الإرهاب.. لماذا استهداف الكويت؟

::cck::2333::/cck::
::introtext::

وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، سمحت الحكومة لعدد من الشباب ـ العاملين في القطاع الحكومي ـ بالالتحاق بمجموعة من الجمعيات غير المرخص لها. فعلى سبيل المثال، كانت جمعية الإصلاح الاجتماعي تمتلك أربعة وسبعين فرعاً تابعاً لها، لا يملك أي واحد منها ترخيصاً حكومياً، إلى جانب جمعية إحياء التراث الإسلامي التي فتحت أربعة وخمسين مكتباً فرعياً من دون الحصول على التراخيص الحكومية الضرورية. وكانت المناهج التعليمية أول هدف استقطب اهتمام الحركات المتطرفة كقناة ووسيلة لإشاعة ونشر أجندتها الأيديولوجية.

::/introtext::
::fulltext::

وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، سمحت الحكومة لعدد من الشباب ـ العاملين في القطاع الحكومي ـ بالالتحاق بمجموعة من الجمعيات غير المرخص لها. فعلى سبيل المثال، كانت جمعية الإصلاح الاجتماعي تمتلك أربعة وسبعين فرعاً تابعاً لها، لا يملك أي واحد منها ترخيصاً حكومياً، إلى جانب جمعية إحياء التراث الإسلامي التي فتحت أربعة وخمسين مكتباً فرعياً من دون الحصول على التراخيص الحكومية الضرورية. وكانت المناهج التعليمية أول هدف استقطب اهتمام الحركات المتطرفة كقناة ووسيلة لإشاعة ونشر أجندتها الأيديولوجية.

واليوم، تسعى الحركات الإسلامية إلى تحويل الكويت إلى “دولة إسلامية بحتة”. وفي سياق هذا المسعى، أجبرت الحركات الإسلامية الحكومة على منع إقامة حفلات غنائية للاحتفال برأس السنة الميلادية، وهي القضية التي دفعت بوزير الإعلام محمد أبو الحسن إلى تقديم استقالته من الحكومة. بل إن الحركات الإسلامية تطالب بتطبيق تعاليم الشريعة باعتبارها تمثل المصدر “الوحيد” للمنظومة التشريعية، وذلك من خلال تعديل نص الدستور.

ومن الذرائع التي تستند إليها الحركات الإسلامية التي تقيم تحالفاً قوياً مع أطراف قبلية محافظة في إطار مطالبها، شعبيتها الواسعة في أوساط المجتمع ومجلس الأمة. ففي حين حصدت الحركات الإسلامية سبعة عشر مقعداً برلمانياً خلال انتخابات عام 2003، استحوذ الاتحاد الإسلامي، وهو تنظيم يجمع تحت رايته أتباعاً من الحركة السلفية وحركة الإخوان المسلمين، على 4466 صوتاً في الانتخابات التي انعقدت في عام 2004 لاختيار الأعضاء التنفيذيين في الاتحاد الوطني للطلبة الكويتيين (الفرع الجامعي).

ولا بد من مقاربة ظاهرة الإرهاب، كما تعرفها الكويت، ضمن سياق أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب على الإرهاب. فالكويت تجسد نمودجاً لتفكك شبكة تنظيم القاعدة في عدد من الدول التي لم تكن ترى في الإرهاب مصدراً رئيسياً لتهديد أمنها الداخلي. فالحرب على الإرهاب أمـّـنـت خاصرة الولايات المتحدة ضد أي هجمات جديدة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكنها في الوقت نفسه فتحت أبواب منطقة الخليج، بل والعالم بأسره، أمام رياح الإرهاب العاتية. وبالتالي، فإن هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تكن، كما تعتبرها الأوساط السياسية والأمنية في الولايات المتحدة، تتويجاً لمخططات تنظيم القاعدة على المدى البعيد، بل كانت في واقع الأمر نقطة انطلاق مخطط جديد لحمل واشنطن على شن حرب مطولة يُراد لها أن تكشف النقاب عن السياسات “المنحازة” التي تنتهجها أمريكا تجاه المنطقة. فالسياسة الأمريكية في المنطقة دفعت بالعديد من الشباب، أفراداً وجماعات، إلى تبني الإرهاب أداة لتحقيق أهدافهم السياسية والدينية، بل وحتى الشخصية. وضمن سياق هذا المنطق، تحول ابن لادن إلى شخصية أسطورية ورمزية، وأمست منطلقاته الأيديولوجية رافداً تنهل منه جماعات هامشية ليست لها أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بشبكة تنظيم القاعدة.

علاوة على ذلك، ساهمت الحرب على الإرهاب، التي كان كانت تهدف أصلاً إلى صياغة استراتيجية قادرة على منع “أعداء أمريكا” من تصدير مشاعر الحقد والعداء ضد الولايات المتحدة إلى الخارج، في تحويل المنطقة إلى ساحة معركة موسعة. غير أن الأطراف المتحاربة في هذه المعركة ليست الولايات المتحدة والجماعات الإسلامية، بل حكومات دول المنطقة والحركات الإسلامية المتطرفة العنيفة.

ويتمثل الجانب الإيجابي ربما في هذه الصورة القاتمة أن الكويت ليست المملكة العربية السعودية. فالكويت بلد صغير الحجم، ومن المحتمل جداً أن تنجح السلطات الحكومية في فرض القانون والنظام بسهولة نسبية. ومع أنه من المتوقع أن تستمر مظاهر العنف خلال المستقبل المنظور، إلا أن موجة العنف لا تبدو مرشحة للخروج عن نطاق السيطرة، وذلك لأن الكويت تتمتع بقدر كبير من الانفتاح السياسي. وما دامت الحركات الإسلامية السياسية تحظى بالدعم المؤسساتي فقد تعمل على كبح جماح الإرهابيين، خشية أن يفقدوا قواعد التأييد الشعبي في أوساط الطبقة الوسطى، التي تنبذ العنف كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو أي أهداف أخرى من أي طبيعة كانت.

وفي هذا الإطار، ينبغي التذكير بأن عضو مجلس الأمة وليد الطبطبائي المعروف بأفكاره المتشددة بخصوص موضوع التمييز بين الذكور والإناث في الجامعات، والذي وصفته بعض الجهات بـ “عميل نظام طالبان في الكويت” دعا علانية إلى ضرورة تبني سياسة الاعتدال، مؤكداً أن المسلم ينبغي عليه أن يحارب بالكلمة، وليس بالسلاح. ومن المرتقب أن تسهم الأزمة الحالية في تقوية عضد الحركات الليبرالية التي لم تفز إلاّ بثلاثة مقاعد برلمانية في انتخابات عام 2003. وقد سبق للعديد من الأطراف الليبرالية أن حـمّـلـت تواجه الكويت اليوم أعتى اختبار منذ تحريرها من نير الاحتلال العراقي في عام 1991. ويبدو أن عدداً من الجماعات المتطرفة تهدف إلى تنفيذ مخططات ترمي إلى الزج بالكويت في براثن حالة من عدم الاستقرار بعد أن وجهوا ضربات إرهابية ضد طواقم عسكرية أمريكية خلال مرحلة الإعداد للحرب على العراق واستهداف المقر الرئيسي لجهاز أمن الدولة وعدد من المنشآت النفطية.

وليس من المستغرب أن تكون ظاهرة الإرهاب التي أرقت مضاجع المملكة العربية السعودية قد أطلت برأسها البغيض على أرض الكويت. ففي الواقع، تتوفر في الكويت جملة من المعطيات يبدو أنها تشجع على تنامي ظاهرة الإرهاب، ليس بفعل وجود ثلاثين ألفاً من القوات الأمريكية على أراضيها أو حتى بسبب قربها الجغرافي من العراق والسعودية أو نتيجة لحالة الانفلات الأمني وانعدام الاستقرار التي تهز العراق فقط، لكن أيضاً نتيجة لقوة التأثير التي تمارسها الحركات الإسلامية داخل المجتمع الكويتي ومجلس الأمة.

وبالمعنى نفسه، فإنه توجد على أراضي الكويت قاعدة تمثل تنظيم القاعدة. فالمتحدث باسم زعيم تنظيم القاعدة هو سليمان أبو غيث، وهو مواطن كويتي ولم يتم تجريده من الجنسية الكويتية إلا في عام 2001. وتوجد أيضاً بالكويت في الوقت الراهن جماعات لا تتعاطف مع تنظيم القاعدة ومنظومتها الفكرية فحسب، بل هناك أيضاً مجموعة من أنصار سليمان أبو غيث الذين ربما قد قرروا “إيقاظ” بعض خلايا القاعدة النائمة من سباتها. وخير دليل على احتمال تبلور مثل هذا التطور اعتراض قوات الأمن الكويتية مكالمة تمت عبر الهاتف المحمول جمعت سليمان أبو غيث وأحد المشتبه بهم القابعين في السجون الكويتية.

وفي يوليو 2004، أدلى وزير الداخلية الكويتي الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح بتصريح اعترف فيه بأن بعض الأشخاص الذين تم إلقاء القبض عليهم للاشتباه بارتباطهم بحملة لتجنيد المتطوعين لحمل السلاح ضد القوات الأمريكية المتمركزة في العراق هم من اليافعين الذين تم إخضاعهم لعملية “غسل دماغ”، وتم حشو عقولهم بأفكار متطرفة. واستطرد الشيخ نواف قائلاً: “إن بعض المتهمين اعترفوا بوجود قواعد يتلقون فيها تدريبات لتحقيق أهدافهم”.

وفي الحقيقة، فإن الحركات الإسلامية في الكويت لم تشعر قط بالارتياح للوجود العسكري الأمريكي على الأراضي الكويتية ولا تقبل بتأييد الحكومة الكويتية لسياسات واشنطن. لكن العلاقة بين الكويت والولايات المتحدة شهدت قفزة نوعية لافتة منذ عام 1991، إذ أقدمت الإدارة الأمريكية في أوائل عام 2004 على اختيار الكويت حليفاً استراتيجياً خارج حلف شمالي الأطلسي (الناتو). كما أن واشنطن وقعت مع الكويت على اتفاقية إطار للاستثمار والتجارة في العام 2004 بغرض الرفع من مستويات المبادلات التجارية الثنائية وتعزيز وتيرة تدفق الاستثمارات. ثم إن البلـَـديـْـن يستعدان لبدء جولة مفاوضات بخصوص اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مماثلة للاتفاقية التي تم توقيعها خلال سبتمبر 2004 بين الولايات المتحدة ومملكة البحرين.

ولعل الطرح القائل إن موجة الأعمال الإرهابية التي تستهدف الكويت هي من صنع جماعات إسلامية سعودية قررت الهروب من وطأة الحملة الأمنية الخانقة التي أطلقتها السلطات السعودية أو من صنع مجموعة من المواطنين الكويتيين العائدين من جبهة مقارعة القوات الأمريكية في العراق، لعل هذا الطرح لا يخلو من الصحة. لكن ليس من قبيل المصادفة أن تتصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية في أعقاب الدعوة التي أطلقها أسامة بن لادن في ديسمبر 2004، والتي حث فيها المسلمين على استهداف المصالح الأمريكية والمنشآت النفطية في المنطقة. وما يسترعي انتباه المتتبع للأحداث والمستجدات في المنطقة أن تنظيم القاعدة قرر تغيير بوصلة توجهاته باعتماد استراتيجية جديدة تهدف إلى ترعيب هذه المنطقة الغنية بمصادر النفط، وهو التحول الذي من شأنه أن يضر بالمصالح الأمريكية ولو على نحو غير مباشر، وذلك من خلال التأثير في أسعار النفط.

دعونا هنا نورد حقيقة لا يمكن إخفاؤها، وهي أن الحكومة الكويتية أسهمت في بلورة جزء من مشكلة التطرف التي تواجهها اليوم. فمن خلال السماح بقيام حركات أصولية لتقويض قوة تأثير الحركات الليبرالية التي ظلت تطالب بالإصلاح الديمقراطي، مكنت الحكومة الكويتية الحركات المتطرفة من تعزيز حضورها وموقعها داخل المجتمع الكويتي. وعندما اتخذت الحكومة قراراً بحل مجلس الأمة في عام 1976، قررت بالموازاة مع ذلك إغلاق العديد من الجمعيات الليبرالية، أبرزها نادي الاستقلال والجمعية الثقافية والاجتماعية. وفي خطوة للاستعاضة عن العناصر ذات التوجهات الليبرالية، اعتمدت الحكومة الكويتية على الحركات الأصولية، حيث أقدمت على تعيين مجموعة من المتطرفين في مناصب حكومية رفيعة المستوى.

الحكومة الكويتية مسؤولية بروز ظاهرة العنف نتيجة لتحالفها مع الحركات الإسلامية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يدفع الحكومة إلى مراجعة أوراقها السياسية، وربما صياغة وتفعيل تحالفات سياسية جديدة. وفي محاولة لطرح بعض الحلول الممكنة للقضاء على ظاهرة الإرهاب، ربما من المفيد استعادة بعض الطروحات التي أصبحت في بعض جوانبها اليوم تقليدية شيئاً ما، خصوصاً تأكيد أن حدة ظاهرة الإرهاب، سواء في الكويت أو في منطقة الخليج برمتها، لن تتراجع إلى أن يتم إلقاء القبض على قادة تنظيم القاعدة وإعادة بناء ركائز الاستقرار السياسي والأمني في العراق وإيجاد صيغة مقبولة وشاملة لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وإلى أن تعيد واشنطن النظر في سياساتها إزاء المنطقة.

ومن جهتها، يتعين على حكومات دول المنطقة التحرك في اتجاه تنفيذ الإصلاحات الضرورية على الصعد السياسية والاقتصادية الاجتماعية، كما أن الحكومات مُطالـَـبـة اليوم بتسريع خطى إصلاح قطاع التعليم بشكل جدي وفاعل، والبحث عن السبل الكفيلة بتخفيف اعتماد دول المنطقة على الولايات المتحدة، والعمل بدلاً من ذلك على تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

ومن المؤكد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي ينبغي عليها جميعاً العمل على صياغة أجندة مشتركة تسهم في طرح حلول عملية لاجتثاث ظاهرة الإرهاب. ولا بد مرة أخرى من تأكيد أن الإرهاب لا يمكن استئصاله وتحقيق الانتصار عليه بالقوة العسكرية وحدها، بل لا بد من فتح قنوات الحوار البـنّـاء بالموازاة مع استخدام الأدوات الأمنية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2333::/cck::
::introtext::

وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، سمحت الحكومة لعدد من الشباب ـ العاملين في القطاع الحكومي ـ بالالتحاق بمجموعة من الجمعيات غير المرخص لها. فعلى سبيل المثال، كانت جمعية الإصلاح الاجتماعي تمتلك أربعة وسبعين فرعاً تابعاً لها، لا يملك أي واحد منها ترخيصاً حكومياً، إلى جانب جمعية إحياء التراث الإسلامي التي فتحت أربعة وخمسين مكتباً فرعياً من دون الحصول على التراخيص الحكومية الضرورية. وكانت المناهج التعليمية أول هدف استقطب اهتمام الحركات المتطرفة كقناة ووسيلة لإشاعة ونشر أجندتها الأيديولوجية.

::/introtext::
::fulltext::

وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، سمحت الحكومة لعدد من الشباب ـ العاملين في القطاع الحكومي ـ بالالتحاق بمجموعة من الجمعيات غير المرخص لها. فعلى سبيل المثال، كانت جمعية الإصلاح الاجتماعي تمتلك أربعة وسبعين فرعاً تابعاً لها، لا يملك أي واحد منها ترخيصاً حكومياً، إلى جانب جمعية إحياء التراث الإسلامي التي فتحت أربعة وخمسين مكتباً فرعياً من دون الحصول على التراخيص الحكومية الضرورية. وكانت المناهج التعليمية أول هدف استقطب اهتمام الحركات المتطرفة كقناة ووسيلة لإشاعة ونشر أجندتها الأيديولوجية.

واليوم، تسعى الحركات الإسلامية إلى تحويل الكويت إلى “دولة إسلامية بحتة”. وفي سياق هذا المسعى، أجبرت الحركات الإسلامية الحكومة على منع إقامة حفلات غنائية للاحتفال برأس السنة الميلادية، وهي القضية التي دفعت بوزير الإعلام محمد أبو الحسن إلى تقديم استقالته من الحكومة. بل إن الحركات الإسلامية تطالب بتطبيق تعاليم الشريعة باعتبارها تمثل المصدر “الوحيد” للمنظومة التشريعية، وذلك من خلال تعديل نص الدستور.

ومن الذرائع التي تستند إليها الحركات الإسلامية التي تقيم تحالفاً قوياً مع أطراف قبلية محافظة في إطار مطالبها، شعبيتها الواسعة في أوساط المجتمع ومجلس الأمة. ففي حين حصدت الحركات الإسلامية سبعة عشر مقعداً برلمانياً خلال انتخابات عام 2003، استحوذ الاتحاد الإسلامي، وهو تنظيم يجمع تحت رايته أتباعاً من الحركة السلفية وحركة الإخوان المسلمين، على 4466 صوتاً في الانتخابات التي انعقدت في عام 2004 لاختيار الأعضاء التنفيذيين في الاتحاد الوطني للطلبة الكويتيين (الفرع الجامعي).

ولا بد من مقاربة ظاهرة الإرهاب، كما تعرفها الكويت، ضمن سياق أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب على الإرهاب. فالكويت تجسد نمودجاً لتفكك شبكة تنظيم القاعدة في عدد من الدول التي لم تكن ترى في الإرهاب مصدراً رئيسياً لتهديد أمنها الداخلي. فالحرب على الإرهاب أمـّـنـت خاصرة الولايات المتحدة ضد أي هجمات جديدة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكنها في الوقت نفسه فتحت أبواب منطقة الخليج، بل والعالم بأسره، أمام رياح الإرهاب العاتية. وبالتالي، فإن هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تكن، كما تعتبرها الأوساط السياسية والأمنية في الولايات المتحدة، تتويجاً لمخططات تنظيم القاعدة على المدى البعيد، بل كانت في واقع الأمر نقطة انطلاق مخطط جديد لحمل واشنطن على شن حرب مطولة يُراد لها أن تكشف النقاب عن السياسات “المنحازة” التي تنتهجها أمريكا تجاه المنطقة. فالسياسة الأمريكية في المنطقة دفعت بالعديد من الشباب، أفراداً وجماعات، إلى تبني الإرهاب أداة لتحقيق أهدافهم السياسية والدينية، بل وحتى الشخصية. وضمن سياق هذا المنطق، تحول ابن لادن إلى شخصية أسطورية ورمزية، وأمست منطلقاته الأيديولوجية رافداً تنهل منه جماعات هامشية ليست لها أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بشبكة تنظيم القاعدة.

علاوة على ذلك، ساهمت الحرب على الإرهاب، التي كان كانت تهدف أصلاً إلى صياغة استراتيجية قادرة على منع “أعداء أمريكا” من تصدير مشاعر الحقد والعداء ضد الولايات المتحدة إلى الخارج، في تحويل المنطقة إلى ساحة معركة موسعة. غير أن الأطراف المتحاربة في هذه المعركة ليست الولايات المتحدة والجماعات الإسلامية، بل حكومات دول المنطقة والحركات الإسلامية المتطرفة العنيفة.

ويتمثل الجانب الإيجابي ربما في هذه الصورة القاتمة أن الكويت ليست المملكة العربية السعودية. فالكويت بلد صغير الحجم، ومن المحتمل جداً أن تنجح السلطات الحكومية في فرض القانون والنظام بسهولة نسبية. ومع أنه من المتوقع أن تستمر مظاهر العنف خلال المستقبل المنظور، إلا أن موجة العنف لا تبدو مرشحة للخروج عن نطاق السيطرة، وذلك لأن الكويت تتمتع بقدر كبير من الانفتاح السياسي. وما دامت الحركات الإسلامية السياسية تحظى بالدعم المؤسساتي فقد تعمل على كبح جماح الإرهابيين، خشية أن يفقدوا قواعد التأييد الشعبي في أوساط الطبقة الوسطى، التي تنبذ العنف كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو أي أهداف أخرى من أي طبيعة كانت.

وفي هذا الإطار، ينبغي التذكير بأن عضو مجلس الأمة وليد الطبطبائي المعروف بأفكاره المتشددة بخصوص موضوع التمييز بين الذكور والإناث في الجامعات، والذي وصفته بعض الجهات بـ “عميل نظام طالبان في الكويت” دعا علانية إلى ضرورة تبني سياسة الاعتدال، مؤكداً أن المسلم ينبغي عليه أن يحارب بالكلمة، وليس بالسلاح. ومن المرتقب أن تسهم الأزمة الحالية في تقوية عضد الحركات الليبرالية التي لم تفز إلاّ بثلاثة مقاعد برلمانية في انتخابات عام 2003. وقد سبق للعديد من الأطراف الليبرالية أن حـمّـلـت تواجه الكويت اليوم أعتى اختبار منذ تحريرها من نير الاحتلال العراقي في عام 1991. ويبدو أن عدداً من الجماعات المتطرفة تهدف إلى تنفيذ مخططات ترمي إلى الزج بالكويت في براثن حالة من عدم الاستقرار بعد أن وجهوا ضربات إرهابية ضد طواقم عسكرية أمريكية خلال مرحلة الإعداد للحرب على العراق واستهداف المقر الرئيسي لجهاز أمن الدولة وعدد من المنشآت النفطية.

وليس من المستغرب أن تكون ظاهرة الإرهاب التي أرقت مضاجع المملكة العربية السعودية قد أطلت برأسها البغيض على أرض الكويت. ففي الواقع، تتوفر في الكويت جملة من المعطيات يبدو أنها تشجع على تنامي ظاهرة الإرهاب، ليس بفعل وجود ثلاثين ألفاً من القوات الأمريكية على أراضيها أو حتى بسبب قربها الجغرافي من العراق والسعودية أو نتيجة لحالة الانفلات الأمني وانعدام الاستقرار التي تهز العراق فقط، لكن أيضاً نتيجة لقوة التأثير التي تمارسها الحركات الإسلامية داخل المجتمع الكويتي ومجلس الأمة.

وبالمعنى نفسه، فإنه توجد على أراضي الكويت قاعدة تمثل تنظيم القاعدة. فالمتحدث باسم زعيم تنظيم القاعدة هو سليمان أبو غيث، وهو مواطن كويتي ولم يتم تجريده من الجنسية الكويتية إلا في عام 2001. وتوجد أيضاً بالكويت في الوقت الراهن جماعات لا تتعاطف مع تنظيم القاعدة ومنظومتها الفكرية فحسب، بل هناك أيضاً مجموعة من أنصار سليمان أبو غيث الذين ربما قد قرروا “إيقاظ” بعض خلايا القاعدة النائمة من سباتها. وخير دليل على احتمال تبلور مثل هذا التطور اعتراض قوات الأمن الكويتية مكالمة تمت عبر الهاتف المحمول جمعت سليمان أبو غيث وأحد المشتبه بهم القابعين في السجون الكويتية.

وفي يوليو 2004، أدلى وزير الداخلية الكويتي الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح بتصريح اعترف فيه بأن بعض الأشخاص الذين تم إلقاء القبض عليهم للاشتباه بارتباطهم بحملة لتجنيد المتطوعين لحمل السلاح ضد القوات الأمريكية المتمركزة في العراق هم من اليافعين الذين تم إخضاعهم لعملية “غسل دماغ”، وتم حشو عقولهم بأفكار متطرفة. واستطرد الشيخ نواف قائلاً: “إن بعض المتهمين اعترفوا بوجود قواعد يتلقون فيها تدريبات لتحقيق أهدافهم”.

وفي الحقيقة، فإن الحركات الإسلامية في الكويت لم تشعر قط بالارتياح للوجود العسكري الأمريكي على الأراضي الكويتية ولا تقبل بتأييد الحكومة الكويتية لسياسات واشنطن. لكن العلاقة بين الكويت والولايات المتحدة شهدت قفزة نوعية لافتة منذ عام 1991، إذ أقدمت الإدارة الأمريكية في أوائل عام 2004 على اختيار الكويت حليفاً استراتيجياً خارج حلف شمالي الأطلسي (الناتو). كما أن واشنطن وقعت مع الكويت على اتفاقية إطار للاستثمار والتجارة في العام 2004 بغرض الرفع من مستويات المبادلات التجارية الثنائية وتعزيز وتيرة تدفق الاستثمارات. ثم إن البلـَـديـْـن يستعدان لبدء جولة مفاوضات بخصوص اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مماثلة للاتفاقية التي تم توقيعها خلال سبتمبر 2004 بين الولايات المتحدة ومملكة البحرين.

ولعل الطرح القائل إن موجة الأعمال الإرهابية التي تستهدف الكويت هي من صنع جماعات إسلامية سعودية قررت الهروب من وطأة الحملة الأمنية الخانقة التي أطلقتها السلطات السعودية أو من صنع مجموعة من المواطنين الكويتيين العائدين من جبهة مقارعة القوات الأمريكية في العراق، لعل هذا الطرح لا يخلو من الصحة. لكن ليس من قبيل المصادفة أن تتصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية في أعقاب الدعوة التي أطلقها أسامة بن لادن في ديسمبر 2004، والتي حث فيها المسلمين على استهداف المصالح الأمريكية والمنشآت النفطية في المنطقة. وما يسترعي انتباه المتتبع للأحداث والمستجدات في المنطقة أن تنظيم القاعدة قرر تغيير بوصلة توجهاته باعتماد استراتيجية جديدة تهدف إلى ترعيب هذه المنطقة الغنية بمصادر النفط، وهو التحول الذي من شأنه أن يضر بالمصالح الأمريكية ولو على نحو غير مباشر، وذلك من خلال التأثير في أسعار النفط.

دعونا هنا نورد حقيقة لا يمكن إخفاؤها، وهي أن الحكومة الكويتية أسهمت في بلورة جزء من مشكلة التطرف التي تواجهها اليوم. فمن خلال السماح بقيام حركات أصولية لتقويض قوة تأثير الحركات الليبرالية التي ظلت تطالب بالإصلاح الديمقراطي، مكنت الحكومة الكويتية الحركات المتطرفة من تعزيز حضورها وموقعها داخل المجتمع الكويتي. وعندما اتخذت الحكومة قراراً بحل مجلس الأمة في عام 1976، قررت بالموازاة مع ذلك إغلاق العديد من الجمعيات الليبرالية، أبرزها نادي الاستقلال والجمعية الثقافية والاجتماعية. وفي خطوة للاستعاضة عن العناصر ذات التوجهات الليبرالية، اعتمدت الحكومة الكويتية على الحركات الأصولية، حيث أقدمت على تعيين مجموعة من المتطرفين في مناصب حكومية رفيعة المستوى.

الحكومة الكويتية مسؤولية بروز ظاهرة العنف نتيجة لتحالفها مع الحركات الإسلامية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يدفع الحكومة إلى مراجعة أوراقها السياسية، وربما صياغة وتفعيل تحالفات سياسية جديدة. وفي محاولة لطرح بعض الحلول الممكنة للقضاء على ظاهرة الإرهاب، ربما من المفيد استعادة بعض الطروحات التي أصبحت في بعض جوانبها اليوم تقليدية شيئاً ما، خصوصاً تأكيد أن حدة ظاهرة الإرهاب، سواء في الكويت أو في منطقة الخليج برمتها، لن تتراجع إلى أن يتم إلقاء القبض على قادة تنظيم القاعدة وإعادة بناء ركائز الاستقرار السياسي والأمني في العراق وإيجاد صيغة مقبولة وشاملة لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وإلى أن تعيد واشنطن النظر في سياساتها إزاء المنطقة.

ومن جهتها، يتعين على حكومات دول المنطقة التحرك في اتجاه تنفيذ الإصلاحات الضرورية على الصعد السياسية والاقتصادية الاجتماعية، كما أن الحكومات مُطالـَـبـة اليوم بتسريع خطى إصلاح قطاع التعليم بشكل جدي وفاعل، والبحث عن السبل الكفيلة بتخفيف اعتماد دول المنطقة على الولايات المتحدة، والعمل بدلاً من ذلك على تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

ومن المؤكد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي ينبغي عليها جميعاً العمل على صياغة أجندة مشتركة تسهم في طرح حلول عملية لاجتثاث ظاهرة الإرهاب. ولا بد مرة أخرى من تأكيد أن الإرهاب لا يمكن استئصاله وتحقيق الانتصار عليه بالقوة العسكرية وحدها، بل لا بد من فتح قنوات الحوار البـنّـاء بالموازاة مع استخدام الأدوات الأمنية.

::/fulltext::
::cck::2333::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *