تعاملت العائلة المالكة الأردنية بإنسانية مع الأقليات ما نمى لديهم شعورًا وطنيًا بالانتماء للبلاد
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. ليلى الصواف
باحثة ومترجمة ــ المملكة الأردنية الهاشمية
يتمتع الأردن بتنوع عرقي أثرته موجات المهاجرين إلى المملكة الأردنية الهاشمية، سواء قبل التأسيس كهجرات الأرمن والشركس والشيشان والأكراد، أو موجات اللجوء العربي الأخيرة ولاسيما الفلسطيني. وإذا كان العرق العربي يجمع بين الأردنيين وبين الموجات الأخيرة من اللاجئين، إلا أن هؤلاء يتكتلون في أحياء ومناطق يشكلون أكثرية فيها. في الواقع، تعاملت العائلة المالكة الأردنية بإنسانية مع الأقليات مما نمى لدى هؤلاء شعوراً وطنياً بالانتماء إلى البلاد، واحتضن الأردن اللاجئين رغم ضعف موارده الطبيعية، مما شكل ضغطاً كبيراً على البنية التحتية غير المهيأة لمثل هذه الأعداد.
العرق والقومية
تُصوَّرُ الهوية العرقية كظاهرة حضارية تؤدي إلى تفاعل الجماعات ذات الأصول الثقافية المختلفة وتنافسها على الموارد الأمر الذي يخلق حراكاً سياسياً واجتماعياً على أسس عرقية. سادت هذه النظرة في الدراسات حول الشرق الأوسط، ولا سيما تلك التي تجادل بأن الجماعات العرقية المختلفة تبني تميزها الثقافي وتستخدمه وسيلة للتنافس، من هذا المنظور تبدو العرقية والتحضر مرتبطين بقوة، وتعتبر العواصم مكاناً للوعي المدني والهوية القائمة على المواطنة ومصدراً للهوية في العصر الحديث، إلا أن هذا يفترض تناقضاً، ظاهرياً، بين التنوع العرقي والخطاب القومي للأقليات في الأردن.
الشيشان
تقع جمهورية الشيشان في الشمال الشرقي من جبال القوقاز، وقد سيطرت روسيا عليها بعد صراع دام 300 عام، رافقته مجازر وسلب للحريات الشخصية والدينية دفعت البعض للهجرة فراراً بدينهم.
كانت تركيا المحطة الأولى في هجرة الشيشان ومنها وصلوا إلى الأردن عام 1903م، ووزعت عليهم الدولة العثمانية أراضٍ في الزرقاء، وصويلح، والسخنة، والأزرق، فعملوا في الزراعة. اندمج الشيشان في مجتمعهم الجديد وحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم، وعند قيام الدولة الأردنية، تقربوا من النظام الحاكم للمحافظة على وجودهم وامتيازاتهم. ولاء الشيشان الأردنيين الكامل للأردن، إلاّ أنهم يحملون عاطفة قوية نحو وطنهم الأم، وقد شكلَّت العاطفة الدينية دافعاً إضافياً لهم للولاء للهاشميين الذين يتصل نسبهم بالنبي محمد- صلى الله عليه وسلم- فقد رأوا في خدمة هذا النظام وطاعته عبادة يؤجرون عليها.
ساعدت العائلة الهاشمية الشيشانيين على الحفاظ على تقاليدهم ولغتهم، وسمحت لهم بافتتاح مدارس خاصة بهم، واستعان الحكام بالكفاءات الشيشانية لتسيير أمور الدولة، فتبوأ عدد كبير منهم مناصب عليا في الجيش والأمن العام والمخابرات. يحافظ الشيشان على عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، وإن داخل بعضها شيئًا من التغيير بسبب طبيعة الحياة الحديثة، ولهم العديد من الجمعيات الناشطة في المجالات الفكرية والتربوية والاجتماعية.
الشركس
وصلت الموجة الأولى من المهاجرين الشركس إلى الأردن عام 1878م، وتتالت موجاتهم حتى عام 1906م، ارتبط الشركس بصلات وثيقة بالعائلة الهاشمية فخدموا في صفوف الحرس الملكي الخاص، وعمل الكثير من أبناء الطبقة الوسطى منهم في الوظائف الحكومية، وتشير التقديرات إلى أن أعداد الشركس تراوح بين 30 و100 ألف شخص.
كانت عمَّان أقدم المستوطنات الشركسية في الأردن، وكان المهاجرون الأوائل إليها مجموعة من الشابسوغ الذين استقروا حول المدرج الروماني، وعلى المنحدرات السفلية لجبل القلعة وجبل الجوفة، وفي المنطقة التي تُسمى اليوم شارع الشابسوغ. أما المجموعة الثانية فكانت من الكبارتاي والأبزاخ، واستقرت على السفوح السفلية لجبل اللويبدة، وجبل عمّان. ثم وصلت مجموعة ثالثة من المهاجرين عام 1902م، واستقروا حول منبع نهر عمّان وشكلوا محلة المهاجرين. شكلت هذه التجمعات المختلفة مجموعات متمايزة بناءً على الموقع، والفروق الثقافية والاجتماعية، وفترة الاستيطان، كما نشأ تسلسل هرمي بينها على أساس الثروة والشهرة والتصرفات الأكثر رقياً.
يعتبر الشركس تماهيهم مع المدينة أكبر دليل على حقهم غير القابل للتصرف في المواطنة المعاصرة في الدولة، في تفسير مختلف تماماً عن المألوف الذي يصورهم كأقلية تسعى إلى أن تكون لها مكانتها في المجتمع الأردني. يرفض الشركس كلمة “أقلية” ويدفعون بأنهم شاركوا بشكل كامل في بناء المدينة والدولة، وبالتالي فهم ليسوا أقلية، بل يعتبرون أنفسهم حجر الأساس للمدينة، خصوصاً منذ أن أصبحت عاصمة للبلاد.
الهوية الشركسية العمَّانية
يعتبر شركس عمّان أنفسهم متميزين عن غيرهم ومتفوقين عليهم، وارتبطت هذه الهوية العمانية ارتباطًا وثيقًا باختلاف نمط الحياة الناتج عن تحضر عمّان، والحصول على التعليم والمناصب الحكومية. كما بدأت نساؤهم بارتداء الحجاب الذي اعتبر مؤشراً على التحضر في العائلات البارزة، رغم تعارضه مع التقاليد الشركسية. وينسب البعض انتشار الحجاب إلى النفوذ الدمشقي المتزايد في المدينة. لقد أدى العيش في بيئة غير متجانسة إلى التفاعل بين المجموعات المختلفة.
الحياة الاجتماعية
اندمج الشركس في الحياة الاجتماعية-الثقافية الأردنية وكانت لهم جمعياتهم مثل الجمعية الخيرية الشركسية ثاني أقدم جمعية خيرية في الأردن، ولهم نوادٍ رياضية وثقافية. ويعرِّفون عن أنفسهم على أنهم شركس وأردنيون فبالنسبة لهم أن تكون أردنياً لا يعني الانتماء إلى مجموعة عرقية معينة، وإنما هي قضية ولاء ومواطنة بالإضافة إلى اعتناق دين مشترك هو الإسلام. يحافظ الشركس على صلات بوطنهم الأم، ورغم أن إمكانية العودة إلى بلادهم صارت متاحة أمامهم إلا أن الكثيرين منهم يفضلون البقاء في الأردن.
الأرمن
الأرمن أقلية شتاتية عابرة للحدود الوطنية بامتياز سكنت الشرق الأدنى منذ القدم. سجَّل هيرودوت أول وجود للأرمن في بلاد ما بين النهرين ومصر وبلاد الشام. وتقع أرمينيا التاريخية ضمن الحدود الإقليمية لتركيا وإيران الحاليتين، وأجزاء من جمهورية أرمينيا وجورجيا وأذربيجان.
يرتبط تاريخ الأرمن ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الشرق الأوسط، وكانت هجرة الأرمن مدفوعة بأسباب مختلفة: الحروب وعدم الاستقرار السياسي، والاضطهاد الديني، أو البحث عن فرصٍ لتحسين المعيشة، وقد شكّلوا، في بلاد اللجوء، مجتمعاتٍ متمايزة اجتماعياً وثقافياً، وعملوا في العديد من الأنشطة، بما في ذلك التجارة.
الإبادة الأرمنية والهجرة
تشكلَّ معظم المجتمعات الأرمنية الحالية في الشرق الأوسط بعد الإبادة الجماعية 1915 -1916م. واستقر معظمهم في مخيمات على أطراف المدن الرئيسية، مشكِّلين شظايا مجتمع تقطعت أوصاله الأسرية والاجتماعية وروابطه الإقليمية والثقافية الأصلية. أنتج هذا الواقع مجتمعات متضامنة عرقياً ودينياً، قامت بإعادة بناء نظام اجتماعي وثقافي أرمني في البلدان المضيفة للحفاظ على تراثهم وهويتهم عبر المؤسسات المجتمعية الرسمية: الكنائس، والأحزاب القومية، والجمعيات الوطنية، ويتجلى هذا بشكل خاص في مجال التعليم المدرسي وشبكة المدارس المستقلة نوعًا ما، لتعزيز المفهوم الخاص للثقافة والهوية الأرمنية.
وصل الأرمن إلى عمان عام 1915م، ومنها انتشروا في الشوبك والكرك والطفيلة وبصيرة ووادي موسى ومعان، ويذكر ت. لورانس وجود الأرمن في الطفيلة عندما استولى عليها الجيش العربي عام 1917م. أثَّر قيام الثورة العربية على مصير الأرمن في البلاد فقد بدأوا، بفضل الرعاية التي قدمها لهم الشريف حسين، بتلقي المساعدات من المنظمات الدولية ومن البطريركية الأرمنية في القدس. استأنف الأرمن الأوائل طريق الهجرة باتجاه سيليسي ولم تبقَ في الأردن سوى النساء اللواتي تزوجن من عرب. إلا أن مجازر عام 1921م، أفرغت سيليسي مجدداً من سكانها الذين توجه عدد كبير منهم إلى فلسطين، وبما أن عمان تقع على طريق القدس فقد توقف بها أولئك الذين سبق وهُجِّروا إليها. ولم يسلم الأرمن من تبعات نكبة عام 1948م، فلجأ قسم منهم إلى عمان والتحقوا بالجالية الأرمنية فيها.
الحياة الاجتماعية والاقتصادية
شكل الأرمن في عمان مجتمعاً متجانساً للغاية، وإذا كان الدين والعرق هما منبع هوية الفرد والجماعة، هذه الهوية التي عانى الأرمن بسببها ويلات المذابح، فإن الجالية الأرمنية في عمان هي أوضح تعبير عن هذه الهوية العرقية الموحِّدة. سكن أرمن 1920 م، في قلب عمان، وسكن الفلاحون منهم في الكرك والرصيفة قرب منابع المياه.
استوطن الأرمن في جبل الأشرفية الذي صار يعرف بحي الأرمن، وقد دفعت حرب لبنان وسوريا بمزيد من الأرمن للمجيء إلى الأردن.
حافظ الأرمن على موقف إيجابي من المؤسسات السياسية الأردنية، والاندماج في السياق الاقتصادي المحلي، وحافظوا على نوع من “الانعزالية”؛ فكانوا يعتبرون الولاء للمؤسسات المحلية والحفاظ على المشاركة الرسمية في العملية السياسية ثمن إضفاء الشرعية على حقهم في وجود “موازٍ” ومستقل، فظلوا منعزلين عن القضايا والنقاشات السياسية، وحافظ الخطاب “الرسمي” للمجتمع الأرمني على مواقف حيادية ومعتدلة، ولعل هذا الموقف القائم على الولاء والانفصال عن المؤسسات والشؤون المحلية، جعلهم يتجنبون العمل في القطاع العام. كما تعزز العائلات والمدارس الأرمنية هذا الموقف من خلال تشجيع الثقة بالنفس والإبداع و”الاجتهاد”.
الهوية الاجتماعية والعمرانية
نظراً لقلة أعدادهم والتقاليد الصارمة التي تقتضي تباعد القرابة بين الزوجين، اضطر أرمن الأردن إلى الزواج من أرمن بيروت أو دمشق أو حلب. ويتحالف الأرمن بالأخوة الرمزية وبالعرابة ويلتزم العراب بواجبات رمزية تجاه العائلة وتجاه الجماعة.
من اللافت أن أرمن عمان لم يبنوا صلة مكانية مع المدينة، حتى في الحي الذي يحمل اسمهم، فما من محاولات لاستعادة الهوية العمرانية لمدنهم أو قراهم كما هو حال نظرائهم في لبنان أو حلب، ولعل السبب في ذلك يعود إلى بدايات وصولهم إلى عمان والتي تزامنت مع نشأة المدينة التي لم تكن قد أوجدت بعد ذاكرة مدنية خاصة بها.
توجد ثلاث كنائس أرمنية في الأردن. وعلى الرغم من صغر حجم الجالية الأرمنية، إلا أن هناك العديد من المنظمات الاجتماعية والسياسية والثقافية والرياضية العاملة بما في ذلك هومنتمن، وجمعية الإغاثة الأرمنية، والنادي الوطني الرياضي.
الأكراد
وصل الأكراد الأردن مع جيش صلاح الدين الأيوبي الذي أتى لمحاربة الفرنج، واستمروا بالقدوم في العصر المملوكي. وفي عهد الدولة العثمانية توافد الكرد إلى المدن والقرى الأردنية بعد أن بسطت الدولة سيطرتها على المنطقة، وعملوا في الدرك والجيش والوظائف الإدارية. أما في العصور الحديثة، فقد استقبل الأردن أكراد فلسطين بعد نكبتي 1948 و1967م.
ينتشر الكرد في جميع المدن والقرى الأردنية، وقد صاروا جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وساعدت عوامل الجوار الجغرافي وتشابه العادات والتقاليد والمصاهرة والنسب على انسجامهم في المجتمع الأردني.
الاندماج والتفاعل
ساهم أكراد الأردن في بناء الدولة الحديثة وكان لهم حضورهم في شتى المجالات، وتسلَّم بعضهم مناصب رفيعة في الجيش والدرك وفي الحكومة، كما ساهموا في الحركة الثقافية والأدبية والفكرية، وبرز منهم الشيخ محمد سعيد الكردي الذي نشر الطريقة الصوفية الشاذلية في شمالي الأردن.
الحياة الاجتماعية
المصاهرات كثيرة بين الكرد والأردنيين، وتكاد الفوارق الاجتماعية بين الطرفين أن تكون معدومة، وللأكراد جمعية خيرية تحمل اسم “جمعية صلاح الدين الأيوبي” تشكِّل ملتقى اجتماعي لهم. حافظ بعض الأكراد على كونهم مجموعة عرقية تمتلك ثقافة عربية وتنتمي إليها، وتحافظ على ثقافة وخصوصية تميزها، وإن كانت هذه الخصوصية الثقافية أقل تميزاً بكثير من الخصوصية الشركسية. مع ذلك يمكن اعتبار أكراد الأردن عرباً وأردنيين، نظراً لاندماجهم الكامل في الثقافة والمجتمع، وفقدانهم الصلة اللغوية مع الثقافة الكردية.
