تجربـة الصـين الأورو ـ آسيوية
::cck::2072::/cck::
::introtext::
لا شك في أن من أهم إفرازات الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق تشكُل ما يمكن وصفه بـ «التفاهم النشط» المضاد للحرب المؤلف من القوى الدولية الأربع: فرنسا وروسيا وألمانيا والصين. وبدا هذا الحلف الرباعي وكأنه قد وسع من دائرة أوروبا الممتدة من أطراف المحيط الأطلسي وحتى مرتفعات الأورال، والتي كان يحلم بها الزعيم الفرنسي ديغول. اليوم توسعت أوروبا حتى بحر الصين الشرقي بعد دخول الصين ضمن الحلف المناوئ للحرب الأمريكية ضد العراق. ومن بين الانعكاسات الإيجابية التي برزت بفعل دخول الصين في هذا الحلف، أن هذه الخطوة أعطت دفعة قوية للجهود الدولية الرامية إلى إدماج الصين سلمياً داخل إطار النظام العالمي.
::/introtext::
::fulltext::
لا شك في أن من أهم إفرازات الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق تشكُل ما يمكن وصفه بـ «التفاهم النشط» المضاد للحرب المؤلف من القوى الدولية الأربع: فرنسا وروسيا وألمانيا والصين. وبدا هذا الحلف الرباعي وكأنه قد وسع من دائرة أوروبا الممتدة من أطراف المحيط الأطلسي وحتى مرتفعات الأورال، والتي كان يحلم بها الزعيم الفرنسي ديغول. اليوم توسعت أوروبا حتى بحر الصين الشرقي بعد دخول الصين ضمن الحلف المناوئ للحرب الأمريكية ضد العراق. ومن بين الانعكاسات الإيجابية التي برزت بفعل دخول الصين في هذا الحلف، أن هذه الخطوة أعطت دفعة قوية للجهود الدولية الرامية إلى إدماج الصين سلمياً داخل إطار النظام العالمي.
من المؤكد أن التلاقي الصيني ـ الأوروبي الذي تم حول موضوع العراق لم يكن ليثير قلق الخبير السياسي الشهير السير هالفورد جون ماكيندر Sir Halford John Mackinderالذي عاش في القرن التاسع عــشــــر. فليس هناك في عالم اليوم من قوة مهيمنة وجامحة تهدد ما وصفه بـ «قلب العالم» «heartland of the world». كما أنه ليست هناك مؤامرات أو صفقات دبلوماسية سرية. بل على النقيض من ذلك، فإنه للمرة الأولى في التاريخ لا يوجد صراع جيو ـ سياسي واسع يتسبب في حدوث انقسامات بين القوى الرئيسية في المنطقة الأورو ـ آسيوية. بل إن علاقات التعاون والتكامل والعمل متعدد الأطراف تمثل الركائز الأساسية التي توجه العمل الدبلوماسي المشترك بين الدول الأربع.
من الملاحظ أن ثلاث روابط استراتيجية على أرض «قلب العالم» تتجسد أولاها في استراتيجية الشراكة الروسية ـ الصينية. أما الثاني فيتمثل في الاستراتيجية الأوروبية المشتركة تجاه روسيا، إضافة إلى روابط يصفها كل من الصين والاتحاد الأوروبي باستراتيجية التعاون. وقد استندت إلى مبدأ الشفافــــية، ولم تحـــط بها ضجــة إعلامية كبيرة، كما أنها لم تقم على أساس الإعلان عن أي عدو مشــترك. ومن المتوقــــع أن تؤدي هذه التـــطورات في حـــال تبلــورها بشـــكل صحيح إلى تقويض استراتيجية السيطرة الأحادية التي تحاول الولايات المتحدة جاهدة تعزيزها في الوقت الراهن. والأمر المهم والبارز في هذا الإطار هو أن الصين بدأت تنتهج سياسة خارجية تقترب أكثر فأكثر نحو أوروبا القارية continental Europe. فقد بدا واضحاً خلال الفترة الأخيرة أن الصين وبعد سنوات طويلة من التردد والتأني في اتباع استراتيجية مركزية تقوم على سياسة النهوض السلمي peaceful rise التي ترتكز على سياسة البحث عن طريق آمن، وذلك سعياً إلى الدخول في النظام العالمي القائم. ولعل الاستراتيجية الصينية يإمكانها اليوم تحقيق أهدافها الأساسية من تشكيل حلف أورو ـ آسيوي.
ذبول الغرب من المؤكد أن التوجه الأوروبي الجديد الذي بدأت تتبناه الصين ستكون له كثير من التبعات، وسيرتبط بشكل مباشر بالأزمات السياسية والمفاهيمية التي يعيشها الغرب حالياً، كما أن هذه الخطوة تُعتبر بمثابة إعلان عن انعطاف مفصلي في السياسة الدولية. وتكتسب الخطوة زخمها انطلاقاً من واقع أن مفهوم الغرب يتعرض اليوم لأزمة كبيرة في الوقت الذي تشهد فيه الأولويات الاستراتيجية عبر الأطلسية transatlantic والرؤى الثقافية تباعداً واختلافاً كبيرين، في حين يتبلور تقارب كبير في الاستراتيجيات القومية والسياسات الخارجية للقوى الرئيسية في المنطقة الأورو ـ آسيوية. و يرواد كلاً من روسيا والصين أمل في دخول النظام العالمي عبر قنوات آمنة في المنظومة الأورو ـ آسيوية. ومن جانبه يرغب الاتحاد الأوروبي في لعب دور مهم في مسألة إدماج دولتين من أكبر دول العالم مقابل الحصول على دعم خارجي قوي لسياساته الأمنية والخارجية المشتركة.
علينا أن نستذكر أن الولايات المتحدة بالتعاون مع الدول الغربية الحليفة شنت حرباً باردة ناجحة ضد أعدائها، وذلك بفضل القيم والمؤسسات المشتركة التي تمحورت حول مفهوم الغرب المتحد. وسيكون من الصعب للغاية بالنسبة للدول التي اعتمدت فكرة الغرب المتحد أن تفكر مجرد تفكير في سيناريو حدوث انفصال بين دول حلف شمال الأطلسي. لكن وبالنظر إلى الواقع القائم اليوم فإن مثل هذا الانفصال لم يعد أمراً مستبعداً، حيث برزت خلافات حادة بين شركاء الأطلسي، وفقد القرين الأمريكي المهيمن الرغبة في شريكته الأوروبية، بعد أن عاشا حياة بلا أبناء وبلا أهداف مشتركة، وكان لكل منهما أجندة خاصة به. قد يقول البعض إن للشريكين ـ أمريكا وأوروبا ـ أبناء بالتبني، يتمثلون في مجموعة الدول الشيوعية في الأوروبتين الشرقية والوسطى. لكن تبني أولئك الأبناء جاء في سن متقدمة، مما يصعِّب مهمة السيطرة عليهم. ومن الممكن أن تتصور تلك الدول أن الولايات المتحدة تكافح من أجل ضمان حق رعايتهم. لكن الحقيقة الواضحة هي أن الأب يسعى إلى تعكير صفو حياة الأم بقدر الامكان. ومثلما يحدث في حالات الطلاق كافة فإن الأبناء يتم استخدامهم لتكدير حياة أحد الأبوين الذي يعيشون معه.
وفي الحقيقة فإن الموقف الغاضب الذي عبر عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك إزاء دول أوروبا الوسطى والشرقية بعد توقيعها على بيان مشترك أيدت فيه الحرب على العراق، كان ردة فعل عاطفية وانفعالية، لكنها لم تكن من دون مبررات. ومن بين أهم الأسباب التي تقف وراء احتمال حدوث طلاق بين شركاء حلف الأطلسي أن أوروبا والولايات المتحدة تتبنيان نظرتين تختلفان اختلافاً جوهرياً في ما يخص النموذج الذي يجب أن يؤطر السياسات الغربية. ويقوم النموذج الذي ترغب الولايات المتحدة في تطبيقه على ديمقراطية تحترم حقوق الأفراد وتحدد سياساته الخارجية المصالح القومية فقط. وفي المقابل، تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تطبيق نموذج يرتكز على ممارسة النهج الديمقراطي الاجتماعي القائم على المبادئ المجتمعاتية communitarian social democracy ، والذي يحترم معايير وأحكام المؤسسات الدولية. مع العلم أن الانشقاق الواسع الذي طرأ بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم يغير من ملامح هذا التوجه العام، وكانت نتائج الانتخابات الإسبانية التي أعقبت تفجيرات مدريد خير شاهد على ذلك.
ويجب ألاّ تكون قضية الخلاف الأمريكي ـ الأوروبي حول النموذج الذي يجب أن يتبناه الغرب مفاجئاً لأي أحد. وفي الواقع فإن مفهوم الغرب له تاريخ أقصر مما يعتقد كثيرون. ويتفق كثير من المؤرخين على أن بدايات بروز ذلك المفهوم حدثت إبان عصر التنوير Enlightenment الفرنسي، وذلك استناداً إلى قراءة لتاريخ أوروبا المسيحية. وكان ذلك المفهوم في بداياته، وخصوصاً في جوانبه الثقافية والعرقية، إقصائياً وينأى بنفسه عن الشمولية. ولم تتم عولمة مفهوم الغرب من قبل إلا مع حلول القرن التاسع عشر. وبعد ذلك التاريخ بدأ الأوروبيون في تغيير التاريخ الإنساني انطلاقاً من تصنيفات ثنائية مثل الشرق مقابل الغرب والحديث مقابل المتخلف والحضاري مقابل الهمجي وغيرها من التصنيفات. وكان الأساس الذي بنى عليه الأوروبيون هذا التفسير التاريخي هو ادعاؤهم بحقهم في التركة الثقافية اليونانية، وهو ادعاء لا يستند إلى أسس تاريخية قوية.
الأدهى من ذلك هنا أن مفهوم الغرب وحتى النصف الأول من القرن العشرين لـم يتمكن من فرض نفسه كمفهوم عملي ضمن إطار السياسة الدولية، ويعود ذلك إلى جملة من الصراعات الدموية والاستنـزافية التي أودت بحياة ملايين البشر وطالت كثيراً من الدول الغربية. وقبل عام 5491لـم يكن مفهوم الغرب سوى مفهوم ثقافي غامض الدلالات تتخلله نبرة عنصرية واضحة. ولم يتحول مفهوم الغرب إلى إطاره العملي بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا بعد بداية فترة الحرب الباردة عندما تحول مفهوم الفصل بين الشرق والغرب في القرن التاسع عشر إلى انقسام ايديولوجي كبير، مما أضفى غشاءً من الظلمة والقتامة على عنصري الجغرافيا والثقافة في القارة الأوروبية في ذلك الوقـت، وتشــكل كثير من المفاهيم التاريخية العبثية البعيدة عن العقلانية. ووفقاً لهذه الرؤية أصبحت المجر وتشيكوسلوفاكيا تُصنفان ضمن دول القطب الشرقي، بينما تُصنف اليابان وكوريا الجنوبية ضمن المعسكر الغربي. وجاء هذا التصنيف المثير للاستغراب بناءً على منطق القرن العشرين الذي طغت عليه القراءة الإنجيلية لمفهوم الصراع وتصنيفه بين ما هو خير من جهة وما هو شر من جهة أخرى.
وكانت المفارقة الحقيقية أن جميع الدول، بما فيها الدول الديمقراطية والشيوعية وحتى تلك التي تحكمها أنظمة فاشية تعتبر نفسها في جانب الخير وأن الآخرين في خانة الشر. بل إن مفهوم الصراع لامس قمة العبثية الميتافيزيقية، حيث أصبح الصراع يتم تصويره على أنه مواجهة محتدمة بين الخير والشر. وفي أعقاب الحرب الباردة التي انتهت على نحو مفاجئ وجدت دول المعسكرين الغربي والشرقي نفسها في حالة من الارتباك ومن دون أي رسالة ايديولوجية يمكنها الاستناد إليها.
وعلى مستوى السياسات ألقت الطريقة التي انتهت بها الحرب الباردة ظلالاً من الشك حول مبررات وجود الغرب السياسي ذاته. وطالت تلك الشكوك حتى المؤسسات التابعة له مثل حلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من اتفاق شركاء حلف الأطلسي ـ الولايات المتحدة والدول الأوروبية ـ على توسيع عضوية الحلف فإن كثيراً من الخلافات والتباينات برزت منذ البداية، إذ إن لكلا الجانبين توقعات تختلف عن الآخر حول مشروع التوسع الذي كان الهدف منه إعادة صياغة الأسس التي تقوم عليها مهمة ذلك التحالف العسكري الذي بات غير ملائم لظروف العصر الراهن. فالولايات المتحدة من جانبها كانت تفضل التعامل مع روسيا على أساس أن الأخيرة قوة مهزومة. وفي الوقت الذي أبدت فيه واشنطن تساهلاً وليناً تجاه موسكو، اعتبرت عملية توسيع حلف الناتو على أنها الخيط الرئيسي الذي سيساهم في إحداث تماسك داخل نسيج الغرب السياسي. ومن المؤكد أنه ومن دون طرح بديل مناسب، استمرت روسيا في تجسيد مصدر محتمل للتهديد ورمزاً للشرق السياسي.
وعلى مستوى الكيان الأورو ـ آسيوي، مثلت نهاية الحرب الباردة إحياءً للمفهوم الثقافي للغرب. وكان لزاماً على الأوروبيين الذين تحتم عليهم العيش مع روسيا في قارة واحدة أن يجدوا طرقاً ناجعة من أجل إدماج روسيا وتفادي أي انقسام كارثي آخر داخل الكيان الأوروبي. فاستمرار أوروبا موحدة هو الطريق الآمن والمؤكد الذي من شأنه أن يسمح لروسيا بالاندماج داخل البيت الأوروبي المشترك. وكان الاتحاد الأوروبي قد تردد في بداية الأمر في مسألة اتخاذ خطوات واضحة وملموسة في اتجاه إدماج روسيا، وذلك تخوفاً من تحمل عبء روسيا الفايمارية «Weimar Russia». وارتأى الاتحاد الأوروبي تأجيل عملية إدماج روسيا حتى تتمكن من إعادة هيكلة نظامها السياسي الداخلي وبناء ركائز استقراره وثباته. لكن وعلى الرغم من التردد الأوروبي أفرزت معاهدة أمستردام المبرمة في عام 1996 آلية عمل خاصة سُميت بالاستراتيجية المشتركة للتعامل مع منطقة أوروبا الشرقية وروسيا التي تُعتبر مهمة للغاية. وكان من الطبيعي أن يباشر الاتحاد الأوروبي تنفيذ استراتيجيته الجديدة هذه بالتعامل أولاً مع روسيا. لكن تلك الاستراتيجية لم يتم تفعيلها عملياً إلا مع نهاية عام 1999 عندما اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطوات بدت وكأنها قد وضعت البلاد في الإطار الصحيح من وجهة النظر الأوروبية، ومن جانبه تجاوب بوتين مع الاستراتيجية الأوروبية بحماسة شديدة. ويمكن القول إن الاستراتيجية التي تبناها الاتحاد الأوروبي في التعامل مع روسيا، ساعدت موسكو على التغلب على نزعتها الامبريالية تجاه المنطقة الأورو ـ آسيوية والتخلص من مشاعر الحنين إلى ماضيها التليد كقوة عظمى. ومنحت تلك الاستراتيجية فرصة إرساء السفينة الروسية بسلام في العمق الأوروبي. كما أن تلك الاستراتيجية وللمرة الأولى في تاريخ العلاقة الروسية ـ الأوروبية عكفت على مأسسة آلية حيوية يتم تنفيذها عبر التزامات موسعة ومشاريع جماعية تضامنية قابلة للتفعيل.
وبالمثل فقد تم تعزيز رابط آخر يجمع أوروبا وآسيا تمثل في العلاقات الناشئة بين روسيا والصين، حيث قررت كل من موسكو وبكين بعد مرور فترة قصيرة على انتهاء الحرب الباردة القيام بعمل جاد من أجل توطيد علاقاتهما الثنائية. وعلى الرغم من أن الحوافز الأولية التي دفعت الجانبين نحو المزيد من التقارب تنبع من مصلحتهما المشتركة الكامنة في تحجيم القوة الأمريكية، فإن العلاقات الثنائية بينهما سرعان ما أخذت خطاً خاصاً بها بعيداً عن السعي إلى الحد من النفوذ الأمريكي. ونجحت الدولتان عبر إطار العلاقة الثنائية التقاربية الجديدة في تقليص مساحة النـزاع والصراع بينهما، فبعد أن كانت هنالك أكثر من سبعة آلاف نزاع حدودي، بعضها ظل قائماً لقرون عدة، أصبح عدد النـزاعات التي لم يتم حلها على طريقة حسمها لا يتعدى العشرات. وبدأت أطر تلك العلاقة تتبلور ضمن نهج تبادلي مفيد للجانبين. فروسيا كانت تصدِّر العتاد العسكري وموارد الطاقة التي تحتاج إليها الصين بشكل قوي، بينما تقدم الصين من جانبها لروسيا المنتجات المصنعة بأسعار منافسة للغاية. ولعل الأمر الأكثر أهمية في إطار العلاقة بين الجانبين هو أن هواجسهما المشتركة تجـــاه أحداث منطقة آسيا الوسطي وبروز حركات إسلامية أصولية جعــلتهما يؤسسان في عام 1999 أول منـــظمة إقليـــمية في منـــطقة آسيا الوســـطى
.وبعد أن ضمت، إضافة إلى الصين وروسيا، أربعاً من الجمهوريات السوفييتية السابقة، تم تطوير تلك المنظمة وأعيدت تسميتها، حيث أصبحت تُعرف بمنظمة شنغهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organization (CSO)، وهي منظمة تكتسب أهمية بالغة، ويُتوقع لها أن تشهد نمواً كبيراً في مجال التنظيم المؤسساتي والوظيفي، خصوصاً أن جميع الدول الأعضاء لها مصالح متشابكة.
وحتى النصف الأول من عام 2003 كانت الروابط الأوروبية ـ الآسيوية تفتقر إلى واحد من أهم المقومات اللازمة لتعزيزها، وهو الرابط الاستراتيجي المباشر بين الاتحاد الأوروبي والصين، حيث إن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين ظلت تنمو بشكل بطيء للغاية دون أن تكتسب أي عناصر استراتيجية ملموسة، وهو أمر يعود اللوم فيه إلى كلا الجانبين. فالاتحاد الأوروبي من جانبه استمر ولفترة طويلة يعمل على ترويج مفهوم الغرب بشكل لا يختلف نوعياً عن الطرح الأمريكي. وعلى الرغم من أن دول الاتحاد الأوروبي كانت تسعى أساساً إلى الاستفادة من الفرص التجارية مع الصين، فإنه ومن الناحية السياسية ظل الاتحاد الأوروبي ينتهج سياسات يطغى عليها طابع الاستكبار. فقبل عام 2003 كان الاتحاد الأوروبي يصدر بيانات بشأن الصين تلفها لهجة متشددة من قبيل: « لديكم مشكلة، ترتبط في أغلب الأحيان بملف احترام حقوق الإنسان، ونحن نرغب في مساعدتكم». أما على الجانب الصيني فلم يسبق للقيادة الصينية خلال الفترة التي سبقت عام 2003 أن أخذت مسألة الاندماج مع أوروبا مأخذ الجد الكبير. وبسبب تركيزهم على مقاربة ضيقة لمفهوم السيادة الوطنية، لـم يـرَ الصينيون أي مبرر يجعلهم ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه لاعباً سياسياً مهماً على مسرح السياسة الدولية.
لكن وبحلول عام 2004، تصدَّر موضوع العلاقة مع الاتحاد الأوروبي قمة أجندة السياسة الدولية للقيادة الصينية. وكانت هناك كثير من الأسباب التي وقفت وراء هذا التحول السريع. ففي عام 2002 تفوقت الصين على اليابان، حيث احتلت المركز الثاني في قائمة أكبر الشركاء الاقتصاديين للاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى ذلك تعاظمت أهمية الدور الذي تلعبه الصين على المستوى العالمي خلال السنوات القليلة المنصرمة. وقد أظهرت حرب العراق رغبة الصين في دعم عمل الأمم المتحدة والرأي العام الدولي.
وفي إطار انطلاق مسيرة التطوير في العلاقة بين الجانبين، وفي أعقاب الحرب الأمريكية ضد العراق، أصدر الاتحاد الأوروبي في التاسع من أكتوبر 2003 بيانه الخامس حول الصين. ومن الملاحظ أن نص البيان الأوروبي هذه المرة جاءت نبرته مختلفة تماماً عن لهجة البيانات السابقة، إذ اعتُبرت الصين وفقاً للصيغة التي تضمنها البيان شريكاً استراتيجياً بالنسبة للاتحاد الأوروبي على صعيد إدارة الشأن السياسي الدولي.
صحيح أن بعض القضايا الخلافية، مثل موضوعي حقوق الإنسان وقضية رفع الحظر الأوروبي على بيع الأسلحة إلى الصين ما زالت قائمة، لكن الاستراتيجية الأساسية المشتركة للتعامل مع الصين بدأت تتصدر أجندة الاتحاد الأوروبي، وتضمنت الرغبة في دعم التوجه الصيني الرامي إلى تنفيذ إصلاحات سياسية تدرجية. بعد ثلاثة أيام من صدور بيان الاتحاد الأوروبي المشترك، جاء رد فعل الصين مفعماً بالحماسة نفسها التي عبر عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 1999. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الصين لم يسبق لها قبل ذلك الوقت الرد على أي بيان أوروبي صادر بشأنها، وكانت تكتفي فقط بشن حملات سياسية مضادة على الدول الأوروبية وبخاصة حول قضايا مثل حقوق الإنسان. لكن وبعد صدور البيان الأوروبي الجديد هذا يبدو أن عملية بناء علاقة قوية ومستديمة بين الطرفين الأوروبي والآسيوي باتت حقيقة قائمة وملموسة.
الاستخفاف الأمريكي
تبدو الولايات المتحدة حتى اليوم غير مبالية بالتطورات التي تشهدها العلاقات الأوروبية ـ الآسيوية. وكما هو الحال بالنسبة لموقف واشنطن المستخف بأهمية المسيرة التاريخية للاتحاد الأوروبي نحو تبني دستور مشترك، لم يُولِ صناع القرار ومؤسسات الفكر والرأي في الولايات المتحدة الاهتمام اللازم بالتطورات الاستراتيجية على الساحة الأورو ـ آسيوية، وذلك نظراً لانشغالهم بوضع السياسات اللازمة التي تمكِّن الولايات المتحدة من الحفاظ على ما يعتبرونه نظاماً عالمياً أحادياً. وقد سيطرت فكرة العالم الأحادي بشدة على فكر وخيال الأمريكيين، لكن الواقع الآن يقول إن العالم يبقى متعدد الأطراف، وإن هذا الواقع لن يتغير، على الأقل على المدى المنظور.
وفي الواقع فإن هناك مسوغات أخرى، أقوى وأعمق من مسألة الانشغال بترسيخ أحادية النظام الدولي، تقف وراء تجاهل الولايات المتحدة للتطورات الحادثة على الصعيد الأورو ـ آسيوي. فالولايات المتحدة تنظر اليوم إلى نفسها على أنها تخوض حرباً ضد الإرهاب، فيما تعتبر الدول الآسيوية أنها تخوض حملة لمكافحة صراع ضد الإرهاب. فوفقاً للمنطق الأمريكي تحتاج الحرب فقط إلى شرعية فاعلية العمل العسكري، فيما تتطلب عملية المكافحة حشد الموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، إضافة إلى الأدوات العسكرية. ومثَّل هذا الاختلاف في المقاربة لملف الإرهاب الخط الفاصل الذي أحدث شرخاً في العلاقات عبر الأطلسية حول الحرب على العراق.
وكانت روسيا والصين قد ساندتا الموقف الفرنسي ـ الألماني المناوئ للحرب، لأنهما أيضاً ينظران إلى الإرهاب باعتباره ظاهرة لا يمكن حصرها في دولة محددة، وطالبتا بإيجاد آليات للتعاون بين حكومات الدول ضد هذا العدو غير الحكومي الخفي والمشترك.
ثانياً، وربما كان هذا هو الأهم من كل ما سبق، أن الحرب ضد العراق اعتُبرت بمثابة تدشين عملي لسياسة الحرب الاستباقية التي اعتبرتها كثير من دول العالم التي وقفت ضد الحرب على العراق، تحدياً حقيقياً للقوانين والمؤسسات الدولية. ويبدو خطاب استراتيجية الحرب الاستباقية وكأنه يشتم منه رائحة الايديولوجية الماوية الثورية التي تخلى عنها الصينيون أنفسهم قبل فترة من الزمن. وكانت ايديولوجية ماو تقوم على أساس أن المهمة الأولى ضمن الخطوات اللازمة للقيام بالثورة تتمثل في تحديد ماهية العدو من
جهة وماهية الصديق من جهة أخرى. وبدا خطاب بوش السياسي المتمحور حول مقولته الشهيرة «إما معنا أو مع الإرهابيين» ومقولة «محور الشر» منسجمة مع روح الثورة الماوية. لعل الشعار الذي رفعه ماو في السابق والمتمثل في المقولة الشهيرة «إن السلطة تأتي من أفواه البنادق» كان ينذر بالجهود التي يبذلها الرئيس بوش حالياً من أجل إنتاج نظم ديمقراطية تولد من أفواه البنادق.
وتكمن المفارقة النابعة عن هذه الآراء الراديكالية أنها تفتقر إلى الإدراك السليم للدلالات المبطنة والفاعلة لبعض نظريات ماو، والتي كانت تركز على «نظرية الحرب الشعبية» القائمة على الإيمان بأن أي حرب ستنتهي بالخسارة في حال لم يتم حشد التأييد الشعبي المحلي لها. وهناك نظرية أخرى تتمثل في «نظرية الجبهة المتحدة»، والتي تقوم على استخدام تكتيك التحالف مع قوى أخرى، بما في ذلك الأعداء السابقون، وذلك من أجل التصدي لعدو اليوم المشترك. وتعني هذه النظرية الإقرار بمحدودية القدرات الذاتية. وكانت الولايات المتحدة إبان فترة الحرب الباردة تطبق استراتيجية متطابقة، حيث إنها كانت تحرص على العمل متعدد الأطراف انطلاقاً من اعتقادها بأنها لا تمتلك القوة القاهرة أو غير المحدودة لمواجهة القدرات العسكرية السوفييتية.
ثالثاً، عملت الولايات المتحدة مرات عدة على تغيير سلوكها الذي طالما اتسم بالاستخفاف في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي وتحويله إلى عداء صارخ. كانت واشنطن أحياناً تتجاهل عملية الإصلاحات الدستورية التي كان الاتحاد الأوروبي يحاول إجراءها، وأحياناً أخرى بدت إدارة بوش وكأنها تأمل في فشل تلك العملية من أجل تمهيد الطريق أمام بروز أوروبا جديدة تتطابق مع الرؤية التي رسمها دونالد رامسفيلد في مخيلته. لكن كل الوقائع تشير إلى أن الإصلاحات الدستورية الأوروبية سوف تمضي في طريقها، وستؤدي في النهاية بالفعل إلى بروز أوروبا جديدة حقيقية تجسد كياناً استراتيجياً تصطف أمام أبوابه الدول المرشحة للانضمام إليه، وسيتحدى الآخرون حدودها. ففي حين أن دول أوروبا الشرقية والوسطى قد تكون لها توجهات أطلسية حول كثير من القضايا، إلا أنها تدرك أو سوف تدرك مستقبلاً أن مصالحها ترتبط أساساً بالدول الأوروبية المؤسِّسة للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك، وعلى وجه الخصوص، ألمانيا وفرنسا.
الصين تصوب أنظارها تجاه الاتحاد الأوروبي
يتفق كثير من صائغي القرار والمحللين السياسيين على حقيقة أن الصين بدأت في البروز كقوة عظمى لديها حضور مميز على المسرح الدولي خلال القرن الحادي والعشرين، لكنهم يختلفون حول الطريقة التي يمكن من خلالها إدماج الصين. وبالنسبة لفريق إدارة بوش كانت الصين تُعتبر أحد التحديات الأساسية. لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن حولت مجرى اهتمامات المفكرين والسياسيين في واشنطن في اتجاه تحدي الإرهـــــاب، إضــــافة إلى ملف العراق. وعلى أي حال لم يغب الاعتقاد الأمريكـــي بأن الصين تمثــــــل خطراً قوياً. واســــتمرت مؤسسات الفكر والرأي في الولايات المتحدة في الانشغال برسم خطط واستراتيجيات احتواء عدد من الدول الآسيوية. وحملت كثير من مشروعات الأبحاث الساخنة عناوين من قبيل «الأمن الصيني تحت ظل التنين الصيني» و«آسيا الاستراتيجية».
وتسود رؤية خاطئة في الأوساط الأمريكية مفادها أن الصين ستتحمل وزر العولمة. وفي سياق هذه الرؤية صدرت كثير من الكتب والأوراق والأبحاث وتم تنظيم المؤتمرات وجميعها تطرح بإلحاح مجموعة من التساؤلات والطروحات مثل: «ما السبيل إلى دمقرطة الصين؟» أو «المستقبل الديمقراطي للصين». لكن هناك احتمالاً كبيراً بألاّ يشهد المستقبل الصيني تحولاً ديمقراطياً ويبدو أن الرؤية الأمريكية الخاطئة تنطلق من الاعتقاد الذي ساد الأوساط الفكرية والسياسية خلال القرن العشرين، والذي تمثل في غياب خيار ثالث ما عدا خياري الديمقراطية والديكتاتورية استناداً إلى عقلية الصراع بين الخير والشر؛ لكن الواقع السياسي السائد تجسده حالة وسط بين ما يرتبط بالديمقراطية وما يتصل بالديكتاتورية. ومن المؤكد أن عبارة «دمقرطة الصين» ليس لها أي معنى آخر سوى توجيه موعظة متسامية وإلباسها ثوب الحقيقة الكونية. إلا أن التعبير الأكثر صدقاً ونزاهة لوصف هذه الحالة هو الدعوة إلى غربنة الصين «Westernization of China»، وهو أمر وعلى الرغم من محدودية احتمال حدوثه فإنه لا يخفي بداخله نوايا ثقافية ضيقة الرؤية.
وفي الواقع تُعتبر الصين من الحضارات الإنسانية الرئيسية القائمة بذاتها، لذلك فإنه ليس من المحتمل أن تُفرض عليها الشروط المتعلقة بدخولها إلى عالم القرن الحادي والعشرين من قبل المجتمع الغربي دون أن تُسهم الصين نفسها في تحديد معاني ومضامين العولمة. وفوق هذا وذاك فإن الصين تسير حالياً في طريق اكتــشاف تاريخ وتقاليـــد فكرهـــا السيـــاســـي. ونظـــراً لأن الفلســفة السيــاسية الكونفوشيوسية تدخل فيها العديد من العناصر الإنسانية والاجتماعية، فإن اللغة الرسمية التي يتحدث بها القادة الصينيون والسلوك الذي يتبنونه في بكين حالياً يحملان أصداءً تحيل المرء إلى مرحلة مستنيرة من حكم السلالة الصينية أكثر من إحالته إلى أي دولة من دول العالم الثالث السائرة في طريق الغربنة. ومن المؤكد أن التقاليد والتوجهات الثقافية السائدة في الصين ستكون لها انعكاسات وتأثيرات قوية في النظام الشيوعي الحاكم في الصين كلما عُكف على إجراء إصلاحات سياسية في البلاد.
ولم يسبق للتقاليد أو للغة الصينية أن تضمنت أي تعابير تحمل مفهوم الثنائية الغربية بين الخير والشر. فوفقاً للفهم السائد في أوساط الفكر غير المسيحي فإن الخير والشر محايثان immanent مثل مفهومي الـ يين Yin والـ يانج Yang أو الليل والنهار. فالليل يمكن أن يتحول إلى نهار وبالمعنى نفسه يتحول النهار إلى ليل. ولو كان فهم الديمقراطية يتحدد ثقافياً فإن فهم الأنا والحريات الشخصية والديمقراطية لا ينطوي على أي أهمية ثقافية في الصين. ويعتقد الصينيون عموماً أن هناك دائماً بديلاً ثالثاً بين الخير والشر، وأن تبني نموذج دبلوماسي يقوم على نظرية السير قدماً على الرغم من المعوقات «muddling through»، هو الذي يتناغم بشكل جيد مع العقلية الصينية التقليدية، وهو ما يدلل على أن الصين ترغب في مزج تجربتها التاريخية بتجربة الثقافة الغربية.
وسيكون من المستحيل على الصين أن تحقق استراتيجيتها في التحول إلى نهج النهوض السلمي خلال القرن الحادي والعشرين دون أن تنفتح سيـــاسياً وثقافياً على العالم الخارجي. كما أنه مـــن المؤكد أن الصين تحتاج إلى بيئة هادئة على الجبهتين الداخلية والخارجية. فعلى الجبهة الداخلية، ما فتئت القيادة الصينية تصر على تطـــبيق نموذج سياسي يُعرف بـ «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»، وهذا الطرح ليس من قبيل الخطاب الدعائي. فالديمقراطية الأمريكية تقوم على حقوق فردية مقدسة لا يمكن التنازل عنها أو مصادرتها، والتي يتم الحفاظ عليها واستدامتها بوصفها مسلماً بها. أما المجتمع الصيني فلا يمكن أن يُحكم بشكل فاعل عبر تطبيق مثل هذا النموذج، حيث إن التقاليد الصينية تعادي كل الحقائق البديهية للمصداقية الذاتية، وليس هنالك من شيء في مفردات القاموس الصيني غير قابل للتحويل.
وعلى الرغم من الإنجازات الاقتصادية الملحوظة التي حققتها الصين خلال السنوات الأخيرة، فقد توصلت القيادة الصينية إلى قناعة محورية، مفادها أن أي مجتمع منظم لا بد أن يواجه إشكالية الشرعية السياسية.
لعل التوصل إلى مثل هذه القناعة يُعد خطوة أولى على درب تطبيق التعددية السياسية. وفي ظل السيادة المطلقة لنظام اقتصاد السوق، لا يمكن للحزب الشيوعي أن يستمر عظيماً ومتألقاً ونزيهاً على الدوام. وفي ظل بروز مسألة الحفاظ على النمو الاقتصادي كشرط أساسي لبقاء نظام الحزب الواحد، فإن أي خطأ في إدارة اقتصاد البلد قد يؤدي إلى اندلاع موجة عارمة من الاضطرابات السياسية. إن عملية تفويض السلطة والمسؤوليات الحكومية تقودها عادة اعتبارات عملية. وقد أجبرت عمليتا خصخصة الاقتصاد وترشيده الحزب الشيوعي الحاكم على التخلي عن نهج سياسة احتكار عملية صنع القرار. وتسود قناعة في أوساط أغلبية أفراد النخبة الحزبية بضرورة المضي قدماً في عملية الإصلاح دون أي تأخير أو تأجيل. ووفقاً لهذه المعطيات، أصبح من المهم أخذ النموذج الأوروبي في الاعتبار. فقد ألهبت الديمقراطية الاجتماعية وتوجهاتها المجتمعاتية السائدة في أوروبا خيال القيادة الصينية التي تأمل في أن يقدم الاتحاد الأوروبي نموذجاً للتحول السلمي للنظام السياسي الصيني الصارم.
وتهتم النخب السياسية الصينية بشدة بمتابعة الكيفية التي تعمل بها الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية. وكما هو الحال بالنسبة لروسيا فإنه من الممكن أن تقرر الصين اختيار نموذج إطار الكيان الأورو ـ آسيوي كمسرح لبلورة تجربتها التاريخية وتغيير نمط علاقاتها الداخلية والخارجية. وانطلاقاً مما سبق، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يشكل أهمية مماثلة بالنسبة للسياسة الخارجية الصينية. وتتمثل سياسة الصين الخارجية المعلنة في دعم عمليتي السلام والتنمية في جميع دول العالم. وتشكل هذه السياسة قفزة كبيرة إلى الأمـام وتقدماً ملحوظاً مقارنة بما كان علـيه الوضـع إبان فترة حكم مـــاو، عــــندما كانـــت النـزعة الايديولوجية تطغى على العلاقات الخارجية للبلاد. ومـــن المؤكـــد أن أي دولة في العالم يمكن أن تـــــــدّعي أن لديــــها الرغــــبة في تحقــــيق السلام والتنمية، وهما المفهـــومان اللذان ليس لهما معنى محدد الدلالات. لكـــن من المبـــادئ المهمة للـــغاية التي أدرجتها بكين ضــمن استراتيجية النهوض السلمي التي تتــــبناها، ذلك الذي يتمثل في نظـرية دمقرطة العــلاقات الدولية «democratization of international relations»، أو ما يُعرف لدى الصينيين بـ «guoji guanxi minzhua». وعلى الرغم من أن العالم الخارجي لم يأخذ النظرية مأخذ الجد، وذلك نظراً إلى أنها جاءت على لسان دولة غير ديمقراطية، فإن هذه النظرية يمكن أن تُعبر حقيقة عن أمل الصين في الإسهام بشكل فاعل في صياغة النظام الدولي في المستقبل. وبدت بكين عبر استخدامها لمصطلح زالدمقرطةس وكأنها تبحث عن إدارة تعتنق بواسطتها بعض القيم الأساسية الخاصة بالثقافة الغربية.
وبمعنى أدق، يبدو أن الصينيين يصبون إلى رؤية صياغة مدولنة internationalized للمبادئ الرئيسية التي حركت الثورة الفرنسية، والتي تأرجحت آراؤهم حيالها طوال الفترة الماضية. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن مبادئ الأخوة والحرية والمساواة ألهمت أفكار الجيل الثوري الصيني الجديد خلال القرن العشرين. لكنه من جانب آخر، يبدو أن الغرب لم يفشل في تفادي اندلاع الحروب الاستنـزافية فحسب، بل إنه اتبع سياسات مزدوجة المعايير كلما دأب على تطبيق تلك المبادئ في الدول غير الأوروبية. ونظراً إلى أن الاتحاد الأوروبي يجسد أول تجربة ناجحة في مجال تطبيق هذه المبادئ على مستوى العلاقات بين الحكومات، فإنه ليس من المستغرب أن يلهم الاتحاد الأوروبي الجيل الجديد من القيادات الصينية التي تمثل امتداداً للماضي الثوري الصيني.
ومن منظور عملي، يمكن القول إن المساواة الدولية يمكن أن تشكل تعبيراً بديلاً للنظام متعدد الأقطاب، حيث إن الحرية الدولية تضمن على أقل تقدير حماية الاستقلالية الوطنية. أما مبدأ الأخوة الدولية فيستدعي تبني مقاربة تعددية تحكمها المعايير والأسس والقواعد الدولية، وكان هذا النموذج بالذات هو الذي تسعى الصين إلى تحقيقه منذ فترة حرب الأفيون لعام 1840. ولعل قبول الصين بالنظام العالمي القائم حالياً، وعلى الرغم من سيطرة الغرب عليه، يمكن أن يسهم على نحو كبير في توفير بيئة آمنة لتحقيق هدف النهوض السلمي.
إن الصين استغرقت مائة وستين عاماً لتتصالح مع نظام دولي تسبب في كثير من المعاناة لشعبها في الماضي، وهو النظام الذي شكل مصدراً أساسياً لصياغة توجهين اثنين من التوجهات الدبلوماسية الصينية، يتمثل أولهما في عدم الثقة في أي نظام دولي قائم سواء كان رئيسياً أو فرعياً. وبرز ذلك من خلال الوصف الذي أُطلق على الصين طوال فترة الحرب الباردة، إذ كانت توصف بدولة المجموعة الواحدة «G-One»، حيث كانت بكين تنتهج سياسة تسعى من ورائها إلى تحقيق أهدافها على نحو مســتقل، وذلك مع الحرص الدائم على حماية سيادتها الوطنية بغيرة شـديدة
.وللصين تجربة في ممارسة سياسات الأحادية أطول بكثير من تجربة الولايات المتحدة نفسها. فبكين لـم يسبق لها في الماضي أن آمنت بمبدأ التعددية، ناهيك عن الدخول في تحالفات معينة، وتمثلت تجربتها الوحيدة في مجال التحالفات في تحالفها مع الاتحاد السوفييتي، والذي انتهى بمواجهة مريرة بينهما.
أما التوجه الثاني فيتجسد في تبني الصين منهجية توصيف الآخر بـثنائية «الصديق أو العدو». ولم تفهم الصين قط عملية التكامل الأوروبي إلا في السنوات الأخيرة الماضية، لأن النموذج الدبلوماسي الغربي القائم على مبدأ التنازلات المتبادلة بهدف التوصل إلى تسوية ترضي جميع الأطراف المعنية لا يناسب الفكرة الشيوعية الصينية التي تتمحور حول تطبيق استراتيجية فاعلة في عالم تتسم سياساته بالثورية. كما أن الصين لم تكن لتفهم حتى وقت قريب الكيفية التي يعمل بها حلف شمال الأطلسي. ولم يكن يخطر ببال صناع السياسات ومؤسسات الفكر والرأي في الصين قبل حلول ربيع 2003 أن تصدعاً خطيراً يمكن أن يطرأ على منظومة التحالف الغربي. لكن الوضع انقلب اليوم رأساً على عقب، وأصبحت الولايات المتحدة، وليست الصين، هي القوة الثورية في العالم. فقد تراجعت الصين عن نظرتها إلى العالم بوصفها مملكة وسطى «Middle Kingdom» للعالم، وبدأت تشارك، بل وتبادر، بتأسيس منظمات متعددة الأطراف. وأصبحت الصين عضواً فاعلاً في منتدى منطقة جنوب شرق آسيا ASEAN Regional Forum (ARF)، كما أنها تُعتبر المؤسس الرئيسي لمنظمة شنغهاي للتعاون، وانضمت أخيراً إلى عضوية منظمة التجارة الدولية، ونشطت بشكل فعلي خلال السنوات الأخيرة كعضو فاعل وبـنّـاء في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. ويبدو بجلاء أن الصين اكتشفت المنافع الممكن استحصالها جراء اتباع منهجية التعامل مع الشؤون الدولية بحسب مجرياتها في عالم تسوده فوضى عارمة. وبدت القيادة الصينية مقتنعة بفضل إدراكها الجيو ـ سياسي بأن التوجه نحو الاندماج في إطار أورو ـ آسيوي أفضل وأكثر أمناً بالنسبة لسياستها الخارجية من التوجه نحو الاندماج في إطار المحيط الهادئ. فعلى مستوى منطقة الهادئ، هناك العديد من القضايا القابلة للانفجار في أي لحظة من اللحظات، مثل التنافس الاستراتيجي ـ حقيقياً كان أم متخيلاً ـ بين الولايات المتحدة والصين، إضافة إلى الأزمة التي تشهدها شبه الجزيرة الكورية، والهواجس التي تمثلها اليابان من خلال نهجها سياسات إعادة التسلح والسعي نحو لعب دور أكبر على المسرح الدولي. وأخيراً وليس آخراً المشكلة التايوانية المعقدة والمستمرة منذ زمن طويل.
وضمن هذا السياق السياسي تفضل الصين تشكيل جبهة شرقية تتداخل وتتفاعل بشكل قوي مع العالم الغربي. وسيكون من المهم بالنسبة للصين أن تتبع نهجاً سياسياً ينأى بها عن المواجهة، وذلك من أجل تفادي التورط في صراعات استراتيجية خطيرة. وسوف يعني هذا أن حدة الهواجس المرتبطة بالعلاقات الأمريكية ـ الصينية سوف تتراجع. وفي الواقع يمكن لهذه العلاقة الصعبة والمضطربة أن تتأسس على أرضية مستقرة. وعلى عكس ما كان عليه وضع ألمانيا في عهد القيصر ڤيلهلم Wilhelm، فإن بكين لا تسعى إلى
الحصول على موطئ قدم تحت الشمس، بل تهدف إلى تأمين مكان في الظل. وبهذا المعنى يبدو أن المنطقة الأورو ـ آسيوية من شأنها توفير فضاء من الظل لطالما سعت الصين من أجل ضمانه.
لكن، وللأسف عكفت الولايات المتحدة على تغيير المعايير والأسس الدولية بالقوة، في وقت تتجه فيه الصين نحو الاهتمام بجدية بالاندماج في النظام العالمي الحالي. وفي الوقت الذي أصبحت فيه الصين تتحول نحو تبني سياسات متعددة الأطراف، اختارت الولايات المتحدة النهج الأحادي. وتشير التوقعات إلى محدودية فرص تغيير السلوك الأمريكي الأحادي في المستقبل المنظور، وهو الأمر الذي ربما يدفع الصين إلى تصويب أنظارها في اتجاه الاتحاد الأوروبي. وتحتاج الصين بكل تأكيد إلى فضاء جيو ـ سياسي يجسد قلب العالم الذي حلم به ماكيندر، وذلك بغية تخفيف الضغوط الاستراتيجية النابعة من منطقة شرق المحيط الهادئ. ولا شك في أن مسألة مساعدة الصين على الاندماج سلمياً داخل إطار النظام العالمي تشكل تحدياً كبيراً بالنسبة للاتحاد الأوروبي. فبادئ ذي بدء لا بد للاتحاد الأوروبي من أن يرتب بيته الداخلي. ويجب على الاتحاد الأوروبي بوصفه لاعباً أساسياً على المسرح الدولي ونموذجاً يُفترض أن يُحتذى به في عالم القرن الحادي والعشرين ألاّ يفشل في السير بخطى حثيثة نحو تحقيق التقدم الدستوري المنشود. ولعل التحدي الايديولوجي يظل التحدي الأكبر. فقدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة نموذج بديل للولايات المتحدة في مجالي السياسة والعلاقات الخارجية تُعتبر مسألة أساسية من أجل تحديد طبيعة النظام الدولي في المستقبل. وتحدو الصين آمال وتوقعات كبيرة تجاه بعض الدول الأوروبية، وعلى وجه الخصوص فرنسا، وذلك لأن فرنسا وعلى الرغم من أنها قدمت للعـالم أول نمــوذج للتنوير الثقافي وما تولد عنه من آثار إيجابية في تــاريخ البشرية، إلا أن النموذج الفرنسي خلق مشكلات وكوارث عديدة. ومن الضـروري الحرص على تجنب إعادة إنتاج السلبيات التي أفرزها النموذج الفرنسي، مثل العنصرية والإقصائية الثقافية، في أي ثورة تنويرية جديدة يمكن أن ترى النور من رحم التكامل الأوروبي الجاري حالياً.
لا ريب في أن القيادة الصينية تأمل في أن تلعب فرنسا دوراً ريادياً مرة أخرى، بحيث تقدم للعالم هذه المرة ايديولوجية جديدة تحتضن تحت جناحيها ثقافتي الغرب والشرق معاً. وقد عبر الرئيس الصيني هو جينتاو Hu Jintaoبوضوح عن هذا الأمل في الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية الوطنية، حيث قال: «لقد أسهمت فرنسا بشكل كبير في تقدم الحضارة والبشرية. إن الثــــقافة الفرنســــية كنـز من شـأنه أن يفيد الثقافة الإنسانية بأكملها، لأنها ثقـــافة إبداعية وشمولية. وتلعب فرنسا دوراً مهماً في عالم اليوم، فهي تمتلك اقتصاداً متقدماً وتكنولوجيا متطورة وثقافة فريدة، هذا إضافة إلى تبنيها سياسات خارجية مستقلة». لعل نجاح اندماج الصين في إطار النظام العالمي سوف يكون واحداً من أهم وأعظم إنجازات القرن الحادي والعشرين. ومن الممكن أن تصبح المنظمة الأورو ـ آسيوية، التي كانت في السابق مصدراً لكثير من البؤس والشقاء، مُختـــــبراً جيو ـ سياســــياً قارياً يتــــعالى فوق عقلية التصنيفات الضيقة للخـــير والشر والقراءة الغربية أحادية المنظور للتاريخ. كما أنه من المؤكد أن الصين ستمثل إحدى أهم القوى المشاركة في هذا المختبر الجديد. وعلى الذين تنتابهم مشاعر الاستغراب إزاء هذا الطموح أن يستذكروا مقولة الفيلسوف النمساوي لودفيغ ڤيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein الشهيرة التي أطلقها في عام 1929، والتي جاء فيها: «عندما نفكر في مستقبل العالم، فنحن نهتم دائماً بالمحطة الأخيرة التي سيصل إليها عالمنا إذا ما استمر في السير في الاتجاه الراهن. بيد أننا لا ندرك أن خط السير ليس مستقيماً، بل هو يتعرج ويحول اتجاهاته باستمرار».
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2072::/cck::
::introtext::
لا شك في أن من أهم إفرازات الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق تشكُل ما يمكن وصفه بـ «التفاهم النشط» المضاد للحرب المؤلف من القوى الدولية الأربع: فرنسا وروسيا وألمانيا والصين. وبدا هذا الحلف الرباعي وكأنه قد وسع من دائرة أوروبا الممتدة من أطراف المحيط الأطلسي وحتى مرتفعات الأورال، والتي كان يحلم بها الزعيم الفرنسي ديغول. اليوم توسعت أوروبا حتى بحر الصين الشرقي بعد دخول الصين ضمن الحلف المناوئ للحرب الأمريكية ضد العراق. ومن بين الانعكاسات الإيجابية التي برزت بفعل دخول الصين في هذا الحلف، أن هذه الخطوة أعطت دفعة قوية للجهود الدولية الرامية إلى إدماج الصين سلمياً داخل إطار النظام العالمي.
::/introtext::
::fulltext::
لا شك في أن من أهم إفرازات الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق تشكُل ما يمكن وصفه بـ «التفاهم النشط» المضاد للحرب المؤلف من القوى الدولية الأربع: فرنسا وروسيا وألمانيا والصين. وبدا هذا الحلف الرباعي وكأنه قد وسع من دائرة أوروبا الممتدة من أطراف المحيط الأطلسي وحتى مرتفعات الأورال، والتي كان يحلم بها الزعيم الفرنسي ديغول. اليوم توسعت أوروبا حتى بحر الصين الشرقي بعد دخول الصين ضمن الحلف المناوئ للحرب الأمريكية ضد العراق. ومن بين الانعكاسات الإيجابية التي برزت بفعل دخول الصين في هذا الحلف، أن هذه الخطوة أعطت دفعة قوية للجهود الدولية الرامية إلى إدماج الصين سلمياً داخل إطار النظام العالمي.
من المؤكد أن التلاقي الصيني ـ الأوروبي الذي تم حول موضوع العراق لم يكن ليثير قلق الخبير السياسي الشهير السير هالفورد جون ماكيندر Sir Halford John Mackinderالذي عاش في القرن التاسع عــشــــر. فليس هناك في عالم اليوم من قوة مهيمنة وجامحة تهدد ما وصفه بـ «قلب العالم» «heartland of the world». كما أنه ليست هناك مؤامرات أو صفقات دبلوماسية سرية. بل على النقيض من ذلك، فإنه للمرة الأولى في التاريخ لا يوجد صراع جيو ـ سياسي واسع يتسبب في حدوث انقسامات بين القوى الرئيسية في المنطقة الأورو ـ آسيوية. بل إن علاقات التعاون والتكامل والعمل متعدد الأطراف تمثل الركائز الأساسية التي توجه العمل الدبلوماسي المشترك بين الدول الأربع.
من الملاحظ أن ثلاث روابط استراتيجية على أرض «قلب العالم» تتجسد أولاها في استراتيجية الشراكة الروسية ـ الصينية. أما الثاني فيتمثل في الاستراتيجية الأوروبية المشتركة تجاه روسيا، إضافة إلى روابط يصفها كل من الصين والاتحاد الأوروبي باستراتيجية التعاون. وقد استندت إلى مبدأ الشفافــــية، ولم تحـــط بها ضجــة إعلامية كبيرة، كما أنها لم تقم على أساس الإعلان عن أي عدو مشــترك. ومن المتوقــــع أن تؤدي هذه التـــطورات في حـــال تبلــورها بشـــكل صحيح إلى تقويض استراتيجية السيطرة الأحادية التي تحاول الولايات المتحدة جاهدة تعزيزها في الوقت الراهن. والأمر المهم والبارز في هذا الإطار هو أن الصين بدأت تنتهج سياسة خارجية تقترب أكثر فأكثر نحو أوروبا القارية continental Europe. فقد بدا واضحاً خلال الفترة الأخيرة أن الصين وبعد سنوات طويلة من التردد والتأني في اتباع استراتيجية مركزية تقوم على سياسة النهوض السلمي peaceful rise التي ترتكز على سياسة البحث عن طريق آمن، وذلك سعياً إلى الدخول في النظام العالمي القائم. ولعل الاستراتيجية الصينية يإمكانها اليوم تحقيق أهدافها الأساسية من تشكيل حلف أورو ـ آسيوي.
ذبول الغرب من المؤكد أن التوجه الأوروبي الجديد الذي بدأت تتبناه الصين ستكون له كثير من التبعات، وسيرتبط بشكل مباشر بالأزمات السياسية والمفاهيمية التي يعيشها الغرب حالياً، كما أن هذه الخطوة تُعتبر بمثابة إعلان عن انعطاف مفصلي في السياسة الدولية. وتكتسب الخطوة زخمها انطلاقاً من واقع أن مفهوم الغرب يتعرض اليوم لأزمة كبيرة في الوقت الذي تشهد فيه الأولويات الاستراتيجية عبر الأطلسية transatlantic والرؤى الثقافية تباعداً واختلافاً كبيرين، في حين يتبلور تقارب كبير في الاستراتيجيات القومية والسياسات الخارجية للقوى الرئيسية في المنطقة الأورو ـ آسيوية. و يرواد كلاً من روسيا والصين أمل في دخول النظام العالمي عبر قنوات آمنة في المنظومة الأورو ـ آسيوية. ومن جانبه يرغب الاتحاد الأوروبي في لعب دور مهم في مسألة إدماج دولتين من أكبر دول العالم مقابل الحصول على دعم خارجي قوي لسياساته الأمنية والخارجية المشتركة.
علينا أن نستذكر أن الولايات المتحدة بالتعاون مع الدول الغربية الحليفة شنت حرباً باردة ناجحة ضد أعدائها، وذلك بفضل القيم والمؤسسات المشتركة التي تمحورت حول مفهوم الغرب المتحد. وسيكون من الصعب للغاية بالنسبة للدول التي اعتمدت فكرة الغرب المتحد أن تفكر مجرد تفكير في سيناريو حدوث انفصال بين دول حلف شمال الأطلسي. لكن وبالنظر إلى الواقع القائم اليوم فإن مثل هذا الانفصال لم يعد أمراً مستبعداً، حيث برزت خلافات حادة بين شركاء الأطلسي، وفقد القرين الأمريكي المهيمن الرغبة في شريكته الأوروبية، بعد أن عاشا حياة بلا أبناء وبلا أهداف مشتركة، وكان لكل منهما أجندة خاصة به. قد يقول البعض إن للشريكين ـ أمريكا وأوروبا ـ أبناء بالتبني، يتمثلون في مجموعة الدول الشيوعية في الأوروبتين الشرقية والوسطى. لكن تبني أولئك الأبناء جاء في سن متقدمة، مما يصعِّب مهمة السيطرة عليهم. ومن الممكن أن تتصور تلك الدول أن الولايات المتحدة تكافح من أجل ضمان حق رعايتهم. لكن الحقيقة الواضحة هي أن الأب يسعى إلى تعكير صفو حياة الأم بقدر الامكان. ومثلما يحدث في حالات الطلاق كافة فإن الأبناء يتم استخدامهم لتكدير حياة أحد الأبوين الذي يعيشون معه.
وفي الحقيقة فإن الموقف الغاضب الذي عبر عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك إزاء دول أوروبا الوسطى والشرقية بعد توقيعها على بيان مشترك أيدت فيه الحرب على العراق، كان ردة فعل عاطفية وانفعالية، لكنها لم تكن من دون مبررات. ومن بين أهم الأسباب التي تقف وراء احتمال حدوث طلاق بين شركاء حلف الأطلسي أن أوروبا والولايات المتحدة تتبنيان نظرتين تختلفان اختلافاً جوهرياً في ما يخص النموذج الذي يجب أن يؤطر السياسات الغربية. ويقوم النموذج الذي ترغب الولايات المتحدة في تطبيقه على ديمقراطية تحترم حقوق الأفراد وتحدد سياساته الخارجية المصالح القومية فقط. وفي المقابل، تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تطبيق نموذج يرتكز على ممارسة النهج الديمقراطي الاجتماعي القائم على المبادئ المجتمعاتية communitarian social democracy ، والذي يحترم معايير وأحكام المؤسسات الدولية. مع العلم أن الانشقاق الواسع الذي طرأ بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم يغير من ملامح هذا التوجه العام، وكانت نتائج الانتخابات الإسبانية التي أعقبت تفجيرات مدريد خير شاهد على ذلك.
ويجب ألاّ تكون قضية الخلاف الأمريكي ـ الأوروبي حول النموذج الذي يجب أن يتبناه الغرب مفاجئاً لأي أحد. وفي الواقع فإن مفهوم الغرب له تاريخ أقصر مما يعتقد كثيرون. ويتفق كثير من المؤرخين على أن بدايات بروز ذلك المفهوم حدثت إبان عصر التنوير Enlightenment الفرنسي، وذلك استناداً إلى قراءة لتاريخ أوروبا المسيحية. وكان ذلك المفهوم في بداياته، وخصوصاً في جوانبه الثقافية والعرقية، إقصائياً وينأى بنفسه عن الشمولية. ولم تتم عولمة مفهوم الغرب من قبل إلا مع حلول القرن التاسع عشر. وبعد ذلك التاريخ بدأ الأوروبيون في تغيير التاريخ الإنساني انطلاقاً من تصنيفات ثنائية مثل الشرق مقابل الغرب والحديث مقابل المتخلف والحضاري مقابل الهمجي وغيرها من التصنيفات. وكان الأساس الذي بنى عليه الأوروبيون هذا التفسير التاريخي هو ادعاؤهم بحقهم في التركة الثقافية اليونانية، وهو ادعاء لا يستند إلى أسس تاريخية قوية.
الأدهى من ذلك هنا أن مفهوم الغرب وحتى النصف الأول من القرن العشرين لـم يتمكن من فرض نفسه كمفهوم عملي ضمن إطار السياسة الدولية، ويعود ذلك إلى جملة من الصراعات الدموية والاستنـزافية التي أودت بحياة ملايين البشر وطالت كثيراً من الدول الغربية. وقبل عام 5491لـم يكن مفهوم الغرب سوى مفهوم ثقافي غامض الدلالات تتخلله نبرة عنصرية واضحة. ولم يتحول مفهوم الغرب إلى إطاره العملي بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا بعد بداية فترة الحرب الباردة عندما تحول مفهوم الفصل بين الشرق والغرب في القرن التاسع عشر إلى انقسام ايديولوجي كبير، مما أضفى غشاءً من الظلمة والقتامة على عنصري الجغرافيا والثقافة في القارة الأوروبية في ذلك الوقـت، وتشــكل كثير من المفاهيم التاريخية العبثية البعيدة عن العقلانية. ووفقاً لهذه الرؤية أصبحت المجر وتشيكوسلوفاكيا تُصنفان ضمن دول القطب الشرقي، بينما تُصنف اليابان وكوريا الجنوبية ضمن المعسكر الغربي. وجاء هذا التصنيف المثير للاستغراب بناءً على منطق القرن العشرين الذي طغت عليه القراءة الإنجيلية لمفهوم الصراع وتصنيفه بين ما هو خير من جهة وما هو شر من جهة أخرى.
وكانت المفارقة الحقيقية أن جميع الدول، بما فيها الدول الديمقراطية والشيوعية وحتى تلك التي تحكمها أنظمة فاشية تعتبر نفسها في جانب الخير وأن الآخرين في خانة الشر. بل إن مفهوم الصراع لامس قمة العبثية الميتافيزيقية، حيث أصبح الصراع يتم تصويره على أنه مواجهة محتدمة بين الخير والشر. وفي أعقاب الحرب الباردة التي انتهت على نحو مفاجئ وجدت دول المعسكرين الغربي والشرقي نفسها في حالة من الارتباك ومن دون أي رسالة ايديولوجية يمكنها الاستناد إليها.
وعلى مستوى السياسات ألقت الطريقة التي انتهت بها الحرب الباردة ظلالاً من الشك حول مبررات وجود الغرب السياسي ذاته. وطالت تلك الشكوك حتى المؤسسات التابعة له مثل حلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من اتفاق شركاء حلف الأطلسي ـ الولايات المتحدة والدول الأوروبية ـ على توسيع عضوية الحلف فإن كثيراً من الخلافات والتباينات برزت منذ البداية، إذ إن لكلا الجانبين توقعات تختلف عن الآخر حول مشروع التوسع الذي كان الهدف منه إعادة صياغة الأسس التي تقوم عليها مهمة ذلك التحالف العسكري الذي بات غير ملائم لظروف العصر الراهن. فالولايات المتحدة من جانبها كانت تفضل التعامل مع روسيا على أساس أن الأخيرة قوة مهزومة. وفي الوقت الذي أبدت فيه واشنطن تساهلاً وليناً تجاه موسكو، اعتبرت عملية توسيع حلف الناتو على أنها الخيط الرئيسي الذي سيساهم في إحداث تماسك داخل نسيج الغرب السياسي. ومن المؤكد أنه ومن دون طرح بديل مناسب، استمرت روسيا في تجسيد مصدر محتمل للتهديد ورمزاً للشرق السياسي.
وعلى مستوى الكيان الأورو ـ آسيوي، مثلت نهاية الحرب الباردة إحياءً للمفهوم الثقافي للغرب. وكان لزاماً على الأوروبيين الذين تحتم عليهم العيش مع روسيا في قارة واحدة أن يجدوا طرقاً ناجعة من أجل إدماج روسيا وتفادي أي انقسام كارثي آخر داخل الكيان الأوروبي. فاستمرار أوروبا موحدة هو الطريق الآمن والمؤكد الذي من شأنه أن يسمح لروسيا بالاندماج داخل البيت الأوروبي المشترك. وكان الاتحاد الأوروبي قد تردد في بداية الأمر في مسألة اتخاذ خطوات واضحة وملموسة في اتجاه إدماج روسيا، وذلك تخوفاً من تحمل عبء روسيا الفايمارية «Weimar Russia». وارتأى الاتحاد الأوروبي تأجيل عملية إدماج روسيا حتى تتمكن من إعادة هيكلة نظامها السياسي الداخلي وبناء ركائز استقراره وثباته. لكن وعلى الرغم من التردد الأوروبي أفرزت معاهدة أمستردام المبرمة في عام 1996 آلية عمل خاصة سُميت بالاستراتيجية المشتركة للتعامل مع منطقة أوروبا الشرقية وروسيا التي تُعتبر مهمة للغاية. وكان من الطبيعي أن يباشر الاتحاد الأوروبي تنفيذ استراتيجيته الجديدة هذه بالتعامل أولاً مع روسيا. لكن تلك الاستراتيجية لم يتم تفعيلها عملياً إلا مع نهاية عام 1999 عندما اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطوات بدت وكأنها قد وضعت البلاد في الإطار الصحيح من وجهة النظر الأوروبية، ومن جانبه تجاوب بوتين مع الاستراتيجية الأوروبية بحماسة شديدة. ويمكن القول إن الاستراتيجية التي تبناها الاتحاد الأوروبي في التعامل مع روسيا، ساعدت موسكو على التغلب على نزعتها الامبريالية تجاه المنطقة الأورو ـ آسيوية والتخلص من مشاعر الحنين إلى ماضيها التليد كقوة عظمى. ومنحت تلك الاستراتيجية فرصة إرساء السفينة الروسية بسلام في العمق الأوروبي. كما أن تلك الاستراتيجية وللمرة الأولى في تاريخ العلاقة الروسية ـ الأوروبية عكفت على مأسسة آلية حيوية يتم تنفيذها عبر التزامات موسعة ومشاريع جماعية تضامنية قابلة للتفعيل.
وبالمثل فقد تم تعزيز رابط آخر يجمع أوروبا وآسيا تمثل في العلاقات الناشئة بين روسيا والصين، حيث قررت كل من موسكو وبكين بعد مرور فترة قصيرة على انتهاء الحرب الباردة القيام بعمل جاد من أجل توطيد علاقاتهما الثنائية. وعلى الرغم من أن الحوافز الأولية التي دفعت الجانبين نحو المزيد من التقارب تنبع من مصلحتهما المشتركة الكامنة في تحجيم القوة الأمريكية، فإن العلاقات الثنائية بينهما سرعان ما أخذت خطاً خاصاً بها بعيداً عن السعي إلى الحد من النفوذ الأمريكي. ونجحت الدولتان عبر إطار العلاقة الثنائية التقاربية الجديدة في تقليص مساحة النـزاع والصراع بينهما، فبعد أن كانت هنالك أكثر من سبعة آلاف نزاع حدودي، بعضها ظل قائماً لقرون عدة، أصبح عدد النـزاعات التي لم يتم حلها على طريقة حسمها لا يتعدى العشرات. وبدأت أطر تلك العلاقة تتبلور ضمن نهج تبادلي مفيد للجانبين. فروسيا كانت تصدِّر العتاد العسكري وموارد الطاقة التي تحتاج إليها الصين بشكل قوي، بينما تقدم الصين من جانبها لروسيا المنتجات المصنعة بأسعار منافسة للغاية. ولعل الأمر الأكثر أهمية في إطار العلاقة بين الجانبين هو أن هواجسهما المشتركة تجـــاه أحداث منطقة آسيا الوسطي وبروز حركات إسلامية أصولية جعــلتهما يؤسسان في عام 1999 أول منـــظمة إقليـــمية في منـــطقة آسيا الوســـطى
.وبعد أن ضمت، إضافة إلى الصين وروسيا، أربعاً من الجمهوريات السوفييتية السابقة، تم تطوير تلك المنظمة وأعيدت تسميتها، حيث أصبحت تُعرف بمنظمة شنغهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organization (CSO)، وهي منظمة تكتسب أهمية بالغة، ويُتوقع لها أن تشهد نمواً كبيراً في مجال التنظيم المؤسساتي والوظيفي، خصوصاً أن جميع الدول الأعضاء لها مصالح متشابكة.
وحتى النصف الأول من عام 2003 كانت الروابط الأوروبية ـ الآسيوية تفتقر إلى واحد من أهم المقومات اللازمة لتعزيزها، وهو الرابط الاستراتيجي المباشر بين الاتحاد الأوروبي والصين، حيث إن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين ظلت تنمو بشكل بطيء للغاية دون أن تكتسب أي عناصر استراتيجية ملموسة، وهو أمر يعود اللوم فيه إلى كلا الجانبين. فالاتحاد الأوروبي من جانبه استمر ولفترة طويلة يعمل على ترويج مفهوم الغرب بشكل لا يختلف نوعياً عن الطرح الأمريكي. وعلى الرغم من أن دول الاتحاد الأوروبي كانت تسعى أساساً إلى الاستفادة من الفرص التجارية مع الصين، فإنه ومن الناحية السياسية ظل الاتحاد الأوروبي ينتهج سياسات يطغى عليها طابع الاستكبار. فقبل عام 2003 كان الاتحاد الأوروبي يصدر بيانات بشأن الصين تلفها لهجة متشددة من قبيل: « لديكم مشكلة، ترتبط في أغلب الأحيان بملف احترام حقوق الإنسان، ونحن نرغب في مساعدتكم». أما على الجانب الصيني فلم يسبق للقيادة الصينية خلال الفترة التي سبقت عام 2003 أن أخذت مسألة الاندماج مع أوروبا مأخذ الجد الكبير. وبسبب تركيزهم على مقاربة ضيقة لمفهوم السيادة الوطنية، لـم يـرَ الصينيون أي مبرر يجعلهم ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه لاعباً سياسياً مهماً على مسرح السياسة الدولية.
لكن وبحلول عام 2004، تصدَّر موضوع العلاقة مع الاتحاد الأوروبي قمة أجندة السياسة الدولية للقيادة الصينية. وكانت هناك كثير من الأسباب التي وقفت وراء هذا التحول السريع. ففي عام 2002 تفوقت الصين على اليابان، حيث احتلت المركز الثاني في قائمة أكبر الشركاء الاقتصاديين للاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى ذلك تعاظمت أهمية الدور الذي تلعبه الصين على المستوى العالمي خلال السنوات القليلة المنصرمة. وقد أظهرت حرب العراق رغبة الصين في دعم عمل الأمم المتحدة والرأي العام الدولي.
وفي إطار انطلاق مسيرة التطوير في العلاقة بين الجانبين، وفي أعقاب الحرب الأمريكية ضد العراق، أصدر الاتحاد الأوروبي في التاسع من أكتوبر 2003 بيانه الخامس حول الصين. ومن الملاحظ أن نص البيان الأوروبي هذه المرة جاءت نبرته مختلفة تماماً عن لهجة البيانات السابقة، إذ اعتُبرت الصين وفقاً للصيغة التي تضمنها البيان شريكاً استراتيجياً بالنسبة للاتحاد الأوروبي على صعيد إدارة الشأن السياسي الدولي.
صحيح أن بعض القضايا الخلافية، مثل موضوعي حقوق الإنسان وقضية رفع الحظر الأوروبي على بيع الأسلحة إلى الصين ما زالت قائمة، لكن الاستراتيجية الأساسية المشتركة للتعامل مع الصين بدأت تتصدر أجندة الاتحاد الأوروبي، وتضمنت الرغبة في دعم التوجه الصيني الرامي إلى تنفيذ إصلاحات سياسية تدرجية. بعد ثلاثة أيام من صدور بيان الاتحاد الأوروبي المشترك، جاء رد فعل الصين مفعماً بالحماسة نفسها التي عبر عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 1999. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الصين لم يسبق لها قبل ذلك الوقت الرد على أي بيان أوروبي صادر بشأنها، وكانت تكتفي فقط بشن حملات سياسية مضادة على الدول الأوروبية وبخاصة حول قضايا مثل حقوق الإنسان. لكن وبعد صدور البيان الأوروبي الجديد هذا يبدو أن عملية بناء علاقة قوية ومستديمة بين الطرفين الأوروبي والآسيوي باتت حقيقة قائمة وملموسة.
الاستخفاف الأمريكي
تبدو الولايات المتحدة حتى اليوم غير مبالية بالتطورات التي تشهدها العلاقات الأوروبية ـ الآسيوية. وكما هو الحال بالنسبة لموقف واشنطن المستخف بأهمية المسيرة التاريخية للاتحاد الأوروبي نحو تبني دستور مشترك، لم يُولِ صناع القرار ومؤسسات الفكر والرأي في الولايات المتحدة الاهتمام اللازم بالتطورات الاستراتيجية على الساحة الأورو ـ آسيوية، وذلك نظراً لانشغالهم بوضع السياسات اللازمة التي تمكِّن الولايات المتحدة من الحفاظ على ما يعتبرونه نظاماً عالمياً أحادياً. وقد سيطرت فكرة العالم الأحادي بشدة على فكر وخيال الأمريكيين، لكن الواقع الآن يقول إن العالم يبقى متعدد الأطراف، وإن هذا الواقع لن يتغير، على الأقل على المدى المنظور.
وفي الواقع فإن هناك مسوغات أخرى، أقوى وأعمق من مسألة الانشغال بترسيخ أحادية النظام الدولي، تقف وراء تجاهل الولايات المتحدة للتطورات الحادثة على الصعيد الأورو ـ آسيوي. فالولايات المتحدة تنظر اليوم إلى نفسها على أنها تخوض حرباً ضد الإرهاب، فيما تعتبر الدول الآسيوية أنها تخوض حملة لمكافحة صراع ضد الإرهاب. فوفقاً للمنطق الأمريكي تحتاج الحرب فقط إلى شرعية فاعلية العمل العسكري، فيما تتطلب عملية المكافحة حشد الموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، إضافة إلى الأدوات العسكرية. ومثَّل هذا الاختلاف في المقاربة لملف الإرهاب الخط الفاصل الذي أحدث شرخاً في العلاقات عبر الأطلسية حول الحرب على العراق.
وكانت روسيا والصين قد ساندتا الموقف الفرنسي ـ الألماني المناوئ للحرب، لأنهما أيضاً ينظران إلى الإرهاب باعتباره ظاهرة لا يمكن حصرها في دولة محددة، وطالبتا بإيجاد آليات للتعاون بين حكومات الدول ضد هذا العدو غير الحكومي الخفي والمشترك.
ثانياً، وربما كان هذا هو الأهم من كل ما سبق، أن الحرب ضد العراق اعتُبرت بمثابة تدشين عملي لسياسة الحرب الاستباقية التي اعتبرتها كثير من دول العالم التي وقفت ضد الحرب على العراق، تحدياً حقيقياً للقوانين والمؤسسات الدولية. ويبدو خطاب استراتيجية الحرب الاستباقية وكأنه يشتم منه رائحة الايديولوجية الماوية الثورية التي تخلى عنها الصينيون أنفسهم قبل فترة من الزمن. وكانت ايديولوجية ماو تقوم على أساس أن المهمة الأولى ضمن الخطوات اللازمة للقيام بالثورة تتمثل في تحديد ماهية العدو من
جهة وماهية الصديق من جهة أخرى. وبدا خطاب بوش السياسي المتمحور حول مقولته الشهيرة «إما معنا أو مع الإرهابيين» ومقولة «محور الشر» منسجمة مع روح الثورة الماوية. لعل الشعار الذي رفعه ماو في السابق والمتمثل في المقولة الشهيرة «إن السلطة تأتي من أفواه البنادق» كان ينذر بالجهود التي يبذلها الرئيس بوش حالياً من أجل إنتاج نظم ديمقراطية تولد من أفواه البنادق.
وتكمن المفارقة النابعة عن هذه الآراء الراديكالية أنها تفتقر إلى الإدراك السليم للدلالات المبطنة والفاعلة لبعض نظريات ماو، والتي كانت تركز على «نظرية الحرب الشعبية» القائمة على الإيمان بأن أي حرب ستنتهي بالخسارة في حال لم يتم حشد التأييد الشعبي المحلي لها. وهناك نظرية أخرى تتمثل في «نظرية الجبهة المتحدة»، والتي تقوم على استخدام تكتيك التحالف مع قوى أخرى، بما في ذلك الأعداء السابقون، وذلك من أجل التصدي لعدو اليوم المشترك. وتعني هذه النظرية الإقرار بمحدودية القدرات الذاتية. وكانت الولايات المتحدة إبان فترة الحرب الباردة تطبق استراتيجية متطابقة، حيث إنها كانت تحرص على العمل متعدد الأطراف انطلاقاً من اعتقادها بأنها لا تمتلك القوة القاهرة أو غير المحدودة لمواجهة القدرات العسكرية السوفييتية.
ثالثاً، عملت الولايات المتحدة مرات عدة على تغيير سلوكها الذي طالما اتسم بالاستخفاف في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي وتحويله إلى عداء صارخ. كانت واشنطن أحياناً تتجاهل عملية الإصلاحات الدستورية التي كان الاتحاد الأوروبي يحاول إجراءها، وأحياناً أخرى بدت إدارة بوش وكأنها تأمل في فشل تلك العملية من أجل تمهيد الطريق أمام بروز أوروبا جديدة تتطابق مع الرؤية التي رسمها دونالد رامسفيلد في مخيلته. لكن كل الوقائع تشير إلى أن الإصلاحات الدستورية الأوروبية سوف تمضي في طريقها، وستؤدي في النهاية بالفعل إلى بروز أوروبا جديدة حقيقية تجسد كياناً استراتيجياً تصطف أمام أبوابه الدول المرشحة للانضمام إليه، وسيتحدى الآخرون حدودها. ففي حين أن دول أوروبا الشرقية والوسطى قد تكون لها توجهات أطلسية حول كثير من القضايا، إلا أنها تدرك أو سوف تدرك مستقبلاً أن مصالحها ترتبط أساساً بالدول الأوروبية المؤسِّسة للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك، وعلى وجه الخصوص، ألمانيا وفرنسا.
الصين تصوب أنظارها تجاه الاتحاد الأوروبي
يتفق كثير من صائغي القرار والمحللين السياسيين على حقيقة أن الصين بدأت في البروز كقوة عظمى لديها حضور مميز على المسرح الدولي خلال القرن الحادي والعشرين، لكنهم يختلفون حول الطريقة التي يمكن من خلالها إدماج الصين. وبالنسبة لفريق إدارة بوش كانت الصين تُعتبر أحد التحديات الأساسية. لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن حولت مجرى اهتمامات المفكرين والسياسيين في واشنطن في اتجاه تحدي الإرهـــــاب، إضــــافة إلى ملف العراق. وعلى أي حال لم يغب الاعتقاد الأمريكـــي بأن الصين تمثــــــل خطراً قوياً. واســــتمرت مؤسسات الفكر والرأي في الولايات المتحدة في الانشغال برسم خطط واستراتيجيات احتواء عدد من الدول الآسيوية. وحملت كثير من مشروعات الأبحاث الساخنة عناوين من قبيل «الأمن الصيني تحت ظل التنين الصيني» و«آسيا الاستراتيجية».
وتسود رؤية خاطئة في الأوساط الأمريكية مفادها أن الصين ستتحمل وزر العولمة. وفي سياق هذه الرؤية صدرت كثير من الكتب والأوراق والأبحاث وتم تنظيم المؤتمرات وجميعها تطرح بإلحاح مجموعة من التساؤلات والطروحات مثل: «ما السبيل إلى دمقرطة الصين؟» أو «المستقبل الديمقراطي للصين». لكن هناك احتمالاً كبيراً بألاّ يشهد المستقبل الصيني تحولاً ديمقراطياً ويبدو أن الرؤية الأمريكية الخاطئة تنطلق من الاعتقاد الذي ساد الأوساط الفكرية والسياسية خلال القرن العشرين، والذي تمثل في غياب خيار ثالث ما عدا خياري الديمقراطية والديكتاتورية استناداً إلى عقلية الصراع بين الخير والشر؛ لكن الواقع السياسي السائد تجسده حالة وسط بين ما يرتبط بالديمقراطية وما يتصل بالديكتاتورية. ومن المؤكد أن عبارة «دمقرطة الصين» ليس لها أي معنى آخر سوى توجيه موعظة متسامية وإلباسها ثوب الحقيقة الكونية. إلا أن التعبير الأكثر صدقاً ونزاهة لوصف هذه الحالة هو الدعوة إلى غربنة الصين «Westernization of China»، وهو أمر وعلى الرغم من محدودية احتمال حدوثه فإنه لا يخفي بداخله نوايا ثقافية ضيقة الرؤية.
وفي الواقع تُعتبر الصين من الحضارات الإنسانية الرئيسية القائمة بذاتها، لذلك فإنه ليس من المحتمل أن تُفرض عليها الشروط المتعلقة بدخولها إلى عالم القرن الحادي والعشرين من قبل المجتمع الغربي دون أن تُسهم الصين نفسها في تحديد معاني ومضامين العولمة. وفوق هذا وذاك فإن الصين تسير حالياً في طريق اكتــشاف تاريخ وتقاليـــد فكرهـــا السيـــاســـي. ونظـــراً لأن الفلســفة السيــاسية الكونفوشيوسية تدخل فيها العديد من العناصر الإنسانية والاجتماعية، فإن اللغة الرسمية التي يتحدث بها القادة الصينيون والسلوك الذي يتبنونه في بكين حالياً يحملان أصداءً تحيل المرء إلى مرحلة مستنيرة من حكم السلالة الصينية أكثر من إحالته إلى أي دولة من دول العالم الثالث السائرة في طريق الغربنة. ومن المؤكد أن التقاليد والتوجهات الثقافية السائدة في الصين ستكون لها انعكاسات وتأثيرات قوية في النظام الشيوعي الحاكم في الصين كلما عُكف على إجراء إصلاحات سياسية في البلاد.
ولم يسبق للتقاليد أو للغة الصينية أن تضمنت أي تعابير تحمل مفهوم الثنائية الغربية بين الخير والشر. فوفقاً للفهم السائد في أوساط الفكر غير المسيحي فإن الخير والشر محايثان immanent مثل مفهومي الـ يين Yin والـ يانج Yang أو الليل والنهار. فالليل يمكن أن يتحول إلى نهار وبالمعنى نفسه يتحول النهار إلى ليل. ولو كان فهم الديمقراطية يتحدد ثقافياً فإن فهم الأنا والحريات الشخصية والديمقراطية لا ينطوي على أي أهمية ثقافية في الصين. ويعتقد الصينيون عموماً أن هناك دائماً بديلاً ثالثاً بين الخير والشر، وأن تبني نموذج دبلوماسي يقوم على نظرية السير قدماً على الرغم من المعوقات «muddling through»، هو الذي يتناغم بشكل جيد مع العقلية الصينية التقليدية، وهو ما يدلل على أن الصين ترغب في مزج تجربتها التاريخية بتجربة الثقافة الغربية.
وسيكون من المستحيل على الصين أن تحقق استراتيجيتها في التحول إلى نهج النهوض السلمي خلال القرن الحادي والعشرين دون أن تنفتح سيـــاسياً وثقافياً على العالم الخارجي. كما أنه مـــن المؤكد أن الصين تحتاج إلى بيئة هادئة على الجبهتين الداخلية والخارجية. فعلى الجبهة الداخلية، ما فتئت القيادة الصينية تصر على تطـــبيق نموذج سياسي يُعرف بـ «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»، وهذا الطرح ليس من قبيل الخطاب الدعائي. فالديمقراطية الأمريكية تقوم على حقوق فردية مقدسة لا يمكن التنازل عنها أو مصادرتها، والتي يتم الحفاظ عليها واستدامتها بوصفها مسلماً بها. أما المجتمع الصيني فلا يمكن أن يُحكم بشكل فاعل عبر تطبيق مثل هذا النموذج، حيث إن التقاليد الصينية تعادي كل الحقائق البديهية للمصداقية الذاتية، وليس هنالك من شيء في مفردات القاموس الصيني غير قابل للتحويل.
وعلى الرغم من الإنجازات الاقتصادية الملحوظة التي حققتها الصين خلال السنوات الأخيرة، فقد توصلت القيادة الصينية إلى قناعة محورية، مفادها أن أي مجتمع منظم لا بد أن يواجه إشكالية الشرعية السياسية.
لعل التوصل إلى مثل هذه القناعة يُعد خطوة أولى على درب تطبيق التعددية السياسية. وفي ظل السيادة المطلقة لنظام اقتصاد السوق، لا يمكن للحزب الشيوعي أن يستمر عظيماً ومتألقاً ونزيهاً على الدوام. وفي ظل بروز مسألة الحفاظ على النمو الاقتصادي كشرط أساسي لبقاء نظام الحزب الواحد، فإن أي خطأ في إدارة اقتصاد البلد قد يؤدي إلى اندلاع موجة عارمة من الاضطرابات السياسية. إن عملية تفويض السلطة والمسؤوليات الحكومية تقودها عادة اعتبارات عملية. وقد أجبرت عمليتا خصخصة الاقتصاد وترشيده الحزب الشيوعي الحاكم على التخلي عن نهج سياسة احتكار عملية صنع القرار. وتسود قناعة في أوساط أغلبية أفراد النخبة الحزبية بضرورة المضي قدماً في عملية الإصلاح دون أي تأخير أو تأجيل. ووفقاً لهذه المعطيات، أصبح من المهم أخذ النموذج الأوروبي في الاعتبار. فقد ألهبت الديمقراطية الاجتماعية وتوجهاتها المجتمعاتية السائدة في أوروبا خيال القيادة الصينية التي تأمل في أن يقدم الاتحاد الأوروبي نموذجاً للتحول السلمي للنظام السياسي الصيني الصارم.
وتهتم النخب السياسية الصينية بشدة بمتابعة الكيفية التي تعمل بها الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية. وكما هو الحال بالنسبة لروسيا فإنه من الممكن أن تقرر الصين اختيار نموذج إطار الكيان الأورو ـ آسيوي كمسرح لبلورة تجربتها التاريخية وتغيير نمط علاقاتها الداخلية والخارجية. وانطلاقاً مما سبق، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يشكل أهمية مماثلة بالنسبة للسياسة الخارجية الصينية. وتتمثل سياسة الصين الخارجية المعلنة في دعم عمليتي السلام والتنمية في جميع دول العالم. وتشكل هذه السياسة قفزة كبيرة إلى الأمـام وتقدماً ملحوظاً مقارنة بما كان علـيه الوضـع إبان فترة حكم مـــاو، عــــندما كانـــت النـزعة الايديولوجية تطغى على العلاقات الخارجية للبلاد. ومـــن المؤكـــد أن أي دولة في العالم يمكن أن تـــــــدّعي أن لديــــها الرغــــبة في تحقــــيق السلام والتنمية، وهما المفهـــومان اللذان ليس لهما معنى محدد الدلالات. لكـــن من المبـــادئ المهمة للـــغاية التي أدرجتها بكين ضــمن استراتيجية النهوض السلمي التي تتــــبناها، ذلك الذي يتمثل في نظـرية دمقرطة العــلاقات الدولية «democratization of international relations»، أو ما يُعرف لدى الصينيين بـ «guoji guanxi minzhua». وعلى الرغم من أن العالم الخارجي لم يأخذ النظرية مأخذ الجد، وذلك نظراً إلى أنها جاءت على لسان دولة غير ديمقراطية، فإن هذه النظرية يمكن أن تُعبر حقيقة عن أمل الصين في الإسهام بشكل فاعل في صياغة النظام الدولي في المستقبل. وبدت بكين عبر استخدامها لمصطلح زالدمقرطةس وكأنها تبحث عن إدارة تعتنق بواسطتها بعض القيم الأساسية الخاصة بالثقافة الغربية.
وبمعنى أدق، يبدو أن الصينيين يصبون إلى رؤية صياغة مدولنة internationalized للمبادئ الرئيسية التي حركت الثورة الفرنسية، والتي تأرجحت آراؤهم حيالها طوال الفترة الماضية. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن مبادئ الأخوة والحرية والمساواة ألهمت أفكار الجيل الثوري الصيني الجديد خلال القرن العشرين. لكنه من جانب آخر، يبدو أن الغرب لم يفشل في تفادي اندلاع الحروب الاستنـزافية فحسب، بل إنه اتبع سياسات مزدوجة المعايير كلما دأب على تطبيق تلك المبادئ في الدول غير الأوروبية. ونظراً إلى أن الاتحاد الأوروبي يجسد أول تجربة ناجحة في مجال تطبيق هذه المبادئ على مستوى العلاقات بين الحكومات، فإنه ليس من المستغرب أن يلهم الاتحاد الأوروبي الجيل الجديد من القيادات الصينية التي تمثل امتداداً للماضي الثوري الصيني.
ومن منظور عملي، يمكن القول إن المساواة الدولية يمكن أن تشكل تعبيراً بديلاً للنظام متعدد الأقطاب، حيث إن الحرية الدولية تضمن على أقل تقدير حماية الاستقلالية الوطنية. أما مبدأ الأخوة الدولية فيستدعي تبني مقاربة تعددية تحكمها المعايير والأسس والقواعد الدولية، وكان هذا النموذج بالذات هو الذي تسعى الصين إلى تحقيقه منذ فترة حرب الأفيون لعام 1840. ولعل قبول الصين بالنظام العالمي القائم حالياً، وعلى الرغم من سيطرة الغرب عليه، يمكن أن يسهم على نحو كبير في توفير بيئة آمنة لتحقيق هدف النهوض السلمي.
إن الصين استغرقت مائة وستين عاماً لتتصالح مع نظام دولي تسبب في كثير من المعاناة لشعبها في الماضي، وهو النظام الذي شكل مصدراً أساسياً لصياغة توجهين اثنين من التوجهات الدبلوماسية الصينية، يتمثل أولهما في عدم الثقة في أي نظام دولي قائم سواء كان رئيسياً أو فرعياً. وبرز ذلك من خلال الوصف الذي أُطلق على الصين طوال فترة الحرب الباردة، إذ كانت توصف بدولة المجموعة الواحدة «G-One»، حيث كانت بكين تنتهج سياسة تسعى من ورائها إلى تحقيق أهدافها على نحو مســتقل، وذلك مع الحرص الدائم على حماية سيادتها الوطنية بغيرة شـديدة
.وللصين تجربة في ممارسة سياسات الأحادية أطول بكثير من تجربة الولايات المتحدة نفسها. فبكين لـم يسبق لها في الماضي أن آمنت بمبدأ التعددية، ناهيك عن الدخول في تحالفات معينة، وتمثلت تجربتها الوحيدة في مجال التحالفات في تحالفها مع الاتحاد السوفييتي، والذي انتهى بمواجهة مريرة بينهما.
أما التوجه الثاني فيتجسد في تبني الصين منهجية توصيف الآخر بـثنائية «الصديق أو العدو». ولم تفهم الصين قط عملية التكامل الأوروبي إلا في السنوات الأخيرة الماضية، لأن النموذج الدبلوماسي الغربي القائم على مبدأ التنازلات المتبادلة بهدف التوصل إلى تسوية ترضي جميع الأطراف المعنية لا يناسب الفكرة الشيوعية الصينية التي تتمحور حول تطبيق استراتيجية فاعلة في عالم تتسم سياساته بالثورية. كما أن الصين لم تكن لتفهم حتى وقت قريب الكيفية التي يعمل بها حلف شمال الأطلسي. ولم يكن يخطر ببال صناع السياسات ومؤسسات الفكر والرأي في الصين قبل حلول ربيع 2003 أن تصدعاً خطيراً يمكن أن يطرأ على منظومة التحالف الغربي. لكن الوضع انقلب اليوم رأساً على عقب، وأصبحت الولايات المتحدة، وليست الصين، هي القوة الثورية في العالم. فقد تراجعت الصين عن نظرتها إلى العالم بوصفها مملكة وسطى «Middle Kingdom» للعالم، وبدأت تشارك، بل وتبادر، بتأسيس منظمات متعددة الأطراف. وأصبحت الصين عضواً فاعلاً في منتدى منطقة جنوب شرق آسيا ASEAN Regional Forum (ARF)، كما أنها تُعتبر المؤسس الرئيسي لمنظمة شنغهاي للتعاون، وانضمت أخيراً إلى عضوية منظمة التجارة الدولية، ونشطت بشكل فعلي خلال السنوات الأخيرة كعضو فاعل وبـنّـاء في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. ويبدو بجلاء أن الصين اكتشفت المنافع الممكن استحصالها جراء اتباع منهجية التعامل مع الشؤون الدولية بحسب مجرياتها في عالم تسوده فوضى عارمة. وبدت القيادة الصينية مقتنعة بفضل إدراكها الجيو ـ سياسي بأن التوجه نحو الاندماج في إطار أورو ـ آسيوي أفضل وأكثر أمناً بالنسبة لسياستها الخارجية من التوجه نحو الاندماج في إطار المحيط الهادئ. فعلى مستوى منطقة الهادئ، هناك العديد من القضايا القابلة للانفجار في أي لحظة من اللحظات، مثل التنافس الاستراتيجي ـ حقيقياً كان أم متخيلاً ـ بين الولايات المتحدة والصين، إضافة إلى الأزمة التي تشهدها شبه الجزيرة الكورية، والهواجس التي تمثلها اليابان من خلال نهجها سياسات إعادة التسلح والسعي نحو لعب دور أكبر على المسرح الدولي. وأخيراً وليس آخراً المشكلة التايوانية المعقدة والمستمرة منذ زمن طويل.
وضمن هذا السياق السياسي تفضل الصين تشكيل جبهة شرقية تتداخل وتتفاعل بشكل قوي مع العالم الغربي. وسيكون من المهم بالنسبة للصين أن تتبع نهجاً سياسياً ينأى بها عن المواجهة، وذلك من أجل تفادي التورط في صراعات استراتيجية خطيرة. وسوف يعني هذا أن حدة الهواجس المرتبطة بالعلاقات الأمريكية ـ الصينية سوف تتراجع. وفي الواقع يمكن لهذه العلاقة الصعبة والمضطربة أن تتأسس على أرضية مستقرة. وعلى عكس ما كان عليه وضع ألمانيا في عهد القيصر ڤيلهلم Wilhelm، فإن بكين لا تسعى إلى
الحصول على موطئ قدم تحت الشمس، بل تهدف إلى تأمين مكان في الظل. وبهذا المعنى يبدو أن المنطقة الأورو ـ آسيوية من شأنها توفير فضاء من الظل لطالما سعت الصين من أجل ضمانه.
لكن، وللأسف عكفت الولايات المتحدة على تغيير المعايير والأسس الدولية بالقوة، في وقت تتجه فيه الصين نحو الاهتمام بجدية بالاندماج في النظام العالمي الحالي. وفي الوقت الذي أصبحت فيه الصين تتحول نحو تبني سياسات متعددة الأطراف، اختارت الولايات المتحدة النهج الأحادي. وتشير التوقعات إلى محدودية فرص تغيير السلوك الأمريكي الأحادي في المستقبل المنظور، وهو الأمر الذي ربما يدفع الصين إلى تصويب أنظارها في اتجاه الاتحاد الأوروبي. وتحتاج الصين بكل تأكيد إلى فضاء جيو ـ سياسي يجسد قلب العالم الذي حلم به ماكيندر، وذلك بغية تخفيف الضغوط الاستراتيجية النابعة من منطقة شرق المحيط الهادئ. ولا شك في أن مسألة مساعدة الصين على الاندماج سلمياً داخل إطار النظام العالمي تشكل تحدياً كبيراً بالنسبة للاتحاد الأوروبي. فبادئ ذي بدء لا بد للاتحاد الأوروبي من أن يرتب بيته الداخلي. ويجب على الاتحاد الأوروبي بوصفه لاعباً أساسياً على المسرح الدولي ونموذجاً يُفترض أن يُحتذى به في عالم القرن الحادي والعشرين ألاّ يفشل في السير بخطى حثيثة نحو تحقيق التقدم الدستوري المنشود. ولعل التحدي الايديولوجي يظل التحدي الأكبر. فقدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة نموذج بديل للولايات المتحدة في مجالي السياسة والعلاقات الخارجية تُعتبر مسألة أساسية من أجل تحديد طبيعة النظام الدولي في المستقبل. وتحدو الصين آمال وتوقعات كبيرة تجاه بعض الدول الأوروبية، وعلى وجه الخصوص فرنسا، وذلك لأن فرنسا وعلى الرغم من أنها قدمت للعـالم أول نمــوذج للتنوير الثقافي وما تولد عنه من آثار إيجابية في تــاريخ البشرية، إلا أن النموذج الفرنسي خلق مشكلات وكوارث عديدة. ومن الضـروري الحرص على تجنب إعادة إنتاج السلبيات التي أفرزها النموذج الفرنسي، مثل العنصرية والإقصائية الثقافية، في أي ثورة تنويرية جديدة يمكن أن ترى النور من رحم التكامل الأوروبي الجاري حالياً.
لا ريب في أن القيادة الصينية تأمل في أن تلعب فرنسا دوراً ريادياً مرة أخرى، بحيث تقدم للعالم هذه المرة ايديولوجية جديدة تحتضن تحت جناحيها ثقافتي الغرب والشرق معاً. وقد عبر الرئيس الصيني هو جينتاو Hu Jintaoبوضوح عن هذا الأمل في الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية الوطنية، حيث قال: «لقد أسهمت فرنسا بشكل كبير في تقدم الحضارة والبشرية. إن الثــــقافة الفرنســــية كنـز من شـأنه أن يفيد الثقافة الإنسانية بأكملها، لأنها ثقـــافة إبداعية وشمولية. وتلعب فرنسا دوراً مهماً في عالم اليوم، فهي تمتلك اقتصاداً متقدماً وتكنولوجيا متطورة وثقافة فريدة، هذا إضافة إلى تبنيها سياسات خارجية مستقلة». لعل نجاح اندماج الصين في إطار النظام العالمي سوف يكون واحداً من أهم وأعظم إنجازات القرن الحادي والعشرين. ومن الممكن أن تصبح المنظمة الأورو ـ آسيوية، التي كانت في السابق مصدراً لكثير من البؤس والشقاء، مُختـــــبراً جيو ـ سياســــياً قارياً يتــــعالى فوق عقلية التصنيفات الضيقة للخـــير والشر والقراءة الغربية أحادية المنظور للتاريخ. كما أنه من المؤكد أن الصين ستمثل إحدى أهم القوى المشاركة في هذا المختبر الجديد. وعلى الذين تنتابهم مشاعر الاستغراب إزاء هذا الطموح أن يستذكروا مقولة الفيلسوف النمساوي لودفيغ ڤيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein الشهيرة التي أطلقها في عام 1929، والتي جاء فيها: «عندما نفكر في مستقبل العالم، فنحن نهتم دائماً بالمحطة الأخيرة التي سيصل إليها عالمنا إذا ما استمر في السير في الاتجاه الراهن. بيد أننا لا ندرك أن خط السير ليس مستقيماً، بل هو يتعرج ويحول اتجاهاته باستمرار».
::/fulltext::
::cck::2072::/cck::
