التحديات الجديدة أمام حلف شمالي الأطلسي والاتحاد الأوروبي
::cck::2347::/cck::
::introtext::
تُعتبر منطقة الشرق الأوسط الجار المباشر لأوروبا، وهناك عدة عوامل تربطنا معاً مثل التاريخ والروابط الاقتصادية والمصالح المشتركة والعلاقات الشخصية الوثيقة، ويتسم ارتباط الاتحاد الأوروبي بالمنطقة بالعمق وبالتاريخ الطويل، وقد دعمنا وفي الأوقات الصعبة وبكل فاعلية السعي إلى تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وسنحتفل هذا العام بالذكرى العاشرة لإعلان برشلونة، كما أننا نقوم بتوسيع نطاق علاقاتنا وعلى نحو سريع مع دول مجلس التعاون الخليجي.
::/introtext::
::fulltext::
تُعتبر منطقة الشرق الأوسط الجار المباشر لأوروبا، وهناك عدة عوامل تربطنا معاً مثل التاريخ والروابط الاقتصادية والمصالح المشتركة والعلاقات الشخصية الوثيقة، ويتسم ارتباط الاتحاد الأوروبي بالمنطقة بالعمق وبالتاريخ الطويل، وقد دعمنا وفي الأوقات الصعبة وبكل فاعلية السعي إلى تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وسنحتفل هذا العام بالذكرى العاشرة لإعلان برشلونة، كما أننا نقوم بتوسيع نطاق علاقاتنا وعلى نحو سريع مع دول مجلس التعاون الخليجي.
إن السبب وراء ارتباط الاتحاد الأوروبي بمنطقة الشرق الأوسط يتمثل ببساطة في أن الأمن في الشرق الأوسط له تأثير مباشر في الأمن في أوروبا، فأقدارنا مرتبطة بعضها ببعض. وإلى جانب ذلك، فإن الشرق الأوسط لا يوجد على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط فقط، بل بات يشكل حضوراً متزايداً في مدننا. لذلك، فإن العنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط ينتقل تأثيرهما إلى الشوارع الأوروبية.
إن السياسة تعني التغيير وليس مجرد إدارة الوضع الراهن، وإننا بحاجة إلى معالجة التحديات القديمة والجديدة على حد سواء، ومن الواضح أنه لا توجد حلول سريعة للمشكلات العديدة التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط، ولكن ذلك لا يمثل بأي حال مبرراً للمماطلة والتسويف في حل تلك المشكلات.
إن جدول الأعمال المطلوب تطبيقه واضح جداً، ويتعين علينا مواصلة العمل على أربعة مسارات:
1- عملية السلام في الشرق الأوسط
2- العراق
3- إيران
4- التعاون الإقليمي
1- عملية السلام في الشرق الأوسط
لقد أكد نجاح قمة شرم الشيخ أنها بالفعل تمثل فرصة فريدة، فقد شكلت مفاهيم مثل الكرامة والأمل شعارات الانتخابات الرئاسية الفلسطينية، وهناك أيضاً حكومة إسرائيلية جديدة، وبالإضافة إلى ذلك، تم تطبيق وقف رسمي لإطلاق النار، ويتخذ الجانبان قرارات شجاعة، هذا في الوقت الذي يتوق فيه الشعبان إلى تحقيق السلام. وعلى الرغم من ذلك فما زالت هناك العديد من التحديات الماثلة. فالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة سيشكل تحدياً كبيراً. ومع اقتراب موعد هذا الانسحاب، يُتوقع أن تنشط كل من الميليشيات الفلسطينية والمستوطنين الإسرائيليين بصورة كبيرة. فمن ناحية، يحتاج الإسرائيليون إلى تطمينات أمنية، بينما يحتاج الفلسطينيون في الجانب الآخر إلى تأكيدات بأن الانسحاب من غزة أولاً لن يقتصر على غزة فقط، وهو أمر سيؤدي إلى إضعاف موقف الرئيس محمود عباس وأجندته المتعلقة بالسلام والإصلاحات. ويحرص الجميع بمن فيهم الإسرائيليون والأوروبيون والأمريكيون والدول العربية المجاورة على إنجاح عملية الانسحاب من غزة. ويعني ذلك أن نعمل جميعنا من أجل تحقيق الأمن والقانون والنظام. ولكن يجب بذل جهد موازٍ بشأن الكيفية التي يمكننا بها تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المأساوية في الأراضي الفلسطينية. لذلك، يجب علينا تحقيق تقدم سريع في مجال تأمين الوظائف والخدمات الاجتماعية وإعادة إرساء اللبنات الأساسية.
وفضلاً عن ذلك ومن أجل ضمان تنفيذ خطة الانسحاب من قطاع غزة، يجب علينا منح الفلسطينيين رؤية سياسية، فهم يحتاجون إلى أن يعرفوا أننا ما زلنا نلتزم بهدفنا المشترك المتمثل في الحل الذي يقضي بإقامة دولتين عبر الحوار وإنهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967.
ووفق ما أكدته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، فربما يكون من المبكر جداً الانتقال مباشرة إلى محادثات الوضع النهائي، ولكن يتعين على الأقل على الجانبين الابتعاد عن الأعمال الانفرادية، والتي من شأنها تقويض نتائج هذه المحادثات.
2- العراق
إنني سعيد جداً لأننا دخلنا مرحلة جديدة وأكثر إيجابية بالنسبة للعراق نفسه وبالنسبة للعلاقات الأوروبية ـ الأمريكية. فقد كانت صور الانتخابات العراقية مؤثرة ومشجعة. وعلى الرغم من أن هناك كثيراً مما يجب فعله فإن الانتخابات كانت بمثابة خطوة مهمة إلى الأمام. ومن الـمُـتـوقـع من جميع العراقيين أن يعملوا من أجل أن يكون لديهم إحساس أكبر بالمشاركة في صياغة مستقبل بلادهم. فالحرية والديمقراطية هما الهدف الذي يجب أن يسعى العراقيون إلى تحقيقه، ولكنهما يتطلبان توفير الثقة المتبادلة والنـزوع إلى حلول سياسية وسطى.
وعلى ضوء الوضع الحالي، فإن الخيار الأفضل ـ بل إنه في واقع الأمر الخيار الوحيد ـ يتمثل في الاستمرار في العملية التي أقرها مجلس الأمن بموجب قراره رقم 1546. ومن الـمُـؤمـل أن تؤدي العملية السياسية، والمجهودات المستمرة لتقوية الخدمات الأمنية العراقية، إلى خفض درجة العنف في البلاد. ويتوجب علينا كأوروبيين أن نعمل على تعزيز ارتباطنا بالعراق على نحو جماعي، أي عن طريق الاتحاد الأوروبي.
إننا نقوم فعلياً بإعداد حزمة من التدابير المتكاملة والجاهزة تشمل خططاً لتدريب نحو ثمانمائة من كبار القضاة وضباط الشرطة والمسؤولين الآخرين العراقيين. فأي دولة من الدول الناجحة والفاعلة تحتاج إلى كادر من المهنيين لإدارة دولاب العمل فيها. وستصاحب جهودنا التدريبية حزمة إضافية من المساعدات بقيمة مائتي مليون يورو، علاوة على ثلاثمائة وخمسين مليون يورو كان قد تم التعهد بها وإنفاقها بواسطة الاتحاد الأوروبي في عام 2003. ومن جانبها، فقد تعهدت الدول الأعضاء بصورة منفردة بتقديم ما جملته 2،2مليار يورو تقريباً لإعادة الإعمار في العراق. وربما يكون توفير المساعدة في مجال صياغة الدستور ـ وبصورة أشمل ـ تعزيز وترقية المصالحة الوطنية، من أكثر المجالات الواعدة التي يمكن للاتحاد الأوروبي أن يلعب فيها دوراً بارزاً. ولكن سيظل خطر التشرذم السياسي حقيقة ماثلة في العراق، ومن أجل تفادي ذلك، سترون في الشهور المقبلة وجوداً أوروبياً أكبر في العراق لمساعدة العراقيين على إدارة شؤون بلادهم.
3- إيران
هناك صعوبة في فهم طبيعة جميع الدول، وفي هذا السياق، فإن إيران تُعتبر الدولة الأصعب. فإيران تتمتع بتاريخ عريق، وربما سيكون لها أيضاً مستقبل رائع، كما قد يكون لها دور مهم في منطقة الشرق الأوسط المستقرة، والتي تنعم بالديمقراطية. وتتمتع إيران بـهُـوية قومية قوية، ولديها العديد من الموهوبين في مجال الأعمال والسياسة والفنون والآداب. واتسم تاريخها القريب في العديد من أوجهه بالمأساوية. وعلى ضوء هذا التاريخ، فليس من المدهش أن يكون للعديد من الإيرانيين شك عميق تجاه العالم الخارجي، وليس من المدهش كذلك أن تحمل العديد من الدول الأخرى شعوراً بالشك العميق تجاه إيران. إن إيران دولة متطورة ومعقدة في الوقت نفسه، لذلك ليس من السهل على الدول الأخرى التعامل معها، ومن دون شك فإن الإيرانيين يحملون الاعتقاد نفسه تجاهنا.
وفي خضم كل ذلك، يبرز وبكل وضوح أمر واحد وهو أنه يجب علينا وقف انتشار الأسلحة النووية، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط التي تتميز بعدم استقرارها. وحتى لو كانت النيّات الإيرانية سلمية في مجال استخدام الطاقة الذرية، فإن الأمر سيكون أكثر خطورة بالنسبة للآخرين حتى في حالة ارتيابهم من امتلاك الإيرانيين لبرنامج خاص بتطوير الأسلحة النووية، وقد يؤدي هذا الأمر وحده إلى حدوث سباق تسلح نووي. كما أن وجود مزيد من الأسلحة النووية في هذه المنطقة المضطربة أمر لا نرغب في أن نراه. وإلى هذا الحد، سيكون نظام معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عرضة بطريقة أو بأخرى للتقويض.
ويجب ألاّ يتفاجأ الإيرانيون إذا ارتاب الآخرون منهم. فهم قد قاموا بسلسلة كاملة من الأنشطة والتجارب من دون الإفصاح عنها ـ كما هو ملزم بالنسبة لهم ـ أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فإيران ـ كأي دولة من الدول الأخرى الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ـ لديها كل الحق في امتلاك برنامج للاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ولكن يجب إقناعنا بأن تلك الاستخدامات هي سلمية بالفعل. وبسبب تصرفاتهم السابقة، يتوجب على الإيرانيين تقديم العديد من الحجج المقنعة، وذلك هو السبب الذي يجعلنا في أوروبا ـ ومن خلال حوارنا مع إيران ـ نسعى إلى الحصول على ضمانات موضوعية بشأن الطبيعة السلمية لبرنامج إيران النووي.
لقد اتخذت إيران العديد من الخطوات الإيجابية والمهمة. فقد قامت أولاً بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهي تقوم بتنفيذه، وسيعطي ذلك مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية حرية كاملة في الوصول إلى المنشآت الإيرانية. ثانياً، وافقت إيران على تعليق برنامجها الخاص بالتخصيب، هذا في الوقت الذي نقوم فيه بمواصلة محادثاتنا معها في محاولة للوصول إلى حل أشمل نسعى للوصول إليه.
وفي هذا السياق، فإن أمامنا طريقين: الأول هو أنه إذا تمكنا من تحقيق تفاهم دائم بشأن قضية البرنامج النووي، فسيكون هناك احتمال بإقامة علاقات تبادلية ومفيدة للطرفين بين أوروبا وإيران. وأتمنى أن يكون لهذه العلاقة تأثير ليس في المجالات النووية فقط، بل في القضايا الأخرى التي تهمنا مثل وضع حقوق الإنسان في إيران وتوجهاتها في ما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط وعلاقاتها بالمنظمات الإرهابية. وإذا تمكنا من تحقيق نجاح في هذه المجالات فسيكون من الممكن تخيل إيران كإحدى الركائز المهمة، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، بل في المجتمع الآسيوي ـ الأوروبي الأوسع. وستكون إيران ـ وبفضل تمتعها باقتصاد حديث ـ شريكاً بـنّـاءً لتحقيق الأمن ومصدراً للاستقرار والطاقة التي لا تقتصر على النفط والغاز، بل تمتد إلى الطاقة الإنسانية والأفكار.
أما الثاني فسينحدر بنا إلى درك الارتياب والعزلة والفقر، بل ربما إلى الخطر. ولن يكون ذلك في صالحنا أو في صالح منطقة الشرق الأوسط أو في صالح إيران. إننا ملتزمون تماماً بالطريق الأول وبالحل الدبلوماسي، وعلى الرغم من أننا في المراحل الأولى فإننا قد تمكنا من إحداث اختراق صغير. كما أننا الآن بحاجة إلى توسيع هذه الثغرة لنكسب كلانا مزيداً من الثقة والمزايا المتبادلة. وسيأتي يوم قد تصبح هذه الثغرة باباً يتيح للآخرين أيضاً الدخول من خلاله. ومن الـمُـؤكـد أنه سيكون للنهج الدولي المتضافر أعظم الفرص لتعزيز هذا التقدم وتحويله إلى نجاح حقيقي.
4- التعاون الإقليمي
وأورد في هذا المجال نقطتين حول التعاون الإقليمي. الأولى: تعلمنا بمشقة في أوروبا أن السلام والأمن المستدامين يتطلبان تعاوناً وتكاملاً إقليميين، فإدارة الأزمات ليس كإقامة وتحقيق الأمن. كما أن إقامة منطقة للأمن التعاوني هي بالضبط ما نحاول أن نحققه مع شركائنا في منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال إعلان برشلونة. وخلال السنوات العشر الماضية، حقق إعلان برشلونة الكثير، لأننا ركزنا على الأولويات السياسية الكبرى، وتم تعزيز جهودنا عبر اعتمادات سنوية بلغت نحو مليار يورو في العام في شكل منح وملياري يورو في شكل قروض ميسرة.
وتتعلق النقطة الثانية بما تقوم به دول المنطقة بعضها مع بعض. وتعلمون أنه يتم ضمان السلام في أوروبا من خلال تكامل مؤسسي ونشر الديمقراطية ونظام قانوني متين. ومن الواضح تماماً أنه لا يمكن تصدير هذا النموذج الأوروبي ببساطة. ولكن من اللافت للنظر ومن الأمور المشجعة أن العديد من المناطق الأخرى في العالم تشرع بتبني طرق مشابهة. ولننظر فقط إلى الاتحاد الإفريقي وإلى السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية “ميركيسور” وإلى رابطة جنوب شرق آسيا “آسيان”.
إن الأمن والديمقراطية والتعاون الإقليمي أمور يعزز بعضها بعضاً، كما توضح ذلك كل من أوروبا والشرق الأوسط وبطرق مختلفة. فنجد في منطقة الشرق الأوسط توترات سياسية عالية وضعفاً أو افتقاراً إلى الأشكال الديمقراطية للحكم، بينما يفتقد التعاون الإقليمي الفاعلية اللازمة. ومن الأمور اللافتة للنظر في العالم العربي افتقاره النسبي إلى التعاون على الرغم من ثقافته المشتركة.
لقد برزت العديد من الأفكار بشأن تعزيز أشكال مختلفة من التعاون الإقليمي، فبعضها يتحدث عن منتدى لأمن الخليج الفارسي، بينما يفكر آخرون بإقامة شكل أوسع لنمط “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” في منطقة الشرق الأوسط، بل هناك آخرون يرغبون في التركيز على إسرائيل ـ فلسطين والدول المجاورة. ولكل من هذه الخيارات منطقه وميزاته المختلفة. ولكن ربما يكون من الأفضل البدء بسرعة والتركيز على مفاهيم الأمن في منطقة الخليج. فقد يساهم منتدى الأمن في الخليج بصورة أكبر في مساعدة العراق الجديد على التوافق في بيئة أوسع، كما قد يساهم أيضاً في التعامل مع المخاوف الإيرانية ومعالجة التهديدات المشتركة، وتلك التي قد تنشأ عبر الحدود. فالدول التي تحس بأنها أقل عرضة للتهديدات تنـزع إلى التصرف بصورة أقل تهديداً للآخرين.
إن المبادرة إلى تعزيز مثل هذا التعاون الإقليمي يجب أن تنشأ من المنطقة نفسها. ويمكن للأوروبيين والآخرين بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة القيام بعمل الكثير للمساعدة في هذا المجال، ولكن، حتى هذه اللحظة، فإن زعماء المنطقة والقوى الخارجية على حد سواء أدمنوا السعي إلى تحقيق الأمن وفق حسابات توازن القوى وعبر صفقات ثنائية قصيرة المدى.
ولكن سجل الحروب المتكررة وعدم الاستقرار المتواصل يظهران التكاليف والقيود التي تحدّ من هذا الأسلوب. وهنالك الآن فرصة للخروج من هذه الدائرة، ولعلنا نغتنم هذه الفرصة لننتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء أمن تعاوني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2347::/cck::
::introtext::
تُعتبر منطقة الشرق الأوسط الجار المباشر لأوروبا، وهناك عدة عوامل تربطنا معاً مثل التاريخ والروابط الاقتصادية والمصالح المشتركة والعلاقات الشخصية الوثيقة، ويتسم ارتباط الاتحاد الأوروبي بالمنطقة بالعمق وبالتاريخ الطويل، وقد دعمنا وفي الأوقات الصعبة وبكل فاعلية السعي إلى تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وسنحتفل هذا العام بالذكرى العاشرة لإعلان برشلونة، كما أننا نقوم بتوسيع نطاق علاقاتنا وعلى نحو سريع مع دول مجلس التعاون الخليجي.
::/introtext::
::fulltext::
تُعتبر منطقة الشرق الأوسط الجار المباشر لأوروبا، وهناك عدة عوامل تربطنا معاً مثل التاريخ والروابط الاقتصادية والمصالح المشتركة والعلاقات الشخصية الوثيقة، ويتسم ارتباط الاتحاد الأوروبي بالمنطقة بالعمق وبالتاريخ الطويل، وقد دعمنا وفي الأوقات الصعبة وبكل فاعلية السعي إلى تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وسنحتفل هذا العام بالذكرى العاشرة لإعلان برشلونة، كما أننا نقوم بتوسيع نطاق علاقاتنا وعلى نحو سريع مع دول مجلس التعاون الخليجي.
إن السبب وراء ارتباط الاتحاد الأوروبي بمنطقة الشرق الأوسط يتمثل ببساطة في أن الأمن في الشرق الأوسط له تأثير مباشر في الأمن في أوروبا، فأقدارنا مرتبطة بعضها ببعض. وإلى جانب ذلك، فإن الشرق الأوسط لا يوجد على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط فقط، بل بات يشكل حضوراً متزايداً في مدننا. لذلك، فإن العنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط ينتقل تأثيرهما إلى الشوارع الأوروبية.
إن السياسة تعني التغيير وليس مجرد إدارة الوضع الراهن، وإننا بحاجة إلى معالجة التحديات القديمة والجديدة على حد سواء، ومن الواضح أنه لا توجد حلول سريعة للمشكلات العديدة التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط، ولكن ذلك لا يمثل بأي حال مبرراً للمماطلة والتسويف في حل تلك المشكلات.
إن جدول الأعمال المطلوب تطبيقه واضح جداً، ويتعين علينا مواصلة العمل على أربعة مسارات:
1- عملية السلام في الشرق الأوسط
2- العراق
3- إيران
4- التعاون الإقليمي
1- عملية السلام في الشرق الأوسط
لقد أكد نجاح قمة شرم الشيخ أنها بالفعل تمثل فرصة فريدة، فقد شكلت مفاهيم مثل الكرامة والأمل شعارات الانتخابات الرئاسية الفلسطينية، وهناك أيضاً حكومة إسرائيلية جديدة، وبالإضافة إلى ذلك، تم تطبيق وقف رسمي لإطلاق النار، ويتخذ الجانبان قرارات شجاعة، هذا في الوقت الذي يتوق فيه الشعبان إلى تحقيق السلام. وعلى الرغم من ذلك فما زالت هناك العديد من التحديات الماثلة. فالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة سيشكل تحدياً كبيراً. ومع اقتراب موعد هذا الانسحاب، يُتوقع أن تنشط كل من الميليشيات الفلسطينية والمستوطنين الإسرائيليين بصورة كبيرة. فمن ناحية، يحتاج الإسرائيليون إلى تطمينات أمنية، بينما يحتاج الفلسطينيون في الجانب الآخر إلى تأكيدات بأن الانسحاب من غزة أولاً لن يقتصر على غزة فقط، وهو أمر سيؤدي إلى إضعاف موقف الرئيس محمود عباس وأجندته المتعلقة بالسلام والإصلاحات. ويحرص الجميع بمن فيهم الإسرائيليون والأوروبيون والأمريكيون والدول العربية المجاورة على إنجاح عملية الانسحاب من غزة. ويعني ذلك أن نعمل جميعنا من أجل تحقيق الأمن والقانون والنظام. ولكن يجب بذل جهد موازٍ بشأن الكيفية التي يمكننا بها تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المأساوية في الأراضي الفلسطينية. لذلك، يجب علينا تحقيق تقدم سريع في مجال تأمين الوظائف والخدمات الاجتماعية وإعادة إرساء اللبنات الأساسية.
وفضلاً عن ذلك ومن أجل ضمان تنفيذ خطة الانسحاب من قطاع غزة، يجب علينا منح الفلسطينيين رؤية سياسية، فهم يحتاجون إلى أن يعرفوا أننا ما زلنا نلتزم بهدفنا المشترك المتمثل في الحل الذي يقضي بإقامة دولتين عبر الحوار وإنهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967.
ووفق ما أكدته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، فربما يكون من المبكر جداً الانتقال مباشرة إلى محادثات الوضع النهائي، ولكن يتعين على الأقل على الجانبين الابتعاد عن الأعمال الانفرادية، والتي من شأنها تقويض نتائج هذه المحادثات.
2- العراق
إنني سعيد جداً لأننا دخلنا مرحلة جديدة وأكثر إيجابية بالنسبة للعراق نفسه وبالنسبة للعلاقات الأوروبية ـ الأمريكية. فقد كانت صور الانتخابات العراقية مؤثرة ومشجعة. وعلى الرغم من أن هناك كثيراً مما يجب فعله فإن الانتخابات كانت بمثابة خطوة مهمة إلى الأمام. ومن الـمُـتـوقـع من جميع العراقيين أن يعملوا من أجل أن يكون لديهم إحساس أكبر بالمشاركة في صياغة مستقبل بلادهم. فالحرية والديمقراطية هما الهدف الذي يجب أن يسعى العراقيون إلى تحقيقه، ولكنهما يتطلبان توفير الثقة المتبادلة والنـزوع إلى حلول سياسية وسطى.
وعلى ضوء الوضع الحالي، فإن الخيار الأفضل ـ بل إنه في واقع الأمر الخيار الوحيد ـ يتمثل في الاستمرار في العملية التي أقرها مجلس الأمن بموجب قراره رقم 1546. ومن الـمُـؤمـل أن تؤدي العملية السياسية، والمجهودات المستمرة لتقوية الخدمات الأمنية العراقية، إلى خفض درجة العنف في البلاد. ويتوجب علينا كأوروبيين أن نعمل على تعزيز ارتباطنا بالعراق على نحو جماعي، أي عن طريق الاتحاد الأوروبي.
إننا نقوم فعلياً بإعداد حزمة من التدابير المتكاملة والجاهزة تشمل خططاً لتدريب نحو ثمانمائة من كبار القضاة وضباط الشرطة والمسؤولين الآخرين العراقيين. فأي دولة من الدول الناجحة والفاعلة تحتاج إلى كادر من المهنيين لإدارة دولاب العمل فيها. وستصاحب جهودنا التدريبية حزمة إضافية من المساعدات بقيمة مائتي مليون يورو، علاوة على ثلاثمائة وخمسين مليون يورو كان قد تم التعهد بها وإنفاقها بواسطة الاتحاد الأوروبي في عام 2003. ومن جانبها، فقد تعهدت الدول الأعضاء بصورة منفردة بتقديم ما جملته 2،2مليار يورو تقريباً لإعادة الإعمار في العراق. وربما يكون توفير المساعدة في مجال صياغة الدستور ـ وبصورة أشمل ـ تعزيز وترقية المصالحة الوطنية، من أكثر المجالات الواعدة التي يمكن للاتحاد الأوروبي أن يلعب فيها دوراً بارزاً. ولكن سيظل خطر التشرذم السياسي حقيقة ماثلة في العراق، ومن أجل تفادي ذلك، سترون في الشهور المقبلة وجوداً أوروبياً أكبر في العراق لمساعدة العراقيين على إدارة شؤون بلادهم.
3- إيران
هناك صعوبة في فهم طبيعة جميع الدول، وفي هذا السياق، فإن إيران تُعتبر الدولة الأصعب. فإيران تتمتع بتاريخ عريق، وربما سيكون لها أيضاً مستقبل رائع، كما قد يكون لها دور مهم في منطقة الشرق الأوسط المستقرة، والتي تنعم بالديمقراطية. وتتمتع إيران بـهُـوية قومية قوية، ولديها العديد من الموهوبين في مجال الأعمال والسياسة والفنون والآداب. واتسم تاريخها القريب في العديد من أوجهه بالمأساوية. وعلى ضوء هذا التاريخ، فليس من المدهش أن يكون للعديد من الإيرانيين شك عميق تجاه العالم الخارجي، وليس من المدهش كذلك أن تحمل العديد من الدول الأخرى شعوراً بالشك العميق تجاه إيران. إن إيران دولة متطورة ومعقدة في الوقت نفسه، لذلك ليس من السهل على الدول الأخرى التعامل معها، ومن دون شك فإن الإيرانيين يحملون الاعتقاد نفسه تجاهنا.
وفي خضم كل ذلك، يبرز وبكل وضوح أمر واحد وهو أنه يجب علينا وقف انتشار الأسلحة النووية، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط التي تتميز بعدم استقرارها. وحتى لو كانت النيّات الإيرانية سلمية في مجال استخدام الطاقة الذرية، فإن الأمر سيكون أكثر خطورة بالنسبة للآخرين حتى في حالة ارتيابهم من امتلاك الإيرانيين لبرنامج خاص بتطوير الأسلحة النووية، وقد يؤدي هذا الأمر وحده إلى حدوث سباق تسلح نووي. كما أن وجود مزيد من الأسلحة النووية في هذه المنطقة المضطربة أمر لا نرغب في أن نراه. وإلى هذا الحد، سيكون نظام معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عرضة بطريقة أو بأخرى للتقويض.
ويجب ألاّ يتفاجأ الإيرانيون إذا ارتاب الآخرون منهم. فهم قد قاموا بسلسلة كاملة من الأنشطة والتجارب من دون الإفصاح عنها ـ كما هو ملزم بالنسبة لهم ـ أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فإيران ـ كأي دولة من الدول الأخرى الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ـ لديها كل الحق في امتلاك برنامج للاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ولكن يجب إقناعنا بأن تلك الاستخدامات هي سلمية بالفعل. وبسبب تصرفاتهم السابقة، يتوجب على الإيرانيين تقديم العديد من الحجج المقنعة، وذلك هو السبب الذي يجعلنا في أوروبا ـ ومن خلال حوارنا مع إيران ـ نسعى إلى الحصول على ضمانات موضوعية بشأن الطبيعة السلمية لبرنامج إيران النووي.
لقد اتخذت إيران العديد من الخطوات الإيجابية والمهمة. فقد قامت أولاً بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهي تقوم بتنفيذه، وسيعطي ذلك مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية حرية كاملة في الوصول إلى المنشآت الإيرانية. ثانياً، وافقت إيران على تعليق برنامجها الخاص بالتخصيب، هذا في الوقت الذي نقوم فيه بمواصلة محادثاتنا معها في محاولة للوصول إلى حل أشمل نسعى للوصول إليه.
وفي هذا السياق، فإن أمامنا طريقين: الأول هو أنه إذا تمكنا من تحقيق تفاهم دائم بشأن قضية البرنامج النووي، فسيكون هناك احتمال بإقامة علاقات تبادلية ومفيدة للطرفين بين أوروبا وإيران. وأتمنى أن يكون لهذه العلاقة تأثير ليس في المجالات النووية فقط، بل في القضايا الأخرى التي تهمنا مثل وضع حقوق الإنسان في إيران وتوجهاتها في ما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط وعلاقاتها بالمنظمات الإرهابية. وإذا تمكنا من تحقيق نجاح في هذه المجالات فسيكون من الممكن تخيل إيران كإحدى الركائز المهمة، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، بل في المجتمع الآسيوي ـ الأوروبي الأوسع. وستكون إيران ـ وبفضل تمتعها باقتصاد حديث ـ شريكاً بـنّـاءً لتحقيق الأمن ومصدراً للاستقرار والطاقة التي لا تقتصر على النفط والغاز، بل تمتد إلى الطاقة الإنسانية والأفكار.
أما الثاني فسينحدر بنا إلى درك الارتياب والعزلة والفقر، بل ربما إلى الخطر. ولن يكون ذلك في صالحنا أو في صالح منطقة الشرق الأوسط أو في صالح إيران. إننا ملتزمون تماماً بالطريق الأول وبالحل الدبلوماسي، وعلى الرغم من أننا في المراحل الأولى فإننا قد تمكنا من إحداث اختراق صغير. كما أننا الآن بحاجة إلى توسيع هذه الثغرة لنكسب كلانا مزيداً من الثقة والمزايا المتبادلة. وسيأتي يوم قد تصبح هذه الثغرة باباً يتيح للآخرين أيضاً الدخول من خلاله. ومن الـمُـؤكـد أنه سيكون للنهج الدولي المتضافر أعظم الفرص لتعزيز هذا التقدم وتحويله إلى نجاح حقيقي.
4- التعاون الإقليمي
وأورد في هذا المجال نقطتين حول التعاون الإقليمي. الأولى: تعلمنا بمشقة في أوروبا أن السلام والأمن المستدامين يتطلبان تعاوناً وتكاملاً إقليميين، فإدارة الأزمات ليس كإقامة وتحقيق الأمن. كما أن إقامة منطقة للأمن التعاوني هي بالضبط ما نحاول أن نحققه مع شركائنا في منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال إعلان برشلونة. وخلال السنوات العشر الماضية، حقق إعلان برشلونة الكثير، لأننا ركزنا على الأولويات السياسية الكبرى، وتم تعزيز جهودنا عبر اعتمادات سنوية بلغت نحو مليار يورو في العام في شكل منح وملياري يورو في شكل قروض ميسرة.
وتتعلق النقطة الثانية بما تقوم به دول المنطقة بعضها مع بعض. وتعلمون أنه يتم ضمان السلام في أوروبا من خلال تكامل مؤسسي ونشر الديمقراطية ونظام قانوني متين. ومن الواضح تماماً أنه لا يمكن تصدير هذا النموذج الأوروبي ببساطة. ولكن من اللافت للنظر ومن الأمور المشجعة أن العديد من المناطق الأخرى في العالم تشرع بتبني طرق مشابهة. ولننظر فقط إلى الاتحاد الإفريقي وإلى السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية “ميركيسور” وإلى رابطة جنوب شرق آسيا “آسيان”.
إن الأمن والديمقراطية والتعاون الإقليمي أمور يعزز بعضها بعضاً، كما توضح ذلك كل من أوروبا والشرق الأوسط وبطرق مختلفة. فنجد في منطقة الشرق الأوسط توترات سياسية عالية وضعفاً أو افتقاراً إلى الأشكال الديمقراطية للحكم، بينما يفتقد التعاون الإقليمي الفاعلية اللازمة. ومن الأمور اللافتة للنظر في العالم العربي افتقاره النسبي إلى التعاون على الرغم من ثقافته المشتركة.
لقد برزت العديد من الأفكار بشأن تعزيز أشكال مختلفة من التعاون الإقليمي، فبعضها يتحدث عن منتدى لأمن الخليج الفارسي، بينما يفكر آخرون بإقامة شكل أوسع لنمط “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” في منطقة الشرق الأوسط، بل هناك آخرون يرغبون في التركيز على إسرائيل ـ فلسطين والدول المجاورة. ولكل من هذه الخيارات منطقه وميزاته المختلفة. ولكن ربما يكون من الأفضل البدء بسرعة والتركيز على مفاهيم الأمن في منطقة الخليج. فقد يساهم منتدى الأمن في الخليج بصورة أكبر في مساعدة العراق الجديد على التوافق في بيئة أوسع، كما قد يساهم أيضاً في التعامل مع المخاوف الإيرانية ومعالجة التهديدات المشتركة، وتلك التي قد تنشأ عبر الحدود. فالدول التي تحس بأنها أقل عرضة للتهديدات تنـزع إلى التصرف بصورة أقل تهديداً للآخرين.
إن المبادرة إلى تعزيز مثل هذا التعاون الإقليمي يجب أن تنشأ من المنطقة نفسها. ويمكن للأوروبيين والآخرين بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة القيام بعمل الكثير للمساعدة في هذا المجال، ولكن، حتى هذه اللحظة، فإن زعماء المنطقة والقوى الخارجية على حد سواء أدمنوا السعي إلى تحقيق الأمن وفق حسابات توازن القوى وعبر صفقات ثنائية قصيرة المدى.
ولكن سجل الحروب المتكررة وعدم الاستقرار المتواصل يظهران التكاليف والقيود التي تحدّ من هذا الأسلوب. وهنالك الآن فرصة للخروج من هذه الدائرة، ولعلنا نغتنم هذه الفرصة لننتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء أمن تعاوني.
::/fulltext::
::cck::2347::/cck::
