3 أهداف إسرائيلية في العراق: منع التهديد وكبح نفوذ طهران – وتعزيز الاستقلالية

Iraq,Between,America,And,Israel

Iraq between america and israel

Getting your Trinity Audio player ready...

د. إحسان الشمري

أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية -جامعة بغداد ـ رئيس مركز التفكير السياسي بالعراق


كانت الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية (١٣- ٢٤ يونيو ٢٠٢٥م) لحظة تحدٍ كبير للعراق، ليس بسبب جغرافيته الفاصلة بين الطرفين التي انتهكها المتحاربان، بل نتيجة العلاقة والارتباط العضوي بين بغداد وطهران، والتي كرستها أطراف عراقية ما بعد عام 2003م، لتظهر العراق كدولة تابعة، فضلًا عن وجود الحلفاء السياسيين والمسلحين لطهران والداعمين وبشكل غير محسوب لأي سياسة تصدر من الولي الفقيه والمتعارضة مع المصلحة العراقية، وعدم مراعاة هشاشة الاستقرار السياسي والأمني ومخاطر الانخراط بفتح جبهات مع واشنطن وتل أبيب وما تحمله من كلف على الدولة والشعب ، في توقيت بالغ التعقيد وعملية تحول في منطقة الشرق الأوسط .

  الحرب وحالة الانقسام في العراق:

واجه العراق أولى تداعيات الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية / الإيرانية، ممثلة بحالة الانقسام الحاد بين الموقف الرسمي الذي تمثله حكومة محمد السوداني وبين الموقف شبه الرسمي المتخذ من الفصائل المسلحة المهيمنة على السلطة التشريعية والتنفيذية ، وبالرغم مما أظهرته الحكومة من قدرة على التماسك تجاه الصراع الإيراني–الإسرائيلي، ومحاولتها خلق اصطفاف موحد يرفض صراحة استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لأي أعمال عسكرية من أي طرف إقليمي والدعوة إلى استئناف الحوار بين إيران والولايات المتحدة كسبيل لتعزيز الأمن الإقليمي وتفادي انهيار الاستقرار، كذلك اعتمادها التحرك الدبلوماسي على المستوى الدولي برفع شكوى لمجلس الأمن بشأن انتهاكات الأجواء العراقية كونه خرقًا صارخًا للسيادة العراقية وتهديدًا للأمن القومي ورفضه لأن يكون مجرد ممر أو ساحة لتصفية حسابات القوى الإقليمية وعدم الانجرار لأي محور عسكري.

رغم موقف العراق الرسمي إلا أن التصدعات بدأت تظهر بشكل أكبر من قبل الميليشيات الموالية عقائديًا وعسكريًا لإيران، حين أعلنت الاستعداد الكامل لخوض معركة الوجود، بعد صمت وحذر ملفت أثر انكسار المشروع الإقليمي لإيران و هزيمة ما يعرف بـ”محور المقاومة” في جنوب لبنان وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، مما أدى إلى حالة استقطاب سياسي وأمني واجتماعي حاد في العراق وصعود خطاب الاشتراك بالحرب، رغم دعوات المرجع الشيعي علي السيستاني  إلى ضبط النفس وعدم زج العراق في صراعات ليست من أولوياته الوطنية ؛ مما يؤشر إلى إمكانية التعرض لتهديدات متعددة الأوجه تمس أمن ووحدة العراق بشكل مباشر، مما يؤدي إلى انزلاق لصدام مباشر بين الميليشيات المدعومة من إيران والقوات الأمريكية وإسرائيل على الأراضي العراقية. 

  إن الانقسام لم يقتصر على وجود التقاطع بين الحكومة وحاضنتها السياسية بل امتد ليشمل بقية الأحزاب، ففي إقليم كردستان العراق والذي غالبًا ما يتصرف بهامش سياسي وأمني خاص، ظهرت مؤشرات إضافية للقلق، أولاً فيما يتعلق بإمكانية تحويلها لهدف للهجمات والتي شنت ضربات صاروخية رمزية على أطراف أربيل، وثانيًا عبر الإضرار بعلاقتها مع الحكومة الاتحادية، والذي سيستغل من قبل أطراف إيرانية لإعادة توزيع أوراق النفوذ داخل العراق، ما يهدد وحدة البلاد الإقليمية، كذلك فإن القوى السياسية  السنية وجدت أن انغماس العراق بحرب دون قرار وطني، سيؤدي إلى مزيد من التشرذم الداخلي على أسس طائفية ويجعل العراق رهينة لصراع إقليمي.

وضعت الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، العراق أمام لحظة اختيار لمسارين، إما أن ينجرف إلى صراع إقليمي مدمر، فتنهار مؤسسات الدولة وتعود البلاد إلى دوامة الفوضى والاقتتال الطائفي، أو أن يستثمر لحظة الوعي السياسي والوحدة النسبية في اتخاذ مسار مستقل يعزز مناعته السيادية ويُرسّخ سياسة النأي بالنفس، مما دفعه أن يكون أكثر حذرًا ويقترب من المسار الثاني، ومع ذلك، فإن هذا الحذر لا يعني انعدام النية أو التراجع عن الأجندة الإيرانية بالنسبة للفصائل المسلحة، وشكل قرار عدم فتح الجبهة العراقية تكتيك مؤقت في ظل توازنات إقليمية غير محسومة  رغم أن هذه الجماعات عادت بعد انتهاء الحرب لتروج لخطاب “الانتصار الإيراني” والتخوين لمن لم يدعم الموقف الإيراني، في محاولة منها لإعادة تعبئة قاعدتها الشعبية والظهور بموقف القوة لفرض معادلات سياسية ما بعد توقف حرب الــ 12 يومًا، على الرغم من أن النتيجة الميدانية لم تكن حاسمة، وأن إيران نفسها تراجعت في خطابها خلال أيام الحرب، طالبة تدخلات دولية للحد من الضربات الإسرائيلية وإقناع تل أبيب بالتراجع.

   – العراق ومتغيرات ما بعد الحرب:

تنظر كل من إسرائيل وإيران إلى العراق في مرحلة ما بعد الحرب بينهما، كجغرافية محورية ضمن المشاريع التي يخطط لها الطرفان في الشرق الأوسط القادم، في مشهد يتداخل فيه الطموح الإقليمي مع توازنات هشة واستراتيجيات صراع طويلة الأمد؛ فطهران التي تراجعت قوتها بعد حرب الـ 12 يومًا وخسارتها سوريا وحليفها حزب الله في لبنان، باتت ترى العراق أكثر من أي وقت مضى كعمق استراتيجي حاسم، فهي تسعى إلى الحفاظ على العراق كدولة تابعة لها ومحكومة من خلال شبكة معقدة من حلفائها السياسيين والفصائل المسلحة والروابط العقائدية والمصالح الاقتصادية، فالعراق بالنسبة لإيران ليس مجرد جار، بل هو امتداد استراتيجي وعمق أمني، وآخر جبهات “محور المقاومة”، وهو أيضاً رئة اقتصادية لها تُخفف بها وطأة العقوبات الغربية، فطهران تدرك أن خسارة العراق تعد إعلانًا رسميًا لموت مشروعها الإقليمي، ولذلك تعيد تموضعها داخله باستراتيجيات أكثر مرونة لتقوية أدوات الضغط السياسي والديني والاقتصادي والعسكري.

 في المقابل، إسرائيل، مدعومةً بتحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، تقرأ العراق من زاوية وظيفية متعددة: فهو جزء من معادلة الردع مع إيران، وساحة محتملة لتحوّل نوعي إذا ما نجحت في تحييده أو حتى إدخاله ضمن دوائر التعاون الأمني الإقليمي. كذلك ترى تل أبيب أن إيران قد تُخفي منظومات صاروخية قصيرة ومتوسطة المدى داخل الأراضي العراقية، بهدف استخدامها في أي حرب شاملة قادمة، لذا فإن هدفها الأول هو منع تحول العراق إلى منصة عدائية. أما هدفها الثاني، فهو كبح نفوذ الفصائل المسلحة العراقية الموالية لطهران، خاصة تلك التي تقيم شبكات عسكرية وأمنية على حدود كردستان وسوريا، والهدف الثالث وهو الأبعد مدى، يتمثل في خلق عراق أكثر استقلالًا عن المحور الإيراني بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حملة ضغوط قصوى، أو من خلال تدخل عسكري مباشر لإضعاف حلفاء إيران الذي سينتهي بتغيير المعادلة السياسية التي يمسكون بها.

 سياسية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق ما بعد الحرب حدث فيها متغير كبير، إذ بدأت بالاستدارة نحوه من خلال فرض اشتراطات بتفكيك سلاح الفصائل المسلحة ومنع تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي وفك الارتباط مع إيران بكل مستوياته وإنهاء النفوذ على الدولة العراقية وقراراتها الداخلية والخارجية، وهذا ما ظهر بشكل رسمي بالاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الأمريكي ورئيس الوزراء العراقي في يوليو 2025م، ويؤشر إلى أن واشنطن قررت استعادة العراق من إيران وعدم قبولها بتقاسم النفوذ الذي ساد سابقًا.

 عراقيًا فإن تطورات الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية وما بعدها، أحدثت تغيرًا على المستوى الداخلي والمتمثل بالصراع بين العراق الرسمي والعراق شبه الرسمي، ومحاولة كل طرف فرض واقع جديد في المشهد السياسي والأمني باستخدام كافة الأدوات لتحقيق الواقع الجديد، فضلاً عن الشعور الذي بدا يتصاعد لدى القوى الممسكة بالقرار بأن العراق أصبح أقرب من أي وقت لإعادة الهيكلة وضبط المسارات السياسية فيه وبفعلٍ متوازٍ داخليًا وخارجيًا، بهدف استعادة الدولة وقراره الوطني من خلال معادلة سياسية تتوافق مع طبيعة المتغيرات في المنطقة .

  العراق وإيران والاصطفافات القادمة في الشرق الأوسط: 

  كانت الحرب الإيرانية – الإسرائيلية مؤشرًا على محدودية القدرة الإيرانية على ردع إسرائيل عسكريًا، رغم شبكات النفوذ الممتدة ووجود الفصائل المسلحة في لبنان والعراق واليمن، لذا وجدت طهران نفسها مضطرة للجوء إلى الوسطاء الدوليين، كالمملكة العربية السعودية وروسيا والصين وسلطنة عمان، لوقف التصعيد، ما يعكس تحولًا في أولوياتها من المواجهة المفتوحة إلى البراغماتية السياسية، هذا التحول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإعادة تقييم موقع إيران في المنطقة، وتقديرها لكلفة الصراع المستمر، ما يدفع صانع القرار الإيراني إلى تكييف أدوات النفوذ دون التخلي عنها؛ فيما يتعلق بالعراق، آخر مساحات نفوذها، تشير المعطيات إلى أن إيران لن تتخلى عن نفوذها الحيوي هناك، لكنها ستسعى لإعادة هيكلته بطريقة أكثر حذرًا وانسجامًا مع متغيرات ما بعد الحرب، فقد ظهر خلال المواجهة الأخيرة أن الميليشيات الموالية لطهران في العراق تصرفت بحذر ولم تندفع نحو التصعيد، ما يوحي بوجود أوامر إيرانية بتجنب توسيع دائرة الحرب، وهذا يعكس إدراكًا بأن العراق لم يعد ساحة مفتوحة كما كان، بل بات ساحة معقدة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتخضع لحسابات دقيقة لا تحتمل المغامرة. لذلك، ستستمر إيران في دعم الفاعلين الشيعة التقليديين والأحزاب السياسية القريبة منها، وستستمر بالنظر لبغداد كونها ساحة نفوذ استراتيجية، لكنها ستديرها بأدوات ظل جديدة ونعومة أكبر، تُجنّبها الضغوط وتُبقي على مكاسبها، لكن هذا يصطدم مع الاستدارة الأمريكية نحو العراق.

إيران قد تعتمد استراتيجية الانحاء المؤقت إزاء التطورات في المنطقة، لكن إيران لن تتخلى تمامًا عن سياسة التدخل في الشؤون العربية، والمرجح هو إعادة تكييف هذا التدخل وفق أولويات أكثر واقعية، تأخذ بعين الاعتبار الضغوط الدولية، وتراجع قدراتها الاقتصادية، والحاجة إلى المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار في جبهاتها الخلفية. فهي ستحتفظ بأذرعها السياسية والعقائدية، ولكن بأدوار أقل صدامًا وأكثر قابلية للتبرير ضمن الخطاب السيادي الذي ترفعه أمام المجتمع الدولي كنهج لعبور سنوات ترامب المهدد لها.

الحقيقة الثابتة بعد الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية، والتي قد تتجدد في أي وقت، هي أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أمام تحولات جذرية مما يؤدي إلى انبثاق اصطفافات جديدة في المنطقة ، مما يحتم على العراق العمل والاختيار للاصطفاف مع دول اتسمت بالوسطية والعقلانية في التعاطي مع تطورات المنطقة وعملت على التخفيف من حدة التوترات والصراعات وجعلتها أولوية استراتيجية، خصوصًا وأن العراق يريد أن يرغب بأن يعود دولة محورية فاعلة ووسطية، فلقد أظهرت بغداد في السنوات الأخيرة استعداداً للعب أدوار وسطية، كما في وساطتها بين الرياض وطهران، وبين أنقرة وبعض الفصائل الكردية؛ هذه القدرة إن طُوّرت قد تضع العراق في صدارة مشروع إقليمي قائم على الحياد الإيجابي وربط المصالح لا تصادمها، وهذا التوجه سيكتب له النجاح حال التعاون مع المملكة العربية السعودية التي كانت في صدارة الدول التي قادت دبلوماسية معقدة نجحت من خلالها بخفض التصعيد والتأسيس للحل السياسي سواء للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أو على مستوى الحرب بين طهران وتل أبيب وغيرها من الملفات؛ هذا الاصطفاف، لن يكون مجرد توافق ظرفي، بل قد يتحول إلى بنية إقليمية قائمة على منطق التعاون بدل التناحر، والمصالح المتبادلة بدل اللحظات الصفرية. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *