البعد الديني في العلاقات الإيرانية – الخليجية الراهنة

::cck::2327::/cck::
::introtext::

من البديهي القول إن أقرب الحضارات والقوميات والبلدان إلى العرب هي الحضارة الفارسية والقوميات الإيرانية وإيران، والأقرب إليهم هم عرب الخليج ومنطقة الخليج. ويتجلى ذلك بشكل واضح في كون التركيبة البشرية لمنطقة الخليج وخصوصاً الساحلية منها تضم بشراً من أصول إيرانية كمواطنين وجاليات، كما أن الساحل الإيراني يضم بشراً من أصول عربية، بل إن منطقة المحمرة بغالبيتها من العرب. وفي كلا الشاطئين فإن ثنائية اللغة العربية والفارسية وثنائية الإرث الحضاري متداخلة، وما يجمعها هو الدين الإسلامي بمذهبيه الأساسيين الشيعي والسُنِّي، فعلى كلتا الضفتين مسلمون من المذهبين بشكل أساسي ومذاهب أخرى بالطبع، والحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي أن المذهب الشيعي في إيران انتشر بفعل رجال الدين القادمين من البحرين ولبنان والعراق إلى إيران وليس العكس، وذلك في عهد الدولة الصفوية التي حكمت إيران لأكثر من أربعمائة عام والتي كانت بغالبيتها شيعية مع محافظة العديد من أبناء القوميات الإيرانية الأخرى على مذهبهم السُنِّي أو ديانات أخرى كالزارادشتية والزيدية واليهودية.

::/introtext::
::fulltext::

من البديهي القول إن أقرب الحضارات والقوميات والبلدان إلى العرب هي الحضارة الفارسية والقوميات الإيرانية وإيران، والأقرب إليهم هم عرب الخليج ومنطقة الخليج. ويتجلى ذلك بشكل واضح في كون التركيبة البشرية لمنطقة الخليج وخصوصاً الساحلية منها تضم بشراً من أصول إيرانية كمواطنين وجاليات، كما أن الساحل الإيراني يضم بشراً من أصول عربية، بل إن منطقة المحمرة بغالبيتها من العرب. وفي كلا الشاطئين فإن ثنائية اللغة العربية والفارسية وثنائية الإرث الحضاري متداخلة، وما يجمعها هو الدين الإسلامي بمذهبيه الأساسيين الشيعي والسُنِّي، فعلى كلتا الضفتين مسلمون من المذهبين بشكل أساسي ومذاهب أخرى بالطبع، والحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي أن المذهب الشيعي في إيران انتشر بفعل رجال الدين القادمين من البحرين ولبنان والعراق إلى إيران وليس العكس، وذلك في عهد الدولة الصفوية التي حكمت إيران لأكثر من أربعمائة عام والتي كانت بغالبيتها شيعية مع محافظة العديد من أبناء القوميات الإيرانية الأخرى على مذهبهم السُنِّي أو ديانات أخرى كالزارادشتية والزيدية واليهودية.

ثنائية الدولة والدين في إيران

تمثل جمهورية إيران الإسلامية الحالية التي انبثقت من الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني في عام 1979 ، أبرز مثال على ثنائية الدولة والدين في المجتمع وثنائية المدني والديني في الدولة. هذه الثنائية موجودة في كل شيء في الدستور والقوانين والمؤسسات والسياسات. وليس هناك من بلد إسلامي يلعب فيه رجال الدين دوراً قيادياً وحاسماً مثل إيران بدءاً من المرشد الأعلى للثورة وانتهاءً بإمام المسجد.

كما أنه ما من بلد مثل إيران، حيث يكون للمرجعيات الدينية وللحوزات الدينية دور في نشر تعاليم الدين وتثقيف الجمهور وتوجيه سلوكه اليومي، ووجود نخبة دينية في كل مجال من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والدينية، وضمان مطابقة التشريعات للدين الإسلامي، وكذلك القضاء والتعليم وغيرهما. إن نظام الجمهورية الإيرانية الإسلامية، يرعى المؤسسة الدينية ويضع تحت تصرفها إمكانات هائلة بحيث يتجاوز دورها إيران إلى العالم وخصوصاً المحيط الإسلامي. وفي الوقت ذاته يجب التنويه إلى وجود معارضة من داخل المؤسسة الدينية تتمثل في ما يُعرف بـ “التيار الشيرازي” وشخصية آية الله العظمى حسين منتظري، كما أن هناك تيارين رئيسيين في الدولة والمجتمع وهما التيار الإصلاحي بقيادة خاتمي رئيس الجمهورية والتيار المحافظ بقيادة خامنئي مرشد الثورة. وهناك أيضاً أطياف من المعارضة التي تبدأ بمجاهدي خلق الذين يريدون الإطاحة بالنظام ومجموعات المثقفين مثل “سروج” الذين يدعون إلى دولة مدنية يكون الدين أحد مكوِّناتها.

علاقة تفاعلية

مرّت السنوات الأولى عاصفة على الثورة الإسلامية الإيرانية والجمهورية الإيرانية الإسلامية، ووسط تقلبات عنيفة في الحركة الإسلامية الشيعية في منطقة الخليج، وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقات الإيرانية – الخليجية الرسمية والتي كانت متوترة عموماً. أما العلاقات بين التنظيمات والحركات الإسلامية الشيعية في منطقة الخليج مع نظام جمهورية إيران الإسلامية والمؤسسات الدينية، فهي أيضاً متباينة ومتنوعة وسنحاول تفكيك هذه العلاقات المتشعبة والمتشابكة.

نظرة الشيعة لإيران

ينظر الشيعة إلى إيران كونها بلداً إسلامياً ينتمي غالبية سكانه إلى المذهب الشيعي الذي يعتنقونه، ويضم عتبات مقدسة منها مقام الرضا في مشهد والسيدة معصومة في قُم وإليها يزورون، كما يزورون أضرحة الأئمة وآل البيت في العراق وسوريا. كما أن المدن الإيرانية الكبرى خصوصاً قُم ومشهد وطهران فيها حوزات علمية وكبار المرجعيات الدينية لدى الشيعة، حيث يلتحق بها طالبو العلوم الدينية ويستمدون من هذه المراجع الفتاوى في مختلف أمور دينهم ودنياهم، إضافة إلى ذلك ومنذ القدم فإن هناك تفاعلاً بشرياً بين شاطئي الخليج وتبادلاً تجارياً وثقافياً أثمر تداخلاً بين سكان شاطئي الخليج.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وإقامة نظام جمهورية إيران الإسلامية، فإن الشيعة عموماً وكثيراً من المسلمين ينظرون بفخر واعتزاز إلى جمهورية إيران الإسلامية، كونها تجسِّد في نظرهم الحكم الإسلامي والقيم الإسلامية والنزعة الاستقلالية القوية عن هيمنة الغرب وخصوصاً أمريكا، بل والصدام معه إذا لزم الأمر للدفاع عن المصالح الوطنية، وتبنّي قضايا المسلمين في العالم أجمع.

تفاعلات الحركة السياسية والخليجية مع الثورة

تعرَّض الشيعة في الماضي إلى اضطهاد شديد من قِبل الأنظمة العشائرية في الخليج، وحتى بعد الاستقلال والتطورات الكبيرة في المجتمع وبناء الدولة والمفاهيم والوعي، فلا يزال هناك تمييز ضد الشيعة بدرجات متفاوتة في جميع دول الخليج. لذلك فقد انخرط الشيعة مبكراً في مختلف حركات المعارضة، سواء ضد الإنجليز أو ضد العائلات الحاكمة.

وأحدث انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني ما يشبه الإعصار وترتب عليه مد إسلامي في المنطقة العربية، وانبعاث شيعي بشكل خاص وخصوصاً في الخليج ولبنان، حيث المجاميع الشيعية الكبيرة. وحفّز انتصار الثورة والمعارك التي خاضتها سواء ضد الولايات المتحدة أو الحرب مع العراق على انتشار الوعي الديني بين الشيعة وتوجههم للانخراط في حركات وتيارات إسلامية على غرار التنظيمات السياسية في إيران، كما أن حركات معارضة يسارية ووطنية عمدت إلى نسج علاقات مع الثورة الإيرانية. وبادرت تنظيمات إيرانية أو عراقية إلى إرسال رجال دين وكوادر منها للمساعدة على إقامة هذه التنظيمات، كما لعب الوكلاء الشرعيون للإمام الخميني وغيره من المرجعيات الإيرانية دوراً في نشر الأفكار السياسية والدينية للثورة والنظام الإيراني. ولكن وكما يقول المثل “لقد مرّت مياه كثيرة تحت الجسر” سواء في إيران أو في الخليج.

التحولات على ضفتي الخليج

يمكن القول إن الثورة في إيران استقرت كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي، كما أن تجربة الصدام سواء مع أمريكا أو الغرب أو دول الخليج والنجاحات كما الانكسارات أحدثت تغيرات في البنى والسياسات الإيرانية، وترتبت عليها تحولات حاسمة في نمط تعاملها مع الخليج أنظمة ومنظمات ومؤسسات مدنية ودينية. فلم يعد شعار “اليوم في إيران وغداً في لبنان، أفغانستان… إلخ” هو السائد، بل أضحى الهمّ وحدة البلدان الإسلامية وعلاقات حسن الجوار، ولم تعد الثورية هي النهج السائد في العلاقات بل البرجماتية، ولم يعد تصدير الثورة هو الهمّ، بل تصدير النفط والسجاد والفستق.

إن التنظيمات والأحزاب الإسلامية التي ملأت الساحة الإيرانية في السنوات الأولى مثل حزب الله وحزب جمهوري إسلامي وفدائيان إسلام وتجمع العلماء المجاهدين قد اختفت من الساحة لتحل محلها تيارات تتناوب على الحكم أو تطمح للوصول إليه، وأهمها تياران أساسيان هما: تيار المحافظين بقيادة خامنئي ورفسنجاني وتيار الإصلاحيين بقيادة الأخوين خاتمي. وهناك تفرعات في كل تيار يلتف كل منها حول مجموعة من رجال الدين أو حوزة دينية، أو شخصية قيادية، كما أن هناك تجمعات قومية عربية وبلوشية وأذربيجانية، ووفق الناحية الفقهية فإن هناك تيارين أساسيين هما:

1- تيار فقه الولاية – (المؤمنون بولاية الفقيه).

2- تيار خارج خط الولاية – (الذي لا يؤمن بولاية الفقيه).

ولكن حتى في ظل غياب الأحزاب، فإن هذه التيارات تخوض الانتخابات البلدية والمجالس المحلية والنيابية ورئاسة الجمهورية ببرامج مختلفة وشعارات متفاوتة، كما أن لكل تيار صحفه ووسائل إعلامه، ويعبّر عن الخلافات علناً سواء تحت قبة البرلمان أو بالتظاهر في الشارع.

وعلى الضفة العربية، حدثت أيضاً تغييرات حاسمة في بنى وبرامج التنظيمات الإسلامية، الشيعة بشكل خاص، والتنظيمات السياسية الأخرى، بل إن بعض التنظيمات مثل حزب الله الحجاز ومنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية قد اختفت نهائياً، بينما حدثت تحولات للتنظيمات الأخرى. لم تعد هذه التنظيمات تطرح الإطاحة بالحكم ، وإقامة أنظمة ثورية إسلامية على نقيضها مستلهمة النموذج الإيراني. حدث ذلك بفعل عوامل كثيرة منها التحولات في إيران ذاتها والتحولات في بلدان الخليج، حيث جرى وبشكل بطيء توجه للمصالحة بين الأنظمة، خصوصاً في السعودية وعُمان والبحرين من ناحية، وإيران والمعارضة بشكل عام من ناحية أخرى، ومنها المعارضة الشيعية. وحتى قبل إنجاز المصالحة في السعودية تحوّلت منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية إلى الحركة الإصلاحية في الجزيرة العربية وتبنت نهجاً سلمياً إصلاحياً وبادرت هي إلى طرح مشروع المصالحة.

وفي البحرين، حدث تحوّل في برامج ونهج هذه التنظيمات رغم عنف المواجهة طوال التسعينات، وهو ما يمكن رصده عند حركة أحرار البحرين الإسلامية والجبهة الإسلامية لتحرير البحرين. ولكن مع تحقيق المصالحة الوطنية في العهد الجديد للشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، فقد كان التحول جذرياً. لقد عمدت هذه التنظيمات للتحول إلى تنظيمات علنية شرعية بموجب القانون، حيث أضحت “الجهة الإسلامية” “جمعية العمل الإسلامي” وشكّلت حركة “أحرار البحرين” نواة جمعية “الوفاق الإسلامية”، على غرار ما قامت به التنظيمات السرية الأخرى، سواء كانت إسلامية سُنّية أو يسارية أو قومية.

أما في الكويت فقد انحسرت الأنوية الشيعية الثورية، لتلتحق بالتيار الشيعي الرئيسي في إطار الجمعية الثقافية الاجتماعية والحسينيات، ويصوّت غالبيتهم للقائمة الشيعية (الائتلاف الإسلامي الوطني) في الانتخابات النيابية وهناك صحف محسوبة عليهم أو لهم نفوذ فيها.

وفي سلطنة عُمان، أجهضت محاولة تشكيل أنوية شيعية في بداياتها، وعلى أي حال فمع انهيار كل من الجبهة الشعبية في عُمان وحزب العمل العربي في عُمان، لم تعد هنالك تنظيمات سياسية، لكن من وقت إلى آخر يجري تفكيك أنوية لتنظيمات إسلامية، لكن الشيعة لم يأخذوا هذا الاتجاه.

المرجعية الدينية والتفاعل الديني

من ضمن ما ترتب على نظام صدام حسين السابق، ضمور المرجعية الشيعية والحوزات العلمية في العراق، أما في نظام جمهورية إيران الإسلامية فقد كان هنالك نفوذ متزايد للمرجعيات الدينية والحوزات الدينية أدى سقوط نظام صدام حسين إلى عودة الروح إليها، وخصوصاً آية الله السيستاني ، لكن الوضع المضطرب في العراق وفي المستقبل المنظور لا يسمح حتى الآن باستعادة العراق لدوره الريادي كمرجعية وتعليم ديني للشيعة. لذا، وبما يتوافر للمرجعيات الإيرانية والحوزات الدينية في إيران من دعم مادي ومعنوي، فلا يزال دورها طاغياً لدى الشيعة في الخليج.

وأسهمت أجواء التقارب بين إيران ومختلف دول الخليج والانفتاح الداخلي الذي يسمح للشيعة بمساحة أكبر للتحرك، في زيادة وتيرة العلاقات الدينية ومساحتها بين المؤسسة الدينية الإيرانية والمؤسسات الدينية الشيعية في الخليج. ويمكن ملاحظة كثرة زيارات الوفود من المرجعيات الدينية ورجال الدين وممثلي الحوزات والجامعات الإسلامية الإيرانية إلى دول الخليج، وتقابلها زيارات لرجال الدين والمواطنين الشيعة إلى إيران وزيادة أعداد الدارسين في الحوزات الدينية رغم إقامة حوزات دينية في بعض بلدان الخليج مثل السعودية والبحرين والكويت.

لقد طوّر الشيعة في الخليج من مؤسساتهم الدينية والاجتماعية في ظل الانفتاح المتفاوت من بلد إلى آخر، فأنشئت جمعيات ومؤسسات دينية عدة. ففي البحرين هنالك جمعية “الرسالة” (خط الشيرازي) وجمعية “التوعية الإسلامية” (خط خامنئي) مثلاً، كما أنشئت جمعيات سياسية وشبابية ونسائية ودينية لتعكس أجواء العلنية والانفتاح والتعددية في أوساط أتباع المذهب الجعفري. وهذه التنظيمات الجديدة في السعودية والبحرين والكويت تنسج علاقات مع المؤسسات والشخصيات الدينية والمدنية الإيرانية.

ومن المهم ملاحظة أنه في حين أن الشيعة عموماً كانوا ينظرون بإعجاب إلى نظام جمهورية إيران الإسلامية ويدافعون عن إيران بقوة، فإنهم مثل كثير من الإيرانيين ينظرون باعتزاز، ولكن بنظرة نقدية للتجربة. كما أن الغالبية العظمى لا ترغب في تكرار النموذج الإيراني، بل تسعى إلى تأكيد ذاتها والعمل من أجل المساواة في المواطنة في ظل الأنظمة القائمة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2327::/cck::
::introtext::

من البديهي القول إن أقرب الحضارات والقوميات والبلدان إلى العرب هي الحضارة الفارسية والقوميات الإيرانية وإيران، والأقرب إليهم هم عرب الخليج ومنطقة الخليج. ويتجلى ذلك بشكل واضح في كون التركيبة البشرية لمنطقة الخليج وخصوصاً الساحلية منها تضم بشراً من أصول إيرانية كمواطنين وجاليات، كما أن الساحل الإيراني يضم بشراً من أصول عربية، بل إن منطقة المحمرة بغالبيتها من العرب. وفي كلا الشاطئين فإن ثنائية اللغة العربية والفارسية وثنائية الإرث الحضاري متداخلة، وما يجمعها هو الدين الإسلامي بمذهبيه الأساسيين الشيعي والسُنِّي، فعلى كلتا الضفتين مسلمون من المذهبين بشكل أساسي ومذاهب أخرى بالطبع، والحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي أن المذهب الشيعي في إيران انتشر بفعل رجال الدين القادمين من البحرين ولبنان والعراق إلى إيران وليس العكس، وذلك في عهد الدولة الصفوية التي حكمت إيران لأكثر من أربعمائة عام والتي كانت بغالبيتها شيعية مع محافظة العديد من أبناء القوميات الإيرانية الأخرى على مذهبهم السُنِّي أو ديانات أخرى كالزارادشتية والزيدية واليهودية.

::/introtext::
::fulltext::

من البديهي القول إن أقرب الحضارات والقوميات والبلدان إلى العرب هي الحضارة الفارسية والقوميات الإيرانية وإيران، والأقرب إليهم هم عرب الخليج ومنطقة الخليج. ويتجلى ذلك بشكل واضح في كون التركيبة البشرية لمنطقة الخليج وخصوصاً الساحلية منها تضم بشراً من أصول إيرانية كمواطنين وجاليات، كما أن الساحل الإيراني يضم بشراً من أصول عربية، بل إن منطقة المحمرة بغالبيتها من العرب. وفي كلا الشاطئين فإن ثنائية اللغة العربية والفارسية وثنائية الإرث الحضاري متداخلة، وما يجمعها هو الدين الإسلامي بمذهبيه الأساسيين الشيعي والسُنِّي، فعلى كلتا الضفتين مسلمون من المذهبين بشكل أساسي ومذاهب أخرى بالطبع، والحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي أن المذهب الشيعي في إيران انتشر بفعل رجال الدين القادمين من البحرين ولبنان والعراق إلى إيران وليس العكس، وذلك في عهد الدولة الصفوية التي حكمت إيران لأكثر من أربعمائة عام والتي كانت بغالبيتها شيعية مع محافظة العديد من أبناء القوميات الإيرانية الأخرى على مذهبهم السُنِّي أو ديانات أخرى كالزارادشتية والزيدية واليهودية.

ثنائية الدولة والدين في إيران

تمثل جمهورية إيران الإسلامية الحالية التي انبثقت من الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني في عام 1979 ، أبرز مثال على ثنائية الدولة والدين في المجتمع وثنائية المدني والديني في الدولة. هذه الثنائية موجودة في كل شيء في الدستور والقوانين والمؤسسات والسياسات. وليس هناك من بلد إسلامي يلعب فيه رجال الدين دوراً قيادياً وحاسماً مثل إيران بدءاً من المرشد الأعلى للثورة وانتهاءً بإمام المسجد.

كما أنه ما من بلد مثل إيران، حيث يكون للمرجعيات الدينية وللحوزات الدينية دور في نشر تعاليم الدين وتثقيف الجمهور وتوجيه سلوكه اليومي، ووجود نخبة دينية في كل مجال من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والدينية، وضمان مطابقة التشريعات للدين الإسلامي، وكذلك القضاء والتعليم وغيرهما. إن نظام الجمهورية الإيرانية الإسلامية، يرعى المؤسسة الدينية ويضع تحت تصرفها إمكانات هائلة بحيث يتجاوز دورها إيران إلى العالم وخصوصاً المحيط الإسلامي. وفي الوقت ذاته يجب التنويه إلى وجود معارضة من داخل المؤسسة الدينية تتمثل في ما يُعرف بـ “التيار الشيرازي” وشخصية آية الله العظمى حسين منتظري، كما أن هناك تيارين رئيسيين في الدولة والمجتمع وهما التيار الإصلاحي بقيادة خاتمي رئيس الجمهورية والتيار المحافظ بقيادة خامنئي مرشد الثورة. وهناك أيضاً أطياف من المعارضة التي تبدأ بمجاهدي خلق الذين يريدون الإطاحة بالنظام ومجموعات المثقفين مثل “سروج” الذين يدعون إلى دولة مدنية يكون الدين أحد مكوِّناتها.

علاقة تفاعلية

مرّت السنوات الأولى عاصفة على الثورة الإسلامية الإيرانية والجمهورية الإيرانية الإسلامية، ووسط تقلبات عنيفة في الحركة الإسلامية الشيعية في منطقة الخليج، وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقات الإيرانية – الخليجية الرسمية والتي كانت متوترة عموماً. أما العلاقات بين التنظيمات والحركات الإسلامية الشيعية في منطقة الخليج مع نظام جمهورية إيران الإسلامية والمؤسسات الدينية، فهي أيضاً متباينة ومتنوعة وسنحاول تفكيك هذه العلاقات المتشعبة والمتشابكة.

نظرة الشيعة لإيران

ينظر الشيعة إلى إيران كونها بلداً إسلامياً ينتمي غالبية سكانه إلى المذهب الشيعي الذي يعتنقونه، ويضم عتبات مقدسة منها مقام الرضا في مشهد والسيدة معصومة في قُم وإليها يزورون، كما يزورون أضرحة الأئمة وآل البيت في العراق وسوريا. كما أن المدن الإيرانية الكبرى خصوصاً قُم ومشهد وطهران فيها حوزات علمية وكبار المرجعيات الدينية لدى الشيعة، حيث يلتحق بها طالبو العلوم الدينية ويستمدون من هذه المراجع الفتاوى في مختلف أمور دينهم ودنياهم، إضافة إلى ذلك ومنذ القدم فإن هناك تفاعلاً بشرياً بين شاطئي الخليج وتبادلاً تجارياً وثقافياً أثمر تداخلاً بين سكان شاطئي الخليج.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وإقامة نظام جمهورية إيران الإسلامية، فإن الشيعة عموماً وكثيراً من المسلمين ينظرون بفخر واعتزاز إلى جمهورية إيران الإسلامية، كونها تجسِّد في نظرهم الحكم الإسلامي والقيم الإسلامية والنزعة الاستقلالية القوية عن هيمنة الغرب وخصوصاً أمريكا، بل والصدام معه إذا لزم الأمر للدفاع عن المصالح الوطنية، وتبنّي قضايا المسلمين في العالم أجمع.

تفاعلات الحركة السياسية والخليجية مع الثورة

تعرَّض الشيعة في الماضي إلى اضطهاد شديد من قِبل الأنظمة العشائرية في الخليج، وحتى بعد الاستقلال والتطورات الكبيرة في المجتمع وبناء الدولة والمفاهيم والوعي، فلا يزال هناك تمييز ضد الشيعة بدرجات متفاوتة في جميع دول الخليج. لذلك فقد انخرط الشيعة مبكراً في مختلف حركات المعارضة، سواء ضد الإنجليز أو ضد العائلات الحاكمة.

وأحدث انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني ما يشبه الإعصار وترتب عليه مد إسلامي في المنطقة العربية، وانبعاث شيعي بشكل خاص وخصوصاً في الخليج ولبنان، حيث المجاميع الشيعية الكبيرة. وحفّز انتصار الثورة والمعارك التي خاضتها سواء ضد الولايات المتحدة أو الحرب مع العراق على انتشار الوعي الديني بين الشيعة وتوجههم للانخراط في حركات وتيارات إسلامية على غرار التنظيمات السياسية في إيران، كما أن حركات معارضة يسارية ووطنية عمدت إلى نسج علاقات مع الثورة الإيرانية. وبادرت تنظيمات إيرانية أو عراقية إلى إرسال رجال دين وكوادر منها للمساعدة على إقامة هذه التنظيمات، كما لعب الوكلاء الشرعيون للإمام الخميني وغيره من المرجعيات الإيرانية دوراً في نشر الأفكار السياسية والدينية للثورة والنظام الإيراني. ولكن وكما يقول المثل “لقد مرّت مياه كثيرة تحت الجسر” سواء في إيران أو في الخليج.

التحولات على ضفتي الخليج

يمكن القول إن الثورة في إيران استقرت كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي، كما أن تجربة الصدام سواء مع أمريكا أو الغرب أو دول الخليج والنجاحات كما الانكسارات أحدثت تغيرات في البنى والسياسات الإيرانية، وترتبت عليها تحولات حاسمة في نمط تعاملها مع الخليج أنظمة ومنظمات ومؤسسات مدنية ودينية. فلم يعد شعار “اليوم في إيران وغداً في لبنان، أفغانستان… إلخ” هو السائد، بل أضحى الهمّ وحدة البلدان الإسلامية وعلاقات حسن الجوار، ولم تعد الثورية هي النهج السائد في العلاقات بل البرجماتية، ولم يعد تصدير الثورة هو الهمّ، بل تصدير النفط والسجاد والفستق.

إن التنظيمات والأحزاب الإسلامية التي ملأت الساحة الإيرانية في السنوات الأولى مثل حزب الله وحزب جمهوري إسلامي وفدائيان إسلام وتجمع العلماء المجاهدين قد اختفت من الساحة لتحل محلها تيارات تتناوب على الحكم أو تطمح للوصول إليه، وأهمها تياران أساسيان هما: تيار المحافظين بقيادة خامنئي ورفسنجاني وتيار الإصلاحيين بقيادة الأخوين خاتمي. وهناك تفرعات في كل تيار يلتف كل منها حول مجموعة من رجال الدين أو حوزة دينية، أو شخصية قيادية، كما أن هناك تجمعات قومية عربية وبلوشية وأذربيجانية، ووفق الناحية الفقهية فإن هناك تيارين أساسيين هما:

1- تيار فقه الولاية – (المؤمنون بولاية الفقيه).

2- تيار خارج خط الولاية – (الذي لا يؤمن بولاية الفقيه).

ولكن حتى في ظل غياب الأحزاب، فإن هذه التيارات تخوض الانتخابات البلدية والمجالس المحلية والنيابية ورئاسة الجمهورية ببرامج مختلفة وشعارات متفاوتة، كما أن لكل تيار صحفه ووسائل إعلامه، ويعبّر عن الخلافات علناً سواء تحت قبة البرلمان أو بالتظاهر في الشارع.

وعلى الضفة العربية، حدثت أيضاً تغييرات حاسمة في بنى وبرامج التنظيمات الإسلامية، الشيعة بشكل خاص، والتنظيمات السياسية الأخرى، بل إن بعض التنظيمات مثل حزب الله الحجاز ومنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية قد اختفت نهائياً، بينما حدثت تحولات للتنظيمات الأخرى. لم تعد هذه التنظيمات تطرح الإطاحة بالحكم ، وإقامة أنظمة ثورية إسلامية على نقيضها مستلهمة النموذج الإيراني. حدث ذلك بفعل عوامل كثيرة منها التحولات في إيران ذاتها والتحولات في بلدان الخليج، حيث جرى وبشكل بطيء توجه للمصالحة بين الأنظمة، خصوصاً في السعودية وعُمان والبحرين من ناحية، وإيران والمعارضة بشكل عام من ناحية أخرى، ومنها المعارضة الشيعية. وحتى قبل إنجاز المصالحة في السعودية تحوّلت منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية إلى الحركة الإصلاحية في الجزيرة العربية وتبنت نهجاً سلمياً إصلاحياً وبادرت هي إلى طرح مشروع المصالحة.

وفي البحرين، حدث تحوّل في برامج ونهج هذه التنظيمات رغم عنف المواجهة طوال التسعينات، وهو ما يمكن رصده عند حركة أحرار البحرين الإسلامية والجبهة الإسلامية لتحرير البحرين. ولكن مع تحقيق المصالحة الوطنية في العهد الجديد للشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، فقد كان التحول جذرياً. لقد عمدت هذه التنظيمات للتحول إلى تنظيمات علنية شرعية بموجب القانون، حيث أضحت “الجهة الإسلامية” “جمعية العمل الإسلامي” وشكّلت حركة “أحرار البحرين” نواة جمعية “الوفاق الإسلامية”، على غرار ما قامت به التنظيمات السرية الأخرى، سواء كانت إسلامية سُنّية أو يسارية أو قومية.

أما في الكويت فقد انحسرت الأنوية الشيعية الثورية، لتلتحق بالتيار الشيعي الرئيسي في إطار الجمعية الثقافية الاجتماعية والحسينيات، ويصوّت غالبيتهم للقائمة الشيعية (الائتلاف الإسلامي الوطني) في الانتخابات النيابية وهناك صحف محسوبة عليهم أو لهم نفوذ فيها.

وفي سلطنة عُمان، أجهضت محاولة تشكيل أنوية شيعية في بداياتها، وعلى أي حال فمع انهيار كل من الجبهة الشعبية في عُمان وحزب العمل العربي في عُمان، لم تعد هنالك تنظيمات سياسية، لكن من وقت إلى آخر يجري تفكيك أنوية لتنظيمات إسلامية، لكن الشيعة لم يأخذوا هذا الاتجاه.

المرجعية الدينية والتفاعل الديني

من ضمن ما ترتب على نظام صدام حسين السابق، ضمور المرجعية الشيعية والحوزات العلمية في العراق، أما في نظام جمهورية إيران الإسلامية فقد كان هنالك نفوذ متزايد للمرجعيات الدينية والحوزات الدينية أدى سقوط نظام صدام حسين إلى عودة الروح إليها، وخصوصاً آية الله السيستاني ، لكن الوضع المضطرب في العراق وفي المستقبل المنظور لا يسمح حتى الآن باستعادة العراق لدوره الريادي كمرجعية وتعليم ديني للشيعة. لذا، وبما يتوافر للمرجعيات الإيرانية والحوزات الدينية في إيران من دعم مادي ومعنوي، فلا يزال دورها طاغياً لدى الشيعة في الخليج.

وأسهمت أجواء التقارب بين إيران ومختلف دول الخليج والانفتاح الداخلي الذي يسمح للشيعة بمساحة أكبر للتحرك، في زيادة وتيرة العلاقات الدينية ومساحتها بين المؤسسة الدينية الإيرانية والمؤسسات الدينية الشيعية في الخليج. ويمكن ملاحظة كثرة زيارات الوفود من المرجعيات الدينية ورجال الدين وممثلي الحوزات والجامعات الإسلامية الإيرانية إلى دول الخليج، وتقابلها زيارات لرجال الدين والمواطنين الشيعة إلى إيران وزيادة أعداد الدارسين في الحوزات الدينية رغم إقامة حوزات دينية في بعض بلدان الخليج مثل السعودية والبحرين والكويت.

لقد طوّر الشيعة في الخليج من مؤسساتهم الدينية والاجتماعية في ظل الانفتاح المتفاوت من بلد إلى آخر، فأنشئت جمعيات ومؤسسات دينية عدة. ففي البحرين هنالك جمعية “الرسالة” (خط الشيرازي) وجمعية “التوعية الإسلامية” (خط خامنئي) مثلاً، كما أنشئت جمعيات سياسية وشبابية ونسائية ودينية لتعكس أجواء العلنية والانفتاح والتعددية في أوساط أتباع المذهب الجعفري. وهذه التنظيمات الجديدة في السعودية والبحرين والكويت تنسج علاقات مع المؤسسات والشخصيات الدينية والمدنية الإيرانية.

ومن المهم ملاحظة أنه في حين أن الشيعة عموماً كانوا ينظرون بإعجاب إلى نظام جمهورية إيران الإسلامية ويدافعون عن إيران بقوة، فإنهم مثل كثير من الإيرانيين ينظرون باعتزاز، ولكن بنظرة نقدية للتجربة. كما أن الغالبية العظمى لا ترغب في تكرار النموذج الإيراني، بل تسعى إلى تأكيد ذاتها والعمل من أجل المساواة في المواطنة في ظل الأنظمة القائمة.

::/fulltext::
::cck::2327::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *