5 مكونات لجزائريين القبائل والشاوية وبني مزاب والطوارق والعرب.. والإسلام الرافد الرئيسي لكل المكونات
Tuareg man in the Algerian desert, Tamanrasset, in his tent 10 Novembre 2018
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د مبروك ساحلي
أستاذ العلوم السياسية ــ جامعة أم البواقي- الجزائر
تُعَدّ الجزائر من الدول التي تتميز بثراء تاريخي وحضاري عميق، لقد مرت بمراحل تاريخية متعاقبة أسهمت مجتمعة في تشكيل ملامحها الثقافية الفريدة، بدءًا من الإرث الأمازيغي العريق، مرورًا بالفتوحات الإسلامية، ووصولًا إلى البصمات الاستعمارية الأوروبية والأبعاد الإفريقية والعثمانية. انعكست هذه التطورات بشكل واضح في تركيبة المجتمع ومكوناته وروافده الفكرية والثقافية والدينية.
وفي هذا الإطار، يُعدّ التعايش من السمات البارزة للمجتمع الجزائري، حيث تتجسد قيم التسامح والتنوع في العلاقات الاجتماعية بين مختلف مكوناته الثقافية واللغوية، فقد استطاع الجزائريون عبر التاريخ بناء نموذج فريد من التعايش السلمي والوحدة الوطنية، رغم تعدد الانتماءات الجغرافية والثقافية. كما يمتد هذا التعايش ليشمل انفتاح الجزائر على الثقافات الأجنبية وتفاعلها الإيجابي مع جيرانها في الخارج.
أولا: تركيبة المجتمع الجزائري وروافده الفكرية والثقافية والدينية:
الباحث في تاريخ الجزائر ليس بإمكانه الحديث عن مجتمع وجماعات صافية عرقيًا، ولم تتغير خصوصًا مع مجيء الإسلام عن طريق الفاتحين، ويمكن عرض التركيبة السكانية في الجزائر كالأتي:
-القبائل: في جبال جرجرة، وصومام (تيزي وزو، وبجاية، والبويرة، وجزء من ولاية سطيف، وجزء من ولاية برج بوعريرج).
– الشاوية: يمتدون عبر ولايات: باتنة، خنشلة، أم البواقي، وقالمة، سوق أهراس.
– بنى مزاب: جماعة أمازيغية تسكن وادي مزاب. اعتنقوا المذهب الإباضي، وقد صمدت هذه الجماعة عبر القرون، وحافظت على جميع المعايير الاجتماعية والأنثروبولوجية والاقتصادية التي لا تزال تُقدّرها في ممارساتها اليومية. ويمكن وصف هذه الجماعة بأنها “جماعة شاهدة” على ما كان عليه المجتمع الجزائري قبل قرون.
– الطوارق: انتشروا في جنوب الجزائر، وامتدوا حتى مالي والنيجر وليبيا وموريتانيا.
– العرب: الذين استوطنوا منذ قدومهم مع فجر الإسلام في كل منطقة تقريبًا من البلاد، من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها.
يجدر بالذكر أن الفئات الاجتماعية المختلفة المذكورة آنفًا منتشرة في جميع أنحاء الجزائر، حيث لا تخلو أي مدينة أو قرية من وجود مجتمعات من القبائل، أو الشاوية، أو بني مزاب، أو العرب. ويلاحظ أن الاختلاط بين هذه الفئات يتم بشكل واسع خارج معاقلها التقليدية، في الواقع، يتعايش السكان في معظم المناطق، ويعملون معًا، ويقيمون علاقات زواجية دون قيود تُذكر، مما يعكس طبيعة اندماجية قوية. وبناءً عليه، يُعتبر الاختلاط الاجتماعي عنصرًا جوهريًا في التنوع العملي، وركيزة أساسية في فهم الديناميكيات الاجتماعية في المجتمع الجزائري.
ومن خلال ما سبق يمكن تحديد مكونات والروافد الفكرية والثقافية للمجتمع الجزائري والتي تتمثل في البعد الديني والمتمثل في الدين الإسلامي حيث تنص المادة الثانية من الدستور الجزائري على أن الإسلام دين الدولة والبعد اللغوي المتمثل في اللغة العربية، والبعد الأمازيغي، والبعد التاريخي، والبعد الجغرافي.
ثانيًا: تأثير الجوار الأوروبي على المجتمع الجزائري: فبحكم الموقع الجغرافي للجزائر على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، يعد الجوار الأوروبي أحد العوامل التي أثرت على ثقافة وتركيبة المجتمع الجزائري، حيث تم إدخال العديد من عناصر الثقافة الأوروبية في العديد من المجالات، منها: اللغة والعمران، والفنون، واللباس، والاستهلاك، كما برزت ظاهرة الزواج بين الجزائريين والأوروبيين، هذه الزيجات أسهمت في ظهور نماذج جديدة من الأسر ذات الهوية المزدوجة، و ظهور أنماط وسلوكات استهلاكية غريبة عن ثقافة المجتمع الجزائري، خصوصًا في المناطق الحضرية لتأثرها بالقيم الغربية خاصة الفرنسية منها واحتكاكها المباشر مع مثقفين دول المتوسط.
ثالثًا: تأثير الجوار الإفريقي على تركيبة المجتمع الجزائري: تُعدّ الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي في قلب شمال إفريقيا، جزءًا فاعلًا من الفضاء الإفريقي في أبعاده التاريخية والثقافية والاجتماعية. فهي تتقاسم مع دول الجوار الجنوبي، ولا سيما مالي والنيجر وليبيا، الامتداد القبلي للطوارق الذين يشكّلون أحد أهم المكونات الثقافية المشتركة بين شعوب المنطقة، حيث إذا نظرنا إلى الخارطــة الجغرافيــة لأماكــن وجود الطوارق في إفريقيا، لوجدنـا أنهــم يتحركون فوق حيز جغرافي واحد مشترك من الصحراء الكبرى يقع بين عدد من الدول (جنوب الجزائر إلى جنوب ليبيا، شمال وغرب مالي وشمال بوركينا فاسو وغربي النيجر)، وهم موزعون سياسيًا واجتماعيًا بين هذه الدول ولكنهم يتنقلون بينها وفق خارطتهم الاجتماعية والقبلية، متجاوزين كل الحدود الجغرافية والسياسية، مستندين إلى موروث عتيق وخبرة في التنقل عبر الصحراء، يتوزع الطوارق وفق بعض المصادر كما يأتي (إحصائيات تقريبية، وفي تواريخ مختلفة حتى العام 2000م):
- النيجر: 1.427.000-1.800.000 نسمة.
- مالي: 790.000– 1.470.000.
- الجزائر: 160.000 – 860.000.
- موريتانيا: 98.000.
- بوركينا فاسو: 44.000 – 330.000.
- نيجيريا: 29.000.
- فرنسا: 25.000.
- مصر: 22.000.
- ليبيا: 18.000 – 620.000.
كما تشترك الجزائر مع كلٍّ من السنغال والسودان في الإرث الصوفي العريق للطريقة التيجانية، التي تمثل اليوم إحدى القوى الاجتماعية والروحية المؤثرة في دول إفريقيا جنوب الصحراء. إذ أسهمت بعمق في تشكيل البنية الروحية والثقافية لمجتمعاتها. فقد أدّت هذه الطرق أدوارًا محورية في نشر تعاليم الإسلام الوسطي المعتدل، وترسيخ قيم التسامح والإصلاح الاجتماعي، إلى جانب إسهامها في دعم حركات المقاومة ضد الاستعمار العسكري والثقافي. وتُعدّ الطريقة التيجانية، التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني في أواخر القرن الثامن عشر بمدينة عين ماضي الجزائرية، من أكثر الطرق انتشارًا في إفريقيا، إذ يتجاوز عدد مريديها 85 مليونًا موزعين بين شمال وغرب القارة. وقد تميزت زواياها بنشاط ديني وتربوي واسع، شمل تعليم القرآن والعلوم الشرعية، إلى جانب دورها الاقتصادي في تنشيط التجارة والزراعة، ودورها الاجتماعي في حل النزاعات وإرساء السلم الأهلي. كما كان لها تأثير سياسي ملحوظ في العديد من الدول، خصوصًا في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، حيث ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الأنظمة الحاكمة. ومن خلال انتشارها الواسع واستمرار تأثيرها الثقافي والاجتماعي، حافظت الطريقة التيجانية على حضورها القوي في المشهد الديني الإفريقي، ممثلة أحد أهم جسور التواصل الروحي والحضاري بين شمال القارة وجنوبها.
وقد شكّلت منطقة توات (تمنراست حاليًا) مركزًا حضاريًا وثقافيًا بارزًا، ارتبط تاريخيًا بعلاقات علمية وتجارية وثيقة مع مدينة تمبكتو، في حين كانت منطقة ورقلة (ورجيلان سابقًا) فضاءً للتبادل التجاري والثقافي مع السودان.
إلا أنه في السنوات الأخيرة شهدت الجزائر تزايدًا في أعداد المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين من الدول الإفريقية نتيجة للصراعات التي تشهدها العديد من هذه الدول، مما ترتب عليه تهديدًا للأمن المجتمعي الجزائري، فقد انتشرت الآفات الاجتماعية كتفشي الرشوة مقابل الحصول على الوثائق القانونية للاستقرار في الجزائر، أو من أجل العبور إلى أوروبا، وانتشار تجارة المخدرات، وانتشار أقليات تعتنق الدين المسيحي، وإدخال ثقافات جديدة على المجتمع الجزائري غريبة عن عاداته وتقاليده. وبعض الجرائم التي قام بها المهاجرون غير الشرعيين في مدينة تمنراست حيث يوجد عدد كبير من المهاجرين الأفارقة والمتمثلة في الدعارة، السرقة، الاعتداء التزوير، الشعوذة، مما يشكل تهديدًا للمجتمع الجزائري.
وفي المقابل ارتفعت حالات الزواج المختلط مما ينتج عنه اختلاط الأنساب الأمر الذي يمس بعادات وتقاليد المجتمع الجزائري. ومن جهة أخرى يشهد الجنوب الجزائري تواجد عدد كبير من المهاجرين الأفارقة، حيث أصبحت ولاية تمنراست تلقب بالعاصمة الإفريقية بسبب استقطابها لعدد كبير من النازحين الأفارقة الأمر الذي سيؤدي إلى الإخلال بالتوازن الديمغرافي، مما سيخلق أقلية في المجتمع تسعى لتعزيز هويتها مما سيطرح إشكالية الاعتراف بها مستقبلًا، الأمر الذي سيؤدي إلى الصراع مستقبلًا، كما أن دخول أقليات وديانات دخيلة على المجتمع الجزائري خاصة في وجود أكثر من 34 جنسية في ولايتي تمنراست واليزي، الأمر الذي يهدد كيان السكان الأصليين في المنطقة، ومن جهة أخرى يوجد تهديد للتجانس الاجتماعي من خلال تغيير التركيب الإثني، واللغوي، والديني في منطقة الصحراء بصفة خاصة و الجزائر بصفة عامة.
خاتمة: تكشف دراسة تركيبة المجتمع الجزائري عن تنوع ثقافي وفكري وديني عميق تشكّل عبر قرون من التفاعل الحضاري بين روافد محلية وأخرى خارجية. فقد أسهمت المكونات الأمازيغية والعربية والإسلامية في بناء هوية وطنية جامعة، بينما أضافت موجات التأثير الأوروبي والإفريقي طابعًا ديناميكيًا جعل من الجزائر مجتمعًا فسيفساء ومتفاعلًا مع محيطه الإقليمي والدولي، إلا أن هناك العديد من التحديات الخارجية والتي تهدد التعايش الداخلي، لذلك يجب العمل على ما يلي:
- تشجيع الأبحاث والدراسات التي تعالج تأثير العولمة والهجرة والتبادل الثقافي على بنية المجتمع الجزائري، لفهم التغيرات المستقبلية على القيم والعلاقات الاجتماعية خاصة على فئة الشباب.
- تحديث المناهج المدرسية لمواكبة التطورات المحلية والإقليمية والدولية، والعمل على ترسيخ قيم الانتماء الوطني، واحترام التنوع الثقافي والديني، وتعزيز الوعي بتاريخ الجزائر وتفاعلها مع محيطها الإفريقي والمتوسطي.
- تعزيز دور الخطاب الديني في نشر قيم التسامح والتعايش.
- تعزيز تنسيق السياسات الأمنية والدبلوماسية مع دول الساحل الإفريقي وأوروبا لمكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، من خلال تبادل المعلومات وبناء استراتيجيات تنموية مشتركة للمناطق الحدودية.
- دعم الإنتاج السمعي البصري والرقمي الذي يعالج موضوع الهوية الوطنية بصورة إيجابية.
