مجلس التعاون..العراق..إيران: “هويات” حائرة في عالم مضطرب

::cck::2214::/cck::
::introtext::

“لست قومياًَ أو بعثياًَ درس في مصر أو في بلاد الشام حتى أناصر دعوات العراق “العروبية” ضد الجارة المسلمة والشقيقة، إيران، ولا “أصوليا إسلاميا” ثوري الهوى درس في إيران، حتى أتحمس للاصطفاف إلى جانب إيران الأيديولوجية النزعة والمنهاج. بل أنا مواطن خليجي ينتمي إلى هذه الأرض العمانية “المتوسطية” الهوى والهوية أرى في العراق وإيران بمثابة عيني الخليج اللتين ينبغي لنا، نحن هنا في مجلس التعاون، النظر بهما إلى العالم بكل واقعية ولا يجوز لنا مطلقا أن نفقأ إحداهما لصالح الأخرى أو على حساب الأخرى”.

::/introtext::
::fulltext::

“لست قومياًَ أو بعثياًَ درس في مصر أو في بلاد الشام حتى أناصر دعوات العراق “العروبية” ضد الجارة المسلمة والشقيقة، إيران، ولا “أصوليا إسلاميا” ثوري الهوى درس في إيران، حتى أتحمس للاصطفاف إلى جانب إيران الأيديولوجية النزعة والمنهاج. بل أنا مواطن خليجي ينتمي إلى هذه الأرض العمانية “المتوسطية” الهوى والهوية أرى في العراق وإيران بمثابة عيني الخليج اللتين ينبغي لنا، نحن هنا في مجلس التعاون، النظر بهما إلى العالم بكل واقعية ولا يجوز لنا مطلقا أن نفقأ إحداهما لصالح الأخرى أو على حساب الأخرى”.

هذا ما قاله لي رجل عماني كبير من رجالات مطبخ صناعة القرار السلطاني العماني في أوائل تسعينات القرن الماضي وهو يشرح لي السياسة الخارجية للسلطنة التي تميزت، وتمايزت، الى حد ما عن سائر شقيقاتها الخليجيات الخمس الأخريات سواء بخصوص الموقف من الحرب العراقية على إيران في بداية الثمانينات أو حرب غزو الكويت واجتياحها على يد نظام صدام حسين المخلوع أو حرب إخراج القوات العراقية منها على يد الأمريكيين أو الحرب الأمريكية – البريطانية الأخيرة على العراق.

لم تأخذهم ” العصبية ” القومية بعيدا حتى يجحفوا بالقول والفعل مع جيرانهم فيتم تصنيفهم في خانة ” المفرطين “، ويضطرون لتبرير كل أفعال ابن جلدتهم ثم يقعون في شبهة ” الساكت عن الحق شيطان أخرس “! كذلك لم تأخذهم “الحماسة” الثورية الأيديولوجية لجارتهم التي يشعرون بدين عميق تجاهها لنجدتها إياهم في زمن الثورة “الشيوعية” الظفارية فيقفون معها باعتبارها المظلومة في تلك المعادلة المجحفة حتى لا يظهروا وقد صنفوا في خانة “المفرطين” بالبعد القومي والعروبي للأمة التي ينتمون إليها فيصبحون وكأنهم قد وقعوا في “شبهة الخيانة القومية” !  أعرف أن ذلك لم يكن مرضياًَ للعراق، كما لم يكن مرضيا لإيران أيضاًَ، لكنهم – أي العمانيون – كانوا يفكرون بالدرجة الأولى بمصالحهم الوطنية أولاًَ و بالأبعاد الاستراتيجية ثاقبة النظر لرؤيتهم تلك ثانياًَ، وهو تقدير للموقف قد يكون في حينه ليس هو المطلوب بالتمام والكمال وكما يجب أن يكون، لكن القدر المتيقن منه أنه كان الأكثر ملامسة للواقع والأقل ضرراًَ لعمان ودول مجلس التعاون وللعراق وإيران من غيره من المواقف التي “تحمست” أو”انغمست” أو”طحنت” في حروب إقليمية ذات طابع عبثي لم تخدم سوى أطماع قوى الهيمنة والسيطرة على ثروات ومقدرات شعوب ودول الإقليم الغنية بالبترول والغاز والطاقة البشرية التي لا تعوض بسهولة، والتي تأتي الأحداث الراهنة لتثبت مدى”حكمية” ذلك الموقف العماني وتوازنه ومدى”تفريطية” سواه.

أردت من هذه المقدمة الانطلاق لمناقشة الموقف العام لدول مجلس التعاون من كل من ” المسألة العراقية” وإيران وأدخل مباشرة في صلب الموضوع  لأقول مضيفاًَ على “حكمة” ذلك العماني إنه: كما أن العراق وإيران هما عينا دول مجلس التعاون التي من خلالهما ينظرون إلى العالم القاري شمالاً. فإنهما قد يكونان الجناحان الواقعيان اللذان من دونهما قد لا تتوفر مطلقا فرص “الطيران” الحقيقي والواقعي لهذا التكتل الخليجي الفتي مهما نما وعلا وارتقى في العلم والمال والتكنولوجيا. وقولي هذا ليس من باب الشعر أو النثر الجميل أوالأمنيات والآمال، وإن كانت ليست محرمة أوعيباًَ على الشباب، كما يقول المثل الإيراني الشائع، لكن أقوله من باب الخبرة والإطلاع والتجربة الطويلة مع هذا الملف الشائك المتعدد الأوجه والأخاديد والهموم والاهتمامات والقنوات والمستويات، وإليكم بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاًَ: ألم يكن بالإمكان احتضان الثورة و”الدولة” الإيرانية الوليدة وتحمل ارتجاجاتها “الثورية” الداخلية بالأساس واحتسابها رقماًَ يضاف الى حسابات العرب وهي التي أعلنت قطعا مع “الغرب” الاستعماري المستبد الذي حاول استغلالها لعقود ضد جيرانها بمثابة “شرطي” كما هو معروف، فيما قرر قادة الجمهورية الوليدة القطع مع ذلك “السيد” وإعلان “التوأمة” مع فلسطين قضية العرب المركزية والمسلمين؟

ثانياًَ: ألم يكن بالإمكان التقليل – ان لم يكن الوقف الكامل ممكناًَ- من غلواء العصبوية البعثية “الصدامية” وعدم مسايرة تحريضه الحربي المستمر ضد هذه الدولة والثورة الناشئتين حتى نجنب المنطقة حروباًَ عبثية متتالية كنا في أحوج ما نكون فيها إلى البناء والتنمية الشاملة للأرض والإنسان؟

ثالثاًَ: ألم يكن ممكناًَ احتضان قوى “التغيير” والمعارضة العراقية بأطيافها المختلفة وما مثلت من مكونات شعبية حقيقية مقموعة بل و”مطحونة” على كل المستويات والصور التي يمكن تصورها، مبكرا وقبل أن يأتي “الطوفان” من الخارج فيطيح، ليس فقط بالطاغية الذي وكأننا اكتشفناه بين آثار سومروبابل، ونحاول أن نتعامل مع تداعياته اليوم وكأنه من فصول تاريخية ” قديمة” رحلت و”انقضى” تأثيرها في حال العراق وأحوالنا جميعاًَ، بل ويحاول – أي هذا الطوفان – الإطاحة بما تبقى من مما نعات ومقاومات وأسس ارتكازية لهذه الأمة التي ننتمي إليها بفخر واعتزاز؟  أطرح هذه الأسئلة الثلاثة المركزية وأنا أعرف جيدا أن ما وراء كل واحد منها الكثير الكثير مما قد يقال لها أو عليها عند الإجابة عنها حتى قد يصل الجواب الشافي إلى مجلدات.

لكن ما نريد أن نستعبر منه هو حالنا الآن فأقول وأيضاًَ بالإجمال:

أولاًَ: إن مجلس التعاون الخليجي الذي تشكل أو تأسس في أوائل الثمانينات بناء على ظروف وحيثيات معينة خاصة بذلك الزمان ، بات اليوم على مفترق طرق صعبة وشائكة عليه أن يحسم خياراته فيها قبل فوات الأوان، فإنما عليه أن يواجه التفكك والتصدع مع التعثر المستمر في مسيرته التكاملية التي يتمناها له القائمون عليه، وهو ما لا يحمد عقباه بتاتا في ظل الهجمة والهيمنة الاستعمارية على كل ما هو “جامع” والدعوات المتحمسة لكل ما هو مفرق من “هويات” تجزيئية، وإما أن يعاد تشكيل “هوية” جديدة له من خلال إدخال كل من العراق وإيران واليمن إليه وإن على مراحل وبآليات متعددة ومتنوعة، ذلك لأن القادم أقوى بكثير من قدرات “قومية” هنا أو “قومية” هناك، مما يتطلب الإسناذ الحقيقي للقوميات والأعراق والمذاهب بتكتلات إضافية وليس بـ” تفكيك” ما عندنا أو بـ” تحنيطه”

ثانياًَ: إن النظرة التقليدية لإيران يجب أن تتغير وبناء على المعلومة الحقيقية والمصلحة الحقيقية والقاسم المشترك والجامع المشترك والسعي الدؤوب لحل كل المسائل العالقة القديمة أو المسائل التي قد ” تفرز” نتيجة التحولات الطبيعية أو ” تُخلق” بسبب حرب ” الهويات ” الكبرى المفتوحة ضدنا من قبل المهيمنين وطلاب الحروب وتجار العنف والعنف المضاد، على قاعدة الحوار والحوار الشفاف والمصارحة والمكاشفة الحقيقية بما لنا وما علينا – كل من جانبه- وعدم فتح أي ثغرة لدخول رياح ” التغيير ” الأجنبية القادمة من بعيد لتلعب في مصائرنا أو عقولنا أو مقدراتنا بحجة عجزنا أو تخلفنا أو عدم مواكبتنا لمعايير التقدم والرقي!

ثالثاًَ: من المهم عدم السماح لأحد باللعب بالكيانات أو الطوائف أو الأعراق أو الهويات، بل وحتى الأسماء تحت أي ذريعة كانت، لأنها قد تكون مقدمة لحروب أهلية أو قومية أو مذهبية وطائفية قد لا يعرف أحد مدى أخطارها.

وهنا بالذات أريد أن أفصِّل بعض الشيء، وأصرح ولا أكتفي بالتلميح، وأبدأ من العراق حيث اللعب بالكيان والمكونات يجري على نار حامية، فأقول: إن من واجب مجلس التعاون الخليجي ومعه كل دول الجوار العراقي الإسراع والتعجيل في إرسال الإشارات مدعومة بالممارسات التي تطمئن الأكثرية الشعبية العراقية – التي تقول إنها شيعية عربية وهذا من حقها أن تعبر عن نفسها كما هي ترى نفسها لا كما نحب أو نرغب لها أن تكون – بأن عهد القمع والقهر والتمييز”الطائفي” لن يعود، وولَّى إلى الأبد، لأنه في غير ذلك فإن خطر بروز أو تبلور تيار ” شيعي ” متحالف مع أمريكا، بل ومع إسرائيل على حساب العرب والمسلمين، أمر وارد ومحتمل وليس من باب الاحتمالات النظرية الفرضية. ومن لا يصدق فما عليه إلا أن يكاشف ويفاتح أصحاب الشأن في ذلك. ومن يتخلف عن التحرك في الاتجاه الصحيح وفي الوقت المناسب فإنه عندما يسمع بضياع “عروبة” العراق فإنه لن يلومن إلا نفسه.

وأما بخصوص شمال العراق أو كردستان العراق، فإن الأمر لا يقل خطورة عن مصير أكثرية الشعب العراقي، فالعمل جارعلى قدم وساق لوضع حالة و” كيان” كردستان بمثابة “إسرائيل” ثانية في قلب العالم العربي والاسلامي مستغلين الاضطهاد العرقي والاجتماعي والثقافي الذي لحق بأمة الكرد العظيمة في بلاد الرافدين وفي سواها من بلدان الشرق على امتداد قرن من الزمان، والحل لايتحمل التأخير ولا التنظير بقدرما يتطلب التوجه الفوري بمشاريع الاستثمار والتنمية المادية والمعنوية والتلاحم مع تطلعات وطموحات هذا الجزء العزيز من عالمنا الإسلامي قبل أن نخسره ولا ساعة ندم تفيد بعد طول تقصير.

وأيضا فإن المخطط يقضي، فيما يقضي، بمحاصرة كتلة مهمة وأساسية من مكونات الكيان العراقي التاريخي في مثلث صحراوي “فقير” من البترول والغاز اسمه ” المثلث السني” من أجل الإمعان في إذلاله وتشريد وعيه العروبي ووضعه وجهاًَ لوجه أمام “حقيقة” العولمة المتوحشة التي غزت القطر الذي ينتمي إليه لتلقنه درسا في العزلة والاعتزال ” القومي” الذي تسعى فرضه تلك العولمة على كل أشكال الفكر القومي أو السلفي أوالأصولي السني، لعله يدخل في حرب مفتوحة لا نهاية لها مع كافة “جيرانه”، حرب ستكون استنزافية لن يكون فيها أحد رابح من مكونات الوطن الصغير (العراق) ولا الوطن العربي الكبير، ولا الوطن الإسلامي الأكبر، اللهم إلا “الطارئين” من ربائب الاستعمار وصنائعه.

وهذه السيناريوهات هي من النوع التي أريد للعراق أن يكون القاعدة الارتكازية التي منها ينبغي أن تنطلق ليتم تعميمها على كافة دول الجوار العراقي وعلى مدى ما بات يعرف بـ”الشرق الأوسط الكبير” إنهم يريدون استبدال الهلال الإسلامي أو ما كان يطلق عليه “قوس الأزمة” الممتد من طنجة في المغرب وصولا إلى جاكرتا في آسيا المشرق أيام العهد الريغاني بكيان مسخ لا هوية له سوى” هوية” شرق أوسطية غامضة ومبهمة وهشة اسمها” الشرق الأوسط، سواء كان ” الجديد” حسب تسميته الإسرائيلية أو “الكبير” بتسميته الأمريكية الجديدة، إنما الغرض الأصلي الذي من أجله اخترع الاسم سوف لن يكون سوى ” صنم” الدولة العبرية الدينية “النقية” عرقياً وأيديولوجياً إليه، بل تسليمها قيادته!

وأما الجارة المسلمة والشقيقة إيران، وهي الجمهورية الفتية اليافعة العود والتي لم تكتمل بعد تجربتها الحديثة في بناء الدولة العصرية فإن المطلوب استعماريا “تفكيكها” وإعادة تشكيلها من جديد بما يتلاءم ومقولة الشرق الأوسط الكبير، وهي التشكيلة التي لن تقبل بأن يتخذ قرار الإيرانيين في طهران، ولا أن يكون من اهتماماتها أوهمها فلسطين أو القضايا العربية، ولابد أن يكون من برامجها الاستقلال الناجز وصعود مراتب الرقي التكنولوجي أو المعرفي لا في عالم الذرة ولا في غيره ما لم تعلن” توبتها” وندمها على ما اقترفته من” ذنوب” الاستقلال وحرية صناعة القرار. صدقوني وليس مهماًَ بعد ذلك أن يكون اسمها جمهورية إيران الإسلامية أو أن تحترم فيها حقوق الإنسان أم لا! المهم أن تعود إلى حظيرتها السابقة وبعد ذلك فليستيقظ ” الأسد” الإيراني بكل عنفوانه القوي على أن يوظف ضد العرب والعروبة في إطار إشعال فتنة لا تنتهي إلا عند الحاجة التي تشخصها مصالح راعي الشرق الأوسط الكبير!

وهنا بالذات ينبغي أن يسارع مجلس التعاون إلى التنبه والحذر وألا يرسل إشارات خاطئة لإيران، إيران التي انفتحت عليه ودخلت عملية انتقال نوعية فريدة من نوعها من عالم “العزلة القومية” والتوجه شرقاًَ وجنوباًَ بديلا عن عقود الانشداد الطويل نحو الشمال القاري والغربي “البحري”.

إيران التي تم الاستفتاء العربي والمسلم عليها في القمة الإسلامية في عام 1997، الأمر الذي جعلها توقع صفقة العمر مع جيرانها العرب والمسلمين بأنه لا رجعة إلى عهد القطيعة مع دور الجوار. مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى التسارع في خطوات التقارب والتكامل مع هذه الـ “إيران” وتحديداًَ وبكل صراحة أقول مع علمائها وقادتها الجمهوريين المسلمين قبل أن يفلت زمام الأمور منهم لا سمح الله – ويستيقظ “الأسد” الإيراني ” القومي” الذي تلعب على إيقاظه جهات عديدة لها مصلحة في شق الصفوف وزرع الفتن ونشر الحروب وتعميم مقولة صراع الحضارات والثقافات، وحرب “الهويات” المفتوحة التي لا تنتهي. ذلك أنهم لا يرون فينا أو بالأحرى لا يريدون أن يرونا إلا مجموعة كتل متناثرة من “الأقليات” القومية والعرقية والطائفية والمذهبية المتناحرة والمتخاصمة دائماًَ، المنتظرة وصول االمساعدات والتأهيلات المتعددة الألوان، ولا بأس أن تكون منها “الديمقراطية ” المحمولة جواًَ على طريقة نقل التكنولوجيا ومصانعها ومعاملها ومحطاتها للترفيه وزيادة حجم الاستهلاك استهلاك الأسواق العولمية التي تنشط اقتصاديات المدن الصناعية الكبرى، وليس التأسيس لمجتمعات ذات ثقافة ديمقراطية حقيقية أو السماح لها بالتحول الطبيعي نحو ديمقراطية محلية هي صانعتها، فذلك ما لا يتوافق مع مصالح الرأسمالية المتوحشة الباحثة عن عالم أمني مضطرب يولد عنفاًَ إثر عنف وعسكرة متواصلة للعلاقات الإنسانية: فهل ثمة من معتبر من العرب والعجم قبل فوات الأوان ؟!

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2214::/cck::
::introtext::

“لست قومياًَ أو بعثياًَ درس في مصر أو في بلاد الشام حتى أناصر دعوات العراق “العروبية” ضد الجارة المسلمة والشقيقة، إيران، ولا “أصوليا إسلاميا” ثوري الهوى درس في إيران، حتى أتحمس للاصطفاف إلى جانب إيران الأيديولوجية النزعة والمنهاج. بل أنا مواطن خليجي ينتمي إلى هذه الأرض العمانية “المتوسطية” الهوى والهوية أرى في العراق وإيران بمثابة عيني الخليج اللتين ينبغي لنا، نحن هنا في مجلس التعاون، النظر بهما إلى العالم بكل واقعية ولا يجوز لنا مطلقا أن نفقأ إحداهما لصالح الأخرى أو على حساب الأخرى”.

::/introtext::
::fulltext::

“لست قومياًَ أو بعثياًَ درس في مصر أو في بلاد الشام حتى أناصر دعوات العراق “العروبية” ضد الجارة المسلمة والشقيقة، إيران، ولا “أصوليا إسلاميا” ثوري الهوى درس في إيران، حتى أتحمس للاصطفاف إلى جانب إيران الأيديولوجية النزعة والمنهاج. بل أنا مواطن خليجي ينتمي إلى هذه الأرض العمانية “المتوسطية” الهوى والهوية أرى في العراق وإيران بمثابة عيني الخليج اللتين ينبغي لنا، نحن هنا في مجلس التعاون، النظر بهما إلى العالم بكل واقعية ولا يجوز لنا مطلقا أن نفقأ إحداهما لصالح الأخرى أو على حساب الأخرى”.

هذا ما قاله لي رجل عماني كبير من رجالات مطبخ صناعة القرار السلطاني العماني في أوائل تسعينات القرن الماضي وهو يشرح لي السياسة الخارجية للسلطنة التي تميزت، وتمايزت، الى حد ما عن سائر شقيقاتها الخليجيات الخمس الأخريات سواء بخصوص الموقف من الحرب العراقية على إيران في بداية الثمانينات أو حرب غزو الكويت واجتياحها على يد نظام صدام حسين المخلوع أو حرب إخراج القوات العراقية منها على يد الأمريكيين أو الحرب الأمريكية – البريطانية الأخيرة على العراق.

لم تأخذهم ” العصبية ” القومية بعيدا حتى يجحفوا بالقول والفعل مع جيرانهم فيتم تصنيفهم في خانة ” المفرطين “، ويضطرون لتبرير كل أفعال ابن جلدتهم ثم يقعون في شبهة ” الساكت عن الحق شيطان أخرس “! كذلك لم تأخذهم “الحماسة” الثورية الأيديولوجية لجارتهم التي يشعرون بدين عميق تجاهها لنجدتها إياهم في زمن الثورة “الشيوعية” الظفارية فيقفون معها باعتبارها المظلومة في تلك المعادلة المجحفة حتى لا يظهروا وقد صنفوا في خانة “المفرطين” بالبعد القومي والعروبي للأمة التي ينتمون إليها فيصبحون وكأنهم قد وقعوا في “شبهة الخيانة القومية” !  أعرف أن ذلك لم يكن مرضياًَ للعراق، كما لم يكن مرضيا لإيران أيضاًَ، لكنهم – أي العمانيون – كانوا يفكرون بالدرجة الأولى بمصالحهم الوطنية أولاًَ و بالأبعاد الاستراتيجية ثاقبة النظر لرؤيتهم تلك ثانياًَ، وهو تقدير للموقف قد يكون في حينه ليس هو المطلوب بالتمام والكمال وكما يجب أن يكون، لكن القدر المتيقن منه أنه كان الأكثر ملامسة للواقع والأقل ضرراًَ لعمان ودول مجلس التعاون وللعراق وإيران من غيره من المواقف التي “تحمست” أو”انغمست” أو”طحنت” في حروب إقليمية ذات طابع عبثي لم تخدم سوى أطماع قوى الهيمنة والسيطرة على ثروات ومقدرات شعوب ودول الإقليم الغنية بالبترول والغاز والطاقة البشرية التي لا تعوض بسهولة، والتي تأتي الأحداث الراهنة لتثبت مدى”حكمية” ذلك الموقف العماني وتوازنه ومدى”تفريطية” سواه.

أردت من هذه المقدمة الانطلاق لمناقشة الموقف العام لدول مجلس التعاون من كل من ” المسألة العراقية” وإيران وأدخل مباشرة في صلب الموضوع  لأقول مضيفاًَ على “حكمة” ذلك العماني إنه: كما أن العراق وإيران هما عينا دول مجلس التعاون التي من خلالهما ينظرون إلى العالم القاري شمالاً. فإنهما قد يكونان الجناحان الواقعيان اللذان من دونهما قد لا تتوفر مطلقا فرص “الطيران” الحقيقي والواقعي لهذا التكتل الخليجي الفتي مهما نما وعلا وارتقى في العلم والمال والتكنولوجيا. وقولي هذا ليس من باب الشعر أو النثر الجميل أوالأمنيات والآمال، وإن كانت ليست محرمة أوعيباًَ على الشباب، كما يقول المثل الإيراني الشائع، لكن أقوله من باب الخبرة والإطلاع والتجربة الطويلة مع هذا الملف الشائك المتعدد الأوجه والأخاديد والهموم والاهتمامات والقنوات والمستويات، وإليكم بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاًَ: ألم يكن بالإمكان احتضان الثورة و”الدولة” الإيرانية الوليدة وتحمل ارتجاجاتها “الثورية” الداخلية بالأساس واحتسابها رقماًَ يضاف الى حسابات العرب وهي التي أعلنت قطعا مع “الغرب” الاستعماري المستبد الذي حاول استغلالها لعقود ضد جيرانها بمثابة “شرطي” كما هو معروف، فيما قرر قادة الجمهورية الوليدة القطع مع ذلك “السيد” وإعلان “التوأمة” مع فلسطين قضية العرب المركزية والمسلمين؟

ثانياًَ: ألم يكن بالإمكان التقليل – ان لم يكن الوقف الكامل ممكناًَ- من غلواء العصبوية البعثية “الصدامية” وعدم مسايرة تحريضه الحربي المستمر ضد هذه الدولة والثورة الناشئتين حتى نجنب المنطقة حروباًَ عبثية متتالية كنا في أحوج ما نكون فيها إلى البناء والتنمية الشاملة للأرض والإنسان؟

ثالثاًَ: ألم يكن ممكناًَ احتضان قوى “التغيير” والمعارضة العراقية بأطيافها المختلفة وما مثلت من مكونات شعبية حقيقية مقموعة بل و”مطحونة” على كل المستويات والصور التي يمكن تصورها، مبكرا وقبل أن يأتي “الطوفان” من الخارج فيطيح، ليس فقط بالطاغية الذي وكأننا اكتشفناه بين آثار سومروبابل، ونحاول أن نتعامل مع تداعياته اليوم وكأنه من فصول تاريخية ” قديمة” رحلت و”انقضى” تأثيرها في حال العراق وأحوالنا جميعاًَ، بل ويحاول – أي هذا الطوفان – الإطاحة بما تبقى من مما نعات ومقاومات وأسس ارتكازية لهذه الأمة التي ننتمي إليها بفخر واعتزاز؟  أطرح هذه الأسئلة الثلاثة المركزية وأنا أعرف جيدا أن ما وراء كل واحد منها الكثير الكثير مما قد يقال لها أو عليها عند الإجابة عنها حتى قد يصل الجواب الشافي إلى مجلدات.

لكن ما نريد أن نستعبر منه هو حالنا الآن فأقول وأيضاًَ بالإجمال:

أولاًَ: إن مجلس التعاون الخليجي الذي تشكل أو تأسس في أوائل الثمانينات بناء على ظروف وحيثيات معينة خاصة بذلك الزمان ، بات اليوم على مفترق طرق صعبة وشائكة عليه أن يحسم خياراته فيها قبل فوات الأوان، فإنما عليه أن يواجه التفكك والتصدع مع التعثر المستمر في مسيرته التكاملية التي يتمناها له القائمون عليه، وهو ما لا يحمد عقباه بتاتا في ظل الهجمة والهيمنة الاستعمارية على كل ما هو “جامع” والدعوات المتحمسة لكل ما هو مفرق من “هويات” تجزيئية، وإما أن يعاد تشكيل “هوية” جديدة له من خلال إدخال كل من العراق وإيران واليمن إليه وإن على مراحل وبآليات متعددة ومتنوعة، ذلك لأن القادم أقوى بكثير من قدرات “قومية” هنا أو “قومية” هناك، مما يتطلب الإسناذ الحقيقي للقوميات والأعراق والمذاهب بتكتلات إضافية وليس بـ” تفكيك” ما عندنا أو بـ” تحنيطه”

ثانياًَ: إن النظرة التقليدية لإيران يجب أن تتغير وبناء على المعلومة الحقيقية والمصلحة الحقيقية والقاسم المشترك والجامع المشترك والسعي الدؤوب لحل كل المسائل العالقة القديمة أو المسائل التي قد ” تفرز” نتيجة التحولات الطبيعية أو ” تُخلق” بسبب حرب ” الهويات ” الكبرى المفتوحة ضدنا من قبل المهيمنين وطلاب الحروب وتجار العنف والعنف المضاد، على قاعدة الحوار والحوار الشفاف والمصارحة والمكاشفة الحقيقية بما لنا وما علينا – كل من جانبه- وعدم فتح أي ثغرة لدخول رياح ” التغيير ” الأجنبية القادمة من بعيد لتلعب في مصائرنا أو عقولنا أو مقدراتنا بحجة عجزنا أو تخلفنا أو عدم مواكبتنا لمعايير التقدم والرقي!

ثالثاًَ: من المهم عدم السماح لأحد باللعب بالكيانات أو الطوائف أو الأعراق أو الهويات، بل وحتى الأسماء تحت أي ذريعة كانت، لأنها قد تكون مقدمة لحروب أهلية أو قومية أو مذهبية وطائفية قد لا يعرف أحد مدى أخطارها.

وهنا بالذات أريد أن أفصِّل بعض الشيء، وأصرح ولا أكتفي بالتلميح، وأبدأ من العراق حيث اللعب بالكيان والمكونات يجري على نار حامية، فأقول: إن من واجب مجلس التعاون الخليجي ومعه كل دول الجوار العراقي الإسراع والتعجيل في إرسال الإشارات مدعومة بالممارسات التي تطمئن الأكثرية الشعبية العراقية – التي تقول إنها شيعية عربية وهذا من حقها أن تعبر عن نفسها كما هي ترى نفسها لا كما نحب أو نرغب لها أن تكون – بأن عهد القمع والقهر والتمييز”الطائفي” لن يعود، وولَّى إلى الأبد، لأنه في غير ذلك فإن خطر بروز أو تبلور تيار ” شيعي ” متحالف مع أمريكا، بل ومع إسرائيل على حساب العرب والمسلمين، أمر وارد ومحتمل وليس من باب الاحتمالات النظرية الفرضية. ومن لا يصدق فما عليه إلا أن يكاشف ويفاتح أصحاب الشأن في ذلك. ومن يتخلف عن التحرك في الاتجاه الصحيح وفي الوقت المناسب فإنه عندما يسمع بضياع “عروبة” العراق فإنه لن يلومن إلا نفسه.

وأما بخصوص شمال العراق أو كردستان العراق، فإن الأمر لا يقل خطورة عن مصير أكثرية الشعب العراقي، فالعمل جارعلى قدم وساق لوضع حالة و” كيان” كردستان بمثابة “إسرائيل” ثانية في قلب العالم العربي والاسلامي مستغلين الاضطهاد العرقي والاجتماعي والثقافي الذي لحق بأمة الكرد العظيمة في بلاد الرافدين وفي سواها من بلدان الشرق على امتداد قرن من الزمان، والحل لايتحمل التأخير ولا التنظير بقدرما يتطلب التوجه الفوري بمشاريع الاستثمار والتنمية المادية والمعنوية والتلاحم مع تطلعات وطموحات هذا الجزء العزيز من عالمنا الإسلامي قبل أن نخسره ولا ساعة ندم تفيد بعد طول تقصير.

وأيضا فإن المخطط يقضي، فيما يقضي، بمحاصرة كتلة مهمة وأساسية من مكونات الكيان العراقي التاريخي في مثلث صحراوي “فقير” من البترول والغاز اسمه ” المثلث السني” من أجل الإمعان في إذلاله وتشريد وعيه العروبي ووضعه وجهاًَ لوجه أمام “حقيقة” العولمة المتوحشة التي غزت القطر الذي ينتمي إليه لتلقنه درسا في العزلة والاعتزال ” القومي” الذي تسعى فرضه تلك العولمة على كل أشكال الفكر القومي أو السلفي أوالأصولي السني، لعله يدخل في حرب مفتوحة لا نهاية لها مع كافة “جيرانه”، حرب ستكون استنزافية لن يكون فيها أحد رابح من مكونات الوطن الصغير (العراق) ولا الوطن العربي الكبير، ولا الوطن الإسلامي الأكبر، اللهم إلا “الطارئين” من ربائب الاستعمار وصنائعه.

وهذه السيناريوهات هي من النوع التي أريد للعراق أن يكون القاعدة الارتكازية التي منها ينبغي أن تنطلق ليتم تعميمها على كافة دول الجوار العراقي وعلى مدى ما بات يعرف بـ”الشرق الأوسط الكبير” إنهم يريدون استبدال الهلال الإسلامي أو ما كان يطلق عليه “قوس الأزمة” الممتد من طنجة في المغرب وصولا إلى جاكرتا في آسيا المشرق أيام العهد الريغاني بكيان مسخ لا هوية له سوى” هوية” شرق أوسطية غامضة ومبهمة وهشة اسمها” الشرق الأوسط، سواء كان ” الجديد” حسب تسميته الإسرائيلية أو “الكبير” بتسميته الأمريكية الجديدة، إنما الغرض الأصلي الذي من أجله اخترع الاسم سوف لن يكون سوى ” صنم” الدولة العبرية الدينية “النقية” عرقياً وأيديولوجياً إليه، بل تسليمها قيادته!

وأما الجارة المسلمة والشقيقة إيران، وهي الجمهورية الفتية اليافعة العود والتي لم تكتمل بعد تجربتها الحديثة في بناء الدولة العصرية فإن المطلوب استعماريا “تفكيكها” وإعادة تشكيلها من جديد بما يتلاءم ومقولة الشرق الأوسط الكبير، وهي التشكيلة التي لن تقبل بأن يتخذ قرار الإيرانيين في طهران، ولا أن يكون من اهتماماتها أوهمها فلسطين أو القضايا العربية، ولابد أن يكون من برامجها الاستقلال الناجز وصعود مراتب الرقي التكنولوجي أو المعرفي لا في عالم الذرة ولا في غيره ما لم تعلن” توبتها” وندمها على ما اقترفته من” ذنوب” الاستقلال وحرية صناعة القرار. صدقوني وليس مهماًَ بعد ذلك أن يكون اسمها جمهورية إيران الإسلامية أو أن تحترم فيها حقوق الإنسان أم لا! المهم أن تعود إلى حظيرتها السابقة وبعد ذلك فليستيقظ ” الأسد” الإيراني بكل عنفوانه القوي على أن يوظف ضد العرب والعروبة في إطار إشعال فتنة لا تنتهي إلا عند الحاجة التي تشخصها مصالح راعي الشرق الأوسط الكبير!

وهنا بالذات ينبغي أن يسارع مجلس التعاون إلى التنبه والحذر وألا يرسل إشارات خاطئة لإيران، إيران التي انفتحت عليه ودخلت عملية انتقال نوعية فريدة من نوعها من عالم “العزلة القومية” والتوجه شرقاًَ وجنوباًَ بديلا عن عقود الانشداد الطويل نحو الشمال القاري والغربي “البحري”.

إيران التي تم الاستفتاء العربي والمسلم عليها في القمة الإسلامية في عام 1997، الأمر الذي جعلها توقع صفقة العمر مع جيرانها العرب والمسلمين بأنه لا رجعة إلى عهد القطيعة مع دور الجوار. مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى التسارع في خطوات التقارب والتكامل مع هذه الـ “إيران” وتحديداًَ وبكل صراحة أقول مع علمائها وقادتها الجمهوريين المسلمين قبل أن يفلت زمام الأمور منهم لا سمح الله – ويستيقظ “الأسد” الإيراني ” القومي” الذي تلعب على إيقاظه جهات عديدة لها مصلحة في شق الصفوف وزرع الفتن ونشر الحروب وتعميم مقولة صراع الحضارات والثقافات، وحرب “الهويات” المفتوحة التي لا تنتهي. ذلك أنهم لا يرون فينا أو بالأحرى لا يريدون أن يرونا إلا مجموعة كتل متناثرة من “الأقليات” القومية والعرقية والطائفية والمذهبية المتناحرة والمتخاصمة دائماًَ، المنتظرة وصول االمساعدات والتأهيلات المتعددة الألوان، ولا بأس أن تكون منها “الديمقراطية ” المحمولة جواًَ على طريقة نقل التكنولوجيا ومصانعها ومعاملها ومحطاتها للترفيه وزيادة حجم الاستهلاك استهلاك الأسواق العولمية التي تنشط اقتصاديات المدن الصناعية الكبرى، وليس التأسيس لمجتمعات ذات ثقافة ديمقراطية حقيقية أو السماح لها بالتحول الطبيعي نحو ديمقراطية محلية هي صانعتها، فذلك ما لا يتوافق مع مصالح الرأسمالية المتوحشة الباحثة عن عالم أمني مضطرب يولد عنفاًَ إثر عنف وعسكرة متواصلة للعلاقات الإنسانية: فهل ثمة من معتبر من العرب والعجم قبل فوات الأوان ؟!

::/fulltext::
::cck::2214::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *