تحول الموقف السياسي الأمريكي تجاه إيران: ضعف أم خديعة؟
::cck::2440::/cck::
::introtext::
لعله أمر يثير الاستغراب أن يرى المرء الرئيس الأمريكي جورج بوش فجأة يعبر عن دعمه لجهود أوروبا للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقية مع إيران تتخلى بموجبها طهران عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم مقابل جملة من الحوافز التجارية والضمانات الأمنية. وقد يسأل سائل: هل الصيغة الأمريكية الجديدة تنبثق من موقف ضعف أم أنها تخفي في ثناياها خدعة لرفع النقاب عن عقم محاولات التفاوض مع طهران والعمل انطلاقاً من ذلك على صياغة سياسة عدائية تجاه إيران والسعي إلى تغيير النظام؟
::/introtext::
::fulltext::
لعله أمر يثير الاستغراب أن يرى المرء الرئيس الأمريكي جورج بوش فجأة يعبر عن دعمه لجهود أوروبا للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقية مع إيران تتخلى بموجبها طهران عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم مقابل جملة من الحوافز التجارية والضمانات الأمنية. وقد يسأل سائل: هل الصيغة الأمريكية الجديدة تنبثق من موقف ضعف أم أنها تخفي في ثناياها خدعة لرفع النقاب عن عقم محاولات التفاوض مع طهران والعمل انطلاقاً من ذلك على صياغة سياسة عدائية تجاه إيران والسعي إلى تغيير النظام؟ وهناك العديد من الأسباب التي قد تساعد على فهم التحول الذي طرأ على موقف الرئيس بوش وإعلانه أن “إيران ليست العراق”، مفنداً بذلك جميع التكهنات حول استعداد الولايات المتحدة لخوض مغامرة عسكرية جديدة.
أولاً- يبدو أن التحول في الموقف الأمريكي يستند إلى اعتبارات سياسية، ولا يقوم على حسابات عسكرية، فمن الصعب القول إن واشنطن لا تستطيع حشد القوات العسكرية الضرورية لدخول غمار حرب أخرى على جبهة جديدة. لكن ما تفتقر إليه أمريكا هو التفويض السياسي للتحرك عسكرياً، وذلك على الصعيدين المحلي والدولي.
وفي حين استمرت مشاعر التشكيك تلقي بظلالها على دعم “حلفاء أمريكا” عقب الحرب على العراق، كشف استطلاع للرأي مشترك أجرته مجلة “التايمز” والقناة الإخبارية (سي. بي. اس) الأمريكيتان في أواخر شهر فبراير 2005 أن 58 في المائة من الذين شاركوا في الاستطلاع يعتقدون بأن البيت الأبيض لا يتبنى أولويات السياسة الخارجية نفسها كما تراها معظم شرائح المجتمع الأمريكي.
وباعتبار أن العلاقات عبر الأطلسية تأخذ اليوم منحى تصالحياً، وأن الدول الأوروبية تتجه نحو الانخراط فعلياً في “حوار بنّاء”، فإن على واشنطن أن تستنفد جميع الخيارات المتاحة قبل الدفع في اتجاه تبني خيار الضربة العسكرية. وفي هذا السياق، عكفت بريطانيا، “أهم حليف لأمريكا”، على إعداد ملف من مائتي صفحة يحدد قائمة من المخاطر المحتمل أن تنجم عن شن عملية لاجتياح إيران. ويشير التقرير إلى أهمية حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية.
وعلى صعيد الداخل الأمريكي، يبدو أن تصاعد عدد ضحايا المواجهات التي تشهدها الساحة العراقية من الجنود الأمريكيين وتضخم عجز الموازنة قد فرضا قيوداً على إدارة بوش. وفي حين تجاوز عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية في أوائل شهر مارس 2005 1500 قتيل، أصدر البيت الأبيض توقعات بحدوث عجز في الميزانية الفيدرالية يصل إلى حدود 427 مليار دولار خلال السنة الضريبية الحالية، وهو ما يمثل عجزاً قياسياً على مدى السنوات الثلاث الماضية.
وباعتبار أن تكلفة الحرب على العراق خلال عام 2004 تقدر بما يربو على 125 مليار دولار، وأن الانتشار العسكري الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان سيكلف الخزينة الأمريكية نحو مائة مليار دولار إضافية خلال عام 2005، فإن المشاعر السائدة في الشارع الأمريكي والحسابات الاقتصادية المرتبطة بأي حملة عسكرية جديدة لن تلقى تجاوباً في أوساط المجتمع الأمريكي.
ثانياً – يبقى الرأي العام المحلي في إيران من جهته يشكل مصدر قلق عارم. ففي الوقت الذي حظي فيه الغزو الأمريكي للعراق بدعم مُبطن من قبل أغلبية شيعة العراق الذين يمثلون نحو 65 في المائة من الشعب العراقي، إلى جانب الدعم الذي أبداه الأكراد الذين يشكلون 15 في المائة من المجتمع العراقي، فإن إيران تجسد حالة مختلفة.
وعلى الرغم من أن المرشحين المحافظين الذين يدينون بالولاء للقائد الأعلى آية الله خامنئي نجحوا في الاستحواذ على أغلبية مقاعد البرلمان الإيراني، فإن الانتخابات البرلمانية التي انعقدت خلال عام 2004 لا تشكل بأي معنى من المعاني مقياساً دقيقاً لتقييم الرأي العام في إيران، مع أنها تعكس بلا شك المزاج المهيمن على المجتمع الإيراني. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن حركة الإصلاح في إيران دخلت اليوم في مرحلة النضج، فإن تاريخ الثورة الإسلامية من شأنه أن يثير على نطاق واسع مشاعر العداء ضد أمريكا في حال اندلعت أزمة مفتوحة بين طهران وواشنطن.
صحيح أن الأرقام والبيانات التي يمكن أن تساعد على تحديد مستوى دعم الرأي العام الإيراني للبرنامج النووي غير متوفرة، لكنه ليس من باب المبالغة القول إن أغلبية الشعب الإيراني تدعم البرنامج النووي، لأن هذا البرنامج يمثل القوة – وبالتالي هو برنامج يعزز بشكل ملموس مشاعر القومية، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بعدو مثل أمريكا. وفي الوقت الذي لا تحظى فيه سياسة التسلح بكثير من الدعم، فإن اكتساب التكنولوجيا النووية يبقى موضع ترحيب من قبل أوساط الشعب الإيراني.
ثالثاً – وفي حال قررت إيران ـ وهي الدولة التي تمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة تبلغ نحو 131 مليار برميل، أي أنها تحتضن ثاني أكبر احتياطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية (التي لديها احتياطيات نفطية تتجاوز 260 مليار برميل)، وتحتل إيران المرتبة الثانية من حيث حجم صادراتها من النفط الخام على مستوى الدول الأعضاء في منظمة أوبك ـ ففي حال قررت طهران تعليق صادراتها التي تصل إلى حدود ثلاثة ملايين برميل في اليوم من النفط، فإن أسعار النفط قد تصل إلى ما يزيد على سبعين دولاراً أمريكياً للبرميل الواحد، وهو أمر لن يروق، ليس للولايات المتحدة فحسب، بل لن يكون أيضاً موضع ترحيب العديد من دول العالم، وبخاصة في ظل تصاعد أسعار النفط خلال الأشهر الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة.
رابعاً – في حين أثبت المعارضون العراقيون في المنفى ممن حظوا بدعم ورعاية واشنطن، من أمثال حزب المؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد الجلبي ، أنهم يمثلون معارضة جاهزة للاستخدام، فلا يبدو أن هناك معارضة إيرانية بديلة ومماثلة للمعارضة العراقية تكون قادرة على الحلول محل النظام الحاكم في دولة يبلغ تعداد سكانها تسعة وستين مليون نسمة.
خامساً – لعل دور دول الجوار، وهو من أهم العوامل وأكثرها حساسية، يظل يتسم بالضبابية وانعدام اليقين، فالعراق الذي أصبحت شؤونه تُدار من قبل نظام شيعي ربما يرغب في دعم جهوده لتحقيق تقارب مع إيران بدلاً من فتح جروح الماضي، كما أن العراق، وفي حال أريد له أن ينعم بالاستقرار، فلا بد أن تتمتع إيران هي الأخرى بالاستقرار. لذا، فإن أي مغامرة أمريكية غير مدروسة تجاه إيران ربما تفتح فوهة بركان جديد في وقت يتبين فيه أن إخماد حمم البركان العراقي مهمة تستدعي جهوداً جبارة. وفي الواقع، فإن كل ما تم تحقيقه في العراق خلال العامين الماضيين ربما يذهب أدراج الرياح في حال تعرض استقرار إيران لهزة قوية.
ومن جهتها، سوف تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها مجدداً أمام معضلة معقدة، فعلى الرغم من هواجس دول مجلس التعاون من الطموحات الإيرانية، فإنها لن ترغب في الانجرار نحو موقف تضطر معه إلى الانحياز لأي طرف من أطراف أي صراع محتمل. ربما لا يتطلب الأمر كثيراً من التخمين لتحديد أي طرف ستنحاز إليه دول مجلس التعاون الخليجي في حال اشتعل فتيل أي مواجهة محتملة، فليس هناك من شك في أن دول الخليج ستجد نفسها في مواجهة سيناريو أمني أكثر هشاشة من الوضع الأمني الإقليمي الهش القائم حالياً.
وفي كل الأحوال، فإن آخر ما يمكن أن تحتاج إليه المنطقة هو اندلاع حرب جديدة. فمنطقة الشرق الأوسط شهدت أكبر عدد من الحروب في العالم، بما في ذلك الحروب الثلاث التي دارت رحاها في إطار الصراع العربي – الإسرائيلي، بالإضافة إلى حروب الخليج الثلاث التي تلتها خلال فترة لم تتجاوز نصف القرن.
سادساً – على الذين يؤمنون بأنه من المحتمل أن توجه الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كلتاهما معاً ضربات محددة ودقيقة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية كأحد الخيارات القائمة، أن يدركوا أن غياب دلائل مطلقة يمثل عاملاً أساسياً في هذا الإطار، فمن الصعب على الولايات المتحدة المتحدة نسيان الفضيحة التي اندلعت عقب حديث إدارة بوش عن دلائل مقنعة وغير قابلة للشك، والتي أكدت أن الولايات المتحدة حصلت عليها بخصوص برامج العراق لتطوير أسلحة الدمار الشامل.
ومما يضفي المزيد من اللبس صدور بيانات على لسان كبير المفاوضين الإيرانيين، حسن روحاني ، الذي أشار إلى توفر إيران على أنفاق تم إنشاؤها بهدف دعم أنشطتها النووية. وفي لقاء مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، صرح روحاني بأنه “بحكم أن الولايات المتحدة تهدد بشن هجوم على منشآتنا النووية، فإن علينا أن نضعها في مكان آخر”.
وعلى النقيض من ذلك، علينا توخي الحذر عندما نسمع الإدارة الأمريكية تتحدث عن أن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الدول الأوروبية لحث إيران على التخلي عن برنامجها النووي لا تزال في بداياتها، وأن مقارنة إيران بالعراق مغالطة لا أساس لها من الصحة.
في السادس عشر من فبراير الماضي، أشار سكوت ريتر، الضابط الأمريكي في قوات مشاة البحرية سابقاً، الذي عمل ضمن فريق لجنة الفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التابعة للأمم المتحدة في العراق والمعروفة اختصاراً بالاونسكوم، إلى أن الرئيس بوش قد “قرر تبني” خطة لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران خلال شهر يونيو 2005. وفي حال تم فعلاً تنفيذ هذه الخطة، فمن شأن ذلك أن يتسبب في إطلاق سلسلة من الأحداث والتطورات ربما تفضي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام الحاكم في طهران.
ومن جانبه، ادعى سيمور ام. هيرش في تصريح له نشرته صحيفة “نيويوركر” قائلا إن الولايات المتحدة “نفذت عمليات استطلاع سرية داخل إيران منذ بداية فصل الصيف الماضي على أقل تقدير”، مضيفاً إن “فرقاً من المدنيين التابعين لوزارة الدفاع الأمريكية يعملون تحت قيادة دوغلاس فيث مع مخططين واستشاريين إسرائيليين من أجل تطوير وتحسين أسلحة نووية وكيميائية لاستعمالها في شن هجمات على أهداف إيرانية. ولا شك في أن مثل هذا الادعاء يعكس صورة مختلفة عن التصريحات الأخيرة للإدارة الأمريكية.
وبينما يتأرجح ملف إيران النووي بين احتمال احتدام الأزمة وإمكانية بروز بصيص من الأمل لإيجاد حل لها، يبدو أن طهران ربما تقع في شـرك تصعيد عدائها تُجاه الولايات المتحدة وتتراجع عن موقفها المرن في التعامل مع الترويكا الأوروبية، وهو الأمر الذي قد يدفع إيران في الاتجاه نفسه الذي سار عليه العراق. وعلينا أن نستذكر في هذا المقام أنه قبل ما يزيد على عامين، كان الرئيس بوش يرد على أي سؤال يُطرح عليه بخصوص استعدادات إدارته لشن هجوم على العراق بالقول إنه لا توجد أي خطط من ذلك القبيل على مكتبه، لكن ومع حلول شهر مارس 2003 تحولت مخططات الإدارة الأمريكية إلى ما عُرف في وقت لاحق باستراتيجية “الصدمة والترويع”.
وفي الختام نقول إن العبرة من كل ذلك، أن أي هجوم تعتزم الولايات المتحدة شنه لا يتم الإفصاح عنه مسبقاً، وبخاصة إذا كان الهجوم يفتقد الشرعية، وعلى الرغم من عدم احتمال وقوع هجوم ضد إيران، فإنه قد يتم فعلاً توجيه ضربة تفاجئ الجميع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2440::/cck::
::introtext::
لعله أمر يثير الاستغراب أن يرى المرء الرئيس الأمريكي جورج بوش فجأة يعبر عن دعمه لجهود أوروبا للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقية مع إيران تتخلى بموجبها طهران عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم مقابل جملة من الحوافز التجارية والضمانات الأمنية. وقد يسأل سائل: هل الصيغة الأمريكية الجديدة تنبثق من موقف ضعف أم أنها تخفي في ثناياها خدعة لرفع النقاب عن عقم محاولات التفاوض مع طهران والعمل انطلاقاً من ذلك على صياغة سياسة عدائية تجاه إيران والسعي إلى تغيير النظام؟
::/introtext::
::fulltext::
لعله أمر يثير الاستغراب أن يرى المرء الرئيس الأمريكي جورج بوش فجأة يعبر عن دعمه لجهود أوروبا للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقية مع إيران تتخلى بموجبها طهران عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم مقابل جملة من الحوافز التجارية والضمانات الأمنية. وقد يسأل سائل: هل الصيغة الأمريكية الجديدة تنبثق من موقف ضعف أم أنها تخفي في ثناياها خدعة لرفع النقاب عن عقم محاولات التفاوض مع طهران والعمل انطلاقاً من ذلك على صياغة سياسة عدائية تجاه إيران والسعي إلى تغيير النظام؟ وهناك العديد من الأسباب التي قد تساعد على فهم التحول الذي طرأ على موقف الرئيس بوش وإعلانه أن “إيران ليست العراق”، مفنداً بذلك جميع التكهنات حول استعداد الولايات المتحدة لخوض مغامرة عسكرية جديدة.
أولاً- يبدو أن التحول في الموقف الأمريكي يستند إلى اعتبارات سياسية، ولا يقوم على حسابات عسكرية، فمن الصعب القول إن واشنطن لا تستطيع حشد القوات العسكرية الضرورية لدخول غمار حرب أخرى على جبهة جديدة. لكن ما تفتقر إليه أمريكا هو التفويض السياسي للتحرك عسكرياً، وذلك على الصعيدين المحلي والدولي.
وفي حين استمرت مشاعر التشكيك تلقي بظلالها على دعم “حلفاء أمريكا” عقب الحرب على العراق، كشف استطلاع للرأي مشترك أجرته مجلة “التايمز” والقناة الإخبارية (سي. بي. اس) الأمريكيتان في أواخر شهر فبراير 2005 أن 58 في المائة من الذين شاركوا في الاستطلاع يعتقدون بأن البيت الأبيض لا يتبنى أولويات السياسة الخارجية نفسها كما تراها معظم شرائح المجتمع الأمريكي.
وباعتبار أن العلاقات عبر الأطلسية تأخذ اليوم منحى تصالحياً، وأن الدول الأوروبية تتجه نحو الانخراط فعلياً في “حوار بنّاء”، فإن على واشنطن أن تستنفد جميع الخيارات المتاحة قبل الدفع في اتجاه تبني خيار الضربة العسكرية. وفي هذا السياق، عكفت بريطانيا، “أهم حليف لأمريكا”، على إعداد ملف من مائتي صفحة يحدد قائمة من المخاطر المحتمل أن تنجم عن شن عملية لاجتياح إيران. ويشير التقرير إلى أهمية حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية.
وعلى صعيد الداخل الأمريكي، يبدو أن تصاعد عدد ضحايا المواجهات التي تشهدها الساحة العراقية من الجنود الأمريكيين وتضخم عجز الموازنة قد فرضا قيوداً على إدارة بوش. وفي حين تجاوز عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية في أوائل شهر مارس 2005 1500 قتيل، أصدر البيت الأبيض توقعات بحدوث عجز في الميزانية الفيدرالية يصل إلى حدود 427 مليار دولار خلال السنة الضريبية الحالية، وهو ما يمثل عجزاً قياسياً على مدى السنوات الثلاث الماضية.
وباعتبار أن تكلفة الحرب على العراق خلال عام 2004 تقدر بما يربو على 125 مليار دولار، وأن الانتشار العسكري الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان سيكلف الخزينة الأمريكية نحو مائة مليار دولار إضافية خلال عام 2005، فإن المشاعر السائدة في الشارع الأمريكي والحسابات الاقتصادية المرتبطة بأي حملة عسكرية جديدة لن تلقى تجاوباً في أوساط المجتمع الأمريكي.
ثانياً – يبقى الرأي العام المحلي في إيران من جهته يشكل مصدر قلق عارم. ففي الوقت الذي حظي فيه الغزو الأمريكي للعراق بدعم مُبطن من قبل أغلبية شيعة العراق الذين يمثلون نحو 65 في المائة من الشعب العراقي، إلى جانب الدعم الذي أبداه الأكراد الذين يشكلون 15 في المائة من المجتمع العراقي، فإن إيران تجسد حالة مختلفة.
وعلى الرغم من أن المرشحين المحافظين الذين يدينون بالولاء للقائد الأعلى آية الله خامنئي نجحوا في الاستحواذ على أغلبية مقاعد البرلمان الإيراني، فإن الانتخابات البرلمانية التي انعقدت خلال عام 2004 لا تشكل بأي معنى من المعاني مقياساً دقيقاً لتقييم الرأي العام في إيران، مع أنها تعكس بلا شك المزاج المهيمن على المجتمع الإيراني. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن حركة الإصلاح في إيران دخلت اليوم في مرحلة النضج، فإن تاريخ الثورة الإسلامية من شأنه أن يثير على نطاق واسع مشاعر العداء ضد أمريكا في حال اندلعت أزمة مفتوحة بين طهران وواشنطن.
صحيح أن الأرقام والبيانات التي يمكن أن تساعد على تحديد مستوى دعم الرأي العام الإيراني للبرنامج النووي غير متوفرة، لكنه ليس من باب المبالغة القول إن أغلبية الشعب الإيراني تدعم البرنامج النووي، لأن هذا البرنامج يمثل القوة – وبالتالي هو برنامج يعزز بشكل ملموس مشاعر القومية، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بعدو مثل أمريكا. وفي الوقت الذي لا تحظى فيه سياسة التسلح بكثير من الدعم، فإن اكتساب التكنولوجيا النووية يبقى موضع ترحيب من قبل أوساط الشعب الإيراني.
ثالثاً – وفي حال قررت إيران ـ وهي الدولة التي تمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة تبلغ نحو 131 مليار برميل، أي أنها تحتضن ثاني أكبر احتياطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية (التي لديها احتياطيات نفطية تتجاوز 260 مليار برميل)، وتحتل إيران المرتبة الثانية من حيث حجم صادراتها من النفط الخام على مستوى الدول الأعضاء في منظمة أوبك ـ ففي حال قررت طهران تعليق صادراتها التي تصل إلى حدود ثلاثة ملايين برميل في اليوم من النفط، فإن أسعار النفط قد تصل إلى ما يزيد على سبعين دولاراً أمريكياً للبرميل الواحد، وهو أمر لن يروق، ليس للولايات المتحدة فحسب، بل لن يكون أيضاً موضع ترحيب العديد من دول العالم، وبخاصة في ظل تصاعد أسعار النفط خلال الأشهر الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة.
رابعاً – في حين أثبت المعارضون العراقيون في المنفى ممن حظوا بدعم ورعاية واشنطن، من أمثال حزب المؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد الجلبي ، أنهم يمثلون معارضة جاهزة للاستخدام، فلا يبدو أن هناك معارضة إيرانية بديلة ومماثلة للمعارضة العراقية تكون قادرة على الحلول محل النظام الحاكم في دولة يبلغ تعداد سكانها تسعة وستين مليون نسمة.
خامساً – لعل دور دول الجوار، وهو من أهم العوامل وأكثرها حساسية، يظل يتسم بالضبابية وانعدام اليقين، فالعراق الذي أصبحت شؤونه تُدار من قبل نظام شيعي ربما يرغب في دعم جهوده لتحقيق تقارب مع إيران بدلاً من فتح جروح الماضي، كما أن العراق، وفي حال أريد له أن ينعم بالاستقرار، فلا بد أن تتمتع إيران هي الأخرى بالاستقرار. لذا، فإن أي مغامرة أمريكية غير مدروسة تجاه إيران ربما تفتح فوهة بركان جديد في وقت يتبين فيه أن إخماد حمم البركان العراقي مهمة تستدعي جهوداً جبارة. وفي الواقع، فإن كل ما تم تحقيقه في العراق خلال العامين الماضيين ربما يذهب أدراج الرياح في حال تعرض استقرار إيران لهزة قوية.
ومن جهتها، سوف تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها مجدداً أمام معضلة معقدة، فعلى الرغم من هواجس دول مجلس التعاون من الطموحات الإيرانية، فإنها لن ترغب في الانجرار نحو موقف تضطر معه إلى الانحياز لأي طرف من أطراف أي صراع محتمل. ربما لا يتطلب الأمر كثيراً من التخمين لتحديد أي طرف ستنحاز إليه دول مجلس التعاون الخليجي في حال اشتعل فتيل أي مواجهة محتملة، فليس هناك من شك في أن دول الخليج ستجد نفسها في مواجهة سيناريو أمني أكثر هشاشة من الوضع الأمني الإقليمي الهش القائم حالياً.
وفي كل الأحوال، فإن آخر ما يمكن أن تحتاج إليه المنطقة هو اندلاع حرب جديدة. فمنطقة الشرق الأوسط شهدت أكبر عدد من الحروب في العالم، بما في ذلك الحروب الثلاث التي دارت رحاها في إطار الصراع العربي – الإسرائيلي، بالإضافة إلى حروب الخليج الثلاث التي تلتها خلال فترة لم تتجاوز نصف القرن.
سادساً – على الذين يؤمنون بأنه من المحتمل أن توجه الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كلتاهما معاً ضربات محددة ودقيقة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية كأحد الخيارات القائمة، أن يدركوا أن غياب دلائل مطلقة يمثل عاملاً أساسياً في هذا الإطار، فمن الصعب على الولايات المتحدة المتحدة نسيان الفضيحة التي اندلعت عقب حديث إدارة بوش عن دلائل مقنعة وغير قابلة للشك، والتي أكدت أن الولايات المتحدة حصلت عليها بخصوص برامج العراق لتطوير أسلحة الدمار الشامل.
ومما يضفي المزيد من اللبس صدور بيانات على لسان كبير المفاوضين الإيرانيين، حسن روحاني ، الذي أشار إلى توفر إيران على أنفاق تم إنشاؤها بهدف دعم أنشطتها النووية. وفي لقاء مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، صرح روحاني بأنه “بحكم أن الولايات المتحدة تهدد بشن هجوم على منشآتنا النووية، فإن علينا أن نضعها في مكان آخر”.
وعلى النقيض من ذلك، علينا توخي الحذر عندما نسمع الإدارة الأمريكية تتحدث عن أن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الدول الأوروبية لحث إيران على التخلي عن برنامجها النووي لا تزال في بداياتها، وأن مقارنة إيران بالعراق مغالطة لا أساس لها من الصحة.
في السادس عشر من فبراير الماضي، أشار سكوت ريتر، الضابط الأمريكي في قوات مشاة البحرية سابقاً، الذي عمل ضمن فريق لجنة الفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التابعة للأمم المتحدة في العراق والمعروفة اختصاراً بالاونسكوم، إلى أن الرئيس بوش قد “قرر تبني” خطة لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران خلال شهر يونيو 2005. وفي حال تم فعلاً تنفيذ هذه الخطة، فمن شأن ذلك أن يتسبب في إطلاق سلسلة من الأحداث والتطورات ربما تفضي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام الحاكم في طهران.
ومن جانبه، ادعى سيمور ام. هيرش في تصريح له نشرته صحيفة “نيويوركر” قائلا إن الولايات المتحدة “نفذت عمليات استطلاع سرية داخل إيران منذ بداية فصل الصيف الماضي على أقل تقدير”، مضيفاً إن “فرقاً من المدنيين التابعين لوزارة الدفاع الأمريكية يعملون تحت قيادة دوغلاس فيث مع مخططين واستشاريين إسرائيليين من أجل تطوير وتحسين أسلحة نووية وكيميائية لاستعمالها في شن هجمات على أهداف إيرانية. ولا شك في أن مثل هذا الادعاء يعكس صورة مختلفة عن التصريحات الأخيرة للإدارة الأمريكية.
وبينما يتأرجح ملف إيران النووي بين احتمال احتدام الأزمة وإمكانية بروز بصيص من الأمل لإيجاد حل لها، يبدو أن طهران ربما تقع في شـرك تصعيد عدائها تُجاه الولايات المتحدة وتتراجع عن موقفها المرن في التعامل مع الترويكا الأوروبية، وهو الأمر الذي قد يدفع إيران في الاتجاه نفسه الذي سار عليه العراق. وعلينا أن نستذكر في هذا المقام أنه قبل ما يزيد على عامين، كان الرئيس بوش يرد على أي سؤال يُطرح عليه بخصوص استعدادات إدارته لشن هجوم على العراق بالقول إنه لا توجد أي خطط من ذلك القبيل على مكتبه، لكن ومع حلول شهر مارس 2003 تحولت مخططات الإدارة الأمريكية إلى ما عُرف في وقت لاحق باستراتيجية “الصدمة والترويع”.
وفي الختام نقول إن العبرة من كل ذلك، أن أي هجوم تعتزم الولايات المتحدة شنه لا يتم الإفصاح عنه مسبقاً، وبخاصة إذا كان الهجوم يفتقد الشرعية، وعلى الرغم من عدم احتمال وقوع هجوم ضد إيران، فإنه قد يتم فعلاً توجيه ضربة تفاجئ الجميع.
::/fulltext::
::cck::2440::/cck::
