقع السياسي وسيطرتها على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والاقتصادية ، جعل حلّها وحصر سلاحها أشبه بـ”تفكيك دولة داخل الدولة” ويتطلب إرادة سياسية لا تملكها حتى الآن أي حكومة عراقية بسبب هشاشة التوافقات وتوازنات القوى وضعف القرار السياسي وهيمنة الفاعل السياسي الشيعي الذي ترسخت قناعة لديه بأن هذا السلاح هو ضمان لحماية واستمرار مصالحه ووجوده في العراق ؛ كذلك فإن وجود غطاء قانوني لهذا السلاح جعل ذلك من الصعوبة في وقت لا تتوفر فيه القوة السياسية لتعديل أو إلغاء القانون الذي أقره البرلمان في 2016 م، وقد يكون التحدي الأكبر أمام حصر السلاح بيد الدولة يتمثل بأن إيران ترى بهذا السلاح امتدادًا استراتيجيًا لنفوذها وتعتبر العراق جزءًا من محور المقاومة ، لذلك فإن أي محاولة لحل هذه الفصائل يُنظر إليها من طهران على أنها استهداف لمصالحها وأمنها القومي .

 وفي حالة مغايرة فإن المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني أصبح يمثل تحديًا للسلاح خارج إطار الدولة، خصوصًا بعد دعواته التي أطلقها في نوفمبر 2024 م، التي جدد فيها وبشكل واضح على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، والتي تزامنت مع دعوات داخلية وخارجية لتفكيك سلاح الميليشيات ، وهذه الدعوة يمكن أن تعد رسالة تعزيزية لإجراء عملي سبق وأن قامت مرجعية النجف تمثل  بفك ارتباط “ألوية العتبات” التابعة للسيستاني عن الحشد الشعبي ، في رسالة واضحة بضرورة الاندماج ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية ، إلا أن ذلك قد لا يكون كافيًا خصوصًا وأن الفصائل المسلحة لا تتبع مرجعية السيستاني من ناحية التقليد المرجعي وفق المذهب الشيعي ،وهذا الانقسام المرجعي أضعف  تأثير دعوات السيستاني على هذه الفصائل .

أما الزعامات المحلية، خاصة في المناطق ذات النفوذ العشائري، فيمكن أن تلعب دوراً تكميلياً من خلال التوسط بين الحكومة والفصائل المسلحة، وتشجيع تسليم السلاح مقابل ضمانات قانونية واجتماعية، وتجربة الحكومة اللبنانية في هذا السياق تُظهر أن التفاهم مع الزعامات المحلية يمكن أن يكون مدخلاً لحل مشكلة السلاح خارج الدولة.

  • الميليشيات وسيناريوهات مستقبل وجودها:

 في ضوء المتغيرات الدولية وما تشهده منطقة الشرق الأوسط والمطالبات الداخلية بضرورة مراجعة وجود الكيانات المسلحة في العراق، يمكن أن نؤشر عدة سيناريوهات لمستقبلها، وهي:

  • السيناريو الأول والذي يتمثل بقيام الحكومة العراقية باتخاذ قرار حل هيئة الحشد الشعبي ككيان عسكري وتوزيع عناصره على المؤسسات المدنية مع ملاحقة العناصر والجماعات المتمردة على هذا القرار، ولكن هذا السيناريو قد يبدو ضعيفًا مع حكومة السوداني التي تعد الفصائل المسلحة ركيزتها الأساسية، مما يعني أن اتخاذ مثل هكذا سيناريو يتطلب حكومة جديدة تكون غير خاضعة لإرادة السلاح، تتمتع بالقوة والتحالفات السياسية الراغبة بحصر السلاح بيد الدولة.
  • السيناريو الثاني ويتمثل بقدرة الحكومة على إقناع هذه المجاميع على الاندماج السريع او التدريجي مع وزارة الدفاع أو الداخلية، وهذا يتطلب ضغطًا داخليًا تشارك فيه مرجعية النجف وحوارًا طويلاً قد لا ينتهي بالقبول بهذه الفكرة خصوصًا وأن بيانات هذه الميليشيات كانت رافضة لمقاربة حكومة السوداني بما يعرف بخطة الدمج.
  • السيناريو الثالث يستشرف أن هذه الميليشيات قد يتعرض غطاؤها السياسي إلى اهتزازات نتيجة تغير في موازين القوى السياسية ما بعد انتخابات العام 2025 م، خصوصًا مع وجود انقسامات وصراع حاد ما بين هذه المجموعات نتيجة تصادم المصالح السياسية والاقتصادية مع رفض شعبي لوجودها، إلا أن هذا السيناريو قد لا ينتج على المدى القصير تقويضًا لها.
  • السيناريو الرابع والذي تراهن عليه هذه الجماعات بترسيخ وجودها بالسلطتين التشريعية والتنفيذية كواقع حال مستغلة ضعف القوانين التي تحد من اشتراك السلاح في الانتخابات وتواطؤ بعض الشركاء لاستمرار هيمنتهم ومن ثم اعتبارهم قوة سياسية في النظام، لكن هذا السيناريو قد لا يكون الأقرب لمستقبلهم على المدى المتوسط نتيجة ما قد يحدث من تطورات داخلية تقوض أو تنهي وجودهم السياسي والعسكري أو خارجية بالضد من هذه الجماعات.
  • السيناريو الخامس والذي يتمثل بإدراج ملف هذه الميليشيات وسلاحها ضمن صفقة المفاوضات بين الولايات المتحدة الاميركية وايران وتخلي الاخيرة عنهم ، خصوصا وان الاشتراطات الأميركية تنص على إنهاء النفوذ والأذرع الإيرانية في المنطقة ومنها العراق، وهذا السيناريو يتزامن بالأساس مع طلب من واشنطن لبغداد بضرورة إنهاء هذه الكيانات الموازية وسلاحها ، مما قد يكون الأقرب لمستقبل الفصائل المسلحة ، فهذا المستقبل ليس معزولًا عن ملفات إقليمية مثل الاتفاق النووي الإيراني، وسياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط ، ومعادلة الشرق الأوسط الجديد.
  • السيناريو السادس يستشرف إنهاء مستقبل الميليشيات من خلال عمليات عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية أو إسرائيل بسيناريو مشابه لحزب الله والحوثيين ، إذا لم تستجب لإنهاء ارتباطها مع إيران وتفكيك سلاحها ووجودها السياسي في العراق ، فإدارة ترامب لا ترى أن “دمج الفصائل” داخل الجيش العراقي حلاً مقبولًا، بل يعتبر ذلك ترسيخًا للنفوذ الإيراني ضمن بنية الدولة ، ولا بد من تفكيك هذه الكيانات كليًا، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتفكيك منظومتها الاقتصادية والسياسية ، وهذا السيناريو قد يكون محتملاً خصوصًا وأن هذه الجماعات تسببت بقتل عدد من الجنود الأميركيين والهجوم على القواعد والبعثة الدبلوماسية في بغداد ، فضلاً عن انخراطها بهجمات منسقة ضد إسرائيل ، وما يشجع ذلك تزايد الرفض الدولي لدور الميليشيات في تهديد الأمن العربي والإقليمي .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *