الصورة والحرب: من الرسم بالكلمة إلى “عاصفة الصحراء”

::cck::2119::/cck::
::introtext::

من بين فصول حرب الخليج الثانية التي اندلعت في يناير من عام 1991 وأطلق عليها اسم “عاصفة الصحراء”، لا تزال ذاكرة العالم محتشدة باللقطات المتتابعة لطائرة “الشبح” الأمريكية، وهي تحلق طليقة في سماء العراق، دون أي اعتناء بالصواريخ المطاردة، أو بالأهداف المتحركة المراوغة. تلك الطلاقة، وذلك التحليق، الذي لم يهدأ طيلة أيام الحرب، كان يغطي تماما على ما يجري في أرض الواقع، في محاولة لحسم المعركة مبكرا عبر “الصورة”، التي جرفت أمامها، في الوقت نفسه، سيل الكلمات المسموعة والمقروءة التي تصف الحرب، وتسهب جاهدة في تبيان تفاصيل، لم يقطع أحد، إلى الآن، بدقتها.

 

::/introtext::
::fulltext::

من بين فصول حرب الخليج الثانية التي اندلعت في يناير من عام 1991 وأطلق عليها اسم “عاصفة الصحراء”، لا تزال ذاكرة العالم محتشدة باللقطات المتتابعة لطائرة “الشبح” الأمريكية، وهي تحلق طليقة في سماء العراق، دون أي اعتناء بالصواريخ المطاردة، أو بالأهداف المتحركة المراوغة. تلك الطلاقة، وذلك التحليق، الذي لم يهدأ طيلة أيام الحرب، كان يغطي تماما على ما يجري في أرض الواقع، في محاولة لحسم المعركة مبكرا عبر “الصورة”، التي جرفت أمامها، في الوقت نفسه، سيل الكلمات المسموعة والمقروءة التي تصف الحرب، وتسهب جاهدة في تبيان تفاصيل، لم يقطع أحد، إلى الآن، بدقتها.

ومع هذا الغموض المخطط له، بفعل نقص المعلومات الواردة من ميدان القتال، أتيح للولايات المتحدة الأمريكية أن توظف الصورة بعناية فائقة في كسب المعركة، إلى درجة حدت بالبعض إلى القول إن “سي. إن. إن”، التي ولدت على أكف حرب الخليج الثانية، هي المنتصر الأول، بل وصل الأمر بالأمين العام السابق للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي إلى وصف هذه المحطة التلفزيونية الإخبارية الشهيرة بأنها العضو السادس الذي امتلك حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي إبان تلك الحرب.

ورحلة الوصول إلى توظيف الصور المتحركة في الحرب تمثل ذروة لتجربة طويلة في العلاقة بين الرسم والدم، بدأت بتلك الرسومات المحفورة على جدران المعابد في مصر القديمة، للملوك وهم ذاهبين إلى ساحات القتال، تتقدمهم حراب مشرعة، وتتبعهم صفوف من الجند المدججين بالسلاح. ثم بدأت مرحلة الرسم بالكلمات، حين توصل البشر إلى حروف اللغة. فحفلت الملاحم اليونانية والقصائد الشعرية العربية بتصوير مكتوب للمعارك. وعبر هذا الإبداع الفني عرفنا حرب البلبونيز في اليونان القديمة، وكيف انتصر عسكر أسبرطة على جند أثينا، وصار لدينا خبر بحرب البسوس الطويلة بين قبائل عربية في العصر الجاهلي. وعلى المنوال نفسه صور الناس في بقاع الأرض قديما الحروب التي خاضوها، إما عدوانا على الغير أو دفاعا عن النفس والأرض والعرض، من خلال الكتابات النثرية والنظم الشعري، والتي لم تتجاوز حد الوصف أو الرسم بالكلمات، أي أنها في خاتمة المطاف، كانت تصويرا مكتوبا، يمجد الأنصار، ويحط من شأن الأعداء.

وخلال الحرب الأهلية الأمريكية كان الحفارون على الخشب والنحاس يرافقون المستوطنين من الهنود الحمر، في اتجاههم صوب الغرب، هربا من الإبادة، لينحتوا ما يرونه من معارك شرسة. وفي عام 1770 نحتوا صورا للمذبحة التي جرت في بوسطن. وفي القرن التاسع عشر، كان الرسامون يذهبون إلى ميادين القتال، باستخدام الدراجات الهوائية، ليقفوا على مشاهد واقعية، يعودون ويجسدونها عل مهل في لوحات تشهد على سير المعارك، وتؤرخ لها، على الأقل من الناحية الفنية. وكان بعضهم يرسل ما التقطه من صور معلقا في مناطيد تسبح في الهواء، أو بشر يسبحون في المياه الطليقة.

وفي حرب القرم بين روسيا وبريطانيا، التي اندلعت عام 1848 واستمرت حتى 1870، دخلت الكاميرا لأول مرة إلى ميدان القتال، بعد أن سمح لها العسكريون بتسجيل المعارك. ومنذ ذلك التاريخ صارت “آلة التصوير” جزءا لا يتجزأ من الحروب أينما وقعت. وللوهلة الأولى أظهرت لحظة الميلاد هذه أن المصورين الحربيين، فريقان، الأول يضم “سياح الحرب” الذين يتفرجون عليها من بعيد، ويسجلون بكاميراتهم ما راق لهم، أو ما أوعز إليهم، من مشاهد. أما الثاني فيضم أولئك الذين يقفون “ضد الحرب” لأنهم، من هول ما يرونه من فظائع، يرفضون قتل الإنسان لأخيه الإنسان، أيا كانت الأسباب أو المبررات.

واستمر التصوير بالحرف سنوات، حتى أنه رافق اختراع الكاميرا في مراحلها الأولى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، مارست قوات الحلفاء حربا نفسية على قوات المحور في الحرب العالمية الثانية، بإلقاء قوائم بالأطعمة التي يأكلها الجنود الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون ومن يقاتل في صفوفهم، على رؤوس الجند الألمان، خاصة في البقاع المحاصرة والجيوب المعزولة، أو التي كانت تعاني نقصا في الإمدادات الغذائية، وشملت هذه القوائم أسماء الأطعمة وصورا لها، مما كان له وقع سلبي في نفوس الألمان.

وأرادت إذاعة “بي. بي. سي” أن تنقل إلينا، عبر الصوت المجسم، صورا حية، من ميادين القتال، فاعتادت استضافة مراسليها المرافقين للصفوف الأمامية من فرقاء الحروب، ومسؤولين من الطرفين المتقاتلين، ومحللين متابعين للحرب عن كثب، وأحيانا فقرات مسموعة من المعركة، فكادت بذلك أن تحول الكلمات التي تصيخ لها الآذان سمعا إلى صور تقتحم العيون، وأن تجعل السمع حاسة كافية للوقوف على ما يجري.

في الوقت الراهن توجد أربعة أنواع من التصوير أثناء الحرب، يمكن ذكرها على النحو التالي:

أ ـ التصوير التلفزيوني أو السينمائي العادي، عن طريق كاميرا فيديو، والذي ينقل المشهد كاملا عبر الفضائيات، بما يجعل المشاهد، يتابع الحدث وكأنه يمتطي ظهر الدبابة المقتحمة، أو يطلق الصاروخ المتجه صوب الهدف، أو يقف وسط الحشد المتزاحم حول جثث القتلى المدنيين، أو حول البيوت المهدمة، والأمتعة المبعثرة، الممزوجة بالدم والأشلاء.

ب ـ أسلوب الـ Promotion، أو الفلاش التلفزيوني، وهو مجموعة من لقطات سريعة تظهر في 30 ثانية، لتعرض بعض المشاهد بطريقة فنية معينة. ج ـ التصوير الفوتوغرافي العادي، والذي قد يكون بكاميرا ديجتال أو عادية، وينقل صورا ثابتة، ملتقطة بعناية، يتم اختيار أكثرها دلالة في التعبير عن الحدث.

د ـ الصور المركبة، مثل تلك الصور التي استعملتها المخابرات الأمريكية “سي. آي. إيه” لمحاولة البرهنة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، والتي عرضها وزير الخارجية الأمريكي كولين باول على أعضاء مجلس الأمن الدولي، عبر شرائح إلكترونية، مستعملا كل ما تمكنت منه الاستخبارات الأمريكية من “الخداع بالصورة”، أي القيام بتحريف فني لصور واقعية، بما يخدم وجهة نظر العارض. لقد باتت الدعاية الموجهة إلى “العدو” أثناء سير المعارك وقبيل اندلاعها، جزءا أساسيا من “الجهد القتالي” لأي دولة محاربة. ويأخذ هذا النوع من الدعاية شكل “الحرب النفسية”، التي تبدو قذائف كلمات أو قصف صور، يتم انتقاؤها بوعي وقصد ملموسين، وتصاغ في جمل دقيقة، تحمل معاني محددة، تثير شكوك الأعداء في قدراتهم العسكرية وترهبهم من إمكانات الخصم، في العدد والعتاد، وتلقي في قلوبهم وعقولهم الريبة حيال قيادتهم، العسكرية والمدنية، وتفقدهم الثقة في عدالة المعركة التي يخوضونها، وفي أن النصر سيكون من نصيبهم يوما.

واعتادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تستخدم “الدعاية” التي تعتمد على “الصورة المتلقطة بعناية” و”الكلمة المختارة بوعي” في إرهاب خصومها وزعزعة ثقتهم بأنفسهم، مستفيدة من عطاءات “علم النفس الحربي”، الذي يرتبط أساسا بالتطبيقات النفسية ذات الصلة بالكفاءة القتالية والروح المعنوية، والقيادة وأنماطها، وكافة ما يتعلق بسلوك الجنود لبلوغهم أفضل عائد ممكن، في ضوء مختلف الشروط المختلفة التي تفرضها قدراتهم الخاصة، والمواقف الخارجية المفروضة عليهم.

وقد ترددت في الأيام الأولى لغزو العراق أنباء عن أن جزءا من الخطة العسكرية الأمريكية تقوم على احتلال مدينة البصرة، جنوبي البلاد، في الساعات الأولى للحرب البرية، وبعدها يتم بث صور ولقاءات متلفزة، تظهر أن العراقيين فرحين لشروع الأمريكيين في تخليصهم من صدام حسين وحزب البعث، وهي مسألة لم تحدث في البداية، بل واجه الغزاة صمودا قويا من القوات العراقية المدافعة عن وطنها. وتأجل ما كان يريده الأمريكيون إلى المشهد الأخير الذي جرى يوم التاسع من إبريل 2003 بسقوط بغداد، والذي كان يمثل خاتمة الفصل الأول من الحرب. ذلك المشهد وتلك الخاتمة مارست الصورة فيهما دورا كاسحا وقاهرا في الوقت نفسه. فلن تنسى الذاكرة مشهد سقوط التمثال البرونزي الضخم للرئيس العراقي صدام حسين ، الذي كان يقف متصلبا في منتصف ساحة الفردوس بقلب بغداد.

وتستعيد الأذهان في هذا الصدد ما حدث خلال الضربة العسكرية الأمريكية لحكومة طالبان في شهر أكتوبر من عام 2001.. فبعد ساعات قلائل من دخول القوات الأمريكية وحلفائها إلى العاصمة الأفغانية كابول راحت وسائل الإعلام الأمريكية، خاصة شبكة //سي. إن .إن// تنقل صورا تظهر فرحة الشعب الأفغاني برحيل طالبان، وإقباله على أداء طقوس معيشية تخالف تلك التي فرضتها عليه الحركة الإسلامية المتشددة، منها حلق اللحى وسماع الموسيقى ولعب كرة القدم .. الخ.

وطيلة أيام حرب الخليج الأخيرة كانت الصورة حاضرة بشدة، ولم يكن من الممكن تجبنها لخدمة أهداف الغزاة والعراقيين على حد سواء. فالبيانات العسكرية الأولية للأمريكيين، التي تم عرضها بمؤتمر صحفي بقاعدة “السيلية” في قطر، لم تكن مشفوعة بصور، ولذا لم تحظ بمصداقية لدى الإعلاميين، الذين أعطوا ظهورهم للأمريكيين في هذه اللحظة، وراحوا يتابعون بمزيد من الصدق، صورا عرضتها “قناة” الجزيرة، نقلا عن “الفضائية” العراقية، لجنود أسرى، وطائرات تجسس أمريكية، بدون طيار، محطمة على الأرض، وآليات وعربات مصفحة متفحمة، وفي المقابل مدنيين عراقيين غارقين في دمائهم بجوار أنقاض بيوتهم، أو تغص بهم أسرة المستشفيات، جراء الغارات الأمريكية ـ البريطانية.

ولم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أمام الدعاية العراقية، التي أعطتها الصورة مصداقية، بل راحت تستخدم قناتي “سي. إن. إن” و”فوكس” ومحطات أخرى في إضفاء طابع أخلاقي على هذه الحرب، غير المشروعة، عبر صور مضادة لمواطنين عراقيين يعانون من عوز شديد إلى الطعام والماء، ويتسلمون في تلهف مواد الإغاثة، التي نقلتها الشاحنات من الكويت إلى قرى ومدن العراق الجنوبية، بعد أن توغلت القوات الغازية صوب بغداد. ثم استخدمت الولايات المتحدة صورا لأقنعة واقية من الأسلحة الكيماوية، ادعت أنها عثرت عليها في أحد مخازن الجيش العراقي، للتدليل على أن العراق يمتلك مثل هذه الأسلحة، وهي الذريعة التي ساقتها واشنطن وحلفاؤها لشن الحرب، والتي ثبت كذبها. بل إن المسؤولين الأمريكيين، الذين اعتبروا عرض العراق للأسرى عملا غير أخلاقي، لم يلبثوا أن استخدموا صورا متلفزة لعملية تحرير الأسرى، خاصة المجندة جيسكيا، ليحسنوا صورة الجندي الأمريكي، في وقت كان الصمود العراقي قد نال منها.

وبعد سقوط بغداد استخدمت المقاومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية “حرب الصور” على نطاق واسع، الأولى لتدلل على شراستها وإصرارها على إخراج المحتل من العراق، والثانية لتبرهن على قوتها، من جهة، ومحاولة إثبات أن الشعب العراقي بات سعيدا بسقوط نظام صدام حسين من جهة ثانية. وهنا ظهرت صور الخبراء الأمريكيين وقد علقت المقاومة جثثهم المتفحمة في أعمدة الكهرباء، وقبلها صورة الحفرة التي كان يختبئ بها صدام، وحالته أثناء القبض عليه، وقد بدا كمتسول في محطة باصات، حسبما وصفته إحدى الصحف البريطانية، وصورة جورج بوش وهو يمسك بيده “ديك رومي” ليحتفل مع جنوده في العراق بعيد الشكر، ثم صورة الأسير الأمريكي وقد غلت يداه ورجلاه، استعدادا لقتله بالسيف، وفوق الجميع صورة السجناء العراقيين، أثناء تعذيبهم وإجبارهم على ممارسة الجنس الجماعي بسجن أبو غريب، وهي الصورة التي تكررت مع رهائن من دول عدة، اتهمتهم المقاومة العراقية بمساعدة قوات الاحتلال.

لعل الحالة العراقية، تقدم صورة قريبة وواضحة لكيفية استخدام الصورة في الحرب، لكنها ليست المرة الأولى في تاريخ العرب المعاصر، الذي تلعب الصورة دورا كبيرا في سير الأحداث. هنا يستحضر الذهن صورتين مهمتين، الأولى كانت للشهيد محمد الدرة، ووالده يحاول، من دون جدوى، أن يحميه بجسده النحيل من رصاصات إسرائيلية غادرة. وقد هزت هذه الصورة ضمير العالم، فالتفت إلى جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين. والثانية لصبية صوماليين يلعبون الكرة برأس جندي أمريكي في أحد ساحات مقديشيو. وقد هاج الشعب الأمريكي لتلك الصورة، التي بثتها “سي. إن. إن” ضد الحكومة الأمريكية فاضطرت إلى سحب قواتها من الصومال.

وهناك التجربة الفريدة، التي مارسها حزب الله اللبناني، في استخدام الصورة بعناية فائقة ضد العدو الإسرائيلي. ويرسم حمد دبوق” ، أحد مصوري حزب الله ، والذي شارك في تصوير العديد من العمليات العسكرية من 1986 حتى 2002، ملامح هذه التجربة قائلا: ” ربما تقتل جنديًّا ما، بينما الصورة التي تنقلها الكاميرا التلفزيونية تقتل آلافا بل الملايين من الإسرائيليين، وتهزمهم نفسيًّا في المستوطنات والثكنات العسكرية … المقاتل هو الذي يحمل البندقية ويطلق الرصاص على الجندي الإسرائيلي، أما نحن حاملو الكاميرا نطلق الرصاص على كل المجتمع الإسرائيلي”.

على وجه العموم، لا يكون متاحا للمصورين في الحروب أن ينقلوا للناس كل ما يلتقطونه، فالرقابة العسكرية تقف لهم بالمرصاد، لتحول، تحت لافتة السرية، دون وصول المعلومات المصورة كاملة إلى الجماهير. وهاهو أحد مصوري صحيفة “ديلي ميل” البريطانية يعبر عن هذا الموقف، حين منعته السلطات العسكرية البريطانية من تصوير حرب الفوكلاند عام 1982، بقوله: “تصور إنها حرب، ولا يسمح لأحد بالذهاب إلى هناك”.

أما أحد مصوري حرب فيتنام، فيعبر ببلاغة ناصعة عن سياسة التقييد على حرية التصوير هذه، إلى جانب الدور الكبير الذي تلعبه الصورة في سير المعارك بقوله: “لو كنا في وضع يمكننا من طبع الصور التي التقطناها لما جرى في الحرب ما جري من إبادة للمدنيين، وكان بالإمكان إنقاذ الملايين من البشر”.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2119::/cck::
::introtext::

من بين فصول حرب الخليج الثانية التي اندلعت في يناير من عام 1991 وأطلق عليها اسم “عاصفة الصحراء”، لا تزال ذاكرة العالم محتشدة باللقطات المتتابعة لطائرة “الشبح” الأمريكية، وهي تحلق طليقة في سماء العراق، دون أي اعتناء بالصواريخ المطاردة، أو بالأهداف المتحركة المراوغة. تلك الطلاقة، وذلك التحليق، الذي لم يهدأ طيلة أيام الحرب، كان يغطي تماما على ما يجري في أرض الواقع، في محاولة لحسم المعركة مبكرا عبر “الصورة”، التي جرفت أمامها، في الوقت نفسه، سيل الكلمات المسموعة والمقروءة التي تصف الحرب، وتسهب جاهدة في تبيان تفاصيل، لم يقطع أحد، إلى الآن، بدقتها.

 

::/introtext::
::fulltext::

من بين فصول حرب الخليج الثانية التي اندلعت في يناير من عام 1991 وأطلق عليها اسم “عاصفة الصحراء”، لا تزال ذاكرة العالم محتشدة باللقطات المتتابعة لطائرة “الشبح” الأمريكية، وهي تحلق طليقة في سماء العراق، دون أي اعتناء بالصواريخ المطاردة، أو بالأهداف المتحركة المراوغة. تلك الطلاقة، وذلك التحليق، الذي لم يهدأ طيلة أيام الحرب، كان يغطي تماما على ما يجري في أرض الواقع، في محاولة لحسم المعركة مبكرا عبر “الصورة”، التي جرفت أمامها، في الوقت نفسه، سيل الكلمات المسموعة والمقروءة التي تصف الحرب، وتسهب جاهدة في تبيان تفاصيل، لم يقطع أحد، إلى الآن، بدقتها.

ومع هذا الغموض المخطط له، بفعل نقص المعلومات الواردة من ميدان القتال، أتيح للولايات المتحدة الأمريكية أن توظف الصورة بعناية فائقة في كسب المعركة، إلى درجة حدت بالبعض إلى القول إن “سي. إن. إن”، التي ولدت على أكف حرب الخليج الثانية، هي المنتصر الأول، بل وصل الأمر بالأمين العام السابق للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي إلى وصف هذه المحطة التلفزيونية الإخبارية الشهيرة بأنها العضو السادس الذي امتلك حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي إبان تلك الحرب.

ورحلة الوصول إلى توظيف الصور المتحركة في الحرب تمثل ذروة لتجربة طويلة في العلاقة بين الرسم والدم، بدأت بتلك الرسومات المحفورة على جدران المعابد في مصر القديمة، للملوك وهم ذاهبين إلى ساحات القتال، تتقدمهم حراب مشرعة، وتتبعهم صفوف من الجند المدججين بالسلاح. ثم بدأت مرحلة الرسم بالكلمات، حين توصل البشر إلى حروف اللغة. فحفلت الملاحم اليونانية والقصائد الشعرية العربية بتصوير مكتوب للمعارك. وعبر هذا الإبداع الفني عرفنا حرب البلبونيز في اليونان القديمة، وكيف انتصر عسكر أسبرطة على جند أثينا، وصار لدينا خبر بحرب البسوس الطويلة بين قبائل عربية في العصر الجاهلي. وعلى المنوال نفسه صور الناس في بقاع الأرض قديما الحروب التي خاضوها، إما عدوانا على الغير أو دفاعا عن النفس والأرض والعرض، من خلال الكتابات النثرية والنظم الشعري، والتي لم تتجاوز حد الوصف أو الرسم بالكلمات، أي أنها في خاتمة المطاف، كانت تصويرا مكتوبا، يمجد الأنصار، ويحط من شأن الأعداء.

وخلال الحرب الأهلية الأمريكية كان الحفارون على الخشب والنحاس يرافقون المستوطنين من الهنود الحمر، في اتجاههم صوب الغرب، هربا من الإبادة، لينحتوا ما يرونه من معارك شرسة. وفي عام 1770 نحتوا صورا للمذبحة التي جرت في بوسطن. وفي القرن التاسع عشر، كان الرسامون يذهبون إلى ميادين القتال، باستخدام الدراجات الهوائية، ليقفوا على مشاهد واقعية، يعودون ويجسدونها عل مهل في لوحات تشهد على سير المعارك، وتؤرخ لها، على الأقل من الناحية الفنية. وكان بعضهم يرسل ما التقطه من صور معلقا في مناطيد تسبح في الهواء، أو بشر يسبحون في المياه الطليقة.

وفي حرب القرم بين روسيا وبريطانيا، التي اندلعت عام 1848 واستمرت حتى 1870، دخلت الكاميرا لأول مرة إلى ميدان القتال، بعد أن سمح لها العسكريون بتسجيل المعارك. ومنذ ذلك التاريخ صارت “آلة التصوير” جزءا لا يتجزأ من الحروب أينما وقعت. وللوهلة الأولى أظهرت لحظة الميلاد هذه أن المصورين الحربيين، فريقان، الأول يضم “سياح الحرب” الذين يتفرجون عليها من بعيد، ويسجلون بكاميراتهم ما راق لهم، أو ما أوعز إليهم، من مشاهد. أما الثاني فيضم أولئك الذين يقفون “ضد الحرب” لأنهم، من هول ما يرونه من فظائع، يرفضون قتل الإنسان لأخيه الإنسان، أيا كانت الأسباب أو المبررات.

واستمر التصوير بالحرف سنوات، حتى أنه رافق اختراع الكاميرا في مراحلها الأولى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، مارست قوات الحلفاء حربا نفسية على قوات المحور في الحرب العالمية الثانية، بإلقاء قوائم بالأطعمة التي يأكلها الجنود الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون ومن يقاتل في صفوفهم، على رؤوس الجند الألمان، خاصة في البقاع المحاصرة والجيوب المعزولة، أو التي كانت تعاني نقصا في الإمدادات الغذائية، وشملت هذه القوائم أسماء الأطعمة وصورا لها، مما كان له وقع سلبي في نفوس الألمان.

وأرادت إذاعة “بي. بي. سي” أن تنقل إلينا، عبر الصوت المجسم، صورا حية، من ميادين القتال، فاعتادت استضافة مراسليها المرافقين للصفوف الأمامية من فرقاء الحروب، ومسؤولين من الطرفين المتقاتلين، ومحللين متابعين للحرب عن كثب، وأحيانا فقرات مسموعة من المعركة، فكادت بذلك أن تحول الكلمات التي تصيخ لها الآذان سمعا إلى صور تقتحم العيون، وأن تجعل السمع حاسة كافية للوقوف على ما يجري.

في الوقت الراهن توجد أربعة أنواع من التصوير أثناء الحرب، يمكن ذكرها على النحو التالي:

أ ـ التصوير التلفزيوني أو السينمائي العادي، عن طريق كاميرا فيديو، والذي ينقل المشهد كاملا عبر الفضائيات، بما يجعل المشاهد، يتابع الحدث وكأنه يمتطي ظهر الدبابة المقتحمة، أو يطلق الصاروخ المتجه صوب الهدف، أو يقف وسط الحشد المتزاحم حول جثث القتلى المدنيين، أو حول البيوت المهدمة، والأمتعة المبعثرة، الممزوجة بالدم والأشلاء.

ب ـ أسلوب الـ Promotion، أو الفلاش التلفزيوني، وهو مجموعة من لقطات سريعة تظهر في 30 ثانية، لتعرض بعض المشاهد بطريقة فنية معينة. ج ـ التصوير الفوتوغرافي العادي، والذي قد يكون بكاميرا ديجتال أو عادية، وينقل صورا ثابتة، ملتقطة بعناية، يتم اختيار أكثرها دلالة في التعبير عن الحدث.

د ـ الصور المركبة، مثل تلك الصور التي استعملتها المخابرات الأمريكية “سي. آي. إيه” لمحاولة البرهنة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، والتي عرضها وزير الخارجية الأمريكي كولين باول على أعضاء مجلس الأمن الدولي، عبر شرائح إلكترونية، مستعملا كل ما تمكنت منه الاستخبارات الأمريكية من “الخداع بالصورة”، أي القيام بتحريف فني لصور واقعية، بما يخدم وجهة نظر العارض. لقد باتت الدعاية الموجهة إلى “العدو” أثناء سير المعارك وقبيل اندلاعها، جزءا أساسيا من “الجهد القتالي” لأي دولة محاربة. ويأخذ هذا النوع من الدعاية شكل “الحرب النفسية”، التي تبدو قذائف كلمات أو قصف صور، يتم انتقاؤها بوعي وقصد ملموسين، وتصاغ في جمل دقيقة، تحمل معاني محددة، تثير شكوك الأعداء في قدراتهم العسكرية وترهبهم من إمكانات الخصم، في العدد والعتاد، وتلقي في قلوبهم وعقولهم الريبة حيال قيادتهم، العسكرية والمدنية، وتفقدهم الثقة في عدالة المعركة التي يخوضونها، وفي أن النصر سيكون من نصيبهم يوما.

واعتادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تستخدم “الدعاية” التي تعتمد على “الصورة المتلقطة بعناية” و”الكلمة المختارة بوعي” في إرهاب خصومها وزعزعة ثقتهم بأنفسهم، مستفيدة من عطاءات “علم النفس الحربي”، الذي يرتبط أساسا بالتطبيقات النفسية ذات الصلة بالكفاءة القتالية والروح المعنوية، والقيادة وأنماطها، وكافة ما يتعلق بسلوك الجنود لبلوغهم أفضل عائد ممكن، في ضوء مختلف الشروط المختلفة التي تفرضها قدراتهم الخاصة، والمواقف الخارجية المفروضة عليهم.

وقد ترددت في الأيام الأولى لغزو العراق أنباء عن أن جزءا من الخطة العسكرية الأمريكية تقوم على احتلال مدينة البصرة، جنوبي البلاد، في الساعات الأولى للحرب البرية، وبعدها يتم بث صور ولقاءات متلفزة، تظهر أن العراقيين فرحين لشروع الأمريكيين في تخليصهم من صدام حسين وحزب البعث، وهي مسألة لم تحدث في البداية، بل واجه الغزاة صمودا قويا من القوات العراقية المدافعة عن وطنها. وتأجل ما كان يريده الأمريكيون إلى المشهد الأخير الذي جرى يوم التاسع من إبريل 2003 بسقوط بغداد، والذي كان يمثل خاتمة الفصل الأول من الحرب. ذلك المشهد وتلك الخاتمة مارست الصورة فيهما دورا كاسحا وقاهرا في الوقت نفسه. فلن تنسى الذاكرة مشهد سقوط التمثال البرونزي الضخم للرئيس العراقي صدام حسين ، الذي كان يقف متصلبا في منتصف ساحة الفردوس بقلب بغداد.

وتستعيد الأذهان في هذا الصدد ما حدث خلال الضربة العسكرية الأمريكية لحكومة طالبان في شهر أكتوبر من عام 2001.. فبعد ساعات قلائل من دخول القوات الأمريكية وحلفائها إلى العاصمة الأفغانية كابول راحت وسائل الإعلام الأمريكية، خاصة شبكة //سي. إن .إن// تنقل صورا تظهر فرحة الشعب الأفغاني برحيل طالبان، وإقباله على أداء طقوس معيشية تخالف تلك التي فرضتها عليه الحركة الإسلامية المتشددة، منها حلق اللحى وسماع الموسيقى ولعب كرة القدم .. الخ.

وطيلة أيام حرب الخليج الأخيرة كانت الصورة حاضرة بشدة، ولم يكن من الممكن تجبنها لخدمة أهداف الغزاة والعراقيين على حد سواء. فالبيانات العسكرية الأولية للأمريكيين، التي تم عرضها بمؤتمر صحفي بقاعدة “السيلية” في قطر، لم تكن مشفوعة بصور، ولذا لم تحظ بمصداقية لدى الإعلاميين، الذين أعطوا ظهورهم للأمريكيين في هذه اللحظة، وراحوا يتابعون بمزيد من الصدق، صورا عرضتها “قناة” الجزيرة، نقلا عن “الفضائية” العراقية، لجنود أسرى، وطائرات تجسس أمريكية، بدون طيار، محطمة على الأرض، وآليات وعربات مصفحة متفحمة، وفي المقابل مدنيين عراقيين غارقين في دمائهم بجوار أنقاض بيوتهم، أو تغص بهم أسرة المستشفيات، جراء الغارات الأمريكية ـ البريطانية.

ولم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أمام الدعاية العراقية، التي أعطتها الصورة مصداقية، بل راحت تستخدم قناتي “سي. إن. إن” و”فوكس” ومحطات أخرى في إضفاء طابع أخلاقي على هذه الحرب، غير المشروعة، عبر صور مضادة لمواطنين عراقيين يعانون من عوز شديد إلى الطعام والماء، ويتسلمون في تلهف مواد الإغاثة، التي نقلتها الشاحنات من الكويت إلى قرى ومدن العراق الجنوبية، بعد أن توغلت القوات الغازية صوب بغداد. ثم استخدمت الولايات المتحدة صورا لأقنعة واقية من الأسلحة الكيماوية، ادعت أنها عثرت عليها في أحد مخازن الجيش العراقي، للتدليل على أن العراق يمتلك مثل هذه الأسلحة، وهي الذريعة التي ساقتها واشنطن وحلفاؤها لشن الحرب، والتي ثبت كذبها. بل إن المسؤولين الأمريكيين، الذين اعتبروا عرض العراق للأسرى عملا غير أخلاقي، لم يلبثوا أن استخدموا صورا متلفزة لعملية تحرير الأسرى، خاصة المجندة جيسكيا، ليحسنوا صورة الجندي الأمريكي، في وقت كان الصمود العراقي قد نال منها.

وبعد سقوط بغداد استخدمت المقاومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية “حرب الصور” على نطاق واسع، الأولى لتدلل على شراستها وإصرارها على إخراج المحتل من العراق، والثانية لتبرهن على قوتها، من جهة، ومحاولة إثبات أن الشعب العراقي بات سعيدا بسقوط نظام صدام حسين من جهة ثانية. وهنا ظهرت صور الخبراء الأمريكيين وقد علقت المقاومة جثثهم المتفحمة في أعمدة الكهرباء، وقبلها صورة الحفرة التي كان يختبئ بها صدام، وحالته أثناء القبض عليه، وقد بدا كمتسول في محطة باصات، حسبما وصفته إحدى الصحف البريطانية، وصورة جورج بوش وهو يمسك بيده “ديك رومي” ليحتفل مع جنوده في العراق بعيد الشكر، ثم صورة الأسير الأمريكي وقد غلت يداه ورجلاه، استعدادا لقتله بالسيف، وفوق الجميع صورة السجناء العراقيين، أثناء تعذيبهم وإجبارهم على ممارسة الجنس الجماعي بسجن أبو غريب، وهي الصورة التي تكررت مع رهائن من دول عدة، اتهمتهم المقاومة العراقية بمساعدة قوات الاحتلال.

لعل الحالة العراقية، تقدم صورة قريبة وواضحة لكيفية استخدام الصورة في الحرب، لكنها ليست المرة الأولى في تاريخ العرب المعاصر، الذي تلعب الصورة دورا كبيرا في سير الأحداث. هنا يستحضر الذهن صورتين مهمتين، الأولى كانت للشهيد محمد الدرة، ووالده يحاول، من دون جدوى، أن يحميه بجسده النحيل من رصاصات إسرائيلية غادرة. وقد هزت هذه الصورة ضمير العالم، فالتفت إلى جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين. والثانية لصبية صوماليين يلعبون الكرة برأس جندي أمريكي في أحد ساحات مقديشيو. وقد هاج الشعب الأمريكي لتلك الصورة، التي بثتها “سي. إن. إن” ضد الحكومة الأمريكية فاضطرت إلى سحب قواتها من الصومال.

وهناك التجربة الفريدة، التي مارسها حزب الله اللبناني، في استخدام الصورة بعناية فائقة ضد العدو الإسرائيلي. ويرسم حمد دبوق” ، أحد مصوري حزب الله ، والذي شارك في تصوير العديد من العمليات العسكرية من 1986 حتى 2002، ملامح هذه التجربة قائلا: ” ربما تقتل جنديًّا ما، بينما الصورة التي تنقلها الكاميرا التلفزيونية تقتل آلافا بل الملايين من الإسرائيليين، وتهزمهم نفسيًّا في المستوطنات والثكنات العسكرية … المقاتل هو الذي يحمل البندقية ويطلق الرصاص على الجندي الإسرائيلي، أما نحن حاملو الكاميرا نطلق الرصاص على كل المجتمع الإسرائيلي”.

على وجه العموم، لا يكون متاحا للمصورين في الحروب أن ينقلوا للناس كل ما يلتقطونه، فالرقابة العسكرية تقف لهم بالمرصاد، لتحول، تحت لافتة السرية، دون وصول المعلومات المصورة كاملة إلى الجماهير. وهاهو أحد مصوري صحيفة “ديلي ميل” البريطانية يعبر عن هذا الموقف، حين منعته السلطات العسكرية البريطانية من تصوير حرب الفوكلاند عام 1982، بقوله: “تصور إنها حرب، ولا يسمح لأحد بالذهاب إلى هناك”.

أما أحد مصوري حرب فيتنام، فيعبر ببلاغة ناصعة عن سياسة التقييد على حرية التصوير هذه، إلى جانب الدور الكبير الذي تلعبه الصورة في سير المعارك بقوله: “لو كنا في وضع يمكننا من طبع الصور التي التقطناها لما جرى في الحرب ما جري من إبادة للمدنيين، وكان بالإمكان إنقاذ الملايين من البشر”.

::/fulltext::
::cck::2119::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *