الخليج ليس ممرًا للطاقة بل ساحة للخطر و الفرص ما يتطلب بناء أمن جماعي ذاتي
The Red Sea Region with cargo and pirate ships. Suitable for concepts as red sea conflict, rise of tension between the USA and Iran,Houthi Attacks and Military Escalation
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. هيله حمد المكيمي
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت ــ عضو الهيئة الاستشارية العليا للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، تكون منطقة الشرق الأوسط خرجت من الحروب بالوكالة التي استمرت لعقود إلى الحرب المباشرة، مخلفة آثارًا استراتيجية هائلة تتجاوز مدتها الزمنية القصيرة. فحرب الـ 12 يومًا هي أول مواجهة عسكرية مباشرة بين قوتين إقليميتين اعتادتا على الصراعات غير المعلنة باعثة برسائل قلق شديدة إلى دول الخليج التي ظلت لسنوات تمارس سياسة موازنة دقيقة بين الطموحات الإيرانية والتموضع الإسرائيلي المتزايد في المنطقة. فقد هز ذلك التصعيد المباشر توازن الردع بين الطرفين وشكل تحولًا نوعيًا في قواعد الاشتباك والمفاهيم الأمنية الإقليمية. ولفهم أوسع لتلك الحرب لابد من تناول الأسباب والتداعيات ومستقبل المنظومة الأمنية الإقليمية.
دوافع الحرب: جاءت الحرب نتاج لجملة من الدوافع أهمها:
-الشرارة المباشرة: كانت على الأرجح ضربة إسرائيلية استهدفت منشأة استراتيجية عسكرية أو نووية داخل إيران، الأمر الذي دفع طهران للرد بقصف مباشر لأول مرة معتبرة أن الردع قد كسر وأن أمنها القومي مهدد. كما أن الحرب جاءت نتاج لفشل غربي في الوصول إلى حلول دبلوماسية مما دفع بإسرائيل إلى اعتماد سياسة استباقية وفرض الأمر الواقع في ظل حكومية يمينية متطرفة تتآكل شعبيتها في الداخل على إثر فشلها في إنهاء الحرب في غزة مخلفة دمارًا على المستوى المادي والمعنوي.
-إجهاد حروب الوكالة بين إيران وإسرائيل: والتي بلغت نهايتها. فعلى مدار العقود الماضية، خاض الطرفان حروب الوكالة وحروب الظل في مهاجمة السفن البحرية وصراعات متعددة من خلال وكلاء مثل “حزب الله” في لبنان، والحشد في العراق والجماعات المسلحة في سوريا وغزة، مما ساهم في توسع النفوذ الإيراني في تلك المناطق، إلى أن أنهكت تلك الحروب بالوكالة مما جعل كلا الطرفين في مواجهة مباشرة وكانت بدايتها الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة على مواقع إيرانية داخل الأراضي السورية ومن ثم انطلاق الحرب المباشرة.
-البرنامج النووي الإيراني: استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم وتوسيع أنشطتها النووية، مع تراجع المحادثات مع القوى الغربية، دفع إسرائيل إلى التخوف من اقتراب “اللحظة الحرجة” التي يصعب معها التعامل مع التهديد النووي بالوسائل السياسية أو الاستخباراتية إلا أن ذلك بلا شك لا يساهم في استدامة الأمن الإقليمي الذي يتحقق بمنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وبقاء إسرائيل قوة نووية منفردة يخل بمبدأ توازن القوى الإقليمي.
مواقف الخليج
-المواقف: جاءت مواقف دول الخليج خلال تلك الحرب على المستويين الجماعي والفردي، فعلى المستوى الجماعي أصدرت دول الخليج عبر مجلس التعاون بيانات تدعو إلى التهدئة والاحتكام إلى الحلول الدبلوماسية، محذرة من تصعيد يهدد استقرار المنطقة. أما على صعيد السياسات الفردية، بالرقم من اختلاف السياسات الخارجية لدول الخليج، إلا أنها جاءت مكملة لسياستها المتوازنة واتسمت بالتقارب في الأسس، فالكويت والبحرين التزمتا الحذر الأمني والإعلامي والتأكيد على الوحدة الوطنية وتجنبتا مواقف علنية حادة، أما قطر وعمان فقد واصلتا نهج الحياد البناء لتقريب وجهات النظر، أنهكت تلك الحروب بالوكالة مما جعل كلا الطرفين في مواجهة مباشرة وكانت بدايتها الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة على مواقع إيرانية داخل الأراضي السورية ومن ثم انطلاق الحرب المباشرة. سعت السعودية إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية و بدأت حوارات داخلية بشأن تعزيز الدفاعات الذاتية، و تبنت الإمارات دبلوماسية نشطة و عرضت وساطة في مراحل ما بعد الحرب، و دعت دول الخليج إلى تدخل دولي يضمن أمن الملاحة و الطاقة.
التداعيات الأمنية الإقليمية والخليجية: رغم قصر مدة تلك الحرب، إلا أنها خلفت آثارًا أمنية واسعة أهمها:
-الضرر العسكري المتبادل: اتسمت تلك الحرب بتبادل الضربات الاستراتيجية، وقد كشفت نقاط الضعف الأمني لكلا الطرفين. فقد كبدت تلك الحرب خسائر فادحة في البنى التحتية العسكرية للطرفين، ورأينا لأول مرة قيام إيران بقصف مواقع داخل إسرائيل بشكل مباشر باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة متطورة. بالمقابل شنت إسرائيل هجمات جوية وصاروخية ضد قواعد ومراكز قيادة إيرانية في عدة مناطق. بالرغم من أن إسرائيل أثبتت قدرتها الهجومية، إلا أنها كشفت في الوقت نفسه عن هشاشة جبهتها الداخلية مع هروب الإسرائيليين إلى مختلف مطارات العالم، أما إيران التي خرجت من الحرب بخطاب الصمود لكنه جاء بكلفة اقتصادية وإنسانية باهظة.
-الحرب السيبرانية: شهدت الحرب تصعيدًا غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيرة والتي تعد واحدة من أكبر موجات الهجمات السيبرانية المتبادلة، استهدفت شبكات الكهرباء، أنظمة النقل، والمرافق العامة وقد امتدت تأثيراتها إلى بعض الدول المجاورة بما في ذلك دول الخليج.
-توسع رقعة الصراع: فقد امتدت تلك الحرب المباشرة إلى التعرض لمناطق في العراق وسوريا ولبنان لقصف غير مباشرة خاصة تلك التي تضم وكلاء لإيران، بالإضافة إلى وقوع ضحايا مدنيين ونزوح آلاف السكان في تلك المناطق المجاورة نتيجة القصف العابر للحدود.
-اضطراب سلاسل الطاقة العالمية: مؤقتًا نتيجة التوتر في الممرات البحرية وارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالميًا: فقد تأثرت ناقلات النفط في الخليج بسبب التصعيد، والذي كان سببًا رئيسيًا لارتفاع أسعار الطاقة بنسبة تجاوزت 20% في الأيام الأولى من الحرب، وخلق قلقًا لدى الأسواق العالمية. وقد تأثرت دول الخليج بذلك العامل بفعل تهديد تلك الممرات، وارتفاع أسعار التأمين على السفن والناقلات في الخليج إلى مستويات قياسية أثرت على الأسواق والسياحة والاستثمار.
-الأثر العسكري والأمني المباشر على الخليج:
*انكشاف البنية التحتية الحيوية : أظهرت تلك الحرب أن المنشآت النفطية، محطات الطاقة والتحلية والموانئ والمرافق المدنية يمكن أن تكون أهدافًا في أي مواجهة إقليمية وقد كانت الهجمات على أرامكو في 2019م، إنذارًا مبكرًا أكدته هذه الحرب.
*تحديات الدفاع الجوي وسباق التسلح: أثبتت الحرب الحاجة الملحة لأنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، قادرة على التصدي لمزيج من الطائرات المسيرة والصواريخ الذكية. وقد ساهم ذلك في تسارع سباق التسلح لاسيما في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة.
*حاجة دول الخليج لتحديث استراتيجيات الدفاع لتشمل التهديدات السيبرانية وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
*إعادة تقييم التوازن والشراكات الاستراتيجية: تراجع الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية بعد عجزها عن منع اندلاع الحرب.
نحو استراتيجية خليجية للأمن الجماعي
أنتجت تلك الحرب حاجة ملحة لإعادة النظر في الاستراتيجيات الخليجية الخاصة بالأمن الجماعي بفعل التداعيات التي أسفرت عن تلك الحرب لاسيما فيما يتعلق بمفهوم التوازن الأمني الإقليمي، والذي لابد من أن يقيم على ضوء دراسة سيناريوهات السلوك الإيراني المستقبلي وإمكانية بناء منظومة أمنية إقليمية لخفض التصعيد.
-إيران وسيناريوهات المستقبل: والتي تنقسم إلى ثلاثة آراء الأول المتفائل والذي يرى أن إيران من الممكن أن تعيد حساباتها بعد الكلفة الباهظة للحرب وتجنح نحو التهدئة لاسيما في ظل وجود دبلوماسية غربية-خليجية نشطة، الثاني الواقعي والذي يرى أن سياسة إيران في خفض التصعيد المرحلي في الخليج بينما تواصل تعزيز نفوذها الإقليمي عبر أذرعها الأمنية والثالث يرى لجوء إيران إلى أدوات غير تقليدية كرد على العزلة. والأقرب أن إيران سوف تعتمد على خفض التصعيد المؤقت بفعل الضغوط الاقتصادية والداخلية دون تغيير جوهري في العقيدة الاستراتيجية واتباع سياسة حذرة لن تتخلى عن نفوذها في المنطقة العربية.
-تحصين البنية التحتية الحيوية: من خلال تطوير منظومات المراقبة المتقدمة في المجال الجوي والبحري، وتنسيق الدفاع المشترك لاسيما في مجال الدفاع الجوي والإلكتروني، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر إقليمية وغرف عمليات إقليمية للتنبؤ بالتهديدات وسرعة الرد والاستثمار في القدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي في الدفاع.
-حماية المصالح الاستراتيجية: تنويع طرق تصدير النفط والغاز لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، ودعم الصناعات الدفاعية المحلية لبناء استقلالية استراتيجية.
-الحياد الإيجابي: بناء تحالفات أمنية مستقلة بعيدًا عن الاصطفاف الدولي، والتركيز على الدبلوماسية الوقائية بدلًا من التحالفات الهجومية، واعتماد مبدأ الحياد الإيجابي وتجنب الانزلاق في محاور إقليمية، وبناء دبلوماسية توازن مع القوى الإقليمية والدولية تقوم على المصلحة لا الولاء والحرص على امتلاك أدوات ردع متزنة لا تستفز الأطراف الإقليمية للتأكيد على أهمية أمن الخليج. والتأكيد على إحياء مبادرة إعلان المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل بمشاركة فاعلة من قبل إيران وإسرائيل كونهما القوتين المعنيتين.
-تعزيز التعاون الإقليمي: من خلال إنشاء منصة دائمة للحوار الأمني تضم الخليج والعراق وإيران وتركيا وتعزيز الوساطات الإقليمية ومشاريع التعاون الاقتصادي الإقليمي كشبكة الطاقة الإقليمية والربط الكهربائي والتمويل المشترك مما يقلل من حوافز الصراع ويزيد من فرص الاستثمار والبناء والإعمار.
خاتمة: إن الحرب الإسرائيلية-الإيرانية كشفت عن مدى هشاشة منظومة الأمن الإقليمي و أثبتت أن الخليج العربي ليس مجرد ممر للطاقة، بل ساحة استراتيجية تقاطع فيها الخطر مع الفرص، و على دول الخليج أن تعيد رسم استراتيجيتها عبر بناء أمن جماعي خليجي لا يعتمد كليًا على الشركاء الدوليين، و رسم سياسة خارجية متوازنة بعيدة عن الاستقطاب، و التأسيس لحوار إقليمي شامل ينطلق من الأمن و يصل إلى التنمية و العمل على تحصين الداخل و تكامل القدرات و بناء الجسور، و إذا لم تبادر دول الخليج بقيادة مسار عقلاني يحفظها من شظايا الصراعات الإقليمية، فقد تكون مرشحة كأحد ساحات المعارك القادمة العبثية.
