وضع إيران النووي وجروح الحرب
::cck::2331::/cck::
::introtext::
عندما شُـنَّت الحرب على العراق كان فشل سياسة الرئيس بيل كلينتون الخاصة بالاحتواء المزدوج إحدى النقاط التي سعت إدارة الرئيس بوش لإثباتها وأنه رغم استمرار عقد كامل من التهديدات والعقوبات والعمليات العسكرية وعمليات نزع الأسلحة بقيادة الأمم المتحدة، فقد واصل العراق تطوير أسلحة الدمار الشامل. ولكن العراق بالطبع لم يكن الهدف الوحيد لعملية الاحتواء المزدوج. فقد كانت جارته إيران – التي اشتبه بامتلاكها برامج سرية لتطوير أسلحة دمار شامل، واعتبرت كإحدى قوى عدم الاستقرار المعادية للمصالح الأمريكية – هدفا لذات سياسة الاحتواء المزدوج.
::/introtext::
::fulltext::
عندما شُـنَّت الحرب على العراق كان فشل سياسة الرئيس بيل كلينتون الخاصة بالاحتواء المزدوج إحدى النقاط التي سعت إدارة الرئيس بوش لإثباتها وأنه رغم استمرار عقد كامل من التهديدات والعقوبات والعمليات العسكرية وعمليات نزع الأسلحة بقيادة الأمم المتحدة، فقد واصل العراق تطوير أسلحة الدمار الشامل. ولكن العراق بالطبع لم يكن الهدف الوحيد لعملية الاحتواء المزدوج. فقد كانت جارته إيران – التي اشتبه بامتلاكها برامج سرية لتطوير أسلحة دمار شامل، واعتبرت كإحدى قوى عدم الاستقرار المعادية للمصالح الأمريكية – هدفا لذات سياسة الاحتواء المزدوج.
وإذا كانت سياسة الاحتواء المزدوج قد سجلت فشلا، فإن ذلك لا يعود إلى سعي العراق للهروب من قيودها. فقد ثبت في عام 2003 عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ومن المحتمل أنه لم يملك أياً منها خلال معظم العقود السابقة. ولكن سياسة الاحتواء المزدوج فشلت بسبب وجود شواهد كبيرة تفيد بأن إيران هي الدولة التي حققت تقدما بارزا في مجال تطوير أسلحة غير تقليدية إلى الحد الذي جعل بعض الخبراء يرون احتمال بروزها كثاني قوة نووية في منطقة الشرق الأوسط ” بعد إسرائيل” خلال سنتين أو ثلاث سنوات.
ومن المحتمل أيضا أن صدام حسين كان مدركا بعمق للأخطار التي تتزايد عبر الحدود للحد الذي جعله – ولأغراض الردع – أن يتظاهر بإخفاء أسلحة دمار شامل، بينما يعلن بصورة رسمية – وبصدق – عن تفكيك ترسانته بواسطة مفتشي الأمم المتحدة. ومن المؤكد أن التقرير الشامل عن الأنشطة ذات الصلة ببرنامج أسلحة الدمار الشامل العراقية الذي قدمه المفتش السابق تشارلس ديولفر في 30 سبتمبر 2004 يوحي بذلك أيضا. وقد نفت إيران أيضا وبصورة متكررة سعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل مظهرة براءتها من خلال توقيعها على كافة الاتفاقيات متعددة الأطراف والتي صاغها العالم لتحجيم وتقييد تطوير مثل هذه الأسلحة وتشمل اتفاقية الأسلحة الكيميائية واتفاقية الأسلحة البيولوجية ومعاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وغيرها من الاتفاقيات.
وفي أعقاب الكشف عن أبحاثها النووية السرية في عام 2002، تعهدت إيران بالسماح للأمم المتحدة بتفتيش منشآت الأبحاث ثم قامت بمنع وصول المفتشين إلى المواقع غير المعلنة. وفي أكتوبر من عام 2003 وعدت إيران الدول الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا بأنها ستتوقف عن تخصيب اليورانيوم، ولكنها وبعد أقل من عام استأنفت عملية التخصيب مرة أخرى. وبموجب اتفاق آخر مع الدول الأوروبية الثلاث تم التوصل إليه في نوفمبر 2004 وافقت طهران مرة أخرى على تعليق عملية تخصيب اليورانيوم ولكنها استمرت في إصرارها على أن مثل هذه الأنشطة موجهة لبرنامجها النووي المخصص للأغراض السلمية. وقد صمد الاتفاق الأخير حتى الآن ولكن التصرفات الإيرانية فشلت في تهدئة الشكوك العالمية وخاصة الشكوك الأمريكية.
وحتى الآن لم يثبت ما إذا كان برنامج إيران النووي قد تم تطويره على نحو صارم لأغراض سلمية أو لأغراض عسكرية ولكن تظل إمكانات البرنامج فوق الشك. لماذا تنهمك إيران في هذا السعي المراوغ بكل وضوح لامتلاك أسلحة الدمار الشامل والمخفي بسلسلة لا نهاية لها من الحيل وأنصاف الحقائق وشبه التنازلات التي فشلت في تنفيذها؟
إضافة الملح إلى الجرح
لفهم سيكولوجية التصرف الإيراني، يتعين علينا العودة إلى ثمانينات القرن الماضي عندما دخلت إيران والعراق في حرب دموية استمرت لمدة ثماني سنوات ابتدرها المتهور صدام حسين وأدماها من دون أي طائل نظام الخميني الذي كان يتميز بميله للانتقام حيث انتهت من دون أن يحرز أي من أطرافها أي مكاسب إقليمية، بل مني كل منهما بخسائر فادحة في الأرواح. ووفقا لتقديرات متحفظة فقد قتل حوالي 400 ألف عراقي وإيراني في هذه الحرب.
وقد كان لجوء العراق المتزايد لاستخدام الأسلحة الكيميائية الأشد فتكا كوسيلة لقهر هجمات الموجات البشرية الإيرانية القاسية التي هددت باكتساح مواقعها المحصنة بصورة كثيفة وقوية هو السبب الذي جعل إيران تلتمس السلام. وتعتبر الأسلحة الكيميائية هي أسلحة الإرهاب الأولى والرئيسية حيث تحدث رعبا جماعيا بدلا من إحداث خسائر ضخمة. لقد كان الجيش الإيراني ـ الذي كان قوامه المتطوعين الذين أرسلوا للقتال مشيا على الأقدام ـ يفتقر للتسليح والتدريب مما جعله فريسة سهلة للغازات السامة. وفي السنوات الأخيرة للحرب أدى القصف العراقي للمناطق الكردية في العراق وإيران بالأسلحة الكيميائية والتهديد باستهداف طهران بنفس الأسلحة إلى تناقص الروح المعنوية الشعبية التي عززت الجهود الحربية للقوات المسلحة الإيرانية والمقاتلين العراقيين.
إن القدرات الإيرانية غير التقليدية جعلت الدفاعات الإيرانية عرضة لهجوم شبه مميت. والأسوأ من ذلك أن تكرار طهران لاحتجاجاتها لدى الأمم المتحدة لم تجد في الواقع أذنا صاغية. ولمدة ست سنوات دبج الدبلوماسيون الإيرانيون أكثر الحجج القانونية تحريفا لإقناع الأمم المتحدة بأن يكون لها اهتمام مؤسسي بدعم المبادئ ذات الصلة بالقانون الإنساني الدولي. وقد كان وعلى وجه الخصوص بروتوكول جنيف لعام 1925 والذي يحظر ” استخدام الغازات الخانقة والسامة والغازات الأخرى وكافة السوائل أو المواد أو الأخيرة المشابهة أثناء الحرب ” كان هذا البروتوكول ذا صلة مباشرة بالموضوع. ويقول الإيرانيون إن فشل الأمم المتحدة بدعم مثل هذه المبادئ سيؤدى إلى تقويض مصداقيتها ونزاهتها كما سيؤدى إلى تصعيد سباق التسلح الإقليمي.
ولم يتم فقط في ذلك الوقت تجاهل الدعاوى الإيرانية بصورة كبيرة باستخدام الأسلحة الكيميائية، بل تم وصف إيران علانية بالكذب والنفاق( ولكن ليس من دون تبرير تماما حيث ارتكب كلا الجانبين فظاعات أثناء الحرب). وفي نهاية المطاف تفاقمت المشكلة بحيث ارتدت اتهامات الأسلحة الكيميائية إلى الإيرانيين أنفسهم، رغم عدم توفر أي دليل مقنع باستخدام الإيرانيين لمثل هذه الأسلحة: فالولايات المتحدة – التي اتخذت موقفا محايدا من الصراع – أظهرت ميلا متزايدا نحو العراق وفضلت استمرار المأزق بين الطرفين المتحاربين لمدة طويلة (على الرغم من أنهما لم يعدا يشكلان خطرا على إسرائيل أو على قدرة الغرب للحصول على النفط الخليجي بسعر مناسب) أو ربما حبذت تحقيق انتصار بواسطة العراق الضعيف، وليس بأي حال من الأحوال بواسطة إيران. ولكن شكل لجوء العراق إلى استخدام الغازات السامة على أرض المعارك وضد المدنيين نوعا من الإحراج لإدارة الرئيس ريجان.
المعلومات المضللة
وفي بادية الأمر عندما كان الصحفيون في ربيع عام 1984 على وشك فضح استخدام العراق أثناء الحرب للأسلحة الكيميائية، تحركت واشنطن بصورة وقائية لإدانة العراقيين وفرضت بقوة حظرا على تصدير المواد الكيميائية إلى العراق وإيران. وأظهرت الوثائق الداخلية علم المسؤولين الأمريكيين بالتصرفات العراقية منذ مدة تصل على الأقل لستة أشهر. ولم تتأخر إدانتهم كثيرا بسبب اتهام العراق بأول استخدام مسجل لغاز الأعصاب في ساحة الحرب. وقام دونالد رامسفيلد الذي كان آنذاك المبعوث الخاص للرئيس رولاند ريجان للشرق الأوسط بتخفيف أثر هذه الرسالة القاسية عندما ذهب إلى بغداد لتوضيح أن موقف واشنطن كان مجرد أحد مواقفها المبدئية. وأكد رامسفيلد لوزير الخارجية العراقية طارق عزيز استمرارية دعم إدارة ريجان للحرب ضد إيران ولتطبيع العلاقات مع العراق. وفي 26 نوفمبر 1984 تمت مكافأة العراقيين من خلال استئناف العلاقات الدبلوماسية معهم التي كانت قد قطعت منذ حرب يونيو في عام 1967. وأثبت العراق خلال الهجوم النهائي الإيراني التالي أنه عصي على الردع، وقام بنشر أنظمة لإطلاق الأسلحة الكيميائية أكثر تطورا لمواجهة العدو.
وبحلول عام 1987 وعندما بدأ النظام العراقي في مواجهة الأكراد المدنيين(في كل من إيران والعراق) بالغاز، أجبر كفلاء العراق في واشنطن على تعزيز سيطرتهم على الأضرار. فمن خلال الدعم الذي تمتعوا به من خلال هزيمة خصومهم البيروقراطيين في ما يتعلق بفضيحة “إيران – الكونترا”، عزز هؤلاء الكفلاء من مساندتهم لنظام بغيض، لكنه اعتبر كحصن ضروري ضد انتشار الراديكالية الإسلامية في منطقة الخليج الحساسة. لذلك قاموا بتزويد العراق بمعلومات استخبارية جمعت عن طريق الأقمار الصناعية – عن تحركات القوات الإيرانية، كما قاموا بتشجيع الحلفاء من الدول العربية بتوفير العتاد الحربي للعراق وقد جعلت هذه الإجراءات العراقيين يصلوا إلى قناعة تمتعهم بتسامح واشنطن الحميد تجاه مجهوداتهم الحربية بغض النظر عن الأساليب المستخدمة. ونتج عن ذلك استخدامهم مزيد من المواد الكيميائية القاتلة وبصورة أكبر من السابق وضد السكان المدنيين أيضا. وبلغ الأمر ذروته بالهجوم الشامل باستخدام الغاز ضد مدينة حلبجة الكردية في 1988 والذي نتج عنه هلاك مئات الآلاف من المدنيين.
وعند ظهور الشواهد التي تدل على هلاك المدنيين بالأسلحة الكيميائية لأول مرة في أبريل 1987، انتقلت إدارة الرئيس ريجان من الإدانة الوقائية إلى التضليل الرسمي الفعلي في محاولة لتخفيف مسؤولية العراق بشن حرب بالأسلحة الكيميائية. وبإدانة الطرفين بصورة متساوية فإن العراق سوف يتفادى موقف الإدانة الصعب. وبحلول خريف عام 1987 تسربت معلومات مفادها أن إيران قد بدأت في الرد على فظاعات الأسلحة الكيميائية بمثلها. وقد كررت بغداد هذه الادعاءات لمرات عديدة ثم أظهرت واشنطن فيما بعد موافقتها عليها. لذلك كان على إيران أن تحارب الاتهامات بارتكابها على وجه الخصوص أنواع الفظاعات التي ادعت دائما بأنها أحجمت عن ارتكابها من باب المراعاة للمبادئ الأخلاقية للإنسانية والدين ( هذا فضلا عن تخلفها لسنوات خلف العراق من حيث تطوير مثل هذه الأسلحة). ورغم خطابها التوضيحي بشأن الحرب الكيميائية – وهي الميزة البلاغية الوحيدة التي تفوقت بها على العراق أثناء الحرب – إلا أنه تم حجب ذلك بسبب الادعاءات المضادة التي وجهت مباشرة للمعتقدات الأخلاقية التي آمنت بها. وبالطبع لم تسعف إيران التحذيرات من أنه قد لا يكون أمامها أي خيار في نهاية الأمر سوى شن حرب كيميائية من جانبها.
الخداع الفاضح
وفي بادئ الأمر لم تستند الادعاءات العراقية على الحجة التي مفادها أن إيران كانت تستخدم عمليا الأسلحة الكيميائية، لذلك بدأ العراقيون في إيجاد أحد الأدلة المادية. وقد كان ذلك أمرا بسيطا نظرا لأن العراق كان يملك مخزونا جاهزا من ضحايا الأسلحة الكيميائية ويتوفر ذلك من مصدرين هما الغاز الذي أطلقه الجنود العراقيون أنفسهم بصورة تفتقر للكفاءة ثم التسريب من الذخيرة الكيميائية سيئة الصنع. ويوجد دليل مادي بأن الطائرات العراقية قامت بإطلاق الغاز بصورة روتينية، وليس على نحو متعمد على القوات العراقية الأرضية. ويعزى حدوث هذه الإصابات الذاتية في أغلب الأوقات لتنتقل اتجاه الرياح حيث يحتمل حدوث هذه الإصابات على نحو خاص على امتداد خطوط الجبهة حيث يتخندق جنود الطرفين المتحاربين في مناطق قريبة من بعضها البعض. وتفاقمت المشكلة بامتلاك إيران لصواريخ مضادة للطائرات (هوك – Hawk ) كجزء من صفقات “إيران – الكونترا”. وأجبرت القدرات الصاروخية الإيرانية الجديدة القاذفات العراقية على الطيران على ارتفاعات أعلى بكثير، الأمر الذي أدى إلى توسيع النطاق الذي تنتشر فيه مختلف أسلحة الغاز التي يتم إسقاطها.
ويؤكد تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي.آي.إيه) بعد الحرب مشكلة المعلومات المضللة. ويقول التقرير ” إن العراق وبمهاجمته القوات الإيرانية بالأسلحة الكيميائية – لم يظهر أي اعتبار يذكر لسلامة قواته الموجودة في أو بالقرب من المنطقة الملوثة بالغازات السامة. وبغض النظر عن الأسباب المنطقية العراقية، فإن أعداداً كبيرة من القوات العراقية قتلت أو أصيبت أثناء الهجمات العراقية التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية”. وأيد هذا الاستنتاج الجنود والطيارون العراقيون الذين أجريت معهم مقابلات داخل العراق وخارجه خلال السنوات الأربع الماضية، وأكد أحد الطيارين أن الطائرات العراقية هاجمت من غير قصد وفي مرات عديدة القوات العراقية نفسها بأسلحة تقليدية وكيميائية. وأضاف: إن هذه الأخطاء أحدثت العديد من الإصابات. وأضاف هذا الطيار ” كان صدام قادرا على استخدام ضحايا العراقيين كدليل على استخدام إيران للأسلحة الكيميائية”.
وفي أثناء زياراتهم للعراق في عامي 1987 و1988 اطلع خبراء الأسلحة الكيميائية التابعون للأمم المتحدة على ضحايا الأسلحة الكيميائية من العراقيين. وعلى الرغم من أن هؤلاء الخبراء قد صرحوا بأنهم لا يستطيعون أن يجزموا بأن هؤلاء الضحايا أصيبوا نتيجة الهجمات الإيرانية التي استخدمت فيها الغازات السامة فإن هناك انطباعا عاما بأنهم بالفعل ضحايا الغازات السامة الإيرانية. وخلال أحاديثهم الشخصية داخل أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، أوضح هؤلاء الخبراء بجلاء أنهم يعتقدون أن أولئك الجنود هم ضحايا الاستخدام غير المسؤول للأسلحة الكيميائية بواسطة العراقيين أنفسهم.
وعندما هاجمت الطائرات العراقية بلدة حلبجة بالغازات السامة دفع الحرج واشنطن للجوء إلى حملة نشطة من المعلومات المضللة، وقد أخذ ذلك منها أسبوعا قبل تجهيز الهجوم المضاد البلاغي أمام الرأي العام والذي سجل نجاحا مدهشا. فقد برأ المتحدث باسم الخارجية الأمريكية العراق من المسؤولية بالإيحاء المضلل والاستناد إلى الشواهد الضعيفة بأن كلا البلدين العراق وإيران استخدما الغازات السامة في حلبجة. وأظهرت البرقيات العلنية أن الدبلوماسيين الأمريكيين أمروا آنذاك بنشر هذه الخرافة وبتبني الحيلة المتمثلة في سؤال ” ما هو الدليل؟ ” وفي الإجابة الجاهزة ” عفواً. إن هذه معلومات سرية “. ولكنهم على الرغم من ذلك وجدوا جمهورا متجاوبا. وهنا يبرز التساؤل المهم لماذا الاهتمام بهذا الأمر؟ فبأسرها للرهائن الأمريكيين ورعايتها للهجمات ولحالات الاختطاف التي قام بها حزب الله وبتهديد منطقة الشرق الأوسط بإحداث تغيرات إسلامية على نمط الخميني، فإن إيران قد وجدت نفسها في حالة من العزلة العالمية. كما نجد أن قرار مجلس الأمن رقم 612 بتاريخ 3 مايو 1988 الذي دان الفظاعات التي ارتكبت في بلدة حلبجة قد تم إصداره بعد مرور شهرين من الحادثة وشجب كلتا الحكومتين على نحو متساوٍ. وفي التحليل النهائي فإن الدليل الوحيد للادعاء بأن إيران قد استخدمت الأسلحة الكيميائية أثناء الحرب هو إشارة الولايات المتحدة إلى ذلك، وهو دليل كان كافيا إلى حد ما.
فالخداع الفاضح بشأن حادثة حلبجة والذي استقبل بالتهليل في بغداد أعطى العراقيين الضوء الأخضر الذي يحتاجونه لاستخدام الغازات السامة حتى نهاية الحرب. فخلال سلسلة من الهجمات المضادة السريعة ضد القوات الإيرانية والمقاتلين الأكراد العراقيين، استخدم العراقيون الأسلحة الكيميائية في اليوم الأول في كل هجوم لإدخال الرعب في نفوس خصومهم، ثم أعقبوا ذلك بضرب القوات المتراجعة والمحبطة بأطنان من الأسلحة التقليدية. كما هددوا أيضا بوضع أسلحة كيميائية على الصواريخ طويلة المدى التي بدأوا بضرب طهران بها، الأمر الذي أدى إلى حدوث عمليات إخلاء جماعي للمدنيين. وفي فترة ثلاثة أشهر رضخ آية الله روح الله الخميني للشراب من “كأس السم” مقرا بعدم قدرة إيران على الاستمرار في الحرب وموافقا على وقف مهين لإطلاق النار.
حبر على ورق
خرج كل من العراق وإيران من الحرب بجروح نفسية عميقة، ولكن جروح الإيرانيين كانت أعمق خاصة في ما يتعلق بشعورهم بأنهم فعليا كانوا وحيدين كما كان موقفهم – على الأقل في ما يتعلق بقضية الأسلحة الكيميائية – صحيحا ولكن رغم ذلك كان موضع احتقار. وتعلمت الدولة الإسلامية الفتية التي تفتقر للخبرة درسين مهمين من تجربتها: أولاً ألا تدع نفسها مرة أخرى أن تكون في مثل ذلك الوضع الذي تتعرض فيه بصورة استراتيجية للهجوم والسقوط بيد الأعداء. وثانياً إن الاتفاقيات والمعاهدات متعددة الأطراف تصبح لا قيمة لها عند مواجهة القوة العظمى في العالم. لذلك قرر الإيرانيون التصرف وفقا لهذه الرؤى.
وكان من المعروف أن إيران ومع نهاية الحرب قد اكتسبت القدرة على إنتاج أسلحتها الكيميائية الخاصة بها. وكان رئيس البرلمان ( رئيس الدولة فيما بعد) علي أكبر هاشمي رفسنجاني قد أعلن بعد مرور شهرين من انتهاء الحرب أن ” القنابل الكيميائية والأسلحة البيولوجية هي عبارة عن القنابل النووية للفقراء التي يمكن إنتاجها بكل سهولة. ويجب على الأقل أخذها في الاعتبار للدفاع عن أنفسنا. وعلى الرغم من أن استخدام مثل هذه الأسلحة يعتبر عملاً لا إنسانياً، فإن الحرب علمتنا أن القوانين الدولية هي مجرد حبر على ورق. استبعد العراق في تسعينات القرن الماضي كبلد يمثل تهديدا استراتيجيا بينما أصبحت إيران مشاركا متحمسا في المحادثات الدولية الرامية إلى حظر الأسلحة الكيميائية. وفي الوقت المناسب وعقب إقرارها لاتفاقية الأسلحة الكيميائية في عام 1977، امتثلت إيران لتعهداتها بموجب هذه الاتفاقية بالإعلان عما تملكه من أسلحة كيميائية التي تم تدميرها فيما بعد تحت رقابة دولية. وعلى الرغم من ذلك فقد تواصلت الشكوك بشأن استمرار إيران في تطوير برنامج للأسلحة الكيميائية.
وإذا صحت هذه الشكوك فإن هذا البرنامج سيكون بمثابة ميراث لا اختلاف عليه لاستخدامات العراق المتكررة للغازات السامة أثناء الحرب ولفشل المجتمع الدولي في وضع نهاية لهذا الأمر. وإلى جانب ذلك فقد قلت وبصورة فاعلة قدرة العالم على مواجهة إيران بشأن أي برامج ذات صلة قد تمتلكها حاليا وذلك من خلال المنظور الإيراني الذي يقول إن إيران لا تمتلك ما يحميها من أسلحة الدمار الشامل التي بحوزة قوى إقليمية مثل إسرائيل، سوى أسلحة الدمار الشاملة الرادعة الخاصة بها.
وفي الختام يمكن القول إن الأزمة الحالية بشأن برنامج الأسلحة النووية الإيراني المزعوم تعطي توضيحاً حياً للمشكلة. ولكن كيفية وصول المسألة النووية إلى نهايتها تعتمد إلى حد ما على الكيفية التي ينبسط بها النقاش الداخلي في إيران. وهناك خيار يجب أن يحظى باهتمام جاد ويتمثل في فكرة ” الصفقة الكبرى التي تتخلى بموجبها إيران عن برنامج الأسلحة النووية وإيقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية واللبنانية المقاتلة والتوقف عن التدخل في شؤون العراق مقابل الحصول على دعم لصناعتها النووية الموجهة للأغراض السلمية، والتمتع بضمانات لحماية نظامها من التغيير ومن المحاولات العسكرية المعادية الأخرى وإعادة دمجها بالكامل في المجتمع الدولي. كما أن إدارة الرئيس بوش – التي تم تقويض اتهاماتها حول برنامج إيران الخاص بأسلحة الدمار الشامل بسبب سجل ادعاءاتها التاريخي الخاص بأسلحة الدمار الشامل واستغلالها لذلك للاستعداد السريع للحرب على العراق – ستكون حريصة على العمل على تحقيق هذا الهدف قبل خروج المارد النووي بنجاح من قمقمه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2331::/cck::
::introtext::
عندما شُـنَّت الحرب على العراق كان فشل سياسة الرئيس بيل كلينتون الخاصة بالاحتواء المزدوج إحدى النقاط التي سعت إدارة الرئيس بوش لإثباتها وأنه رغم استمرار عقد كامل من التهديدات والعقوبات والعمليات العسكرية وعمليات نزع الأسلحة بقيادة الأمم المتحدة، فقد واصل العراق تطوير أسلحة الدمار الشامل. ولكن العراق بالطبع لم يكن الهدف الوحيد لعملية الاحتواء المزدوج. فقد كانت جارته إيران – التي اشتبه بامتلاكها برامج سرية لتطوير أسلحة دمار شامل، واعتبرت كإحدى قوى عدم الاستقرار المعادية للمصالح الأمريكية – هدفا لذات سياسة الاحتواء المزدوج.
::/introtext::
::fulltext::
عندما شُـنَّت الحرب على العراق كان فشل سياسة الرئيس بيل كلينتون الخاصة بالاحتواء المزدوج إحدى النقاط التي سعت إدارة الرئيس بوش لإثباتها وأنه رغم استمرار عقد كامل من التهديدات والعقوبات والعمليات العسكرية وعمليات نزع الأسلحة بقيادة الأمم المتحدة، فقد واصل العراق تطوير أسلحة الدمار الشامل. ولكن العراق بالطبع لم يكن الهدف الوحيد لعملية الاحتواء المزدوج. فقد كانت جارته إيران – التي اشتبه بامتلاكها برامج سرية لتطوير أسلحة دمار شامل، واعتبرت كإحدى قوى عدم الاستقرار المعادية للمصالح الأمريكية – هدفا لذات سياسة الاحتواء المزدوج.
وإذا كانت سياسة الاحتواء المزدوج قد سجلت فشلا، فإن ذلك لا يعود إلى سعي العراق للهروب من قيودها. فقد ثبت في عام 2003 عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ومن المحتمل أنه لم يملك أياً منها خلال معظم العقود السابقة. ولكن سياسة الاحتواء المزدوج فشلت بسبب وجود شواهد كبيرة تفيد بأن إيران هي الدولة التي حققت تقدما بارزا في مجال تطوير أسلحة غير تقليدية إلى الحد الذي جعل بعض الخبراء يرون احتمال بروزها كثاني قوة نووية في منطقة الشرق الأوسط ” بعد إسرائيل” خلال سنتين أو ثلاث سنوات.
ومن المحتمل أيضا أن صدام حسين كان مدركا بعمق للأخطار التي تتزايد عبر الحدود للحد الذي جعله – ولأغراض الردع – أن يتظاهر بإخفاء أسلحة دمار شامل، بينما يعلن بصورة رسمية – وبصدق – عن تفكيك ترسانته بواسطة مفتشي الأمم المتحدة. ومن المؤكد أن التقرير الشامل عن الأنشطة ذات الصلة ببرنامج أسلحة الدمار الشامل العراقية الذي قدمه المفتش السابق تشارلس ديولفر في 30 سبتمبر 2004 يوحي بذلك أيضا. وقد نفت إيران أيضا وبصورة متكررة سعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل مظهرة براءتها من خلال توقيعها على كافة الاتفاقيات متعددة الأطراف والتي صاغها العالم لتحجيم وتقييد تطوير مثل هذه الأسلحة وتشمل اتفاقية الأسلحة الكيميائية واتفاقية الأسلحة البيولوجية ومعاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وغيرها من الاتفاقيات.
وفي أعقاب الكشف عن أبحاثها النووية السرية في عام 2002، تعهدت إيران بالسماح للأمم المتحدة بتفتيش منشآت الأبحاث ثم قامت بمنع وصول المفتشين إلى المواقع غير المعلنة. وفي أكتوبر من عام 2003 وعدت إيران الدول الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا بأنها ستتوقف عن تخصيب اليورانيوم، ولكنها وبعد أقل من عام استأنفت عملية التخصيب مرة أخرى. وبموجب اتفاق آخر مع الدول الأوروبية الثلاث تم التوصل إليه في نوفمبر 2004 وافقت طهران مرة أخرى على تعليق عملية تخصيب اليورانيوم ولكنها استمرت في إصرارها على أن مثل هذه الأنشطة موجهة لبرنامجها النووي المخصص للأغراض السلمية. وقد صمد الاتفاق الأخير حتى الآن ولكن التصرفات الإيرانية فشلت في تهدئة الشكوك العالمية وخاصة الشكوك الأمريكية.
وحتى الآن لم يثبت ما إذا كان برنامج إيران النووي قد تم تطويره على نحو صارم لأغراض سلمية أو لأغراض عسكرية ولكن تظل إمكانات البرنامج فوق الشك. لماذا تنهمك إيران في هذا السعي المراوغ بكل وضوح لامتلاك أسلحة الدمار الشامل والمخفي بسلسلة لا نهاية لها من الحيل وأنصاف الحقائق وشبه التنازلات التي فشلت في تنفيذها؟
إضافة الملح إلى الجرح
لفهم سيكولوجية التصرف الإيراني، يتعين علينا العودة إلى ثمانينات القرن الماضي عندما دخلت إيران والعراق في حرب دموية استمرت لمدة ثماني سنوات ابتدرها المتهور صدام حسين وأدماها من دون أي طائل نظام الخميني الذي كان يتميز بميله للانتقام حيث انتهت من دون أن يحرز أي من أطرافها أي مكاسب إقليمية، بل مني كل منهما بخسائر فادحة في الأرواح. ووفقا لتقديرات متحفظة فقد قتل حوالي 400 ألف عراقي وإيراني في هذه الحرب.
وقد كان لجوء العراق المتزايد لاستخدام الأسلحة الكيميائية الأشد فتكا كوسيلة لقهر هجمات الموجات البشرية الإيرانية القاسية التي هددت باكتساح مواقعها المحصنة بصورة كثيفة وقوية هو السبب الذي جعل إيران تلتمس السلام. وتعتبر الأسلحة الكيميائية هي أسلحة الإرهاب الأولى والرئيسية حيث تحدث رعبا جماعيا بدلا من إحداث خسائر ضخمة. لقد كان الجيش الإيراني ـ الذي كان قوامه المتطوعين الذين أرسلوا للقتال مشيا على الأقدام ـ يفتقر للتسليح والتدريب مما جعله فريسة سهلة للغازات السامة. وفي السنوات الأخيرة للحرب أدى القصف العراقي للمناطق الكردية في العراق وإيران بالأسلحة الكيميائية والتهديد باستهداف طهران بنفس الأسلحة إلى تناقص الروح المعنوية الشعبية التي عززت الجهود الحربية للقوات المسلحة الإيرانية والمقاتلين العراقيين.
إن القدرات الإيرانية غير التقليدية جعلت الدفاعات الإيرانية عرضة لهجوم شبه مميت. والأسوأ من ذلك أن تكرار طهران لاحتجاجاتها لدى الأمم المتحدة لم تجد في الواقع أذنا صاغية. ولمدة ست سنوات دبج الدبلوماسيون الإيرانيون أكثر الحجج القانونية تحريفا لإقناع الأمم المتحدة بأن يكون لها اهتمام مؤسسي بدعم المبادئ ذات الصلة بالقانون الإنساني الدولي. وقد كان وعلى وجه الخصوص بروتوكول جنيف لعام 1925 والذي يحظر ” استخدام الغازات الخانقة والسامة والغازات الأخرى وكافة السوائل أو المواد أو الأخيرة المشابهة أثناء الحرب ” كان هذا البروتوكول ذا صلة مباشرة بالموضوع. ويقول الإيرانيون إن فشل الأمم المتحدة بدعم مثل هذه المبادئ سيؤدى إلى تقويض مصداقيتها ونزاهتها كما سيؤدى إلى تصعيد سباق التسلح الإقليمي.
ولم يتم فقط في ذلك الوقت تجاهل الدعاوى الإيرانية بصورة كبيرة باستخدام الأسلحة الكيميائية، بل تم وصف إيران علانية بالكذب والنفاق( ولكن ليس من دون تبرير تماما حيث ارتكب كلا الجانبين فظاعات أثناء الحرب). وفي نهاية المطاف تفاقمت المشكلة بحيث ارتدت اتهامات الأسلحة الكيميائية إلى الإيرانيين أنفسهم، رغم عدم توفر أي دليل مقنع باستخدام الإيرانيين لمثل هذه الأسلحة: فالولايات المتحدة – التي اتخذت موقفا محايدا من الصراع – أظهرت ميلا متزايدا نحو العراق وفضلت استمرار المأزق بين الطرفين المتحاربين لمدة طويلة (على الرغم من أنهما لم يعدا يشكلان خطرا على إسرائيل أو على قدرة الغرب للحصول على النفط الخليجي بسعر مناسب) أو ربما حبذت تحقيق انتصار بواسطة العراق الضعيف، وليس بأي حال من الأحوال بواسطة إيران. ولكن شكل لجوء العراق إلى استخدام الغازات السامة على أرض المعارك وضد المدنيين نوعا من الإحراج لإدارة الرئيس ريجان.
المعلومات المضللة
وفي بادية الأمر عندما كان الصحفيون في ربيع عام 1984 على وشك فضح استخدام العراق أثناء الحرب للأسلحة الكيميائية، تحركت واشنطن بصورة وقائية لإدانة العراقيين وفرضت بقوة حظرا على تصدير المواد الكيميائية إلى العراق وإيران. وأظهرت الوثائق الداخلية علم المسؤولين الأمريكيين بالتصرفات العراقية منذ مدة تصل على الأقل لستة أشهر. ولم تتأخر إدانتهم كثيرا بسبب اتهام العراق بأول استخدام مسجل لغاز الأعصاب في ساحة الحرب. وقام دونالد رامسفيلد الذي كان آنذاك المبعوث الخاص للرئيس رولاند ريجان للشرق الأوسط بتخفيف أثر هذه الرسالة القاسية عندما ذهب إلى بغداد لتوضيح أن موقف واشنطن كان مجرد أحد مواقفها المبدئية. وأكد رامسفيلد لوزير الخارجية العراقية طارق عزيز استمرارية دعم إدارة ريجان للحرب ضد إيران ولتطبيع العلاقات مع العراق. وفي 26 نوفمبر 1984 تمت مكافأة العراقيين من خلال استئناف العلاقات الدبلوماسية معهم التي كانت قد قطعت منذ حرب يونيو في عام 1967. وأثبت العراق خلال الهجوم النهائي الإيراني التالي أنه عصي على الردع، وقام بنشر أنظمة لإطلاق الأسلحة الكيميائية أكثر تطورا لمواجهة العدو.
وبحلول عام 1987 وعندما بدأ النظام العراقي في مواجهة الأكراد المدنيين(في كل من إيران والعراق) بالغاز، أجبر كفلاء العراق في واشنطن على تعزيز سيطرتهم على الأضرار. فمن خلال الدعم الذي تمتعوا به من خلال هزيمة خصومهم البيروقراطيين في ما يتعلق بفضيحة “إيران – الكونترا”، عزز هؤلاء الكفلاء من مساندتهم لنظام بغيض، لكنه اعتبر كحصن ضروري ضد انتشار الراديكالية الإسلامية في منطقة الخليج الحساسة. لذلك قاموا بتزويد العراق بمعلومات استخبارية جمعت عن طريق الأقمار الصناعية – عن تحركات القوات الإيرانية، كما قاموا بتشجيع الحلفاء من الدول العربية بتوفير العتاد الحربي للعراق وقد جعلت هذه الإجراءات العراقيين يصلوا إلى قناعة تمتعهم بتسامح واشنطن الحميد تجاه مجهوداتهم الحربية بغض النظر عن الأساليب المستخدمة. ونتج عن ذلك استخدامهم مزيد من المواد الكيميائية القاتلة وبصورة أكبر من السابق وضد السكان المدنيين أيضا. وبلغ الأمر ذروته بالهجوم الشامل باستخدام الغاز ضد مدينة حلبجة الكردية في 1988 والذي نتج عنه هلاك مئات الآلاف من المدنيين.
وعند ظهور الشواهد التي تدل على هلاك المدنيين بالأسلحة الكيميائية لأول مرة في أبريل 1987، انتقلت إدارة الرئيس ريجان من الإدانة الوقائية إلى التضليل الرسمي الفعلي في محاولة لتخفيف مسؤولية العراق بشن حرب بالأسلحة الكيميائية. وبإدانة الطرفين بصورة متساوية فإن العراق سوف يتفادى موقف الإدانة الصعب. وبحلول خريف عام 1987 تسربت معلومات مفادها أن إيران قد بدأت في الرد على فظاعات الأسلحة الكيميائية بمثلها. وقد كررت بغداد هذه الادعاءات لمرات عديدة ثم أظهرت واشنطن فيما بعد موافقتها عليها. لذلك كان على إيران أن تحارب الاتهامات بارتكابها على وجه الخصوص أنواع الفظاعات التي ادعت دائما بأنها أحجمت عن ارتكابها من باب المراعاة للمبادئ الأخلاقية للإنسانية والدين ( هذا فضلا عن تخلفها لسنوات خلف العراق من حيث تطوير مثل هذه الأسلحة). ورغم خطابها التوضيحي بشأن الحرب الكيميائية – وهي الميزة البلاغية الوحيدة التي تفوقت بها على العراق أثناء الحرب – إلا أنه تم حجب ذلك بسبب الادعاءات المضادة التي وجهت مباشرة للمعتقدات الأخلاقية التي آمنت بها. وبالطبع لم تسعف إيران التحذيرات من أنه قد لا يكون أمامها أي خيار في نهاية الأمر سوى شن حرب كيميائية من جانبها.
الخداع الفاضح
وفي بادئ الأمر لم تستند الادعاءات العراقية على الحجة التي مفادها أن إيران كانت تستخدم عمليا الأسلحة الكيميائية، لذلك بدأ العراقيون في إيجاد أحد الأدلة المادية. وقد كان ذلك أمرا بسيطا نظرا لأن العراق كان يملك مخزونا جاهزا من ضحايا الأسلحة الكيميائية ويتوفر ذلك من مصدرين هما الغاز الذي أطلقه الجنود العراقيون أنفسهم بصورة تفتقر للكفاءة ثم التسريب من الذخيرة الكيميائية سيئة الصنع. ويوجد دليل مادي بأن الطائرات العراقية قامت بإطلاق الغاز بصورة روتينية، وليس على نحو متعمد على القوات العراقية الأرضية. ويعزى حدوث هذه الإصابات الذاتية في أغلب الأوقات لتنتقل اتجاه الرياح حيث يحتمل حدوث هذه الإصابات على نحو خاص على امتداد خطوط الجبهة حيث يتخندق جنود الطرفين المتحاربين في مناطق قريبة من بعضها البعض. وتفاقمت المشكلة بامتلاك إيران لصواريخ مضادة للطائرات (هوك – Hawk ) كجزء من صفقات “إيران – الكونترا”. وأجبرت القدرات الصاروخية الإيرانية الجديدة القاذفات العراقية على الطيران على ارتفاعات أعلى بكثير، الأمر الذي أدى إلى توسيع النطاق الذي تنتشر فيه مختلف أسلحة الغاز التي يتم إسقاطها.
ويؤكد تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي.آي.إيه) بعد الحرب مشكلة المعلومات المضللة. ويقول التقرير ” إن العراق وبمهاجمته القوات الإيرانية بالأسلحة الكيميائية – لم يظهر أي اعتبار يذكر لسلامة قواته الموجودة في أو بالقرب من المنطقة الملوثة بالغازات السامة. وبغض النظر عن الأسباب المنطقية العراقية، فإن أعداداً كبيرة من القوات العراقية قتلت أو أصيبت أثناء الهجمات العراقية التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية”. وأيد هذا الاستنتاج الجنود والطيارون العراقيون الذين أجريت معهم مقابلات داخل العراق وخارجه خلال السنوات الأربع الماضية، وأكد أحد الطيارين أن الطائرات العراقية هاجمت من غير قصد وفي مرات عديدة القوات العراقية نفسها بأسلحة تقليدية وكيميائية. وأضاف: إن هذه الأخطاء أحدثت العديد من الإصابات. وأضاف هذا الطيار ” كان صدام قادرا على استخدام ضحايا العراقيين كدليل على استخدام إيران للأسلحة الكيميائية”.
وفي أثناء زياراتهم للعراق في عامي 1987 و1988 اطلع خبراء الأسلحة الكيميائية التابعون للأمم المتحدة على ضحايا الأسلحة الكيميائية من العراقيين. وعلى الرغم من أن هؤلاء الخبراء قد صرحوا بأنهم لا يستطيعون أن يجزموا بأن هؤلاء الضحايا أصيبوا نتيجة الهجمات الإيرانية التي استخدمت فيها الغازات السامة فإن هناك انطباعا عاما بأنهم بالفعل ضحايا الغازات السامة الإيرانية. وخلال أحاديثهم الشخصية داخل أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، أوضح هؤلاء الخبراء بجلاء أنهم يعتقدون أن أولئك الجنود هم ضحايا الاستخدام غير المسؤول للأسلحة الكيميائية بواسطة العراقيين أنفسهم.
وعندما هاجمت الطائرات العراقية بلدة حلبجة بالغازات السامة دفع الحرج واشنطن للجوء إلى حملة نشطة من المعلومات المضللة، وقد أخذ ذلك منها أسبوعا قبل تجهيز الهجوم المضاد البلاغي أمام الرأي العام والذي سجل نجاحا مدهشا. فقد برأ المتحدث باسم الخارجية الأمريكية العراق من المسؤولية بالإيحاء المضلل والاستناد إلى الشواهد الضعيفة بأن كلا البلدين العراق وإيران استخدما الغازات السامة في حلبجة. وأظهرت البرقيات العلنية أن الدبلوماسيين الأمريكيين أمروا آنذاك بنشر هذه الخرافة وبتبني الحيلة المتمثلة في سؤال ” ما هو الدليل؟ ” وفي الإجابة الجاهزة ” عفواً. إن هذه معلومات سرية “. ولكنهم على الرغم من ذلك وجدوا جمهورا متجاوبا. وهنا يبرز التساؤل المهم لماذا الاهتمام بهذا الأمر؟ فبأسرها للرهائن الأمريكيين ورعايتها للهجمات ولحالات الاختطاف التي قام بها حزب الله وبتهديد منطقة الشرق الأوسط بإحداث تغيرات إسلامية على نمط الخميني، فإن إيران قد وجدت نفسها في حالة من العزلة العالمية. كما نجد أن قرار مجلس الأمن رقم 612 بتاريخ 3 مايو 1988 الذي دان الفظاعات التي ارتكبت في بلدة حلبجة قد تم إصداره بعد مرور شهرين من الحادثة وشجب كلتا الحكومتين على نحو متساوٍ. وفي التحليل النهائي فإن الدليل الوحيد للادعاء بأن إيران قد استخدمت الأسلحة الكيميائية أثناء الحرب هو إشارة الولايات المتحدة إلى ذلك، وهو دليل كان كافيا إلى حد ما.
فالخداع الفاضح بشأن حادثة حلبجة والذي استقبل بالتهليل في بغداد أعطى العراقيين الضوء الأخضر الذي يحتاجونه لاستخدام الغازات السامة حتى نهاية الحرب. فخلال سلسلة من الهجمات المضادة السريعة ضد القوات الإيرانية والمقاتلين الأكراد العراقيين، استخدم العراقيون الأسلحة الكيميائية في اليوم الأول في كل هجوم لإدخال الرعب في نفوس خصومهم، ثم أعقبوا ذلك بضرب القوات المتراجعة والمحبطة بأطنان من الأسلحة التقليدية. كما هددوا أيضا بوضع أسلحة كيميائية على الصواريخ طويلة المدى التي بدأوا بضرب طهران بها، الأمر الذي أدى إلى حدوث عمليات إخلاء جماعي للمدنيين. وفي فترة ثلاثة أشهر رضخ آية الله روح الله الخميني للشراب من “كأس السم” مقرا بعدم قدرة إيران على الاستمرار في الحرب وموافقا على وقف مهين لإطلاق النار.
حبر على ورق
خرج كل من العراق وإيران من الحرب بجروح نفسية عميقة، ولكن جروح الإيرانيين كانت أعمق خاصة في ما يتعلق بشعورهم بأنهم فعليا كانوا وحيدين كما كان موقفهم – على الأقل في ما يتعلق بقضية الأسلحة الكيميائية – صحيحا ولكن رغم ذلك كان موضع احتقار. وتعلمت الدولة الإسلامية الفتية التي تفتقر للخبرة درسين مهمين من تجربتها: أولاً ألا تدع نفسها مرة أخرى أن تكون في مثل ذلك الوضع الذي تتعرض فيه بصورة استراتيجية للهجوم والسقوط بيد الأعداء. وثانياً إن الاتفاقيات والمعاهدات متعددة الأطراف تصبح لا قيمة لها عند مواجهة القوة العظمى في العالم. لذلك قرر الإيرانيون التصرف وفقا لهذه الرؤى.
وكان من المعروف أن إيران ومع نهاية الحرب قد اكتسبت القدرة على إنتاج أسلحتها الكيميائية الخاصة بها. وكان رئيس البرلمان ( رئيس الدولة فيما بعد) علي أكبر هاشمي رفسنجاني قد أعلن بعد مرور شهرين من انتهاء الحرب أن ” القنابل الكيميائية والأسلحة البيولوجية هي عبارة عن القنابل النووية للفقراء التي يمكن إنتاجها بكل سهولة. ويجب على الأقل أخذها في الاعتبار للدفاع عن أنفسنا. وعلى الرغم من أن استخدام مثل هذه الأسلحة يعتبر عملاً لا إنسانياً، فإن الحرب علمتنا أن القوانين الدولية هي مجرد حبر على ورق. استبعد العراق في تسعينات القرن الماضي كبلد يمثل تهديدا استراتيجيا بينما أصبحت إيران مشاركا متحمسا في المحادثات الدولية الرامية إلى حظر الأسلحة الكيميائية. وفي الوقت المناسب وعقب إقرارها لاتفاقية الأسلحة الكيميائية في عام 1977، امتثلت إيران لتعهداتها بموجب هذه الاتفاقية بالإعلان عما تملكه من أسلحة كيميائية التي تم تدميرها فيما بعد تحت رقابة دولية. وعلى الرغم من ذلك فقد تواصلت الشكوك بشأن استمرار إيران في تطوير برنامج للأسلحة الكيميائية.
وإذا صحت هذه الشكوك فإن هذا البرنامج سيكون بمثابة ميراث لا اختلاف عليه لاستخدامات العراق المتكررة للغازات السامة أثناء الحرب ولفشل المجتمع الدولي في وضع نهاية لهذا الأمر. وإلى جانب ذلك فقد قلت وبصورة فاعلة قدرة العالم على مواجهة إيران بشأن أي برامج ذات صلة قد تمتلكها حاليا وذلك من خلال المنظور الإيراني الذي يقول إن إيران لا تمتلك ما يحميها من أسلحة الدمار الشامل التي بحوزة قوى إقليمية مثل إسرائيل، سوى أسلحة الدمار الشاملة الرادعة الخاصة بها.
وفي الختام يمكن القول إن الأزمة الحالية بشأن برنامج الأسلحة النووية الإيراني المزعوم تعطي توضيحاً حياً للمشكلة. ولكن كيفية وصول المسألة النووية إلى نهايتها تعتمد إلى حد ما على الكيفية التي ينبسط بها النقاش الداخلي في إيران. وهناك خيار يجب أن يحظى باهتمام جاد ويتمثل في فكرة ” الصفقة الكبرى التي تتخلى بموجبها إيران عن برنامج الأسلحة النووية وإيقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية واللبنانية المقاتلة والتوقف عن التدخل في شؤون العراق مقابل الحصول على دعم لصناعتها النووية الموجهة للأغراض السلمية، والتمتع بضمانات لحماية نظامها من التغيير ومن المحاولات العسكرية المعادية الأخرى وإعادة دمجها بالكامل في المجتمع الدولي. كما أن إدارة الرئيس بوش – التي تم تقويض اتهاماتها حول برنامج إيران الخاص بأسلحة الدمار الشامل بسبب سجل ادعاءاتها التاريخي الخاص بأسلحة الدمار الشامل واستغلالها لذلك للاستعداد السريع للحرب على العراق – ستكون حريصة على العمل على تحقيق هذا الهدف قبل خروج المارد النووي بنجاح من قمقمه.
::/fulltext::
::cck::2331::/cck::
