العلاقات السعودية – العراقية في أعقاب احتلال العراق
::cck::2354::/cck::
::introtext::
مرّت العلاقات السعودية – العراقية بمراحل متعددة من الشد والجذب، ولم تكن العلاقات بين البلدين على الدوام علاقات رسمية، فقد أثّر فيها الكثير من الارتباطات ووشائج عميقة من القربى بين شرائح واسعة من مواطني الدولتين. فهناك علاقات قوية بين عدة مدن في نجد وبعض مدن في جنوبي العراق، كما أن بعض العشائر تمتد عبر الحدود بين شمالي المملكة ووسط العراق. وفي العديد من المدن السعودية استقرت عائلات عديدة من أصول عراقية، وأن شطراً من المسلمين الشيعة في المملكة العربية السعودية على اتصال روحي بمرجعيات دينية في النجف.
::/introtext::
::fulltext::
مرّت العلاقات السعودية – العراقية بمراحل متعددة من الشد والجذب، ولم تكن العلاقات بين البلدين على الدوام علاقات رسمية، فقد أثّر فيها الكثير من الارتباطات ووشائج عميقة من القربى بين شرائح واسعة من مواطني الدولتين. فهناك علاقات قوية بين عدة مدن في نجد وبعض مدن في جنوبي العراق، كما أن بعض العشائر تمتد عبر الحدود بين شمالي المملكة ووسط العراق. وفي العديد من المدن السعودية استقرت عائلات عديدة من أصول عراقية، وأن شطراً من المسلمين الشيعة في المملكة العربية السعودية على اتصال روحي بمرجعيات دينية في النجف.
العلاقات بين الطرفين إبان حكم صدام حسين:
مثّلت حكومة صدام حسين منذ أواخر الستينات تهديداً مبطناً للمملكة، فقد كانت حكومة بعثية وذات طابع عسكري في آن واحد. وكان حزب البعث يحكم يومها في كل من العراق وسوريا وله نفوذ واسع في معظم بلدان المشرق العربي، وكذلك في بعض دول الخليج العربية.
ولما كانت المملكة العربية السعودية دولة محافظة، فقد رأت أن الحكومات البعثية بأيديولوجيتها الثورية تمثل خطراً حقيقياً عليها، لذا فقد كان الشك والحذر هما سمات المرحلة المبكرة من هذه العلاقات.
ولأسباب جيواستراتيجية خاصة بالتهديد الإيراني في منطقة الخليج سواءً إبان حكم الشاه أو بعد نجاح الثورة الإيرانية، دفع ذلك بالطرفين السعودي والعراقي إلى تنسيق علاقاتهما في وجه هذا التهديد وتحولت هذه العلاقات إلى علاقات تحالف حقيقي خلال الحرب العراقية – الإيرانية، حيث سخّرت المملكة جزءاً كبيراً من إمكاناتها المادية والمالية لدعم الموقف العراقي، حيث كانت موازين القوى يومها تشير إلى تزايد الضغط العسكري الإيراني على بغداد، وفي الوقت ذاته عمدت المملكة وحليفاتها في دول مجلس التعاون إلى المطالبة بإيقاف الحرب.
وبعد فترة ليست طويلة من انتهاء الحرب مع إيران، قلب صدام حسين ظهر المجنّ على حلفائه السابقين بغزوه للكويت ولبعض المناطق الشمالية الشرقية من المملكة. ومنذ تلك الفترة أصبح هاجس احتواء صدام حسين هو الهاجس الأساسي لنهج المملكة تجاه حكومة صدام. ونسّقت حكومة المملكة سياساتها تجاه العراق مع حلفائها مستندة إلى قرارات عدّة صدرت من مجلس الأمن بشأن العراق.
وبالرغم من أن العلاقات الرسمية كانت منقطعة بين الطرفين فإن المملكة استضافت في مدينة كاملة أقيمت لهذا الغرض في حفر الباطن حوالي 33.000 من اللاجئين العراقيين، وذلك بعد قيام الحكومة العراقية بالقضاء على انتفاضة البصرة والمدن الجنوبية، في أعقاب هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت. وخلال فترة الحصار على العراق، لم تكن المملكة تسمح بعمليات عسكرية هجومية على العراق من قواعد عسكرية على أراضيها، بل كانت ملتزمة بقرارات الأمم المتحدة بالمراقبة الجوية للمناطق الجنوبية من العراق، حيث كان أي وجود عسكري كبير في تلك المنطقة يمثل تهديداً مباشراً لدولة الكويت، الحليف السياسي والعسكري للمملكة.
وخلال السنتين السابقتين للغزو الأمريكي للعراق، حدث بعض التطبيع في علاقات المملكة بجارتها العراق، فقد افتتح البلدان نقطة حدودية بينهما وأقيمت منطقة تجارة حرة بمحاذاة الحدود. وفي 30 أكتوبر 2002، شاركت بعض الشركات السعودية في معرض تجاري أقيم في بغداد، إلا أن حجم التجارة البينية بينهما ظل محدوداً.
وقاومت المملكة العربية السعودية ضغوطاً أمريكية للمشاركة في الحرب على العراق، بل إنها وقفت ضد استخدام القواعد السعودية لشن عمليات عسكرية جوية من قبل قوات دول التحالف ضد هذا البلد، مما حدا بالقوات الأمريكية بإقامة قواعد عسكرية بديلة في بلدان خليجية أخرى. وكان هناك استهجان وغضب شعبي في المملكة وفي بقية البلدان العربية ضد ذلك الغزو، وبالرغم من التحالف القائم بين المملكة والولايات المتحدة، إلا أن القيادة السعودية شعرت بأن ذلك الغزو يعد اعتداء على دولة عربية جارة. وكانت قد استطاعت التأثير في قرارات الولايات المتحدة عام 1991 بعدم توسيع حرب تحرير الكويت إلى حرب احتلال للعراق، ولكن حلفاء الولايات المتحدة العرب والأوروبيين لم يستطيعوا ثني الولايات المتحدة عن خططها العسكرية ضد العراق عام 2003.
العلاقات السعودية – العراقية بعد الغزو الأمريكي:
في أعقاب الدمار الذي لحق بالمدن والمدنيين العراقيين بعد انتهاء الحرب الأمريكية على العراق، سعت السعودية إلى مساعدة المدنيين العراقيين. وأقامت لذلك مستشفى عسكرياً في بغداد، وقدم هذا المستشفى الأدوية والعلاج لعدد كبير من المراجعين. كما قامت هيئات إغاثة سعودية بشحن كميات من الأغذية والمياه والمستلزمات الضرورية الأخرى للشعب العراقي. وبسبب الضغط الأمريكي واحتجاز عدد من الممرضين السعوديين العاملين في المستشفى السعودي، وكذلك لانعدام الأمن في بغداد اضطرت الحكومة السعودية إلى إغلاق هذا المستشفى بعد أربعة أشهر من افتتاحه.
وأفضى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى حالة من عدم الاستقرار الشامل في المنطقة، واستطاع تنظيم القاعدة وغيره من المنظمات الجهادية في جذب أعداد من المتطوعين السعوديين وغيرهم للقتال ضد القوات الأمريكية في العراق. ونشّطت (القاعدة) عملياتها شبه العسكرية في السعودية ضد رعايا الولايات المتحدة وغيرها من دول التحالف في الحرب ضد العراق، كما شملت هذه العمليات الإرهابية عدداً من الرعايا المدنيين من دول عربية وإسلامية.
وما زال التهديد الإرهابي ضد مصالح المملكة وغيرها من دول الخليج قائماً في الوقت الحاضر، كما شهدت بذلك بعض الأحداث في الكويت وسلطنة عمان وغيرهما من بلدان المنطقة. وظهر أن دول الخليج، بما فيها المملكة العربية السعودية، قد اتخذت منذ بداية الغزو موقفاً متأنياً من تلك الحرب، فهي وإن أدانتها، فقد رفضت دعم مجلس الحكم الذي بدأ يمارس بعض الصلاحيات بعد انقضاء السنة الأولى من الاحتلال. غير أن سيناريو تحول العراق إلى أفغانستان ثانية بدأ يظهر في الأفق، وكان هناك تخوف حقيقي من أن يصدّر العراق عدم الاستقرار إلى المنطقة برمتها. من ناحية ثانية، فقد استاءت السعودية من السياسات التي تبنتها قوات الاحتلال في العراق، من حلّ للجيش العراقي، وتسريح لأعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين. وذكر في البداية من قبل بعض المحللين، أن هذه السياسة مثلت خطأ استراتيجياً غير مقصود من قبل حكومة بريمر.
غير أن إعادة النظر في هذا الموضوع أشارت إلى أن مثل هذه السياسة ربما كانت بالفعل مقصودة من قبل مخططي الحرب الأمريكيين للقضاء على نفوذ الطائفة السنية في العراق وتقليص دورها الكبير في السلطة. كما أن اهتمام حكومة بريمر بإعادة تشكيل العراق على أساس طائفي، والقضاء على الدولة المركزية فيه، وإحلال نظام فيدرالي جديد يسمح بإنشاء دويلات إقليمية صغيرة، مثّل بالفعل تهديداً حقيقياً للنظام السياسي العربي الذي يقوم على أساس الدولة القومية ذات الطابع المركزي.
وحدث تغيّر مهم في السياسة السعودية تجاه العراق بعد السماح بتشكيل حكومة مؤقتة فيه ووضع خطط لنقل السلطة إلى حكومة منتخبة، فقد دعمت السعودية مثل هذا التوجه نحو تعضيد النظام السياسي الجديد، بحيث يسهل ذلك على قوات التحالف الانسحاب في وقت لاحق من العراق. وطرح الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي مقترحاً في يوليو عام 2004، يرى بضرورة إحلال قوات سلام إسلامية محل القوات الأمريكية في العراق، إلا أن الحكومة العراقية المؤقتة والحكومة الأمريكية لم ترحبا بهذا الاقتراح. ولتخوف السعودية من تسّرب أعداد من المقاتلين العرب والعراقيين إلى المملكة فقد قامت بعمليات مراقبة مشددة على الحدود المشتركة بينهما. ومع ذلك فإن هناك عدداً من المقاتلين الشباب من السعودية قد التحقوا بصفوف المقاومة، ويقبع عدد من المقاتلين السعوديين في السجون الأمريكية في العراق، وهناك مساعٍ دبلوماسية لإطلاق سراحهم.
وحذرت الحكومة السعودية مواطنيها مرات عدةّ من خطر الالتحاق بصفوف المقاومة العراقية، وأصدر العلماء السعوديون بيانات متضاربة عن شرعية الالتحاق بالجهاد في العراق، فبينما أعلن ستة وعشرون منهم ضرورة نصرة المجاهدين العراقيين، أصدرت هيئة الإفتاء العام في المملكة رأياً شرعياً يرى أن الجهاد لا يتم إلا بموافقة الحاكم.
وخلال صيف 2004، سعت الحكومة العراقية المؤقتة إلى تطبيع علاقاتها مع السعودية ودول الجوار، وقام إياد علاوي بزيارة لسوريا والأردن ولبنان والسعودية بغرض إعادة العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدول. وفي زيارته لجدة في التاسع والعشرين من يوليو 2004 أعلن عن إعادة فتح سفارتي البلدين واستئناف العلاقات الدبلوماسية.
وحثت السعودية الحكومة العراقية وحكومة الولايات المتحدة على ضرورة أن تكون الانتخابات العراقية التي عقدت في الثلاثين من يناير 2005 ممثلة لجميع شرائح المجتمع العراقي، إلا أن مقاطعة الأحزاب السنية لهذه الانتخابات ستجعل التمثيل السني في الجمعية الوطنية العراقية ضعيفا، وبهذا سيكون أبناء هذه الطائفة وغيرهم من زعماء حركة المقاومة الوطنية مثل حركة الصدر والخالصي، وكذلك بعض أبناء الطائفة الكلدانية، خارج أطر هذا البرلمان.
وهناك خطر حقيقي في أن تتأصل المسألة الطائفية والمحاصصة في توزيع المناصب السياسية في الدستور العراقي، والذي يتوقع أن يتم إعداده قبل نهاية هذا العام. وفي هذا الشأن يمكن أن يتم تطبيق النموذج اللبناني على العراق، وتصبح المسألة الطائفية مسألة مؤثرة في استقرار العراق، وربما أيضاً في استقرار منطقة الخليج العربي في الأمد المنظور.
البعد الاقتصادي:
يعد البلدان، (السعودية والعراق) من البلدان المنتجة للنفط، ويتمتع البلدان باحتياطيات ضخمة منه وينتظر أن يشهد المستقبل القريب مزيداً من التعاون بين البلدين في مجالي الإنتاج والتصدير. وبنت السعودية خلال الثمانينات أنبوب نفط ضخماً يصل حقول النفط في جنوب العراق بميناء التصدير السعودي في ينبع على البحر الأحمر. ونتيجة للتقارب الحادث بين حكومتي البلدين، فقد أعلنت مصادر رسمية عن قرب إعادة افتتاح هذا المنفذ الحيوي للنفط العراقي، وإعادة تأهيل هذا الأنبوب الذي ظل معطلاً لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.
وكان يؤمل أن تلعب الشركات السعودية دوراً أكبر في مشاريع إعادة إعمار العراق، وبالرغم من دخول بعض هذه الشركات للسوق العراقية، إلا أن عدم استتباب الأمن قد حال دون التوسع في التجارة البينية والاستثمار. ويطالب العراق بتخفيف عبء الديون المستحقة عليه للحكومة السعودية التي تبلغ قرابة 28 مليار دولار، وكذلك تعويضات تصل إلى 12 مليار دولار، ومنها 9 مليارات دولار كديون مستحقة للحكومة السعودية، و19 مليار دولار كديون مستحقة لتجار وبنوك سعودية.
وأبدت الحكومة السعودية وممثلوها في مؤتمر شرم الشيخ في يونيو 2004 استعدادها لخفض ديونها على العراق، إلا أنها اشترطت أن يتم ذلك في ظل حكومة منتخبة، وأن يتزامن ذلك مع إعطاء فرص أكبر للشركات والمنتجات السعودية لدخول السوق العراقية. ونظراً لأن العراق لا يتمتع بموانئ كافية على الخليج ولطول الحدود المشتركة بينهما، فيمكن أن يسعى الطرفان إلى الاستفادة من إطلالة السعودية على البحرين الأحمر والخليج العربي، ومدّ طرق إمداد إلى العراق تساعد في مزيد من التقارب التجاري بينهما وصولاً إلى تبني سوق تجارية حرة بين الطرفين.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2354::/cck::
::introtext::
مرّت العلاقات السعودية – العراقية بمراحل متعددة من الشد والجذب، ولم تكن العلاقات بين البلدين على الدوام علاقات رسمية، فقد أثّر فيها الكثير من الارتباطات ووشائج عميقة من القربى بين شرائح واسعة من مواطني الدولتين. فهناك علاقات قوية بين عدة مدن في نجد وبعض مدن في جنوبي العراق، كما أن بعض العشائر تمتد عبر الحدود بين شمالي المملكة ووسط العراق. وفي العديد من المدن السعودية استقرت عائلات عديدة من أصول عراقية، وأن شطراً من المسلمين الشيعة في المملكة العربية السعودية على اتصال روحي بمرجعيات دينية في النجف.
::/introtext::
::fulltext::
مرّت العلاقات السعودية – العراقية بمراحل متعددة من الشد والجذب، ولم تكن العلاقات بين البلدين على الدوام علاقات رسمية، فقد أثّر فيها الكثير من الارتباطات ووشائج عميقة من القربى بين شرائح واسعة من مواطني الدولتين. فهناك علاقات قوية بين عدة مدن في نجد وبعض مدن في جنوبي العراق، كما أن بعض العشائر تمتد عبر الحدود بين شمالي المملكة ووسط العراق. وفي العديد من المدن السعودية استقرت عائلات عديدة من أصول عراقية، وأن شطراً من المسلمين الشيعة في المملكة العربية السعودية على اتصال روحي بمرجعيات دينية في النجف.
العلاقات بين الطرفين إبان حكم صدام حسين:
مثّلت حكومة صدام حسين منذ أواخر الستينات تهديداً مبطناً للمملكة، فقد كانت حكومة بعثية وذات طابع عسكري في آن واحد. وكان حزب البعث يحكم يومها في كل من العراق وسوريا وله نفوذ واسع في معظم بلدان المشرق العربي، وكذلك في بعض دول الخليج العربية.
ولما كانت المملكة العربية السعودية دولة محافظة، فقد رأت أن الحكومات البعثية بأيديولوجيتها الثورية تمثل خطراً حقيقياً عليها، لذا فقد كان الشك والحذر هما سمات المرحلة المبكرة من هذه العلاقات.
ولأسباب جيواستراتيجية خاصة بالتهديد الإيراني في منطقة الخليج سواءً إبان حكم الشاه أو بعد نجاح الثورة الإيرانية، دفع ذلك بالطرفين السعودي والعراقي إلى تنسيق علاقاتهما في وجه هذا التهديد وتحولت هذه العلاقات إلى علاقات تحالف حقيقي خلال الحرب العراقية – الإيرانية، حيث سخّرت المملكة جزءاً كبيراً من إمكاناتها المادية والمالية لدعم الموقف العراقي، حيث كانت موازين القوى يومها تشير إلى تزايد الضغط العسكري الإيراني على بغداد، وفي الوقت ذاته عمدت المملكة وحليفاتها في دول مجلس التعاون إلى المطالبة بإيقاف الحرب.
وبعد فترة ليست طويلة من انتهاء الحرب مع إيران، قلب صدام حسين ظهر المجنّ على حلفائه السابقين بغزوه للكويت ولبعض المناطق الشمالية الشرقية من المملكة. ومنذ تلك الفترة أصبح هاجس احتواء صدام حسين هو الهاجس الأساسي لنهج المملكة تجاه حكومة صدام. ونسّقت حكومة المملكة سياساتها تجاه العراق مع حلفائها مستندة إلى قرارات عدّة صدرت من مجلس الأمن بشأن العراق.
وبالرغم من أن العلاقات الرسمية كانت منقطعة بين الطرفين فإن المملكة استضافت في مدينة كاملة أقيمت لهذا الغرض في حفر الباطن حوالي 33.000 من اللاجئين العراقيين، وذلك بعد قيام الحكومة العراقية بالقضاء على انتفاضة البصرة والمدن الجنوبية، في أعقاب هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت. وخلال فترة الحصار على العراق، لم تكن المملكة تسمح بعمليات عسكرية هجومية على العراق من قواعد عسكرية على أراضيها، بل كانت ملتزمة بقرارات الأمم المتحدة بالمراقبة الجوية للمناطق الجنوبية من العراق، حيث كان أي وجود عسكري كبير في تلك المنطقة يمثل تهديداً مباشراً لدولة الكويت، الحليف السياسي والعسكري للمملكة.
وخلال السنتين السابقتين للغزو الأمريكي للعراق، حدث بعض التطبيع في علاقات المملكة بجارتها العراق، فقد افتتح البلدان نقطة حدودية بينهما وأقيمت منطقة تجارة حرة بمحاذاة الحدود. وفي 30 أكتوبر 2002، شاركت بعض الشركات السعودية في معرض تجاري أقيم في بغداد، إلا أن حجم التجارة البينية بينهما ظل محدوداً.
وقاومت المملكة العربية السعودية ضغوطاً أمريكية للمشاركة في الحرب على العراق، بل إنها وقفت ضد استخدام القواعد السعودية لشن عمليات عسكرية جوية من قبل قوات دول التحالف ضد هذا البلد، مما حدا بالقوات الأمريكية بإقامة قواعد عسكرية بديلة في بلدان خليجية أخرى. وكان هناك استهجان وغضب شعبي في المملكة وفي بقية البلدان العربية ضد ذلك الغزو، وبالرغم من التحالف القائم بين المملكة والولايات المتحدة، إلا أن القيادة السعودية شعرت بأن ذلك الغزو يعد اعتداء على دولة عربية جارة. وكانت قد استطاعت التأثير في قرارات الولايات المتحدة عام 1991 بعدم توسيع حرب تحرير الكويت إلى حرب احتلال للعراق، ولكن حلفاء الولايات المتحدة العرب والأوروبيين لم يستطيعوا ثني الولايات المتحدة عن خططها العسكرية ضد العراق عام 2003.
العلاقات السعودية – العراقية بعد الغزو الأمريكي:
في أعقاب الدمار الذي لحق بالمدن والمدنيين العراقيين بعد انتهاء الحرب الأمريكية على العراق، سعت السعودية إلى مساعدة المدنيين العراقيين. وأقامت لذلك مستشفى عسكرياً في بغداد، وقدم هذا المستشفى الأدوية والعلاج لعدد كبير من المراجعين. كما قامت هيئات إغاثة سعودية بشحن كميات من الأغذية والمياه والمستلزمات الضرورية الأخرى للشعب العراقي. وبسبب الضغط الأمريكي واحتجاز عدد من الممرضين السعوديين العاملين في المستشفى السعودي، وكذلك لانعدام الأمن في بغداد اضطرت الحكومة السعودية إلى إغلاق هذا المستشفى بعد أربعة أشهر من افتتاحه.
وأفضى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى حالة من عدم الاستقرار الشامل في المنطقة، واستطاع تنظيم القاعدة وغيره من المنظمات الجهادية في جذب أعداد من المتطوعين السعوديين وغيرهم للقتال ضد القوات الأمريكية في العراق. ونشّطت (القاعدة) عملياتها شبه العسكرية في السعودية ضد رعايا الولايات المتحدة وغيرها من دول التحالف في الحرب ضد العراق، كما شملت هذه العمليات الإرهابية عدداً من الرعايا المدنيين من دول عربية وإسلامية.
وما زال التهديد الإرهابي ضد مصالح المملكة وغيرها من دول الخليج قائماً في الوقت الحاضر، كما شهدت بذلك بعض الأحداث في الكويت وسلطنة عمان وغيرهما من بلدان المنطقة. وظهر أن دول الخليج، بما فيها المملكة العربية السعودية، قد اتخذت منذ بداية الغزو موقفاً متأنياً من تلك الحرب، فهي وإن أدانتها، فقد رفضت دعم مجلس الحكم الذي بدأ يمارس بعض الصلاحيات بعد انقضاء السنة الأولى من الاحتلال. غير أن سيناريو تحول العراق إلى أفغانستان ثانية بدأ يظهر في الأفق، وكان هناك تخوف حقيقي من أن يصدّر العراق عدم الاستقرار إلى المنطقة برمتها. من ناحية ثانية، فقد استاءت السعودية من السياسات التي تبنتها قوات الاحتلال في العراق، من حلّ للجيش العراقي، وتسريح لأعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين. وذكر في البداية من قبل بعض المحللين، أن هذه السياسة مثلت خطأ استراتيجياً غير مقصود من قبل حكومة بريمر.
غير أن إعادة النظر في هذا الموضوع أشارت إلى أن مثل هذه السياسة ربما كانت بالفعل مقصودة من قبل مخططي الحرب الأمريكيين للقضاء على نفوذ الطائفة السنية في العراق وتقليص دورها الكبير في السلطة. كما أن اهتمام حكومة بريمر بإعادة تشكيل العراق على أساس طائفي، والقضاء على الدولة المركزية فيه، وإحلال نظام فيدرالي جديد يسمح بإنشاء دويلات إقليمية صغيرة، مثّل بالفعل تهديداً حقيقياً للنظام السياسي العربي الذي يقوم على أساس الدولة القومية ذات الطابع المركزي.
وحدث تغيّر مهم في السياسة السعودية تجاه العراق بعد السماح بتشكيل حكومة مؤقتة فيه ووضع خطط لنقل السلطة إلى حكومة منتخبة، فقد دعمت السعودية مثل هذا التوجه نحو تعضيد النظام السياسي الجديد، بحيث يسهل ذلك على قوات التحالف الانسحاب في وقت لاحق من العراق. وطرح الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي مقترحاً في يوليو عام 2004، يرى بضرورة إحلال قوات سلام إسلامية محل القوات الأمريكية في العراق، إلا أن الحكومة العراقية المؤقتة والحكومة الأمريكية لم ترحبا بهذا الاقتراح. ولتخوف السعودية من تسّرب أعداد من المقاتلين العرب والعراقيين إلى المملكة فقد قامت بعمليات مراقبة مشددة على الحدود المشتركة بينهما. ومع ذلك فإن هناك عدداً من المقاتلين الشباب من السعودية قد التحقوا بصفوف المقاومة، ويقبع عدد من المقاتلين السعوديين في السجون الأمريكية في العراق، وهناك مساعٍ دبلوماسية لإطلاق سراحهم.
وحذرت الحكومة السعودية مواطنيها مرات عدةّ من خطر الالتحاق بصفوف المقاومة العراقية، وأصدر العلماء السعوديون بيانات متضاربة عن شرعية الالتحاق بالجهاد في العراق، فبينما أعلن ستة وعشرون منهم ضرورة نصرة المجاهدين العراقيين، أصدرت هيئة الإفتاء العام في المملكة رأياً شرعياً يرى أن الجهاد لا يتم إلا بموافقة الحاكم.
وخلال صيف 2004، سعت الحكومة العراقية المؤقتة إلى تطبيع علاقاتها مع السعودية ودول الجوار، وقام إياد علاوي بزيارة لسوريا والأردن ولبنان والسعودية بغرض إعادة العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدول. وفي زيارته لجدة في التاسع والعشرين من يوليو 2004 أعلن عن إعادة فتح سفارتي البلدين واستئناف العلاقات الدبلوماسية.
وحثت السعودية الحكومة العراقية وحكومة الولايات المتحدة على ضرورة أن تكون الانتخابات العراقية التي عقدت في الثلاثين من يناير 2005 ممثلة لجميع شرائح المجتمع العراقي، إلا أن مقاطعة الأحزاب السنية لهذه الانتخابات ستجعل التمثيل السني في الجمعية الوطنية العراقية ضعيفا، وبهذا سيكون أبناء هذه الطائفة وغيرهم من زعماء حركة المقاومة الوطنية مثل حركة الصدر والخالصي، وكذلك بعض أبناء الطائفة الكلدانية، خارج أطر هذا البرلمان.
وهناك خطر حقيقي في أن تتأصل المسألة الطائفية والمحاصصة في توزيع المناصب السياسية في الدستور العراقي، والذي يتوقع أن يتم إعداده قبل نهاية هذا العام. وفي هذا الشأن يمكن أن يتم تطبيق النموذج اللبناني على العراق، وتصبح المسألة الطائفية مسألة مؤثرة في استقرار العراق، وربما أيضاً في استقرار منطقة الخليج العربي في الأمد المنظور.
البعد الاقتصادي:
يعد البلدان، (السعودية والعراق) من البلدان المنتجة للنفط، ويتمتع البلدان باحتياطيات ضخمة منه وينتظر أن يشهد المستقبل القريب مزيداً من التعاون بين البلدين في مجالي الإنتاج والتصدير. وبنت السعودية خلال الثمانينات أنبوب نفط ضخماً يصل حقول النفط في جنوب العراق بميناء التصدير السعودي في ينبع على البحر الأحمر. ونتيجة للتقارب الحادث بين حكومتي البلدين، فقد أعلنت مصادر رسمية عن قرب إعادة افتتاح هذا المنفذ الحيوي للنفط العراقي، وإعادة تأهيل هذا الأنبوب الذي ظل معطلاً لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.
وكان يؤمل أن تلعب الشركات السعودية دوراً أكبر في مشاريع إعادة إعمار العراق، وبالرغم من دخول بعض هذه الشركات للسوق العراقية، إلا أن عدم استتباب الأمن قد حال دون التوسع في التجارة البينية والاستثمار. ويطالب العراق بتخفيف عبء الديون المستحقة عليه للحكومة السعودية التي تبلغ قرابة 28 مليار دولار، وكذلك تعويضات تصل إلى 12 مليار دولار، ومنها 9 مليارات دولار كديون مستحقة للحكومة السعودية، و19 مليار دولار كديون مستحقة لتجار وبنوك سعودية.
وأبدت الحكومة السعودية وممثلوها في مؤتمر شرم الشيخ في يونيو 2004 استعدادها لخفض ديونها على العراق، إلا أنها اشترطت أن يتم ذلك في ظل حكومة منتخبة، وأن يتزامن ذلك مع إعطاء فرص أكبر للشركات والمنتجات السعودية لدخول السوق العراقية. ونظراً لأن العراق لا يتمتع بموانئ كافية على الخليج ولطول الحدود المشتركة بينهما، فيمكن أن يسعى الطرفان إلى الاستفادة من إطلالة السعودية على البحرين الأحمر والخليج العربي، ومدّ طرق إمداد إلى العراق تساعد في مزيد من التقارب التجاري بينهما وصولاً إلى تبني سوق تجارية حرة بين الطرفين.
::/fulltext::
::cck::2354::/cck::
