القرن الإفريقي بحاجة لوساطة خليجية موحدة بتنسيق أممي وإقليمي لحل الأزمات وبناء استراتيجية للتعاون

Close,Up,Picture,Focused,On,Djibouti,On,A,Colorful,Map

Close up picture focused on Djibouti on a colorful map of the Horn of Africa with its main routes marked in red and with the rest of the countries blurred out

Getting your Trinity Audio player ready...

د. إدريس جميل  

باحث في العلاقات الدولية – لندن 


إنّ جهود الوساطة لدول الخليج في الأزمات الدولية والإقليمية لا تخطئها العين، بفضل مواردها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي ونفوذها السياسي المقدّر، وفي إطار استراتيجية توظيف   إمكانياتها في حل النزاعات، في سياق أوسع للدبلوماسية العالمية لجعل الخليج مركزًا دوليًا للوساطات في فض الصراعات. ضمن هذا السياق يأتي اهتمام دول الخليج لحل الأزمات في القرن الإفريقي. وقبل الحديث إلى الوساطات الخليجية في القرن الإفريقي لابدّ من الإشارة هنا باختصار إلى علاقة المنطقتين. فعلاقة المنطقتين تعود إلى عهود سحيقة، بل أنّ بعض علماء الجيولوجيا يعتقدون أنّ المنطقة كانت كتلة واحدة حتى انفلقت قشرة الأرض ففصل البحر الأحمر بينهما. وحتى بعد الفصل فإنّ التفاعلات بينهما تواصلت دون انقطاع.

فكانت منطقة القرن الإفريقي الحظيرة الخلفية لحماية المقدسات الإسلامية في مختلف مراحل الحروب الصليبية، الصراع العربي – الإسرائيلي، الصراع السني – الشيعي، التهديدات الأمنية الأخرى كالإرهاب ونشاط القراصنة إلخ-، كما أنّ منطقة القرن الإفريقي في الوقت الحالي تقع ضمن تجاذبات القوى الكبرى، وتنافس إرادات القوى الإقليمية. وبمقابل ذلك دولها تعاني من عدم الاستقرار بسبب الصراعات العنيفة بمستوياتها المختلفة. وينعكس ذلك سلبًا على أمن البحر الأحمر والضفة المقابلة في شبه الجزيرة العربية.  ضمن هذا السياق يأتي اهتمام دول الخليج وبالأخصّ السعودية، الإمارات، قطر بالقرن الإفريقي لتلعب دورًا محوريًا في فض النزاعات فيه. وتزايد أدوارها أكثر بعد التطورات الأمنية الأخيرة بشكل عام والبحرية على وجه الخصوص التي شهدته منطقة القرن الإفريقي. فاستراتيجية الدولة السعودية في القرن الإفريقي كقوى إقليمية صاعدة تقوم على حماية أمنها القومي بمفهومه الشامل الأمني، الاقتصادي السياسي وأمن البحر الأحمر وعدم ترك الساحة للقوى المنافسة. ولتحقيق ذلك نشطت  في عدة محاور  في منطقة القرن الإفريقي منها :  مساهمتها  في حل الصراعات بين دول القرن الإفريقي  وفي تسوية الخلافات الداخلية  فيها،  فتوسطت بين السودان وتشاد عام 2007م، و تمكّنت  من  جمع  الفرقاء الصوماليين عام 2007 م، في جدة  لحل الأزمة الصومالية، وساهمت  السعودية  والإمارات  في حل النزاع بين إرتريا وإثيوبيا  الذي دام عقدين من الزمان، وقد وقع رئيسا البلدين  الاتفاقية في جدة  وأبوظبي عام 2018م، ووعدت الرياض وأبوظبي لإريتريا وإثيوبيا  بعد توقيع اتفاقية السلام بينهما عام 2018 بمساعدات مالية وباستثمارات في المشروعات الحيوية  لبناء  وتثبيت  السلام بينهما، وعلى الرغم من تلك الجهود إلا أنّ التوترات بين الدولتين في الوقت الحالي عادت مرة أخرى.  وتبذل السعودية في الوقت الحالي مع شركائها جهودًا حثيثة لحل الأزمة السودانية وغيرها، نجحت في حل بعض النزاعات وعجزت عن الأخرى، أما الدبلوماسية القطرية فكانت أكثر نشاطًا في الوساطات لفض النزاعات والصراعات في منطقة القرن الإفريقي، قد تكون هذه النزاعات في داخل دولة واحدة أو بين دولها. فتوسطت بين إرتريا والسودان فتوصل الطرفان إلى اتفاق عام 1999م، وتمّ إعادة العلاقات الدبلوماسية بين أسمرا والخرطوم، ودعمًا لهذه الاتفاقية قامت قطر بتعبيد الطريق الرابط بين كسلا وإرتريا، وإنشاء قريتين واقعتين في الحدود السودانية – الإرترية كقريتين نموذجيتين للتنمية الحدودية. وتوسطت أيضًا في حل أزمة دارفور، وبعد جهود ومفاوضات ماراثونية توصلت الحكومة السودانية وأغلب المجموعات المسلحة في دارفور إلى اتفاق عام 2010م. وإثر ذلك أعلنت قطر وشركاؤها عن مشروع إعمار دارفور حتى يكون السلام مستدامًا فيها. كما استطاعت قطر من التوسط بين إرتريا وجيبوتي في عام 2010 م وأبرم الطرفان اتفاقية سلام بموجبها تنسحب القوات الإرترية من المناطق المتنازع عليها وتستبدل بقوة مراقبة قطرية إلى أن تحل هذه المسألة نهائيًا، وتمّ إطلاق أسرى الحرب الجيبوتيين من السجون الإرترية، وبقت القوات القطرية هناك إلى أن تم سحبها عام 2017م، بعد انحياز الدولتين إلى المحور الذي كانت تقوده السعودية أثناء الأزمة الخليجية الأخيرة. ويقال أيضًا أنّ قطر آنذاك سعت للتوسط بين إرتريا وإثيوبيا، إلاّ أنّ الطرف الإثيوبي لم يتحمس للوساطة القطرية. لأنّ علاقة البلدين كانت تعاني من بعض الإشكالية انتهت بقطع إثيوبيا علاقاتها مع قطر عام 2008م متهمة إياها بأنّها هي إحدى مصادر عدم استقرار منطقة القرن الإفريقي في تلك الفترة، بسبب تقاربها الشديد مع إرتريا ودعمها للمعارضة الإثيوبية.  وتأزيم الأمر في الصومال بسبب تقديم دعم لبعض الأطراف الصومالية، واستخدامها لقناة الجزيرة للنيل من إثيوبيا وتقويض أمنها الداخلي. وبقي الأمر على هذه الحالة إلى أن عادت علاقتهما إلى طبيعتها مرة أخرى عام 2012 م، وبموجب ذلك وقّع الطرفان اتفاقيات تعاون في عدة مجالات اقتصادية تنوعت بين قطاعات السياحة والاستثمار والبنية التحتية والتبادل التجاري إلخ- و قطر أيضًا لم تكن غائبة عن المشهد الصومالي فسعت في بداية الألفية للوساطة بين الفصائل الصومالية المتقاتلة. وفي عام 2021 م، توسطت بين الصومال وكينيا لإعادة العلاقات بينهما بعد انقطاعها ستة أشهر.

على العموم إنّ جهود الخليجية في فض النزاعات في منطقة القرن الإفريقي ساهمت في تخفيف حدة التوترات في المنطقة إلاّ أنّ نتائجها النهائية في حل النزاعات مازالت تتطلب المزيد من الجهود، ربما ذلك يعود إلى التعامل مع الأزمات دون التعمق في جذورها، وقد يعود أيضًا إلى محدودية قدرة دول الخليج لامتلاك أدوات القوى الأخرى المهمة ما عدا القدرات المالية وعدم التنسيق فيما بينها. على سبيل المثال لا الحصر، لم تنجح قطر في مساعيها في إنهاء  مشكلة دارفور ، و أيضاً لم تتمكن من حل الخلاف بين إرتريا و جيبوتي نهائيًا، ومثله  المساعي الأخرى في حل أزمة الصومال، والسودان في الوقت الحالي، وحتى التوترات الإرترية – الإثيوبية عادت  مرة أخرى ، وعلى الرغم من ذلك أنّ أدوار الوساطة  الخليجية لا غنى عنها  في معالجة جذور  النزاعات في القرن الإفريقي، لأنّها مدفوعة برافعات السلام الأخرى التي تعزّز الاستقرار والسلام في المنطقة، مثل الأعمال الخيرية والمشاريع الإنمائية و ضخ المليارات من الاستثمارات والتبادل التجاري  والتفاهمات  الأخرى في  المجالات الأمنية والعسكرية مع دول القرن الإفريقي ، بالإضافة  إلى ذلك أنّ دول الخليج هي سوق عمل  لقطاعات  كبيرة  من شعوب  منطقة القرن الإفريقي . وبالنظر إلى مقاربات الوساطة للدول الخليجية في القرن الإفريقي فإنّ كل منهم يتمتع بميزة.   فالسعودية بحجمها وثروتها وثقلها الديني والتاريخي في المنطقة ،وقطر بقوتها الإعلامية وقدراتها للتواصل مع التيارات الإسلامية واليسارية وغيرها، والإمارات باستثماراتها الضخمة مع التركيز في تطوير وتشغيل الموانئ  البحرية  في المنطقة وتحالفاتها السياسية إلخ، وبسبب هذه   المقاربات المتعددة في منطقة القرن الإفريقي أصبحت القوى الخليجية إحدى القوى الفاعلة والمؤثّرة  في مجريات الأحداث  في القرن الإفريقي .فالناظر  للحضور الخليجي في القرن الإفريقي في الوقت الحالي يلاحظ  تداخل عدة عوامل  فيه، تشمل الجوانب الاقتصادية والأمنية والعسكرية والجهود الدبلوماسية بما فيها مساعي الوساطات. والسؤال هنا ماذا تستفيد الدول الخليجية من دور الوساطة في القرن الإفريقي؟  بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لمنطقة القرن الإفريقي وقربها الجغرافي للخليج فإنّها تشكّل عمقًا استراتيجيًا من الناحية الأمنية والعسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي للخليج العربي. فإنّ عدم الاهتمام بها سيعود بالضرر عليها، وخاصة المنطقة في الوقت الحالي تقع ضمن تجاذبات القوى الدولية والإقليمية، مع تراجع دور الولايات المتحدة فيها وتضارب مواقفها في قضايا المنطقة، الأمر الذي جعل القوى الخليجية تسعى لتأكيد نفوذها في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر الأوسع لحماية مصالحها. ومن ناحية أخرى أنّ الوساطات الناجحة ستكسب دول الخليج حضورًا دبلوماسيًا وسياسيًا في المشهد الدولي كقوى فاعلة في حل الأزمات الدولية، وتوسيع شبكة حلفائها ومصالحها الاقتصادية بالحصول على شراكات اقتصادية وعسكرية وأمنية مع القوى الدولية والإقليمية، تعزيز صورتها الذهنية على المستوى الدولي والإقليمي كقوى محبة للسلام.

 وبالمقابل مع تلك المكاسب هناك تحديات تواجه الوساطات الخليجية في القرن الإفريقي منها: إنّ مصالح المنطقتين أحيانًا تتداخل مع بعضها البعض فإلى أي مدى ستتحقّق فيها الحيادية الكافية، بعبارة أخرى قد تتداخل الجهود الدبلوماسية مع مفهوم التنافس في المنطقة.  وخاصة في الحالات التي تربط الوسيط مصالح أكثر مع أحد الأطراف المتنازعة. ومن التحديات الأخرى أنّ الوساطات قد تكون مدفوعة ابتداء بالمصالح الجيو-اقتصادية والجيو- سياسية أكثر من أنّها تسعى لإحلال السلام. ومثله يبدو أن الغالب  في الوساطات  الخليجية  الاعتماد على العلاقات الشخصية  مع قلة دور المؤسسات الرسمية، كما أنّ المقاربات المستخدمة تختلف من دولة لأخرى،  ويؤخذ عنها أحيانًا  الطابع التكتيكي  بدرجاته المتفاوتة من دولة لأخرى،  الأمر  الذي  قد يعرقل  تراكم  النفوذ الخليجي  في القرن الإفريقي ،تباين مواقف دول الخليج  في بعض الأزمات في المنطقة، على سبيل المثال لا الحصر  في أزمة السودان والصومال وغيرها، الأمر الذي ينبئ  بعدم  تبلوّر سياسة  خليجية موحدة  اتجاه المنطقة، وأن  الجهود دون التنسيق  بينهم  قد تؤدي إلى تأجيج التنافس بينهم في المنطقة.  وأنّ هذا التباين قد يكون مصدره الانقسامات الخليجية الذاتية وأخرى موضوعية ناتجة عن تأثيرات خارجية، ومن الأمور الأخرى قدرة دول الخليج للتنسيق مع الجهود الأممية والإقليمية الأخرى بطريقة تكاملية في حل أزمات القرن الإفريقي. 

 الخاتمة

 لا شكّ إنّ عدم استقرار القرن الإفريقي سينعكس سلباً على الخليج العربي وأمن البحر الأحمر. فهناك حاجة ملحة لخروج منطقة القرن الإفريقي من أزماتها والتوجه نحو التماسك، وأن مساعي الوساطة للقوى الخليجية موحدة في هذا المضمار ومستصحبة القوى الاجتماعية والسياسية الحقيقية في المنطقة، ومع تنسيق جهودها مع الجهود الأممية والإقليمية الأخرى بطريقة تكاملية، سيكون للوساطة الخليجية دورًاِ مهمًا في حل أزمات القرن الإفريقي، ومن ثمّ لبناء رؤية استراتيجية للتعاون المشترك بين الخليج والقرن الإفريقي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *