4 مؤشرات على تآكل النظام الدولي الحالي وانحياز الدول الكبرى يهيئ لولادة نظام جديد

International,Lawyer,,International,Law,,International,Issues,Image

International Lawyer, International Law, International Issues Image

Getting your Trinity Audio player ready...

د. هاجد بن يحيى الأصلعي
كاتب ومحلل استراتيجي ـ المملكة العربية السعودية


اتجه المجتمع الدولي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى بناء نظام قانوني دولي ينظم العلاقات بين الدول ويضبطها، ويرسخ مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ويمنع الحروب ويضمن حقوق الإنسان ويحميها على هذا الكون عبر مؤسسات أممية مثل هيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية .. الخ، غير أن التطورات المتسارعة في العقود الأخيرة وخصوصاً بعد الحرب الباردة ، أثارت تساؤلات مهمة جداً حول مدى صمود هذا النظام أو حتى مجرد وجوده الفعلي؟ في عالم يسيطر الأقوياء فيه على باقي العالم ممثلاً في مجلس الأمن وتستخدم فيه القوة خارج إطار الشرعية الدولية.

لذلك أصبح لدينا التساؤل الأهم وهو هل النظام الدولي القائم على القانون قد انهار أم إنها أزمة مؤسساتية يمكن تداركها؟ ولذلك علينا استعراض تطور هذا النظام الدولي وتقييم مؤشرات انهياره، أو تراجعه وتحليل مستقبل هذا النظام في ضوء التوازنات الجيوسياسية الحديثة في عالمنا اليوم.

نشأة النظام الدولي القائم على القانون:

شكلت نهاية الحرب العالمية الثانية لحظة فارقة ومنعطفًا تاريخيًا في بناء النظام القانوني الدولي، حيث سعت الدول المنتصرة آنذاك إلى منع تكرار مآسي الحروب وحالات عدم الاستقرار من خلال تأسيس منظومة قانونية ترتكز على:

  • السيادة وعدم التدخل. وقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية على احترام حدود الدول واستقلال قراراتها وممارسة سلطة الدولة على أراضيها وشعبها دون تدخل خارجي.
  • حظر استخدام القوة. وهذا المبدأ يلزم جميع الدول المنضمة لهيئة الأمم بعدم استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس، أو بتفويض من مجلس الأمن الدولي.
  • حماية حقوق الإنسان. ويؤكد هذا المبدأ على أن جميع البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق دون تميز.
  • المسؤولية الدولية. يعني تحميل الدول والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع الدولي المسؤولية عن أفعالها، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، وتقديمها للمحاسبة عن أي انتهاكات للقانون الدولي هذا المبدأ يشمل مساءلة الدول عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، ومساءلة الأفراد عن الجرائم الدولية مثل جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

مؤشرات تأكل النظام القانوني الدولي:

شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة موجات متتالية من التآكل نستطيع رصدها في مجموعة من المؤشرات:

  • شن الحرب بدون تفويض أممي:
    • أ‌- غزو العراق 2003م، دون تفويض أممي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مما يعد خرقاً صريحاً لميثاق هيئة الأمم، وقد خلّفت هذه الحالة انقساماً حاداً في بنية النظام الدولي.
    • ب‌- الحرب الروسية على أوكرانيا 2022م، والذي انتهكت من خلاله المادة رقم 2 من ميثاق هيئة الأمم المتحدة.
    • ت‌- الحرب المستمرة على فلسطين من دولة الاحتلال وما ينتج عنها من أحداث إنسانية والتي تنفذ دون غطاء قانوني دولي وللأسف انها تتم بدعم دولي!
  • ازدواجية المعايير:
    • أ‌- تعاطي الدول الكبرى في المجتمع الدولي مع الأحداث يفتقر إلى الاتساق فالمتابع يشاهد فرض عقوبات على دول صغيرة نتيجة لمخالفة أبسط بنود القانون بينما يتم التغاضي أو التجاهل عن الدول الكبرى.
    • ب‌- استخدام الفيتو وهذا يعطل صدور القرارات الحاسمة في قضية واضحة وكاملة الأركان مثل القضية الفلسطينية.
  • تسييس المحاكم الدولية
    • أ‌- تركيز محكمة الجنايات الدولية على منطقة دون أخرى جعلها محط الانتقادات الدولية وغياب شبه كامل ضد بعض الدول مثل أمريكا وإسرائيل.
    • ب‌- رفض بعض الدول الانضمام أو الاعتراف بسلطة المحكمة يجعلها عاجزة عن ممارستها للسلطة في القضايا التي تتبناها.
  • صعود التحالفات العسكرية خارج الأمم المتحدة.
    • أ‌- تشكيل تحالفات ثنائية أو إقليمية خارج مظلة الأمم المتحدة يعكس تآكل النظام الجماعي الدولي.
    • ب‌- توسع عمليات حلف الناتو في ليبيا وأفغانستان ويوغسلافيا دون توافق دولي أضعف من دور الأمم المتحدة كضامن شرعي للعمل العسكري الدولي.

الانهيار فعلي أم أزمة عميقة:  

  • وجهات نظر مؤيدة للانهيار. لو نظرنا لما يجري من أحداث لوجدنا أن مصطلح الانهيار أقرب ما يكون إلى أزمة عميقة لبعض الأسباب ومنها:
    • أ‌- لا يوجد ردع قانوني فعّال: ولذلك نشاهد عدم اكتراث الدول بخطابات الشجب أو الاستنكار أو التهديد بخرق ميثاق الأمم أو الإدانة الدولية أو حتى العقوبات التي تفرض.
    • ب‌- انهيار الإجماع الدولي. والمتابع لمجلس الأمن يرى العجب أثناء طرح التصويت على القرارات الهامة والتي تحتاج تصويتاً لفرض القانون الدولي، وللأسف أصبحت النتيجة معروفة قبل التصويت! حيث أي قرار يضر بمصالح إحدى الدول المتحالفة مع إحدى الدول الخمس دائمة العضوية سوف تستخدم تلك الدول الفيتو لإجهاض القرار، وهذا يجعل المجتمع الدولي منقسماً إلى تكتلات متصارعة نجد الغرب ضد روسيا والصين وهذا يمنع إصدار قرارات فاعله تحمي القانون الدولي وتؤكد مبادي الأمم المتحدة في حفظ السلام.
    • ت‌- تفكك المؤسسات متعددة الأطراف. انسحاب بعض الدول المؤثرة من بعض المنظمات والاتفاقيات مما يقلل من أهمية المنظمة أو المؤسسة، وضعف دور المؤسسات في العمل الذي يصب في مصلحة المجتمع الدولي مثل ضف منظمة الصحة العالمية في جائحة كوفيد19.
  • وجهة نظر ناقدة للانهيار. في المقابل يرى البعض أن هناك أزمة هيكلية يمر بها نظام القانون الدولي ناتجة عن التحولات الجيوسياسية مؤكدين على:
    • أ‌- استمرار القانون الدولي كمرجعية في الكثير من الملفات.
    • ب‌- تزايد اعتماد الدول على الاتفاقيات متعددة الأطراف في مجالات كثيرة.
    • ت‌- وجود محاولات أممية لتطوير ميثاق هيئة الأمم وبعض الإصلاحات التي تحدث في بعض البنود في القانون الدولي.

دور الدول الفاعلة في النظام الدولي:

  • الولايات المتحدة الأمريكية. تعد الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى الأكثر تأثيرًا في السياسة الدولية في عالمنا المعاصر، لما تملكه من مدخلات القوة والتأثير والتي أهلتها لان تمارس دور الهيمنة والتأثير في العلاقات الدولية، وباتت بذلك ضابط الإيقاع العالمي، حيث امتلكت الولايات المتحدة مثلث القوة القائم على القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية ومارست التأثير من هذا المنطلق، مما أثر وبشكل كبير في التراتبية الدولية وﺁلية توزيع القوة والأدوار للقوى الدولية الأخرى، وبذلك تعتبر قوة مؤثرة في النظام الدولي، وتسعى إلى تشكيل هذا النظام وفقًا لمصالحها وقيمها حيث تسعى أحياناً لفرض نظام قانوني موازي يخدم مصالحها، وترفض الانضمام أو الاعتراف ببعض الهيئات الدولية ومع ذلك فإنها تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على هيمنتها وسط تحولات عالمية متسارعة.
  • روسيا والصين. تسعيان إلى تأسيس نظام دولي متعدد الأقطاب وترفضان هيمنة الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي، ولكن إلى الآن لم يقدما المشروع البديل الواضح الذي يخدم الشرعية الدولية لوجود بعض التحديات التي قد لا يبدو تجاوزها على المدى القريب.
  • الدول النامية. وهي أغلب الدول المنضمة لمنظمة الأمم المتحدة والتي تبدوا في ظل هذا النظام العالمي في موقع المتلقي وليس الفاعل وتعاني من ضعف التأثير داخل المنظمات الدولية كما إنها غالباً تكون ضحية لتسييس القانون، مع أن هناك دول كثيرة برزت على الساحة الدولية في محاولة للمساهمة في تشكيل نظام دولي أكثر توازناً وعدالة، يعكس مصالحها ومصالح الدول الأخرى.

دور المنظمات الدولية بين العجز والإصلاح:

  • منظمة الأمم المتحدة. رغم إنها المظلة القانونية الأهم في العالم ، إلا أن قدرتها مقيدة بسبب تركيبة مجلس الأمن، فهي تواجه تحديات كبرى تقف أمامها عاجزة في إيجاد حلول مناسبة تتفق مع بنود القانون الدولي، ومنها عجزها عن حل الصراعات أو منع وقوعها، وتأثر قراراتها بالمصالح السياسية للدول الأعضاء وخاصة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وذلك يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات محايدة وعادلة، مما جعل الكثير من الدول لا يكترث كثيراً بدورها أو أهميتها بسبب ازدواجية المعايير ، وهذا ما دعا المملكة العربية السعودية لرفض مقعد غير دائم في مجلس الأمن في 2013م، معتبرة أن واقع هيئة الأمم ومجلس الأمن أدى إلى استمرار اضطراب الأمن والسلم واتساع رقعة مظالم الشعوب واغتصاب الحقوق وانتشار النزاعات والحروب في أقطار العالم.
  • المحكمة الجنائية الدولية. هي الهيئة القضائية الدولية المكلفة بالتحقيق في الجرائم الدولية ومحاكمة مرتكبيها، ورغم الدور الهام الذي تلعبه في تحقيق العدالة إلا أنها تواجه العديد من التحديات التي تحد من فعاليتها وتنفيذ قراراتها مثل عدم التعاون من بعض الدول في تنفيذ القرارات أو الالتزام بها أو تسليم المتهمين أو تقديم الأدلة المطلوبة ، وكذلك أعمالها التي تقوم بها تتوقف على الدعم والتبرعات من الدول، فإذا لم يكن هناك دعم فسوف يؤدي إلى الحد من قدرتها لتنفيذ مهامها بكفاءة، ويعتبر نطاق عمل الهيئة محدود بالدول الأطراف باتفاقية روما الأساسية، ولإصلاحها فهي تحتاج إلى تعزيز التعاون الدولي وتوفير التمويل الكافي وتوسيع نطاق الاختصاص وتعزيز الاستقلالية والنزاهة وتطوير آليات التنفيذ وبذلك سوف يكون لها الدور الفعال في السلام والأمن الدوليين .
  • مجلس حقوق الإنسان. يسعى المجلس لضمان تمتع جميع الأفراد حول العالم بحقوقهم الأساسية، ولكن المجلس يواجه تحديات كبيرة جداً تتمثل في التسييس والافتقار إلى آليات فعالة وعدم قدرته على الاستجابة السريعة لانتهاكات حقوق الإنسان والتحديات المتعلقة بالتمويل والتحديات المرتبطة بالنزاعات والصراعات والتي يجب على المجتمع الدولي التعاون لمعالجتها من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم،

نحو نظام قانوني جديد:

في ظل التحولات الراهنة التي يشهدها العالم وما تقوم به الدول الكبرى من انحياز في تطبيق نظام القانون الدولي وعدم الامتثال لمبادئ القانون والوقوف ضد القرارات التي تحمي الإنسان و سيادة الدول، وكذلك ضعف في المنظمات الدولية في آلية تطبيق قراراتها وحمايتها وأيضاً بروز دول فاعلة في المجتمع الدولي ووجود تحالفات كبرى على مستوى العالم فإننا سوف نشهد ولادة نظام قانوني دولي جديد أكثر عدالة وفاعلية يرتكز على إصلاح مجلس الأمن  بزيادة عدد عضوية المجلس الدائمين وغير الدائمين لتمثيل أفضل لمختلف المناطق والدول، وتقييد أو إلغاء نظام الفيتو وإصلاح مؤسسات هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *