مع قرب انتهاء ولاية الرئيس خاتمي: الإصلاحيون الإيرانيون و أزمتهم

::cck::2326::/cck::
::introtext::

إن المتابع للشأن الإيراني الداخلي هذه الأيام سيلحظ بجلاء أن تيار اليسار الديني أو ما يُسمى بـ “تيار جبهة الثاني من خرداد الإصلاحية” يعيش حالة من الخفوت والانزواء إلى الظل منذ قيام مجلس صيانة الدستور برفض أهلية زهاء 3600 شخص ممن تقدموا بطلبات ترشيح للانتخابات النيابية السابعة بينهم 82 نائباً من الدورة النيابية السادسة ومثقفون ورجال دين ورؤساء تحرير صحف جُلّهم من تيار الثاني من خرداد، مستنداً في إجرائه إلى البند الأول والثالث من المادة 28 من قانون الانتخابات المتعلقة بالالتزام بالإسلام والوفاء للدستور، وكانت تلك الحادثة إيذاناً بذهاب ريح التيار الإصلاحي ومجيء قوافل التيار المقصي من صناديق الاقتراح وهو التيار المحافظ بشخوص وبرامج جديدة قد تكون مُقاربة نوعاً ما إلى ما كان يطرحه الإصلاحيون.

::/introtext::
::fulltext::

إن المتابع للشأن الإيراني الداخلي هذه الأيام سيلحظ بجلاء أن تيار اليسار الديني أو ما يُسمى بـ “تيار جبهة الثاني من خرداد الإصلاحية” يعيش حالة من الخفوت والانزواء إلى الظل منذ قيام مجلس صيانة الدستور برفض أهلية زهاء 3600 شخص ممن تقدموا بطلبات ترشيح للانتخابات النيابية السابعة بينهم 82 نائباً من الدورة النيابية السادسة ومثقفون ورجال دين ورؤساء تحرير صحف جُلّهم من تيار الثاني من خرداد، مستنداً في إجرائه إلى البند الأول والثالث من المادة 28 من قانون الانتخابات المتعلقة بالالتزام بالإسلام والوفاء للدستور، وكانت تلك الحادثة إيذاناً بذهاب ريح التيار الإصلاحي ومجيء قوافل التيار المقصي من صناديق الاقتراح وهو التيار المحافظ بشخوص وبرامج جديدة قد تكون مُقاربة نوعاً ما إلى ما كان يطرحه الإصلاحيون.

جُذور اليسار الديني في إيران

بعد وقوع الانقلاب على حكومة الدكتور محمد مُصَدَّق (1881-1967) في عام 1953 قام الشاه بحملة اعتقالات شرسة ضد أتباع مُصدق، في حين شَرَعَ بعضهم ممن سَقَطَت أسماؤهم من مضبطة السافاك بتشكيل تكتل رديف أطلقوا عليه “المقاومة الوطنية” إلاّ أن الخلافات التنظيمية والسياسية بين أعضائه عجَّلت بكشف أسماء المُنظّمِين فيه من قِبَل أجهزة السافاك الرهيبة والقبض على كوادره الأمر الذي أدى إلى حلّ الحزب.

وفي عام 1954 فُتِكَ بحزب “تودة الشيوعي” وجناحه المسلح بحركة دموية شرسة وألقي القبض على المئات من أعضائه بينهم كبار قادة التنظيم وأعدم عدد آخر، وبعد عام بالتحديد ألقي القبض أيضاً على زعامات وأعضاء منظمة فدائيي الإسلام بقيادة نواب صفوي، وخلال فترة الانفتاح السياسي مع مطلع عام 1960 استطاعت الحركة الحزبية الإيرانية أن تلتقط أنفاسها وتقوم بعملية تجديد فكرية وسياسية فتحالفت عدة تكتلات وأحزاب ذات أذواق متباينة وتم تشكيل الجبهة الوطنية الثانية لتتصاعد قوتها بشكل ملحوظ حين أخذت تمارس نشاطاتها السياسية والحزبية بحرية أكبر مستقوية بحوار صُوري أجرته مع الشاه لحلحلة الوضع السياسي المحتقن، وفي عام 1961 انشق الجناح الأصولي من داخل الجبهة الوطنية، وأعلن عن تشكيله تنظيماً جديداً يحمل اسم “حركة تحرير إيران” حيث اتسم البنيان الفكري والسياسي لهذه الحركة بمزيد من التصلب والراديكالية أكثر مما كانت عليه الجبهة الوطنية، وأعلنت عن نهجها وفكرها على الصعيد السياسي والديني في أوّل بيان لها أولاً: نحن مسلمون ونعتقد بأن السياسة جزء لا يتجزأ من الدين. ثانياً: إننا إيرانيون. وثالثاً: منهجنا السير على خطى الدستور. رابعاً: نحن أنصار مصدّق سائرون على نهجه وفكره.

وفي هذه الأثناء كان الخط الإسلامي السائد في إيران ما بعد حركة نواب صفوي عبارة عن فضاء ديني لا يحدّه شيء أو تحتويه جماعة، خصوصاً أنه كان يعيش بتوجيه مركزي من شخوص دينية في الحوزة العلمية في إيران أبرزها الإمام الخميني وآية الله أحمد الخوانساري، إلاّ أنه ومع حلول عام 1973 ظهرت جماعة إسلامية جديدة منشقة من رحم منظمة “مجاهدي خلق” أطلق عليها اسم “مجاهدي الثورة الإسلامية” برئاسة حجة الإسلام راستي، وكان ذلك الانشقاق نتيجة لخلاف أيديولوجي حاد عصف بالمنظمة بين القوى اليسارية المُتأسلمة وبين الإسلاميين الدينيين، فقد كانت منظمة مجاهدي خلق تنهل من قواعد فلسفية وعقائدية متناقضة لا تنتهي إلى إفضاء “غائي” متوازن ومقبول، فهم أرادوا الانتماء إلى الإسلام بشكل مطلق إلاّ أنهم عملياً أعلنوا انتسابهم إلى الماركسية من دون الالتزام بمعجمها الحزبي، وبالرغم من إسلاميتهم كانوا يعتقدون بأنهم بتخليهم عن الجانب الفلسفي من المادية الجدلية يستطيعون اتخاذ الماركسية أساساً للعمل الثوري، رغم أن الديالكتيك هو جوهر مهم في الفكر الماركسي، وفي ما يخص الإسلام (وبرغم التاريخ الفقهي الطويل) رجعوا إلى الإيمان الأوّلي حسب زعمهم لينتهوا إلى أصولية شيعية مطعّمة بماركسية – لينينية – ستالينية صرفة غير متجانسة في مبانيها وقواعدها، وكانوا في الوقت نفسه يعلنون انتماءهم الإسلامي مع المطالبة بدين مجرد من كل الأحكام القضائية والاجتهادات الفقهية، مفتشين مع ذلك في هذا الإسلام الأصولي عن وسيلة للنضال السياسي في الوقت الذي كانوا يدعون أنهم ماركسيون في ما يخص النهج الذي يجب تطبيقه، وأنها (أي الماركسية) علم قوانينه حتمية، ويُمكن الاستناد إليها لتنظيم الصراعات السياسية، وكان ذلك الغموض في المباني النظرية للمنظمة قد أعاد إلى الذهن أزمة أصالة الأطر التنظيمية لكثير من القوى السياسية التي كانت تستعير المفاهيم والقوالب الفكرية، وكانوا إلى جانب ذلك يتظاهرون بفوقية فكرية ويحتقرون الإسلاميين الإيرانيين، ويعتبرونهم اجتراراً لغش فكري وذهني مُتداول.

وقبل انتصار الثورة الإسلامية بعامين تشكلت رابطة علماء الدين المجاهدين (روحانيت مبارز) بمبادرة من مطهري وبهشتي وباهنر ومُفَتَّح، وكانت المقود الفعلي للحالة الإسلامية الثورية التي تحركت بقوة ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي المتهالك، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في 11 فبراير 1979 تداعت بعض الأحزاب الإيرانية التقليدية كحركة الحرية ومنظمة خلق للتحاصص مع الحكم الجديد الذي قَبِلَها في البداية مستفيداً من مقبوليتها الدولية وإرضاءً لقواعدها الشعبية الحائرة بينها وبين النَفَس الديني الجديد الصاعد بقوة، وفي سبيل إجراء عملية محازبة جديدة لغربلة وفرز الكثير من رواسب تحالفات الماضي تمّ تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي (أو حزب الجمهورية الإسلامية) برئاسة آية الله بهشتي الذي كان أيضاً رئيساً لمجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز الثورية، إلاّ أن مقتله وأكثر من 81 من أعضاء الحزب الفعليين في انفجار أغسطس 1981 عندما كان مجلس الدفاع الأعلى يعقد اجتماعاً طارئاً لتدارس أوضاع الجبهات جعل من جدوى بقائه غير عملية، كما أن الإمام الخميني كان قد توصل أيضاً إلى النتيجة نفسها وأسداها غير مرة لمن بقي حياً من أعضائه وهو الأمر الذي عجّل بحلّه عام 1986.

انشقاق التيار الديني

ومع بدايات النصف الثاني من عام 1986 بدأت بوادر حالة من الانشقاق الحزبي تطفو على السطح في الشورى المركزية لرابطة علماء الدين المجاهدين (روحانيت مبارز) واستمر ذلك المخاض حتى مارس 1988 عندما انشق فصيل علماني إسلامي ثوري أكثر راديكالية من بين صفوف الرابطة أطلق عليه اسم “مجمّع علماء الدين المناضلين” (روحانيون مبارز) وكان ذلك بمباركة وبضوء أخضر من الإمام الخميني الذي بات يردد دائماً بأن النظام الإسلامي لن يستقيم إلاّ بجناحيه روحانيت وروحانيون.

وكان التباين الحاد في الرؤى والأفكار التنظيمية والسياسية والاقتصادية بين الحركة الأم وفصيلها هو الذي مهّد الطريق لذلك الانشقاق، ففي الوقت الذي ترى فيه بعض أطراف روحانيت أن عملية تنصيب الولي الفقيه غير معنية باستذواق آراء الناس لأنه فوق القانون، وأن جميع المؤسسات العاملة في كيان الدولة تستمد شرعيتها منه، بل إنه يدعو إلى تحويل الحكم إلى دولة العدل الإلهي الخالية من الانتخابات وتكون مصائر المجتمع بيد علماء الدين ولو بالنظَارَة كانت “روحانيون مبارز” ترى أن الولي الفقيه مقيّد بالدستور، ويعمل في إطاره وأن ولايته مطلقة في إطار الدستور وأن انتخابه مُلزِم في عصر الغَيْبة، وأن ثنائية جمهورية وإسلامية النظام هي بالتساوي، لأن مقتضيات الزمكانية، هي متلازمة للعمل التنفيذي وتدعيم المشاركة الشعبية، ولم يتقاطع الطرفان إلاّ في مبدأ تصدير الثورة ومعاداة الولايات المتحدة الأمريكية وعدم الوثوق بالمنظمات الدولية لأنها واقعة تحت نفوذ وسيطرة القوى الدولية الإمبريالية.

ودخل الطرفان في معارك سياسية وإعلامية طاحنة وصلت إلى حد لَي الأذرع والإقصاء، وهو ما حدث بشكل جلي بعد الانتخابات التشريعية الثالثة في العام 1994 عندما قام اليمين المتمثل في تشكيلات روحانيت مبارز (الذي كان يُعتبر التيار الأكثر انفتاحاً) بإقصاء اليسار المتحصّن بروحانيون مبارز (الموسوم آنذاك بالتشدد) مستعيناً بإرهاصات شعار إعادة الإعمار والبناء وخيار الانفتاح الذي رفعته حكومة الرئيس هاشمي رفسنجاني منذ يوليو 1988 وهو الأمر ذاته الذي جعل اليسار الإسلامي يعيش غربة اجتماعية وينكفأ لثلاث سنوات بعد أن كان طليق اليد طيلة عشر سنوات خَلَت.

وفي الفترة التي أقصِيْت فيها “روحانيون مبارز”، حصلت تغييرات بنيوية على فسيفساء خريطة ذلك التيار وتحالفاته وفي قواعده الحزبية والشعبية، فظهرت على يساره قوى دينية شابّة أكثر انفتاحاً متجاوزة الكثير من المحرّمات الاجتماعية والسياسية التي كان يتبناها اليسار التقليدي، وقد تبلورت تلك القوى بصورة أكثر وضوحاً في جبهة المشاركة الإسلامية التي تشكّلت بُعيد انتخابات 1997 التي أوصلت محمد خاتمي إلى كرسي الرئاسة، كما أن رياح التغيير انسحبت هي الأخرى على منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية التي تجددت قياداتها بعد استقالة حجة الإسلام راستي ومجيء محاربين آخرين أمثال محمد سلامتي وبهزاد نبوي، كما انسحب الأمر أيضاً على مكتب تعزيز الوحدة الطلابي (تحكيم وحدت) الذي يُعتبر المسؤول عن احتلال السفارة الأمريكية في طهران في بدايات الثورة الإسلامية، وساعد على تبلور ذلك اليسار الديني المعتدل ظهور نفس التمظهر الحزبي على يسار روحانيت مبارز اليمينية، تمثّل في كوادر بناء إيران ضم عشرة من وزراء حكومة رفسنجاني وستة من مساعديه، وهو عملياً مؤيد بقوة لتوجهات رفسنجاني الفكرية وآرائه السياسية، كما ظهر على يمين اليمين تيارٌ سياسي أكثر راديكالية بمسمّى “جمعية الدفاع عن قيم الثورة الإسلامية” بزعامة محمدي ريشهري في 6 أيلـول 1995.

وبُعيد انتخابات 1997 الرئاسية ائتلف الجمع مشكّلين طيفاً سياسياً عريضاً ضم زهاء 18 تنظيماً يسارياً إسلامياً ويمينياً متحرراً وبعضاً من فتات السياسيين أُطلق عليه اسم “جبهة الثاني من خرداد” متآزرين على أمر هزيمة التيار المحافظ المتحصن في تشكيلات روحانيت مبارز وحزب “المؤتلفة” الإسلامي وأنصار حزب الله وتوابعه، ومحاولة تفكيك الحياة السياسية الإيرانية وجعلها أكثر تحرراً وانبساطاً.

كما أن ذلك التيار العريض يستبطن في داخله هويات دينية وثقافية وسياسية متغايرة إلى الحد الذي لا يمكن تصوره في مقابل الجناح المحافظ، فولاية الفقيه والعملية الاقتصادية والسياسية وتسيير الحركة الثقافية وفنون الإدارة والحريات العامة كلها ملفات لم تُحسم فيما بينهم وإن حُسِمت فإنه يبقى مُجمعاً على ثلاثة أمور:
1- تحديد المفاهيم الهلامية المجردة التي تدعو إلى مطلقية موقع الولي الفقيه وجعلها تدور مدار الدستور بحيث يصبح المرشد مسؤولاً مسؤولية كاملة أمام الشعب.
2- تدعيم عملية الحضور الشعبي في صنع القرارات السياسية والاقتصادية والمساءلة التشريعية، وإرساء دعائم الحرية والديمقراطية القائمة على احترام الآخر وتأييد إعطاء الأحزاب أحقية الممارسة السياسية.
3- إعطاء الأولوية في المناصب التنفيذية والتشريعية للتكنوقراط، وجعل ذلك هو المعيار في التنصيب بدلاً من تقديم مفاهيم كالإخلاص والولاء المطلق لولاية الفقيه (وإن شاب ذلك بعض الخلاف بينهم).

العصر الذهبي لليسار الديني

مثّل فوز محمد خاتمي في انتخابات الثالث والعشرين من مايو 1997 رجوعاً قوياً لما يُعرَف باليسار الديني الراديكالي إلى السلطة وبمعيته تيارٌ عريض من التشكيلات الحزبية ذات السّمة التكنوقراطية التي بدأت تتشكل وتظهر إبان حكم الرئيس هاشمي رفسنجاني (15 يوليو 1989 –2 أغسطس 1997) وكان الفوز الذي حققته تلك القوى كبيراً لدرجة أنها رأت فيه فرصة سانحة للدفع ببرامجها السياسية والاقتصادية والثقافية من دون فرامل ولا حساب للقوى المحافظة المتنفذة في أجهزة الدولة الأخرى، ثم تلا ذلك الفوز الرئاسي فوز التيارات ذاتها في الدورة البرلمانية السادسة ثم فوزها في انتخابات المجالس المحلية في العام 2001 وهو ما عزز الكثير من قوتها التنفيذية والتشريعية، وبدأت تنادي علناً بتطلعها لتشذيب الكثير من مسائل الدولة وحقها في تقرير مصير بعض المؤسسات الأخرى كمؤسسة الإذاعة والتلفزيون ومؤسسة المستضعفين وبالخصوص تلك الداخلة ضمن سلطة المرشد، وقد سمح الأخير عبر رسالة بعث بها إلى رئيس البرلمان آنذاك مهدي كروبي بأن المجلس له الحق في التحقيق مع أي مؤسسة من مؤسسات النظام.

أخطاء اليسار الديني

بعد تعزز وجود قوى “جبهة الثاني من خرداد” واختلال في ميزان القوى داخل النظام بدأت أشبه ما تكون بعملية العبث بالتوازنات وعمليات إقصاء متقصدة للقوى المحافظة وحتى لبعض المعتدلين في جبهة الثاني من خرداد، وقُدّمت الولاءات السياسية على الكفاءة، ثم تمّ العمل على ضرب المنظومة الثقافية السائدة بحملة متطرفة ومن دون أية مقدمات، فبدأت الصحافة الإصلاحية في الجنوح إلى مناحٍ خطيرة ذات تماس مـع خطوط عرفية وقدسية في المجتمع الإيراني بشكل عام والحوزوي بشكل خاص، وبدأت في التأسيس لمناخات مشحونة بسياسة الإسقاط لرجال الدولة والرموز السياسية والدينية، والتعرض للمرتكزات الأصلية للدولة الدينية كالتشكيك بولاية الفقيه وقانونية بعض المواد الدستورية، وبدأت تلعب أدواراً فوضوية في لعبة الاستحقاقات الحزبية وتشجيع الانتقام البيني للأجنحة والتيارات، بل لعبت أيضاً الدور نفسه الذي لعبته بعض الصحف إبّان عهد الشاه محمد رضا بهلوي عندما زجّت نفسها في مهاترات وصراعات عقائدية وفقهية مع رجال الحوزة العلمية، وهو ما يعتبر أمراً خطيراً في مجتمع تسوده المحافظة الدينية.

فبعد قدوم التيار الإصلاحي بعامين أو أقل قامت إحدى الصحف الإصلاحية بنشر رسم كاريكاتيري صوّرت فيه آية الله محمد تقي مصباح يزدي منظّر التيار المحافظ وعضو مجلس الخبراء وأحد فقهاء حوزة قم المقدسة على شكل “تنين” تخرج النار من فمه، الأمر الذي دفع بطلبة العلوم الدينية إلى التظاهر والاعتصام وإيقاف دروسهم الدينية احتجاجاً، ولم ينته ذلك الاعتصام إلاّ بعد أن طلب منهم المرشد (الذي بدا محرَجاً أمام المؤسسة الدينية) ذلك، كما نشرت صحيفة “موج” الطلابية نصاً مسرحياً أشارت فيه بتهكم إلى الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية) وهو حدث في غاية الدلالة ومدعاة للتأمل بأناة.

وبعدها نشرت صحيفة “نشاط” التي كان يرأس تحريرها ما شاء الله شمس الواعظين مقالات متتالية دعت فيها إلى إلغاء عقوبة الإعدام والقصاص من الفقه الإسلامي لأنه يتنافى وحقوق الإنسان وهو ما اعتبرته المرجعية الدينية مساساً بقدسية النصوص، أو كما حصل لصحيفة “حيات نو” عندما نشرت كاريكاتيراً يُصوِّر أحد رجال الدين في إحدى المحاكم الأمريكية وهو يُسحق بإبهام (مُكبّر) للرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت  وكان الرجل المسحوق في الكاريكاتير قريب الشبه لوجه الإمام الخميني الشخصية الكاريزمية المعروفة، والغريب أن نشر ذلك الكاريكاتير (رُغمَ أنه نُشِرَ أصلاً في العام 1936) قد صادف ذكرى نشر إحدى الصحف الإيرانية في العهد البهلوي لمقال اتهِم فيه الإمام الخميني بالخائن وهو ما فجر الشارع الديني ضد السلطة آنذاك.

كما قامت الصحافة المحسوبة على تيار الرئيس خاتمي بنعت رجال دين كبار في الحوزة العلمية وفي التيار المحافظ بأصحاب الفكر الطالباني أو بالتحجّر ومعاداة المدنية ودولة المؤسسات والتطور المجتمعي رغم أن العديد منهم هم أعضاء في مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور ومسؤولون في السلطة القضائية. كما أطلقت وزارة الثقافة والإرشاد (المهاجرانية) العنان للصحافة لأن تتمادى في الاتهام والتجريح الشخصي لأفراد في المجتمع السياسي والديني والثقافي لهم صفة اعتبارية، الأمر الذي دفع السلطة القضائية لأن تتعامل مع الصحافة بشكل غليظ في ظل تراخي قبضة مهاجراني على خريطة الحدث الثقافي وما يُطرح في الإعلام المكتوب الذي بات بنظر بعض قيادات الثورة تمادياً خطيراً في المنظومة الثقافية المتعددة المشارب بعد أن وصلت الأمور إلى حد المنادات بأطروحات ضد أصل مشروعية الدولة الإيرانية (الدينية) وهو ما فُسِّر من قِبَل القيادة العليا بأنه تهديدٌ مباشر للكيان السياسي للدولة وبمبادئه الفلسفية، وبالتالي فإنها تعتقد بأن أي إجراء تتخذه ضد “تلك التصرفات” هو نابع من أن الدولة يجب أن تكون أمينة على حماية أصل نظامها ولا يمكنها أن تكون حيادية أمام إسلاميته وإطاره المعرفي والأيديولوجي.

وكانت تلك الأحداث مادة دسمة لأن ينزل التيار المحافظ بقوة متحصناً في خندق الدفاع عن الثورة، وبات يتحدث عن أن مجلة كيان وسلام وجبهة المشاركة وإصدار الصحف المتماثلة وملف مسلسل الاغتيالات وأزمة الحي الجامعي في طهران ومؤتمر برلين وتعديل قانون المطبوعات ومشروع التمرد المدني في مواجهة المجتمع المدني والإخلال بالخط الفاصل بين الموالين وغير الموالين ودبلوماسية السبيل الثاني والضغط من الأسفل والاحتجاج في الأعلى وعصابة مفبركي الأشرطة والأزمة الأخيرة، كل هذه الأمور شكّلت مؤامرة منظمة من حزب المشاركة للإطاحة بالنظام الإسلامي يقودها كل من موسوي خوئينيها وبهرزو غرائبيان وعبد الكريم سـروش (مُنظّر الجبهة) وماشاء الله شمس الواعظين وهادي خلنيكي وشهلا شركت وعباس عبدي وعطريان فر.

انقسام التيار الإصلاحي

بعد أزمة الترشيحات لانتخابات الدورة السابعة للبرلمان الإيراني بدأت بوادر انقسام في الجبهة الإصلاحية، ففي الوقت الذي أطلق فيه رموز ذلك التيار وبالخصوص جبهة المشاركة مواقف حادة من عملية مشاركتهم في الانتخابات أعلن حزب كوادر البناء على لسان أمين اللجنة السياسية فيه محمد هاشمي أنه ورغم رفض ترشيحات عدد من منتسبي الحزب إلاّ أن الأخير سيشارك في الانتخابات التشريعية السابعة باعتبارها واجباً وطنياً، وهذا الرأي هو ما لم نجده مثلاً في موقف مجمع علماء الدين المناضلين (روحانيون مبارز) وهو أقرب حلقات الإصلاحيين إلى نواة السلطة في الجمهورية الإسلامية والذي ينتمي إليه الرئيس خاتمي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي ووزير الداخلية موسوي لاري ومعظم رجال الدين في السلطة التنفيذية، حيث صرح مجيد أنصاري راد وهو عضو بالشورى المركزية بالمُجمّع ورئيس المادة 90 في البرلمان السادس بأن “روحانيون” لا يمكنها المشاركة في انتخابات صوريّة ومحسومة النتائج سلفا” لكنه نبّه إلى أن المجمّع سيشارك إذا أخذ مجلس صيانة الدستور بتوصيات قائد الثورة الإسلامية وهو ما حدث فعلاً.

كما أن مكتب تعزيز الوحدة (تحكيم وحدت) اليساري الذي كان ولوقت غير بعيد مسيطراً على النَفَس الطلابي في الجامعات والداعي بقوة إلى مقاطعة الانتخابات على غرار موقف جبهة المشاركة قد دخل في دوامة انقسام تنظيمي خطير بظهور تشكّل طلابي منافس له وهو اتحاد اللجان الطلابية الإسلامية الذي دعا في بيان له الحركة الطلابية للمشاركة في الانتخابات المقبلة بقوة وإلى تهميش المتطرفين في قوى اليمن واليسار باعتبارهم تيارات تتطلع إليهم كوسيلة لحصد أصواتهم ولترسيخ النزعات السياسية والسلطوية.

كما أن دخول التحالف من أجل إيران (إصلاحي) الذي يضم ثماني مجموعات وهي مجمّع علماء الدين المناضلين (روحانيون) وحزب كوادر البناء وبيت العامل وحزب التضامن وحزب العمل الإسلامي ورابطة السائرين على نهج الإمام ورابطة المرأة الإسلامية والاتحاد الإسلامي للمهندسين، في انتخابات الدورة السابعة عزز من حالة الانقسام في التيار الإصلاحي. ثم تعزز ذلك التشطير بعد قيام سبعين نائباً في المجلس النيابي السادس ممن رُفِضَت أهليتهم للدورة السابعة بتوجيه رسالة مفتوحة إلى المرشد يتهمونه فيها بأنه تواطأ سراً مع مجلس صيانة الدستور حول رفض أهليتهم، وهو ما حدا بباقي الأحزاب الإصلاحية لأن تنأى بنفسها عن تلك المماحكة مع أعلى سلطة في البلاد.

مستقبل التيار الإصلاحي

لا يُمكن إنكار أن شعارات محمد خاتمي قد حرّكت المياه الراكدة في إيران، وأنتجت حالة من الالتفات لتجديد بعض المفاهيم السائدة وهو ما جعل الكثير من التيارات تتدثر بموجة الإصلاح، كذلك بات ذلك المفهوم يُتناول من قبل كافة التيارات السياسية، وكأنه مصطلح جدلي تختلف الأفهام حوله لدرجة التباين الغائر، مما جعل التيار المحافظ يُجدد في أدبياته السياسية والفكرية وهو ما لوحظ بجلاء خلال حملتهم الانتخابية البرلمانية حين نادوا بأن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ليست حراماً كشرب الخمر ولا هي واجبة كالصلاة، كما بدأوا يتحدثون عن الحريات العامة والدستور وحقوق المواطن.

على أي حال يبدو أن فرصة عودة الإصلاحيين المتطرفين ستكون محدودة جداً خصوصاً أن مُرشحيهم للانتخابات الرئاسية ما زالوا من الخط المعتدل كمهدي كروبي ومصطفى معين، وإذا فاز كروبي (وهو الأرجح باعتباره اجتراراً طبيعياً لسياسات الرئيس محمد خاتمي) بالدوافع نفسها التي أوصلت الرئيس خاتمي إلى الحُكم، وأقصد بها دعم التيارات الإصلاحية المتطرفة كحزب المشاركة، فإنه سيُبقي على مجمل السياسات الخاتمية بتصرف بسيط، أما إذا امتنعت التيارات الإصلاحية المتطرفة وقاطعت الانتخابات وفاز كروبي بما تبقى له من أحزاب إصلاحية معتدلة، فإن ذلك سيؤدي إلى حالة من التوافق النسبي بين المحافظين والإصلاحيين وهبوط في مستوى الأزمة البينية، وهو ما سيؤدي في اعتقادي إلى نوع من التوازن في ميزان القوى داخل النظام، ولكن من المؤكد أن قوة التيار الإصلاحي لن تكون بالقوة ذاتها في الأعوام الثمانية الماضية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2326::/cck::
::introtext::

إن المتابع للشأن الإيراني الداخلي هذه الأيام سيلحظ بجلاء أن تيار اليسار الديني أو ما يُسمى بـ “تيار جبهة الثاني من خرداد الإصلاحية” يعيش حالة من الخفوت والانزواء إلى الظل منذ قيام مجلس صيانة الدستور برفض أهلية زهاء 3600 شخص ممن تقدموا بطلبات ترشيح للانتخابات النيابية السابعة بينهم 82 نائباً من الدورة النيابية السادسة ومثقفون ورجال دين ورؤساء تحرير صحف جُلّهم من تيار الثاني من خرداد، مستنداً في إجرائه إلى البند الأول والثالث من المادة 28 من قانون الانتخابات المتعلقة بالالتزام بالإسلام والوفاء للدستور، وكانت تلك الحادثة إيذاناً بذهاب ريح التيار الإصلاحي ومجيء قوافل التيار المقصي من صناديق الاقتراح وهو التيار المحافظ بشخوص وبرامج جديدة قد تكون مُقاربة نوعاً ما إلى ما كان يطرحه الإصلاحيون.

::/introtext::
::fulltext::

إن المتابع للشأن الإيراني الداخلي هذه الأيام سيلحظ بجلاء أن تيار اليسار الديني أو ما يُسمى بـ “تيار جبهة الثاني من خرداد الإصلاحية” يعيش حالة من الخفوت والانزواء إلى الظل منذ قيام مجلس صيانة الدستور برفض أهلية زهاء 3600 شخص ممن تقدموا بطلبات ترشيح للانتخابات النيابية السابعة بينهم 82 نائباً من الدورة النيابية السادسة ومثقفون ورجال دين ورؤساء تحرير صحف جُلّهم من تيار الثاني من خرداد، مستنداً في إجرائه إلى البند الأول والثالث من المادة 28 من قانون الانتخابات المتعلقة بالالتزام بالإسلام والوفاء للدستور، وكانت تلك الحادثة إيذاناً بذهاب ريح التيار الإصلاحي ومجيء قوافل التيار المقصي من صناديق الاقتراح وهو التيار المحافظ بشخوص وبرامج جديدة قد تكون مُقاربة نوعاً ما إلى ما كان يطرحه الإصلاحيون.

جُذور اليسار الديني في إيران

بعد وقوع الانقلاب على حكومة الدكتور محمد مُصَدَّق (1881-1967) في عام 1953 قام الشاه بحملة اعتقالات شرسة ضد أتباع مُصدق، في حين شَرَعَ بعضهم ممن سَقَطَت أسماؤهم من مضبطة السافاك بتشكيل تكتل رديف أطلقوا عليه “المقاومة الوطنية” إلاّ أن الخلافات التنظيمية والسياسية بين أعضائه عجَّلت بكشف أسماء المُنظّمِين فيه من قِبَل أجهزة السافاك الرهيبة والقبض على كوادره الأمر الذي أدى إلى حلّ الحزب.

وفي عام 1954 فُتِكَ بحزب “تودة الشيوعي” وجناحه المسلح بحركة دموية شرسة وألقي القبض على المئات من أعضائه بينهم كبار قادة التنظيم وأعدم عدد آخر، وبعد عام بالتحديد ألقي القبض أيضاً على زعامات وأعضاء منظمة فدائيي الإسلام بقيادة نواب صفوي، وخلال فترة الانفتاح السياسي مع مطلع عام 1960 استطاعت الحركة الحزبية الإيرانية أن تلتقط أنفاسها وتقوم بعملية تجديد فكرية وسياسية فتحالفت عدة تكتلات وأحزاب ذات أذواق متباينة وتم تشكيل الجبهة الوطنية الثانية لتتصاعد قوتها بشكل ملحوظ حين أخذت تمارس نشاطاتها السياسية والحزبية بحرية أكبر مستقوية بحوار صُوري أجرته مع الشاه لحلحلة الوضع السياسي المحتقن، وفي عام 1961 انشق الجناح الأصولي من داخل الجبهة الوطنية، وأعلن عن تشكيله تنظيماً جديداً يحمل اسم “حركة تحرير إيران” حيث اتسم البنيان الفكري والسياسي لهذه الحركة بمزيد من التصلب والراديكالية أكثر مما كانت عليه الجبهة الوطنية، وأعلنت عن نهجها وفكرها على الصعيد السياسي والديني في أوّل بيان لها أولاً: نحن مسلمون ونعتقد بأن السياسة جزء لا يتجزأ من الدين. ثانياً: إننا إيرانيون. وثالثاً: منهجنا السير على خطى الدستور. رابعاً: نحن أنصار مصدّق سائرون على نهجه وفكره.

وفي هذه الأثناء كان الخط الإسلامي السائد في إيران ما بعد حركة نواب صفوي عبارة عن فضاء ديني لا يحدّه شيء أو تحتويه جماعة، خصوصاً أنه كان يعيش بتوجيه مركزي من شخوص دينية في الحوزة العلمية في إيران أبرزها الإمام الخميني وآية الله أحمد الخوانساري، إلاّ أنه ومع حلول عام 1973 ظهرت جماعة إسلامية جديدة منشقة من رحم منظمة “مجاهدي خلق” أطلق عليها اسم “مجاهدي الثورة الإسلامية” برئاسة حجة الإسلام راستي، وكان ذلك الانشقاق نتيجة لخلاف أيديولوجي حاد عصف بالمنظمة بين القوى اليسارية المُتأسلمة وبين الإسلاميين الدينيين، فقد كانت منظمة مجاهدي خلق تنهل من قواعد فلسفية وعقائدية متناقضة لا تنتهي إلى إفضاء “غائي” متوازن ومقبول، فهم أرادوا الانتماء إلى الإسلام بشكل مطلق إلاّ أنهم عملياً أعلنوا انتسابهم إلى الماركسية من دون الالتزام بمعجمها الحزبي، وبالرغم من إسلاميتهم كانوا يعتقدون بأنهم بتخليهم عن الجانب الفلسفي من المادية الجدلية يستطيعون اتخاذ الماركسية أساساً للعمل الثوري، رغم أن الديالكتيك هو جوهر مهم في الفكر الماركسي، وفي ما يخص الإسلام (وبرغم التاريخ الفقهي الطويل) رجعوا إلى الإيمان الأوّلي حسب زعمهم لينتهوا إلى أصولية شيعية مطعّمة بماركسية – لينينية – ستالينية صرفة غير متجانسة في مبانيها وقواعدها، وكانوا في الوقت نفسه يعلنون انتماءهم الإسلامي مع المطالبة بدين مجرد من كل الأحكام القضائية والاجتهادات الفقهية، مفتشين مع ذلك في هذا الإسلام الأصولي عن وسيلة للنضال السياسي في الوقت الذي كانوا يدعون أنهم ماركسيون في ما يخص النهج الذي يجب تطبيقه، وأنها (أي الماركسية) علم قوانينه حتمية، ويُمكن الاستناد إليها لتنظيم الصراعات السياسية، وكان ذلك الغموض في المباني النظرية للمنظمة قد أعاد إلى الذهن أزمة أصالة الأطر التنظيمية لكثير من القوى السياسية التي كانت تستعير المفاهيم والقوالب الفكرية، وكانوا إلى جانب ذلك يتظاهرون بفوقية فكرية ويحتقرون الإسلاميين الإيرانيين، ويعتبرونهم اجتراراً لغش فكري وذهني مُتداول.

وقبل انتصار الثورة الإسلامية بعامين تشكلت رابطة علماء الدين المجاهدين (روحانيت مبارز) بمبادرة من مطهري وبهشتي وباهنر ومُفَتَّح، وكانت المقود الفعلي للحالة الإسلامية الثورية التي تحركت بقوة ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي المتهالك، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في 11 فبراير 1979 تداعت بعض الأحزاب الإيرانية التقليدية كحركة الحرية ومنظمة خلق للتحاصص مع الحكم الجديد الذي قَبِلَها في البداية مستفيداً من مقبوليتها الدولية وإرضاءً لقواعدها الشعبية الحائرة بينها وبين النَفَس الديني الجديد الصاعد بقوة، وفي سبيل إجراء عملية محازبة جديدة لغربلة وفرز الكثير من رواسب تحالفات الماضي تمّ تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي (أو حزب الجمهورية الإسلامية) برئاسة آية الله بهشتي الذي كان أيضاً رئيساً لمجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز الثورية، إلاّ أن مقتله وأكثر من 81 من أعضاء الحزب الفعليين في انفجار أغسطس 1981 عندما كان مجلس الدفاع الأعلى يعقد اجتماعاً طارئاً لتدارس أوضاع الجبهات جعل من جدوى بقائه غير عملية، كما أن الإمام الخميني كان قد توصل أيضاً إلى النتيجة نفسها وأسداها غير مرة لمن بقي حياً من أعضائه وهو الأمر الذي عجّل بحلّه عام 1986.

انشقاق التيار الديني

ومع بدايات النصف الثاني من عام 1986 بدأت بوادر حالة من الانشقاق الحزبي تطفو على السطح في الشورى المركزية لرابطة علماء الدين المجاهدين (روحانيت مبارز) واستمر ذلك المخاض حتى مارس 1988 عندما انشق فصيل علماني إسلامي ثوري أكثر راديكالية من بين صفوف الرابطة أطلق عليه اسم “مجمّع علماء الدين المناضلين” (روحانيون مبارز) وكان ذلك بمباركة وبضوء أخضر من الإمام الخميني الذي بات يردد دائماً بأن النظام الإسلامي لن يستقيم إلاّ بجناحيه روحانيت وروحانيون.

وكان التباين الحاد في الرؤى والأفكار التنظيمية والسياسية والاقتصادية بين الحركة الأم وفصيلها هو الذي مهّد الطريق لذلك الانشقاق، ففي الوقت الذي ترى فيه بعض أطراف روحانيت أن عملية تنصيب الولي الفقيه غير معنية باستذواق آراء الناس لأنه فوق القانون، وأن جميع المؤسسات العاملة في كيان الدولة تستمد شرعيتها منه، بل إنه يدعو إلى تحويل الحكم إلى دولة العدل الإلهي الخالية من الانتخابات وتكون مصائر المجتمع بيد علماء الدين ولو بالنظَارَة كانت “روحانيون مبارز” ترى أن الولي الفقيه مقيّد بالدستور، ويعمل في إطاره وأن ولايته مطلقة في إطار الدستور وأن انتخابه مُلزِم في عصر الغَيْبة، وأن ثنائية جمهورية وإسلامية النظام هي بالتساوي، لأن مقتضيات الزمكانية، هي متلازمة للعمل التنفيذي وتدعيم المشاركة الشعبية، ولم يتقاطع الطرفان إلاّ في مبدأ تصدير الثورة ومعاداة الولايات المتحدة الأمريكية وعدم الوثوق بالمنظمات الدولية لأنها واقعة تحت نفوذ وسيطرة القوى الدولية الإمبريالية.

ودخل الطرفان في معارك سياسية وإعلامية طاحنة وصلت إلى حد لَي الأذرع والإقصاء، وهو ما حدث بشكل جلي بعد الانتخابات التشريعية الثالثة في العام 1994 عندما قام اليمين المتمثل في تشكيلات روحانيت مبارز (الذي كان يُعتبر التيار الأكثر انفتاحاً) بإقصاء اليسار المتحصّن بروحانيون مبارز (الموسوم آنذاك بالتشدد) مستعيناً بإرهاصات شعار إعادة الإعمار والبناء وخيار الانفتاح الذي رفعته حكومة الرئيس هاشمي رفسنجاني منذ يوليو 1988 وهو الأمر ذاته الذي جعل اليسار الإسلامي يعيش غربة اجتماعية وينكفأ لثلاث سنوات بعد أن كان طليق اليد طيلة عشر سنوات خَلَت.

وفي الفترة التي أقصِيْت فيها “روحانيون مبارز”، حصلت تغييرات بنيوية على فسيفساء خريطة ذلك التيار وتحالفاته وفي قواعده الحزبية والشعبية، فظهرت على يساره قوى دينية شابّة أكثر انفتاحاً متجاوزة الكثير من المحرّمات الاجتماعية والسياسية التي كان يتبناها اليسار التقليدي، وقد تبلورت تلك القوى بصورة أكثر وضوحاً في جبهة المشاركة الإسلامية التي تشكّلت بُعيد انتخابات 1997 التي أوصلت محمد خاتمي إلى كرسي الرئاسة، كما أن رياح التغيير انسحبت هي الأخرى على منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية التي تجددت قياداتها بعد استقالة حجة الإسلام راستي ومجيء محاربين آخرين أمثال محمد سلامتي وبهزاد نبوي، كما انسحب الأمر أيضاً على مكتب تعزيز الوحدة الطلابي (تحكيم وحدت) الذي يُعتبر المسؤول عن احتلال السفارة الأمريكية في طهران في بدايات الثورة الإسلامية، وساعد على تبلور ذلك اليسار الديني المعتدل ظهور نفس التمظهر الحزبي على يسار روحانيت مبارز اليمينية، تمثّل في كوادر بناء إيران ضم عشرة من وزراء حكومة رفسنجاني وستة من مساعديه، وهو عملياً مؤيد بقوة لتوجهات رفسنجاني الفكرية وآرائه السياسية، كما ظهر على يمين اليمين تيارٌ سياسي أكثر راديكالية بمسمّى “جمعية الدفاع عن قيم الثورة الإسلامية” بزعامة محمدي ريشهري في 6 أيلـول 1995.

وبُعيد انتخابات 1997 الرئاسية ائتلف الجمع مشكّلين طيفاً سياسياً عريضاً ضم زهاء 18 تنظيماً يسارياً إسلامياً ويمينياً متحرراً وبعضاً من فتات السياسيين أُطلق عليه اسم “جبهة الثاني من خرداد” متآزرين على أمر هزيمة التيار المحافظ المتحصن في تشكيلات روحانيت مبارز وحزب “المؤتلفة” الإسلامي وأنصار حزب الله وتوابعه، ومحاولة تفكيك الحياة السياسية الإيرانية وجعلها أكثر تحرراً وانبساطاً.

كما أن ذلك التيار العريض يستبطن في داخله هويات دينية وثقافية وسياسية متغايرة إلى الحد الذي لا يمكن تصوره في مقابل الجناح المحافظ، فولاية الفقيه والعملية الاقتصادية والسياسية وتسيير الحركة الثقافية وفنون الإدارة والحريات العامة كلها ملفات لم تُحسم فيما بينهم وإن حُسِمت فإنه يبقى مُجمعاً على ثلاثة أمور:
1- تحديد المفاهيم الهلامية المجردة التي تدعو إلى مطلقية موقع الولي الفقيه وجعلها تدور مدار الدستور بحيث يصبح المرشد مسؤولاً مسؤولية كاملة أمام الشعب.
2- تدعيم عملية الحضور الشعبي في صنع القرارات السياسية والاقتصادية والمساءلة التشريعية، وإرساء دعائم الحرية والديمقراطية القائمة على احترام الآخر وتأييد إعطاء الأحزاب أحقية الممارسة السياسية.
3- إعطاء الأولوية في المناصب التنفيذية والتشريعية للتكنوقراط، وجعل ذلك هو المعيار في التنصيب بدلاً من تقديم مفاهيم كالإخلاص والولاء المطلق لولاية الفقيه (وإن شاب ذلك بعض الخلاف بينهم).

العصر الذهبي لليسار الديني

مثّل فوز محمد خاتمي في انتخابات الثالث والعشرين من مايو 1997 رجوعاً قوياً لما يُعرَف باليسار الديني الراديكالي إلى السلطة وبمعيته تيارٌ عريض من التشكيلات الحزبية ذات السّمة التكنوقراطية التي بدأت تتشكل وتظهر إبان حكم الرئيس هاشمي رفسنجاني (15 يوليو 1989 –2 أغسطس 1997) وكان الفوز الذي حققته تلك القوى كبيراً لدرجة أنها رأت فيه فرصة سانحة للدفع ببرامجها السياسية والاقتصادية والثقافية من دون فرامل ولا حساب للقوى المحافظة المتنفذة في أجهزة الدولة الأخرى، ثم تلا ذلك الفوز الرئاسي فوز التيارات ذاتها في الدورة البرلمانية السادسة ثم فوزها في انتخابات المجالس المحلية في العام 2001 وهو ما عزز الكثير من قوتها التنفيذية والتشريعية، وبدأت تنادي علناً بتطلعها لتشذيب الكثير من مسائل الدولة وحقها في تقرير مصير بعض المؤسسات الأخرى كمؤسسة الإذاعة والتلفزيون ومؤسسة المستضعفين وبالخصوص تلك الداخلة ضمن سلطة المرشد، وقد سمح الأخير عبر رسالة بعث بها إلى رئيس البرلمان آنذاك مهدي كروبي بأن المجلس له الحق في التحقيق مع أي مؤسسة من مؤسسات النظام.

أخطاء اليسار الديني

بعد تعزز وجود قوى “جبهة الثاني من خرداد” واختلال في ميزان القوى داخل النظام بدأت أشبه ما تكون بعملية العبث بالتوازنات وعمليات إقصاء متقصدة للقوى المحافظة وحتى لبعض المعتدلين في جبهة الثاني من خرداد، وقُدّمت الولاءات السياسية على الكفاءة، ثم تمّ العمل على ضرب المنظومة الثقافية السائدة بحملة متطرفة ومن دون أية مقدمات، فبدأت الصحافة الإصلاحية في الجنوح إلى مناحٍ خطيرة ذات تماس مـع خطوط عرفية وقدسية في المجتمع الإيراني بشكل عام والحوزوي بشكل خاص، وبدأت في التأسيس لمناخات مشحونة بسياسة الإسقاط لرجال الدولة والرموز السياسية والدينية، والتعرض للمرتكزات الأصلية للدولة الدينية كالتشكيك بولاية الفقيه وقانونية بعض المواد الدستورية، وبدأت تلعب أدواراً فوضوية في لعبة الاستحقاقات الحزبية وتشجيع الانتقام البيني للأجنحة والتيارات، بل لعبت أيضاً الدور نفسه الذي لعبته بعض الصحف إبّان عهد الشاه محمد رضا بهلوي عندما زجّت نفسها في مهاترات وصراعات عقائدية وفقهية مع رجال الحوزة العلمية، وهو ما يعتبر أمراً خطيراً في مجتمع تسوده المحافظة الدينية.

فبعد قدوم التيار الإصلاحي بعامين أو أقل قامت إحدى الصحف الإصلاحية بنشر رسم كاريكاتيري صوّرت فيه آية الله محمد تقي مصباح يزدي منظّر التيار المحافظ وعضو مجلس الخبراء وأحد فقهاء حوزة قم المقدسة على شكل “تنين” تخرج النار من فمه، الأمر الذي دفع بطلبة العلوم الدينية إلى التظاهر والاعتصام وإيقاف دروسهم الدينية احتجاجاً، ولم ينته ذلك الاعتصام إلاّ بعد أن طلب منهم المرشد (الذي بدا محرَجاً أمام المؤسسة الدينية) ذلك، كما نشرت صحيفة “موج” الطلابية نصاً مسرحياً أشارت فيه بتهكم إلى الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية) وهو حدث في غاية الدلالة ومدعاة للتأمل بأناة.

وبعدها نشرت صحيفة “نشاط” التي كان يرأس تحريرها ما شاء الله شمس الواعظين مقالات متتالية دعت فيها إلى إلغاء عقوبة الإعدام والقصاص من الفقه الإسلامي لأنه يتنافى وحقوق الإنسان وهو ما اعتبرته المرجعية الدينية مساساً بقدسية النصوص، أو كما حصل لصحيفة “حيات نو” عندما نشرت كاريكاتيراً يُصوِّر أحد رجال الدين في إحدى المحاكم الأمريكية وهو يُسحق بإبهام (مُكبّر) للرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت  وكان الرجل المسحوق في الكاريكاتير قريب الشبه لوجه الإمام الخميني الشخصية الكاريزمية المعروفة، والغريب أن نشر ذلك الكاريكاتير (رُغمَ أنه نُشِرَ أصلاً في العام 1936) قد صادف ذكرى نشر إحدى الصحف الإيرانية في العهد البهلوي لمقال اتهِم فيه الإمام الخميني بالخائن وهو ما فجر الشارع الديني ضد السلطة آنذاك.

كما قامت الصحافة المحسوبة على تيار الرئيس خاتمي بنعت رجال دين كبار في الحوزة العلمية وفي التيار المحافظ بأصحاب الفكر الطالباني أو بالتحجّر ومعاداة المدنية ودولة المؤسسات والتطور المجتمعي رغم أن العديد منهم هم أعضاء في مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور ومسؤولون في السلطة القضائية. كما أطلقت وزارة الثقافة والإرشاد (المهاجرانية) العنان للصحافة لأن تتمادى في الاتهام والتجريح الشخصي لأفراد في المجتمع السياسي والديني والثقافي لهم صفة اعتبارية، الأمر الذي دفع السلطة القضائية لأن تتعامل مع الصحافة بشكل غليظ في ظل تراخي قبضة مهاجراني على خريطة الحدث الثقافي وما يُطرح في الإعلام المكتوب الذي بات بنظر بعض قيادات الثورة تمادياً خطيراً في المنظومة الثقافية المتعددة المشارب بعد أن وصلت الأمور إلى حد المنادات بأطروحات ضد أصل مشروعية الدولة الإيرانية (الدينية) وهو ما فُسِّر من قِبَل القيادة العليا بأنه تهديدٌ مباشر للكيان السياسي للدولة وبمبادئه الفلسفية، وبالتالي فإنها تعتقد بأن أي إجراء تتخذه ضد “تلك التصرفات” هو نابع من أن الدولة يجب أن تكون أمينة على حماية أصل نظامها ولا يمكنها أن تكون حيادية أمام إسلاميته وإطاره المعرفي والأيديولوجي.

وكانت تلك الأحداث مادة دسمة لأن ينزل التيار المحافظ بقوة متحصناً في خندق الدفاع عن الثورة، وبات يتحدث عن أن مجلة كيان وسلام وجبهة المشاركة وإصدار الصحف المتماثلة وملف مسلسل الاغتيالات وأزمة الحي الجامعي في طهران ومؤتمر برلين وتعديل قانون المطبوعات ومشروع التمرد المدني في مواجهة المجتمع المدني والإخلال بالخط الفاصل بين الموالين وغير الموالين ودبلوماسية السبيل الثاني والضغط من الأسفل والاحتجاج في الأعلى وعصابة مفبركي الأشرطة والأزمة الأخيرة، كل هذه الأمور شكّلت مؤامرة منظمة من حزب المشاركة للإطاحة بالنظام الإسلامي يقودها كل من موسوي خوئينيها وبهرزو غرائبيان وعبد الكريم سـروش (مُنظّر الجبهة) وماشاء الله شمس الواعظين وهادي خلنيكي وشهلا شركت وعباس عبدي وعطريان فر.

انقسام التيار الإصلاحي

بعد أزمة الترشيحات لانتخابات الدورة السابعة للبرلمان الإيراني بدأت بوادر انقسام في الجبهة الإصلاحية، ففي الوقت الذي أطلق فيه رموز ذلك التيار وبالخصوص جبهة المشاركة مواقف حادة من عملية مشاركتهم في الانتخابات أعلن حزب كوادر البناء على لسان أمين اللجنة السياسية فيه محمد هاشمي أنه ورغم رفض ترشيحات عدد من منتسبي الحزب إلاّ أن الأخير سيشارك في الانتخابات التشريعية السابعة باعتبارها واجباً وطنياً، وهذا الرأي هو ما لم نجده مثلاً في موقف مجمع علماء الدين المناضلين (روحانيون مبارز) وهو أقرب حلقات الإصلاحيين إلى نواة السلطة في الجمهورية الإسلامية والذي ينتمي إليه الرئيس خاتمي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي ووزير الداخلية موسوي لاري ومعظم رجال الدين في السلطة التنفيذية، حيث صرح مجيد أنصاري راد وهو عضو بالشورى المركزية بالمُجمّع ورئيس المادة 90 في البرلمان السادس بأن “روحانيون” لا يمكنها المشاركة في انتخابات صوريّة ومحسومة النتائج سلفا” لكنه نبّه إلى أن المجمّع سيشارك إذا أخذ مجلس صيانة الدستور بتوصيات قائد الثورة الإسلامية وهو ما حدث فعلاً.

كما أن مكتب تعزيز الوحدة (تحكيم وحدت) اليساري الذي كان ولوقت غير بعيد مسيطراً على النَفَس الطلابي في الجامعات والداعي بقوة إلى مقاطعة الانتخابات على غرار موقف جبهة المشاركة قد دخل في دوامة انقسام تنظيمي خطير بظهور تشكّل طلابي منافس له وهو اتحاد اللجان الطلابية الإسلامية الذي دعا في بيان له الحركة الطلابية للمشاركة في الانتخابات المقبلة بقوة وإلى تهميش المتطرفين في قوى اليمن واليسار باعتبارهم تيارات تتطلع إليهم كوسيلة لحصد أصواتهم ولترسيخ النزعات السياسية والسلطوية.

كما أن دخول التحالف من أجل إيران (إصلاحي) الذي يضم ثماني مجموعات وهي مجمّع علماء الدين المناضلين (روحانيون) وحزب كوادر البناء وبيت العامل وحزب التضامن وحزب العمل الإسلامي ورابطة السائرين على نهج الإمام ورابطة المرأة الإسلامية والاتحاد الإسلامي للمهندسين، في انتخابات الدورة السابعة عزز من حالة الانقسام في التيار الإصلاحي. ثم تعزز ذلك التشطير بعد قيام سبعين نائباً في المجلس النيابي السادس ممن رُفِضَت أهليتهم للدورة السابعة بتوجيه رسالة مفتوحة إلى المرشد يتهمونه فيها بأنه تواطأ سراً مع مجلس صيانة الدستور حول رفض أهليتهم، وهو ما حدا بباقي الأحزاب الإصلاحية لأن تنأى بنفسها عن تلك المماحكة مع أعلى سلطة في البلاد.

مستقبل التيار الإصلاحي

لا يُمكن إنكار أن شعارات محمد خاتمي قد حرّكت المياه الراكدة في إيران، وأنتجت حالة من الالتفات لتجديد بعض المفاهيم السائدة وهو ما جعل الكثير من التيارات تتدثر بموجة الإصلاح، كذلك بات ذلك المفهوم يُتناول من قبل كافة التيارات السياسية، وكأنه مصطلح جدلي تختلف الأفهام حوله لدرجة التباين الغائر، مما جعل التيار المحافظ يُجدد في أدبياته السياسية والفكرية وهو ما لوحظ بجلاء خلال حملتهم الانتخابية البرلمانية حين نادوا بأن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ليست حراماً كشرب الخمر ولا هي واجبة كالصلاة، كما بدأوا يتحدثون عن الحريات العامة والدستور وحقوق المواطن.

على أي حال يبدو أن فرصة عودة الإصلاحيين المتطرفين ستكون محدودة جداً خصوصاً أن مُرشحيهم للانتخابات الرئاسية ما زالوا من الخط المعتدل كمهدي كروبي ومصطفى معين، وإذا فاز كروبي (وهو الأرجح باعتباره اجتراراً طبيعياً لسياسات الرئيس محمد خاتمي) بالدوافع نفسها التي أوصلت الرئيس خاتمي إلى الحُكم، وأقصد بها دعم التيارات الإصلاحية المتطرفة كحزب المشاركة، فإنه سيُبقي على مجمل السياسات الخاتمية بتصرف بسيط، أما إذا امتنعت التيارات الإصلاحية المتطرفة وقاطعت الانتخابات وفاز كروبي بما تبقى له من أحزاب إصلاحية معتدلة، فإن ذلك سيؤدي إلى حالة من التوافق النسبي بين المحافظين والإصلاحيين وهبوط في مستوى الأزمة البينية، وهو ما سيؤدي في اعتقادي إلى نوع من التوازن في ميزان القوى داخل النظام، ولكن من المؤكد أن قوة التيار الإصلاحي لن تكون بالقوة ذاتها في الأعوام الثمانية الماضية.

::/fulltext::
::cck::2326::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *