ليس 11 سبتمبر 2001.. بل 21/12/1991!
::cck::2334::/cck::
::introtext::
ظاهرياً، تسبَّبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في حدوث تغيرات كبيرة وملموسة وواسعة، من دون شك، في مسار العلاقات الدولية الراهنة. ولعل أهم هذه الأحداث/ التداعيات يمكن إيجازها بما يلي:
::/introtext::
::fulltext::
ظاهرياً، تسبَّبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في حدوث تغيرات كبيرة وملموسة وواسعة، من دون شك، في مسار العلاقات الدولية الراهنة. ولعل أهم هذه الأحداث/ التداعيات يمكن إيجازها بما يلي:
1- تفاقم الهيمنة الأمريكية على مقاليد السياسة الدولية، وإقدام أمريكا على تسريع محاولات فرض إرادتها – أو إرادة حكامها على الأصح – على العلاقات الدولية، بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
2- شنّ أمريكا ما تسميه بـ “الحرب على الإرهاب” وتجنيدها بعض دول العالم لـ “المحاربة” في صفها – ومن أجلها – ضد ذلك العدو (الهلامي)، وتحت هذا الستار، احتلت أمريكا أفغانستان والعراق، وقتلت وأصابت واعتقلت عشرات الآلاف من “المشتبه بهم” (من العرب والمسلمين). ومن يقاوم ذلك العدوان والظلم والغزو، هو “إرهابي” – أيضاً – تهدر أمريكا دمه وماله!
3- كما جعلت العالم يحبس أنفاسه، ترقباً لما هو آت، إذ تريد أمريكا – كما تقول – إعادة رسم خارطة “الشرق الأوسط”، وغيرها من مناطق العالم، بما “يضمن أمن شعبها” – كما تدّعي. وفي الحقيقة، هي تسعى لإضعاف العرب أكثر – عبر تفكيكهم أكثر – واستغلال ثرواتهم النفطية، وضمان السيطرة الصهيونية على المنطقة، ومن ثم تثبيت دعائم الهيمنة الأمريكية على مفاصل الاقتصاد العالمي، للحيلولة دون صعود أي “قطب” منافس لأمريكا، وضمان بقاء الهيمنة الأمريكية على العالم طيلة القرن الحادي والعشرين، وربما بعده. فالمنطقة العربية، بموقعها وثرواتها – وخاصة النفطية – هي “الحربة” التي تمكِّن القوة الدولية التي تسيطر عليها من السيطرة على العالم، أو على أهم دوله.
لقد استغلت الإدارة الأمريكية اليمينية المتشددة (المحافظين الجدد) أحداث 11/9/2001 لتسارع في تنفيذ هذه السياسة/ الخطة، التي وضعت – في تقارير استراتيجية شهيرة ومعروفة – قبل وقوع تلك “الأحداث” بسنوات. وكشفت الإدارة الأمريكية عن وجهها الحقيقي عندما أخذت تمعن في الضرب بكل قيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، التي تدّعي – زوراً وكذباً – أنها تحميها، بحجة “حماية الأمن الوطني الأمريكي”. هم يريدون أن يكون هذا القرن “قرناً أمريكياً” خالصاً، بعد أن كان نصف القرن الماضي (الأخير) كذلك. بل يريدون هيمنة أكبر وأوسع في القرن الحادي والعشرين.
وبالطبع، فإن لهذه الحملة أبعاداً اجتماعية وثقافية ودينية واضحة، إضافة إلى البعدين السياسي والاقتصادي. وهي، على أية حال، عبارة عن خطة مكشوفة تخلو من الذكاء، ومن القيم الأخلاقية النبيلة. لهذا لا يتصوّر أن تحقق الكثير من القبول والنجاح.
ولا جدال في أن الأمة العربية والإسلامية، كانت ولا تزال، أكثر المتضررين من هذه التطورات الهائلة، وذلك – ببساطة – لأن أرضها وإنسانها جعلا ساحة للحرب الأمريكية الأحادية، واتخذتها أمريكا قرباناً أو ضحية تؤسس على أنقاضها الهيمنة الكونية المنتظرة. فكان أن ألصقت بهذه الأمة تهماً شتى، منها “الإرهاب”، وشرعت بشرذمتها أكثر، وتقوية إسرائيل، ودعم تطلعها للسيطرة على المنطقة، وتصعيد تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبقية البلاد العربية. وتزايدت وتيرة نهب الثروة النفطية العربية. وضُرب بعرض الحائط أهم الآمال القطرية والقومية العربية، في الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، والاتحاد.
فالهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية المتصاعدة على المنطقة، ستمعن في حرمان شعوب المنطقة – في الواقع – من التمتع بالمضامين الحقيقية لهذه القيم السامية، وإن ادّعت “أمريكائيل” العكس. وسجل السياسة الأمريكية تجاه المنطقة يؤيد هذا التشاؤم. الأمر الذي غالباً ما يؤدي إلى تخلف عربي أكبر، وفي كل المجالات.
لقد أسفرت هذه الحملة الأمريكية (الصهيونية) منذ 11/9/2001 وحتى الآن، عن مقتل الآلاف من العرب والمسلمين، وجرح عشرات الآلاف (معظمهم من المدنيين الأبرياء) واعتقال ومضايقة أعداد مماثلة، وتدمير بلاد بأكملها. ويقف العراق (المدمَّر) شاهداً حياً على هذه المأساة التي أنزلت بالأمة، علماً بأن قرار تدمير ما تبقى من العراق اتخذ – بشهادة بعض المسؤولين الأمريكيين – قبل أحداث 11/9/2001 بحيث تقتل أمريكا يومياً ما متوسطه 6 مدنيين عراقيين منذ 9/4/2003 وحتى نهاية عام 2003، بينما تتكفل إسرائيل بقتل عدد مماثل – يومياً – من أبناء الشعب العربي الفلسطيني الأعزل (إنها أيضاً حرب إبادة). ويُعتقد أن من التطورات السلبية لهذه السياسة أن اشتد عود التطرُّف والغلو، كرد فعل على التطرُّف الأمريكي – الصهيوني. ومارس ذلك التطرُّف – بدوره – دوراً تدميرياً وسلبياً معروفاً، تذهب ضحيته البقية الباقية من قيم التحضر المدني العربي، إضافة إلى خسائر هائلة في الأرواح والممتلكات. إن محصلة هذه التداعيات كانت – ولا تزال – بمثابة نكبة جديدة، تحيق بالحضارة العربية، بل وبالشخصية الثقافية العربية ككل.
وهنا يبرز السؤال التالي: هل أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي التي قادت إلى هذه التطورات المروعة؟! إن من التبسيط (المخل) القول إن: هذه الأحداث هي سبب ما يجري في العالم – والمنطقة – منذ يوم 12/9/2001 وحتى الآن. فما يحصل هو – في الواقع – نتاج واقع دولي معيَّن، وتجسيد لسياسات (اقتصادية وسياسية وعقائدية) مبيَّتة، للقطب الوحيد المهيمن حالياً على النظام العالمي الراهن. إن 11/9/2001 ليس هو التاريخ الفاصل بين عهدين (مختلفين) في العلاقات الدولية الراهنة، وإن كان التاريخ الذي بُدئ بعده مباشرة في “تفعيل” تلك السياسات، بشكل متسارع، على النحو الذي يشهده العالم. ونوضح ذلك أكثر في ما يلي:
صحيح أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد “عجّلت” بحصول تداعيات هائلة معروفة على الساحة الدولية، إذ اتخذت “ذريعة” – من قِبل أمريكا – كما هو معروف، لبدء تنفيذ الخطة الاستراتيجية الأمريكية، الموضوعة لهذا القرن. وهذا الأمر يدعم – على أي حال – بعض الشكوك المحيطة بملابسات حدث 11/9/2001. والواقع أن تلك “الخطة” وُضعت فور انهيار المعسكر الشرقي، وزوال الاتحاد السوفييتي، بتاريخ 21/12/1991، ومع انتهاء “الحرب الباردة”، بـ “انتصار” المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة.
إن زوال المعسكر الشرقي أدى إلى انفراد أمريكا بالتربع فوق قمة العالم الاقتصادية – السياسية، وتحوّل “النظام العالمي” السابق (نظام القطبية الثنائية الهشّة) إلى نظام القطب الواحد، و”القطب” فيه هو: الولايات المتحدة. وفور حدوث ذلك التطور الهائل والمذهل حقاً – والذي من عجبه أن تم سلماً – في النظام العالمي، شرعت أمريكا بوضع الخطط والاستراتيجيات التي تضمن تثبيت و”استمرار” هذه الهيمنة الرهيبة، لأطول فترة ممكنة، عبر إعادة “ترتيب” العالم، والسياسة الدولية، بصفة عامة، وفق الهوى الأمريكي. ومن ذلك تقرير أمن أمريكا في القرن المقبل. ولعل ذلك أمر طبيعي ومتوقع. فهذا هو “العصر الذهبي” لأمريكا. وبما أن “مصائب قوم عند قوم فوائد”، و”فوائد قوم عند قوم مصائب”، فإن هذا العصر بذاته قد يكون – منطقياً وفعلياً – أسوأ العصور بالنسبة لمن تتربص بهم أمريكا، أو تناصبهم العداء.
لقد أخذ العالم العربي “يؤرخ” لما يجري من أحداث وتطورات جسام في ساحة العلاقات الدولية بـ 11 سبتمبر 2001، باعتباره تاريخاً فاصلاً بين عهدين مختلفين. وللوهلة الأولى، يبدو هذا الاعتقاد صحيحاً، عند النظر إلى ما يجري بمعزل عن خلفياته الضاربة في الماضي القريب. وبالأخذ في الاعتبار تلك الخلفيات، سيتضح أن “التاريخ” الفاصل سبق 11/9/2001 بكثير، فهو في الحقيقة يوم زوال الاتحاد السوفييتي في 21/12/1991.
بدءاً من ذلك التاريخ، أصبحت أمريكا – لأول مرة في تاريخها – أقدر – ومن دون منافس حقيقي، أو خصم ند – على تحقيق أهداف سياساتها الخارجية من أي وقت مضى، مع تحوُّل النظام العالمي – لمصلحتها – إلى نظام القطب الواحد، الذي فيه أمريكا هي ذلك القطب.
وأضحت سطوة الولايات المتحدة ملحوظة في كل أرجاء العالم. فلقد فرضت هذه الدولة، التي هي، في الواقع – عسكرياً بشكل خاص – أكثر من “عظمى” (Hyper Power) نفوذها على معظم الكرة الأرضية. ورغم “القوة” الهائلة لهذه الدولة، التي لا يعرف التاريخ – حتى الآن – مثيلاً لمدى قوتها وتطورها وصلابة تنظيمها السياسي، إلا أن من المستحيل أن يظل النظام العالمي على ما هو عليه الآن، للأبد، فهو سيتغيّر، كما تغيّر سابقوه. ويتوقع المراقبون المعنيون أن يحل نظام “الأقطاب المتعددة” محله. ولكن، يصعب التنبؤ بالمدة الزمنية التي سيستمر فيها النظام العالمي الحالي. ولعل من أهم العوامل التي ستعجِّل بحدوث التغيير المشار إليه هو افتقار “القوة” الأمريكية لكثير من القيم الأخلاقية النبيلة، كما هو معروف.
وعلى أية حال، فإن الفهم الصحيح (السليم) لما يجري من أحداث مدوية، تجتاح العالم والمنطقة في الوقت الحاضر، يستوجب إلماماً صحيحاً بأبجديات “العلاقات الدولية” واستيعاباً مجرداً لمفهوم “النظام العالمي”، كما يتطلب فهماً علمياً للسياسة الأمريكية، بكل أبعادها، خاصة بعد أن أمست أمريكا القطب العالمي الوحيد، وحتى إشعار آخر.
العرب في ظل هذه التطورات
لقد تجرَّع العرب قدراً كبيراً من المرارة، في ظل الأنظمة العالمية السابقة، ومنها “النظام العالمي” المنتهي عام 1991. لكن النظام العالمي الحالي يسقيهم الحنظل والأمرَّين. فلعله، بالنسبة إليهم “أسوأ” نظام عالمي ممكن، حتى الآن، لأسباب واضحة للمراقبين وغيرهم. ولا يمكن تصوُّر نظام عالمي أسوأ بالنسبة للشعوب العربية، إلا أن يكون نظام القطب الواحد، والقطب فيه هو: إسرائيل. ولكن، وباعتبار ما يربط أمريكا بإسرائيل، يصبح سيان أن يكون القطب (المنفرد) هو: أمريكا أو إسرائيل.
ولهذا، كان النظام العالمي السابق (بقطبيه: الاتحاد السوفييتي وأمريكا) أرحم نسبياً – بل كثيراً – من النظام العالمي الحالي. الأمر الذي يجعل زوال الاتحاد السوفييتي بمثابة كارثة (غير مباشرة) حلّت بالعرب. فقد كان وجود قطب آخر (ثانٍ) في مصلحة كل المستضعفين في العالم، وفي مقدمتهم العرب. لأن ذلك القطب يحجِّم كثيراً من الجموح الأمريكي، ويجعل لأمريكا خصماً نداً، تخشى الاصطدام المباشر به.
لو كان الاتحاد السوفييتي قائماً، لما تجرأت أمريكا على احتلال أفغانستان والعراق، والعربدة في العالم، على النحو الملاحظ الآن. ولكن بعض العرب لا يعون هذه الحقيقة، أو يعلمون ويتجاهلون. لقد كان أولئك البعض يتهمون كل من ينادي بضرورة وجود “اتحاد سوفييتي”، أو غيره، في مواجهة أمريكا، بأنه شيوعي! وهي تهمة كانت سائدة، واستُبدلت الآن بصفة “علماني”! علماً بأن الغالبية الساحقة ممن كانوا يتمنون وجود قطب آخر – سواء الاتحاد السوفييتي أو غيره – وعدم انفراد قطب واحد، سواء أمريكا أو غيرها، بالقطبية العالمية، هم من الليبراليين الرافضين للشيوعية والامبريالية معاً. ولكن، تظل لبعض العرب – كالعادة – قراءتهم العجيبة للواقع، وفهمهم الخاص – المريب – لمنطق التاريخ.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2334::/cck::
::introtext::
ظاهرياً، تسبَّبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في حدوث تغيرات كبيرة وملموسة وواسعة، من دون شك، في مسار العلاقات الدولية الراهنة. ولعل أهم هذه الأحداث/ التداعيات يمكن إيجازها بما يلي:
::/introtext::
::fulltext::
ظاهرياً، تسبَّبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في حدوث تغيرات كبيرة وملموسة وواسعة، من دون شك، في مسار العلاقات الدولية الراهنة. ولعل أهم هذه الأحداث/ التداعيات يمكن إيجازها بما يلي:
1- تفاقم الهيمنة الأمريكية على مقاليد السياسة الدولية، وإقدام أمريكا على تسريع محاولات فرض إرادتها – أو إرادة حكامها على الأصح – على العلاقات الدولية، بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
2- شنّ أمريكا ما تسميه بـ “الحرب على الإرهاب” وتجنيدها بعض دول العالم لـ “المحاربة” في صفها – ومن أجلها – ضد ذلك العدو (الهلامي)، وتحت هذا الستار، احتلت أمريكا أفغانستان والعراق، وقتلت وأصابت واعتقلت عشرات الآلاف من “المشتبه بهم” (من العرب والمسلمين). ومن يقاوم ذلك العدوان والظلم والغزو، هو “إرهابي” – أيضاً – تهدر أمريكا دمه وماله!
3- كما جعلت العالم يحبس أنفاسه، ترقباً لما هو آت، إذ تريد أمريكا – كما تقول – إعادة رسم خارطة “الشرق الأوسط”، وغيرها من مناطق العالم، بما “يضمن أمن شعبها” – كما تدّعي. وفي الحقيقة، هي تسعى لإضعاف العرب أكثر – عبر تفكيكهم أكثر – واستغلال ثرواتهم النفطية، وضمان السيطرة الصهيونية على المنطقة، ومن ثم تثبيت دعائم الهيمنة الأمريكية على مفاصل الاقتصاد العالمي، للحيلولة دون صعود أي “قطب” منافس لأمريكا، وضمان بقاء الهيمنة الأمريكية على العالم طيلة القرن الحادي والعشرين، وربما بعده. فالمنطقة العربية، بموقعها وثرواتها – وخاصة النفطية – هي “الحربة” التي تمكِّن القوة الدولية التي تسيطر عليها من السيطرة على العالم، أو على أهم دوله.
لقد استغلت الإدارة الأمريكية اليمينية المتشددة (المحافظين الجدد) أحداث 11/9/2001 لتسارع في تنفيذ هذه السياسة/ الخطة، التي وضعت – في تقارير استراتيجية شهيرة ومعروفة – قبل وقوع تلك “الأحداث” بسنوات. وكشفت الإدارة الأمريكية عن وجهها الحقيقي عندما أخذت تمعن في الضرب بكل قيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، التي تدّعي – زوراً وكذباً – أنها تحميها، بحجة “حماية الأمن الوطني الأمريكي”. هم يريدون أن يكون هذا القرن “قرناً أمريكياً” خالصاً، بعد أن كان نصف القرن الماضي (الأخير) كذلك. بل يريدون هيمنة أكبر وأوسع في القرن الحادي والعشرين.
وبالطبع، فإن لهذه الحملة أبعاداً اجتماعية وثقافية ودينية واضحة، إضافة إلى البعدين السياسي والاقتصادي. وهي، على أية حال، عبارة عن خطة مكشوفة تخلو من الذكاء، ومن القيم الأخلاقية النبيلة. لهذا لا يتصوّر أن تحقق الكثير من القبول والنجاح.
ولا جدال في أن الأمة العربية والإسلامية، كانت ولا تزال، أكثر المتضررين من هذه التطورات الهائلة، وذلك – ببساطة – لأن أرضها وإنسانها جعلا ساحة للحرب الأمريكية الأحادية، واتخذتها أمريكا قرباناً أو ضحية تؤسس على أنقاضها الهيمنة الكونية المنتظرة. فكان أن ألصقت بهذه الأمة تهماً شتى، منها “الإرهاب”، وشرعت بشرذمتها أكثر، وتقوية إسرائيل، ودعم تطلعها للسيطرة على المنطقة، وتصعيد تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبقية البلاد العربية. وتزايدت وتيرة نهب الثروة النفطية العربية. وضُرب بعرض الحائط أهم الآمال القطرية والقومية العربية، في الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، والاتحاد.
فالهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية المتصاعدة على المنطقة، ستمعن في حرمان شعوب المنطقة – في الواقع – من التمتع بالمضامين الحقيقية لهذه القيم السامية، وإن ادّعت “أمريكائيل” العكس. وسجل السياسة الأمريكية تجاه المنطقة يؤيد هذا التشاؤم. الأمر الذي غالباً ما يؤدي إلى تخلف عربي أكبر، وفي كل المجالات.
لقد أسفرت هذه الحملة الأمريكية (الصهيونية) منذ 11/9/2001 وحتى الآن، عن مقتل الآلاف من العرب والمسلمين، وجرح عشرات الآلاف (معظمهم من المدنيين الأبرياء) واعتقال ومضايقة أعداد مماثلة، وتدمير بلاد بأكملها. ويقف العراق (المدمَّر) شاهداً حياً على هذه المأساة التي أنزلت بالأمة، علماً بأن قرار تدمير ما تبقى من العراق اتخذ – بشهادة بعض المسؤولين الأمريكيين – قبل أحداث 11/9/2001 بحيث تقتل أمريكا يومياً ما متوسطه 6 مدنيين عراقيين منذ 9/4/2003 وحتى نهاية عام 2003، بينما تتكفل إسرائيل بقتل عدد مماثل – يومياً – من أبناء الشعب العربي الفلسطيني الأعزل (إنها أيضاً حرب إبادة). ويُعتقد أن من التطورات السلبية لهذه السياسة أن اشتد عود التطرُّف والغلو، كرد فعل على التطرُّف الأمريكي – الصهيوني. ومارس ذلك التطرُّف – بدوره – دوراً تدميرياً وسلبياً معروفاً، تذهب ضحيته البقية الباقية من قيم التحضر المدني العربي، إضافة إلى خسائر هائلة في الأرواح والممتلكات. إن محصلة هذه التداعيات كانت – ولا تزال – بمثابة نكبة جديدة، تحيق بالحضارة العربية، بل وبالشخصية الثقافية العربية ككل.
وهنا يبرز السؤال التالي: هل أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي التي قادت إلى هذه التطورات المروعة؟! إن من التبسيط (المخل) القول إن: هذه الأحداث هي سبب ما يجري في العالم – والمنطقة – منذ يوم 12/9/2001 وحتى الآن. فما يحصل هو – في الواقع – نتاج واقع دولي معيَّن، وتجسيد لسياسات (اقتصادية وسياسية وعقائدية) مبيَّتة، للقطب الوحيد المهيمن حالياً على النظام العالمي الراهن. إن 11/9/2001 ليس هو التاريخ الفاصل بين عهدين (مختلفين) في العلاقات الدولية الراهنة، وإن كان التاريخ الذي بُدئ بعده مباشرة في “تفعيل” تلك السياسات، بشكل متسارع، على النحو الذي يشهده العالم. ونوضح ذلك أكثر في ما يلي:
صحيح أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد “عجّلت” بحصول تداعيات هائلة معروفة على الساحة الدولية، إذ اتخذت “ذريعة” – من قِبل أمريكا – كما هو معروف، لبدء تنفيذ الخطة الاستراتيجية الأمريكية، الموضوعة لهذا القرن. وهذا الأمر يدعم – على أي حال – بعض الشكوك المحيطة بملابسات حدث 11/9/2001. والواقع أن تلك “الخطة” وُضعت فور انهيار المعسكر الشرقي، وزوال الاتحاد السوفييتي، بتاريخ 21/12/1991، ومع انتهاء “الحرب الباردة”، بـ “انتصار” المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة.
إن زوال المعسكر الشرقي أدى إلى انفراد أمريكا بالتربع فوق قمة العالم الاقتصادية – السياسية، وتحوّل “النظام العالمي” السابق (نظام القطبية الثنائية الهشّة) إلى نظام القطب الواحد، و”القطب” فيه هو: الولايات المتحدة. وفور حدوث ذلك التطور الهائل والمذهل حقاً – والذي من عجبه أن تم سلماً – في النظام العالمي، شرعت أمريكا بوضع الخطط والاستراتيجيات التي تضمن تثبيت و”استمرار” هذه الهيمنة الرهيبة، لأطول فترة ممكنة، عبر إعادة “ترتيب” العالم، والسياسة الدولية، بصفة عامة، وفق الهوى الأمريكي. ومن ذلك تقرير أمن أمريكا في القرن المقبل. ولعل ذلك أمر طبيعي ومتوقع. فهذا هو “العصر الذهبي” لأمريكا. وبما أن “مصائب قوم عند قوم فوائد”، و”فوائد قوم عند قوم مصائب”، فإن هذا العصر بذاته قد يكون – منطقياً وفعلياً – أسوأ العصور بالنسبة لمن تتربص بهم أمريكا، أو تناصبهم العداء.
لقد أخذ العالم العربي “يؤرخ” لما يجري من أحداث وتطورات جسام في ساحة العلاقات الدولية بـ 11 سبتمبر 2001، باعتباره تاريخاً فاصلاً بين عهدين مختلفين. وللوهلة الأولى، يبدو هذا الاعتقاد صحيحاً، عند النظر إلى ما يجري بمعزل عن خلفياته الضاربة في الماضي القريب. وبالأخذ في الاعتبار تلك الخلفيات، سيتضح أن “التاريخ” الفاصل سبق 11/9/2001 بكثير، فهو في الحقيقة يوم زوال الاتحاد السوفييتي في 21/12/1991.
بدءاً من ذلك التاريخ، أصبحت أمريكا – لأول مرة في تاريخها – أقدر – ومن دون منافس حقيقي، أو خصم ند – على تحقيق أهداف سياساتها الخارجية من أي وقت مضى، مع تحوُّل النظام العالمي – لمصلحتها – إلى نظام القطب الواحد، الذي فيه أمريكا هي ذلك القطب.
وأضحت سطوة الولايات المتحدة ملحوظة في كل أرجاء العالم. فلقد فرضت هذه الدولة، التي هي، في الواقع – عسكرياً بشكل خاص – أكثر من “عظمى” (Hyper Power) نفوذها على معظم الكرة الأرضية. ورغم “القوة” الهائلة لهذه الدولة، التي لا يعرف التاريخ – حتى الآن – مثيلاً لمدى قوتها وتطورها وصلابة تنظيمها السياسي، إلا أن من المستحيل أن يظل النظام العالمي على ما هو عليه الآن، للأبد، فهو سيتغيّر، كما تغيّر سابقوه. ويتوقع المراقبون المعنيون أن يحل نظام “الأقطاب المتعددة” محله. ولكن، يصعب التنبؤ بالمدة الزمنية التي سيستمر فيها النظام العالمي الحالي. ولعل من أهم العوامل التي ستعجِّل بحدوث التغيير المشار إليه هو افتقار “القوة” الأمريكية لكثير من القيم الأخلاقية النبيلة، كما هو معروف.
وعلى أية حال، فإن الفهم الصحيح (السليم) لما يجري من أحداث مدوية، تجتاح العالم والمنطقة في الوقت الحاضر، يستوجب إلماماً صحيحاً بأبجديات “العلاقات الدولية” واستيعاباً مجرداً لمفهوم “النظام العالمي”، كما يتطلب فهماً علمياً للسياسة الأمريكية، بكل أبعادها، خاصة بعد أن أمست أمريكا القطب العالمي الوحيد، وحتى إشعار آخر.
العرب في ظل هذه التطورات
لقد تجرَّع العرب قدراً كبيراً من المرارة، في ظل الأنظمة العالمية السابقة، ومنها “النظام العالمي” المنتهي عام 1991. لكن النظام العالمي الحالي يسقيهم الحنظل والأمرَّين. فلعله، بالنسبة إليهم “أسوأ” نظام عالمي ممكن، حتى الآن، لأسباب واضحة للمراقبين وغيرهم. ولا يمكن تصوُّر نظام عالمي أسوأ بالنسبة للشعوب العربية، إلا أن يكون نظام القطب الواحد، والقطب فيه هو: إسرائيل. ولكن، وباعتبار ما يربط أمريكا بإسرائيل، يصبح سيان أن يكون القطب (المنفرد) هو: أمريكا أو إسرائيل.
ولهذا، كان النظام العالمي السابق (بقطبيه: الاتحاد السوفييتي وأمريكا) أرحم نسبياً – بل كثيراً – من النظام العالمي الحالي. الأمر الذي يجعل زوال الاتحاد السوفييتي بمثابة كارثة (غير مباشرة) حلّت بالعرب. فقد كان وجود قطب آخر (ثانٍ) في مصلحة كل المستضعفين في العالم، وفي مقدمتهم العرب. لأن ذلك القطب يحجِّم كثيراً من الجموح الأمريكي، ويجعل لأمريكا خصماً نداً، تخشى الاصطدام المباشر به.
لو كان الاتحاد السوفييتي قائماً، لما تجرأت أمريكا على احتلال أفغانستان والعراق، والعربدة في العالم، على النحو الملاحظ الآن. ولكن بعض العرب لا يعون هذه الحقيقة، أو يعلمون ويتجاهلون. لقد كان أولئك البعض يتهمون كل من ينادي بضرورة وجود “اتحاد سوفييتي”، أو غيره، في مواجهة أمريكا، بأنه شيوعي! وهي تهمة كانت سائدة، واستُبدلت الآن بصفة “علماني”! علماً بأن الغالبية الساحقة ممن كانوا يتمنون وجود قطب آخر – سواء الاتحاد السوفييتي أو غيره – وعدم انفراد قطب واحد، سواء أمريكا أو غيرها، بالقطبية العالمية، هم من الليبراليين الرافضين للشيوعية والامبريالية معاً. ولكن، تظل لبعض العرب – كالعادة – قراءتهم العجيبة للواقع، وفهمهم الخاص – المريب – لمنطق التاريخ.
::/fulltext::
::cck::2334::/cck::
