مسارات استقرار المنطقة: نزع فتيل “الخطر الإسرائيلي” بحظر النووي ـ قيام الدولة الفلسطينية ـ وتغيير استراتيجية إيران الإقليمية
Israel against Iran Nuclear Power, Iran And Israel Conflict, Israel and Iran war
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. رياض شريم
باحث رئيس في معهد “ستراتيجيكس” للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
في الحرب ليس ثمّة نصر مطلق، ولا هزيمة مطلقة، حيث يتكبّد الطرف “المنتصر” نسبياً قدراً من الخسائر، في نفس الوقت الذي يحقق فيه الطرف “المهزوم” نسبياً كذلك بعض الإنجازات، وهذا ما ينسحب على جولة الحرب الإسرائيلية / الإيرانية الأخيرة. ففي تلك الحرب التي حققت فيها إسرائيل، إلى حد كبير، هدفها الاستراتيجي الأهم المتمثل في المحافظة على (تفوّقها/ تفرّدها) النووي الإقليمي، وعملت على تحييد القدرات العسكرية الإيرانية، إلى أجل بعيد، إلا أن هذه الحرب، خلّفت تداعيات كثيرة ومركّبة على إسرائيل، على مستوى الخسائر المادية المباشرة وعلى الحالة النفسية والاجتماعية، وعلى مستوى الاقتصاد كما على مستوى الأمن، بالإضافة إلى امتداد تلك التداعيات لما بعد الداخل الإسرائيلي، وهذا ما نسعى لمقاربته في هذه الورقة.
المواجهة العشرون المختلفة
تحتفظ إسرائيل بالرقم القياسي لعدد الحروب والمواجهات العسكرية التي خاضتها أي دولة حديثة خلال أقل من ثمانية عقود، حيث خاضت منذ عام 1948م، خمسة حروب نظامية مع دول عربية (1948، 1956، 1967، 1973، 1982م)، وأربعة حروب غير نظامية في لبنان (من 1978 حتى 2025م)، وسبع حملات عسكرية في غزة (من 2006 حتى 2022م)، وواجهت انتفاضة فلسطينية أولى عام 1987م، وثانية عام 2000م، وصولاً إلى حرب السابع من أكتوبر 2023م، المستمرة حتى اللحظة، وما تلاها من حرب مع إيران في يونيو 2025م، وهي المواجهة العسكرية العشرون لإسرائيل التي شكّلت محطة مختلفة بحكم التباعد الجغرافي وغياب المواجهات البرية المباشرة، وبالتالي الاعتماد بالكامل على العمل الاستخباري والضربات الجوية والصاروخية، وبحكم وقوع الجبهة الداخلية الإسرائيلية في قلب المعركة بوصفها الساحة الرئيسية للحرب، خاصة وسط إسرائيل، أو منطقة المركز (تل أبيب الكبرى) التي يعيش فيها أكثر من نصف السكان، وبحكم مستوى الخسائر وتنوّعها، نوعاً وكمّاً، نتيجة المسيرات والصواريخ الإيرانية ودقة إصابتها وقوتها المتفجرة، وفي فترة زمنية قليلة (سجّلت إسرائيل سقوط 63 صاروخاً ومسيرّة فشلت في اعتراضها، من أصل 547 صاروخاً و 1150 مسيّرة هجومية تمّ إطلاقها من إيران).
على مستوى الخسائر، من المهم الإشارة إلى تحكّم الرقابة العسكرية الإسرائيلية بكل ما ينشر في هذا السياق، ضمن سياسات موجهة وإجراءات قانونية كان آخرها إقرار الكنيست الإسرائيلي في 18 يونيو 2025م، لقانون “يمنع تصوير عمليات اعتراض وسقوط الصواريخ خلال فترة الحرب، ويشدد العقوبات لتصل إلى السجن الفعلي بين 20 و30 شهراً بدلاً من الغرامات المالية، وحظر نشر الصور والفيديوهات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومنع أي وسيلة إعلام أجنبية من التصوير داخل إسرائيل في أوقات الحرب، بالإضافة إلى حظر تصوير المواقع الحساسة والاستراتيجية”، ما يعني أنّ تقدير حجم الخسائر يبقى نسبياً، ويعتمد على عدة مصادر، رسمية وغير رسمية، خاصة ما لم تتمكن الرقابة العسكرية من منعه أو السيطرة عليه، ويستعين بالتحليل لمقاربة الوصول إلى أدق التقديرات.
خسائر كبيرة وتداعيات مركبّة
توزّعت الخسائر الإسرائيلية جرّاء حرب يونيو مع إيران ما بين الخسائر المادية والخسائر المعنوية، كما تمتد تداعيات الحرب على الداخل الإسرائيلي من المدى المنظور إلى المدى البعيد، حيث:
في مستوى الخسائر المادية، أعلنت إسرائيل رسمياً عن مقتل ثمانية وعشرين شخصاً، وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف آخرين بجروح نتيجة الهجمات الصاروخية الإيرانية، كما تمّ إجلاء 15 ألفاً من الإسرائيليين من منازلهم، فيما تمّ تقديم أكثر من 36 ألف طلب للحصول على تعويضات حكومية من إسرائيليين متضررين من تلك الهجمات، بالإضافة إلى عدم تمكّن حوالي مائة وخمسين ألفاً من الإسرائيليين من العودة لإسرائيل خلال فترة الحرب بسبب إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي.
فيما يتعلق بالخسائر الاقتصادية المباشرة: تباينت التقديرات ما بين ثلاثة مليارات دولار (لا تشمل التعويضات والإصلاحات وإعادة تأهيل المنظومة العسكرية) حسب موقع “بلومبيرغ” الأمريكي الاقتصادي المتخصص، وستة مليارات دولار حسب محافظ بنك إسرائيل أمير يارون، واثني عشر مليار دولار حسب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، حيث نتجت تلك الخسائر عن تدمير آلاف الوحدات السكنية والمنشآت والسيارات بشكل جزئي، و 25 مبنى بشكل كلي، وعن حالة الشلل الكامل للحياة في المجتمع الإسرائيلي خلال فترة الحرب، بما في ذلك كافة قطاعات العمل المختلفة، في خسائر يومية رصدتها تقارير تقريبية اقتصادية وإعلامية إسرائيلية توزعت بين 600 مليون دولار نتيجة الهجمات المباشرة، وأكثر من 130 مليون دولار للإجراءات الدفاعية والتعبئة العسكرية، و 300 مليون دولار نتيجة الإغلاق الاقتصادي، ونحو عشرة ملايين دولار خسائر مصفاة نفط بازان وشركة طيران العال، وغيرها.
تعرضت عدة منشآت استراتيجية إسرائيلية لضربات مباشرة أقرت بها الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها شركة مصافي نفط “بازان” في حيفا، ومعهد “وايزمان” للعلوم، ذو العلاقات الوثيقة مع الجيش الإسرائيلي في تل أبيب، وشركة كهرباء أسدود في الجنوب، بالإضافة إلى منشآت أمنية وعسكرية حساسة قالت إيران أنها نجحت في استهدافها، في ظل حالة التعتيم الإسرائيلية على ذلك، وعلى رأسها “الحديقة التكنولوجية غاف يام” قرب مستشفى “سوروكا” في مدينة بئر السبع، وتضم مراكز تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، وقاعدة “غليلوت” التابعة لشعبة “أمان” ومحيط مقر جهاز “الموساد” في منطقة “رامات هشارون” شمال تل أبيب، ومجمّع قيادة الجيش الإسرائيلي “الكرياه” وسط تل أبيب.
في موازاة الخسائر المادية المباشرة تظهر الخسائر المعنوية التي لا تقل أهمية، وأولها حالة “الصدمة الثانية” التي تعرّض لها المجتمع الإسرائيلي بعد صدمة السابع من أكتوبر 2023م، وهي الصدمة التي خلخلت الكثير من مسلّمات المجتمع وثوابته على مدار عقود، والمتعلقة بتفوّق الجيش الإسرائيلي وقوة المنظومة الأمنية والاستقرار الاقتصادي وعدم قدرة “أعداء” إسرائيل على المساس بتلك المسلّمات، ثم حالة “الخوف الجمعي” التي عاشها المجتمع الإسرائيلي بأسره طوال أيام المواجهة نتيجة الحرب النفسية الإيرانية وتواصل الهجمات الصاروخية وما سببته من دمار كبير من جانب، وعجز منظومات الدفاع عن اعتراض أكثر من ستين صاروخاً ومسيّرة أصابت أهدافها بشكل مباشر من جانب ثان، والثغرات الأمنية التي كشفتها الحرب في “الجبهة الداخلية” الإسرائيلية فيما يتعلق بالنقص الكبير في الملاجئ وعدم قدرة “الغرف المحصنة” على حماية من فيها في حالة تعرضها لضربات مباشرة من جانب ثالث، وهو ما ساهم في زيادة حالة الرعب، وكشف عن ممارسات عنصرية داخلية تمثلت بعدم السماح لغير اليهود بدخول الملاجئ العامة في بعض الحالات.
القلق الجمعي ودعم الحرب
المعطيات السابقة المتعلقة بالخسائر المعنوية، إلى جانب طبيعة تكوين المجتمع الإسرائيلي شبه العسكرية (مجتمع بأكمله تحت السلاح بحكم قوانين التجنيد الإجباري وخدمة الاحتياط والخدمة السنوية للذكور والإناث)، وبموازاة نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي الخامسة والعشرين نهاية 2022م، التي أظهرت توجّه معظم الإسرائيليين نحو اليمين واليمين المتطرف قبل أحداث 7 أكتوبر 2023م، وفي ضوء نجاح نتنياهو في رفع الإحساس الجمعي الإسرائيلي بالخطر الوجودي المترتب على المشروع النووي الإيراني، في العقدين الأخيرين، كل ذلك يساهم في تفسير اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي الداعمة للحرب والمؤيدة لرئيس الحكومة، وتحديداً في أيام المواجهة الأولى.
ففي السابع عشر من يونيو أجرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) استطلاعاً لقياس اتجاهات الشارع الإسرائيلي نحو الحرب مع إيران، أظهر زيادة في الثقة بالحكومة الإسرائيلية، التي بلغت قرابة 30% مقارنة بـ 21% في الاستطلاع السابق (مايو 2025م)، كما أظهر ارتفاعاً في نسبة المعبرين عن ثقتهم العالية بنتنياهو (35% مقارنة بـ26% في استطلاع مايو 2025م) ، كما أبدى قرابة 73% من المستطلعين تأييدهم للهجوم الإسرائيلي على إيران، مقابل معارضة 18% فقط، كما عبّر قرابة 76% عن اعتقادهم بأن قرار الهجوم على إيران يستند إلى اعتبارات أمنية، وفي 19 يونيو 2025 أظهر استطلاعان للرأي أجرتهما صحيفة “معاريف” والقناة الثالثة عشر الإسرائيلية أنّ شعبية حزب “الليكود” اليميني الحاكم ارتفعت بنحو أربعة مقاعد مقارنة مع استطلاعات سابقة، وأنّ 75% من الجمهور الإسرائيلي (ما بين 88% إلى 90% من اليهود) يدعم الحرب حسب استطلاع القناة الثالثة عشرة، وهو ما يتطابق إلى حد كبير مع استطلاع “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” الذي نشرته صحيفة “هآرتس” في 19 يونيو 2025م، وأظهر تأييد 82% من الإسرائيليين اليهود للهجوم على إيران وتوقيته، وأنّ 68% من الإسرائيليين اليهود يعتقدون أن دوافع بنيامين نتنياهو لشن الهجوم على إيران “أمنية وموضوعية”.
تحوّلات ودلالات
بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران بدأ مزاج الشارع الإسرائيلي بالتغير بشكل تدريجي، حيث أظهر استطلاع رأي نفذته شركة “دايركت بولز” لصالح قناة i24News)) الإسرائيلية في 26 يونيو 2025م، تراجع التأييد لنتنياهو كرئيس للحكومة مقابل رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت (50% لصالح الأول و43% لصالح الثاني)، كما أظهر الاستطلاع تراجع شعبية حزب “الليكود” الحاكم إلى ثلاثة وثلاثين مقعداً مقارنة بالاستطلاعات التي أجريت خلال الحرب، وأظهر استطلاع “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” في 29 يونيو 2025 أنّ “نسبة لا تتجاوز 50 % من الإسرائيليين، مازالوا يثقون بنتنياهو ثقة كاملة أو حتى جزئية”.
أما في التاسع والعشرين من يوليو 2025م، فقد ظهر تغيّر مزاج الشارع الإسرائيلي بشكل لافت، حيث بيّنت استطلاعات لصحيفتي “معاريف” و”يسرائيل هيوم” أنّ موجة دعم الشارع الإسرائيلي التي أعقبت المواجهة مع إيران قد تراجعت بسرعة، وأنّ أثر الحرب على المشهد السياسي، والذي انعكس بارتفاع مقاعد حزب “الليكود” الحاكم إلى أربعة مقاعد، قد تلاشى تقريبًا، حيث لن تزيد حصة “الليكود” عن 25 مقعداً في حالة إجراء انتخابات عامة (عدد مقاعد الحزب في الكنيست الإسرائيلي الآن هو 32 مقعداً)، فيما عبّر 49% من المستطلعة آراؤهم أنّ إسرائيل لم تحقق نصرًا حقيقيًا في حربها مع إيران، رغم تسجيل “إنجازات مهمة”، فيما أظهر استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) الذي أجري بين 24 و 28 يوليو م2025، ونشر في 3 أغسطس 2025م، أنّ الثقة بالحكومة الإسرائيلية عادت إلى 23% فقط بعد أن وصلت خلال الحرب إلى 30–32%، حيث أنّ 76% من المستطلعة آراؤهم عبّروا عن ثقة ضئيلة أو منعدمة بالحكومة، كما انخفضت الثقة برئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو من 35% إلى 30%، فيما أعرب 62% منهم عن رضاهم عن نتائج الحرب مع إيران( 70,5% من اليهود مقابل 28% من العرب).
دلالات ما وراء الأرقام التي حملتها نتائج استطلاعات الرأي ما بعد الحرب تشير إلى أنّ أسباب التحوّل السريع في مزاج الشارع الإسرائيلي تعود إلى سببين اثنين، أولهما تراجع هاجس الخطر الوجودي المرتبط بالسلاح النووي الإيراني، خاصة بعد الضربات العسكرية الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، والتصريحات الإسرائيلية حول تحقيق الحرب على إيران لأهدافها، وثانيها عودة الحرب في غزة إلى الواجهة من جديد، وهي الحرب التي لم تعد تحظ بما حظيت به الحرب مع إيران مما يشبه الإجماع في المجتمع الإسرائيلي، خاصة بعد التطورات الأخيرة المرتبطة بمصير الرهائن الإسرائيليين وحالة المجاعة والأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، والتي ساهمت في تعزيز المعارضة الإسرائيلية لاستمرار تلك الحرب داخل المجتمع الإسرائيلي، كما في أوساط النخب الحزبية والسياسية غير اليمينية (يائير جولان زعيم حزب الديمقراطيين، وايهود أولمرت وايهود باراك رئيسا الحكومة الأسبقان، وغيرهم).
تساؤلات ما بعد الحرب
رغم أنّ “حالة الحرب” لم تنته رسمياً بعد جولة المواجهة العسكرية الأخيرة بين إسرائيل وإيران، إلا أنّ وقف إطلاق النار الذي أعقب تلك المواجهة يؤسس لمرحلة جديدة قد تكون أقرب للحرب الباردة بين الدولتين، وهي مرحلة تطرح بدورها العديد من التساؤلات حول إمكانات تغيّر رؤية إسرائيل الأمنية وسياساتها العسكرية في ضوء دروس الحرب الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بالغطاء الجوي ومنظومات حماية المنشآت النووية الإسرائيلية، بالإضافة إلى سؤال مصير الأمن الإقليمي في حالة عجز تلك المنظومات عن تقديم الحماية الكافية لتلك المنشآت في حالة اندلاع مواجهات مستقبلية مع إيران.
رؤية إسرائيل الأمنية وسياساتها العسكرية في ضوء دروس الحرب الأخيرة لن تبقى على حالها، حيث تقوم مفاصل إسرائيل الفاعلة بكافة مستوياتها (السياسية والأمنية والعسكرية والبحثية) بالكثير من الجهود في سياق (استخلاص العبر) كما تفعل ذلك عقب كل أزمة تمر بها أو حرب تواجهها، ورغم أنّ الكثير من مخرجات (استخلاص العبر) يبقى سرياً في العادة، إلا أن ما يرشح من مراكز الفكر والأبحاث الإسرائيلية يشي بأنّ عملية التقييم بدأت بالفعل.
فمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) على سبيل المثال، وهو واحد من أهم مراكز الأبحاث الاستراتيجية، خصص مساحات كبيرة من اشتغالاته البحثية لهذا الموضوع، من خلال تناول قضايا الحرب الأخيرة مع إيران، وما بعدها، من حيث الإنجازات، والأسئلة المفتوحة، والسيناريوهات المستقبلية، والعلاقات العسكرية-المجتمعية في إسرائيل خلال الحرب، والفجوة بين القوات الجوية والقوات البرية، وحالة الجبهة الداخلية، ومركزية التدخل الأمريكي لحسم نهاية المواجهات، وغيرها من القضايا ذات الصلة.
وفي ضوء ذلك من المتوقع أن يطال التغيير في رؤية إسرائيل الأمنية وسياساتها العسكرية ما تمّ تشخيصه كنوع من التقصير أو الإخفاق، من حيث جاهزية الجبهة الداخلية معنوياً ومادياً، خاصة في قضية فشل المنظومات الدفاعية في اعتراض أكثر من ستين صاروخاً ومسيرة إيرانية، وقضية نقص الملاجئ والغرف المحصنة، ثمّ أزمة الفجوة بين القوات الجوية والقوات البرية في الجيش الإسرائيلي، ثمّ عدم امتلاك إسرائيل للقنابل الخارقة للتحصينات التي استخدمتها أمريكا لتدمير المنشآت النووية الإيرانية الثلاثة الرئيسية، ثم تكثيف العمليات الاستخبارية والضغوط السياسية الهادفة إلى تمهيد الطريق لإسقاط نظام الحكم في إيران.
أما فيما يتعلق بالمنشآت النووية الإسرائيلية، فمن المعروف أنها غير خاضعة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية بحكم عدم توقيع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وبحكم حرص إسرائيل على استمرار سياسات “الغموض” فيما يتعلق ببرامجها النووية، لكن يمكن مقاربة هذا الموضوع من زوايا أخرى، كزاوية تعزيز الدفاعات الجوية ومنظومات اعتراض الصواريخ والمسيّرات وإجراءات الأمن والحماية، خاصة السيبرانية منها، في مناطق تلك المنشآت وداخلها.
ورغم ذلك، يبقى سؤال عن مصير الأمن الإقليمي في حالة عجز تلك المنظومات عن تقديم الحماية الكافية لتلك المنشآت في حالة اندلاع مواجهات مستقبلية مع إيران قائماً، خاصة في حالة تجدد الهجمات الإسرائيلية على إيران، أو وصول النظام الإيراني إلى حافة “الانهيار الوجودي” الذي قد يدفعه إلى تجاوز الخطوط الحمراء وتوجيه ضربات نوعية لبعض المنشآت النووية الإسرائيلية المكشوفة استخبارياً، وهو ما يعني فتح الباب على مصراعيه أمام العديد من التهديدات المركبة للأمن الإقليمي، ابتداءّ من مخاطر “التلوّث النووي” الذي لن يقف عند حدود إسرائيل، وليس انتهاء باستخدام إسرائيل لأسلحة نووية، حتى لو كانت تكتيكية، ضد إيران، وهو ما يقود لما هو أسوأ، أي فوضى استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وغيرها من الأسلحة غير التقليدية.
خاتمة
لأنّ الطبيعة السياسية/ الاجتماعية، كما الطبيعة الفيزيائية، لا تقبل الفراغ، ولأنّ الحرب الأخيرة ساهمت إلى حد كبير في إضعاف قدرات إيران العسكرية ونفوذها السياسي الإقليمي، ولأنّ إسرائيل تسعى بكل قوتها لتعبئة الفراغ الإقليمي الناشئ عن تراجع الدور الإيراني، فإنّ مسؤولية “إعادة التوازن” لموازين القوى الإقليمية تقع على كاهل دول الإقليم العربية الفاعلة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ذلك أنّ الحرب الإسرائيلية الإيرانية لم تنته بوقف إطلاق النار الذي أعقب المواجهات الأخيرة، وهي حرب مرشحة لجولات أخرى من المواجهة في ظل استمرار الاستراتيجية الإسرائيلية لتغيير نظام الحكم الإيراني وما يمكن أن تتطور إليه الأوضاع بعد وفاة المرشد الأعلى لذلك النظام.
كما أنّ المصالح العربية العليا، وهي تشمل بالضرورة، المصالح الخليجية ؛ مرتبطة بإرساء قواعد الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في الإقليم، وهو ما يضاعف من مسؤوليات المملكة العربية السعودية وسياساتها الإقليمية في مسارين مترابطين، الأول مسار نزع فتيل “الخطر الإسرائيلي” من خلال إلزام إسرائيل بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وحل القضية الفلسطينية وفق مبادرة السلام العربية، والثاني مسار المساهمة في إحداث تغيرات استراتيجية في سياسات النظام الإيراني تضمن دوراً طبيعياً لإيران في الإقليم، دون الاضطرار لتغيير ذلك النظام من الخارج أو التدخل في شؤونه الداخلية.
