عراق ما بعد الحرب: كشف الأوهام عن بطولات صدام
::cck::2431::/cck::
::introtext::
سوف يتساءل المؤرخون في ما يأتي من أيام إن كان ينبغي تسمية هذه المرحلة التي يمر بها العراق منذ إسقاط نظام صدام حسين، “زمن إرساء الديمقراطية” أم “زمن القتل والإرهاب والأعمال الانتحارية”. وبالرغم من أنه ليس من الضروري أبدا أن تسبق الحكم الديمقراطي أعمال عنف وفوضى وإرهاب. ففي زمن الثورة الفرنسية – وما أدراك ما الثورة الفرنسية – كانت هذه الفظائع شائعة إلى حد أن زعماء الثورة جميعا انتهوا مقطوعي الرؤوس، وبعضهم قتل بطريقة أخرى. ولا نقول هذا للإيحاء بأن ما يقع في العراق يشبه ما وقع في فرنسا بعد 1789، فلكل بلاد ظروفها، ولكل ظرف مشكلاته الخاصة وحلولها، ولكن الهدف هو التذكير بأنه من الصعوبة بمكان أن تطوى صفحة عنيفة من التاريخ الحديث بطريقة غير عنيفة. حيث يمكن لمن يعيش تحت (الجزمة) وعنقه تحت السيف، أن يظل يتمنى التغيير والفرج مدى حياته، فذلك لا يحدث بالسحر، فقد كان حكم صدام من هذه الناحية نوعا من تنظيم الاستسلام العام للدولة التي هي لا شيء سوى شخص (السيد الرئيس مهيب الركن حفظه الله)، وكان ذلك احتكارا للعنف وترسيخا لأفضاله القبلية وانتهاكا باسم (الحداثة البعثية) لكل مبادئ الحداثة العربية منذ عصر النهضة.
::/introtext::
::fulltext::
سوف يتساءل المؤرخون في ما يأتي من أيام إن كان ينبغي تسمية هذه المرحلة التي يمر بها العراق منذ إسقاط نظام صدام حسين، “زمن إرساء الديمقراطية” أم “زمن القتل والإرهاب والأعمال الانتحارية”. وبالرغم من أنه ليس من الضروري أبدا أن تسبق الحكم الديمقراطي أعمال عنف وفوضى وإرهاب. ففي زمن الثورة الفرنسية – وما أدراك ما الثورة الفرنسية – كانت هذه الفظائع شائعة إلى حد أن زعماء الثورة جميعا انتهوا مقطوعي الرؤوس، وبعضهم قتل بطريقة أخرى. ولا نقول هذا للإيحاء بأن ما يقع في العراق يشبه ما وقع في فرنسا بعد 1789، فلكل بلاد ظروفها، ولكل ظرف مشكلاته الخاصة وحلولها، ولكن الهدف هو التذكير بأنه من الصعوبة بمكان أن تطوى صفحة عنيفة من التاريخ الحديث بطريقة غير عنيفة. حيث يمكن لمن يعيش تحت (الجزمة) وعنقه تحت السيف، أن يظل يتمنى التغيير والفرج مدى حياته، فذلك لا يحدث بالسحر، فقد كان حكم صدام من هذه الناحية نوعا من تنظيم الاستسلام العام للدولة التي هي لا شيء سوى شخص (السيد الرئيس مهيب الركن حفظه الله)، وكان ذلك احتكارا للعنف وترسيخا لأفضاله القبلية وانتهاكا باسم (الحداثة البعثية) لكل مبادئ الحداثة العربية منذ عصر النهضة.
كانت صور صدام التي تطلع من جوف الأرض في الصحراء العراقية لتطاول النخيل وناطحات السحب في أمكنة أخرى من العالم، إشارة إلى “نبوة” من غير هذا العصر. وهو كان بلا ريب سيحظى بنفس (التعاطف التعس) الذي هيأته له ظروف خاصة في عراق القرن العشرين. ومن الخطأ الظن أن ذلك التعاطف كان حكرا على العراقيين أو حتى على العرب، لا سيما بعد اندلاع الثورة الإيرانية وما حركته من حماس وما أثارته من غبار. فقد كان في مقدمة المتعاطفين بعض من هؤلاء الذين قادوا الحرب من مكاتبهم في لندن وواشنطن.. حرب تحرير العراق، كما قيل، أو حرب (تكسير رقبة صدام) كما هو الأقرب إلى الظن، وقد نجحوا إلى أبعد مما كانوا يأملون. ودعكم من قصة المقاومة التي تغلبت عليهم، فنحن جميعا نعلم أن هذه الفصائل لا تقاوم إلى حد الآن سوى الشعب العراقي، فهو الذي يتألم من غياب السلام والأمن والاستقرار، وهو الذي يعاني الأمرّين، لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يطمئن على أبنائه وزوجته حين يسير في الشارع لا يمكن أن يكون سعيدا في المكان الذي يعيش فيه. وكان هذا هو الوضع إبان نظام صدام، الذي عُرفت عن مخابراته ممارسة الاختطاف والعنف المساومات، وبشكل خاص إزاء النساء، كما سمعت من بعض العراقيين أنفسهم. وما نراه اليوم بعد أن قرر أبو مصعب الزرقاوي أن يعيد إدخال العراقيين إلى الإسلام مرة أخرى – مما يعني أن إسلامهم لم يكن صحيحا – هو نموذج آخر لاحتكار العنف، لا من طرف الدولة الأوتوقراطية هذه المرة، وإنما من طرف العصابات المسلحة.
إن العراقيين يحتاجون والحالة هذه إلى الصبر – الكثير من الصبر – وإلى التشاور، كان إقبالهم على صناديق الاقتراع يحمل بحد ذاته تحديا لهذا الظرف واستجابة لوعد المستقبل، فلو اكتفوا بالجلوس داخل بيوتهم، كما دعاهم البعض، لما حدث أي تقدم بأية حال. وبالرغم من أن ما تم تحصيله ليس أفضل ما يمكن الحصول عليه، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله، كما يقول المثل العربي.
يمكن لمن يملك الحلول السحرية لمعضلات اجتماعية تراكمت على مدى ثلاثين سنة، أن يعلن ما هي شروطه للعراقيين، فهم سيحسنون استقباله، إذ إنهم يعرفون الآن كيف ينبغي التعامل مع أصحاب الحكمة اللانهائية والمعرفة الشمولية: ألم يكن صدام حسين “يفهم” كل شيء – من السياسة إلى القانون، ومن الشعر إلى النثر، ومن الرسم إلى الغناء، ومن علم (السيبرنطيقا) إلى علم الصحون الطائرة -؟
ألم تكن له اضافات في جميع الميادين التي يقضي الناس العاديون أعمارهم فيها قبل أن يقال إنهم متخصصون؟ نعم، كان لصدام عقل من طراز خاص، جعله ينتصر حيث يرى الإنسان العادي هزيمة ماحقة. ولو كان إعلامه لا يزال قائما اليوم، لصوره منتصرا كذلك وهو يخرج من الحفرة، في حالة رثة، والعياذ بالله. وهذه من بعض النواحي مشكلة عربية، وليست فقط عراقية. العالم العربي في مجمله لم يدرك ما يحدث في العراق. لقد بدا الأمر، لمن يتابع مثلنا الإعلام العربي، وكأنه لا توجد قضية عراقية بتاتا، وإنما قضية اعتداء أجنبي على العراق فقط.
بالطبع كان هناك تدخل عسكري أمريكي – بريطاني، وهو شيء، بأية حال، غير مقبول من حيث المبدأ، ولكنني لا أرى أنه انطلق في إبريل 2003، وإنما قبل ذلك بكثير، واستهدف تدمير البنية التحتية العراقية، وكان صدام هو الذي مكن الآخرين منه، منذ اليوم الذي غزا فيه الكويت ضاربا عرض الحائط بمفاهيم التضامن التي عاش عليها العرب للفترة السابقة. ومن الخطأ تصوير المسألة وكأن الأمريكيين طرأوا فجأة واستفردوا بالعراق، وها هم اليوم يحتلونه، فلو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا، لرأينا أن صدام حسين هو نفسه الذي فتح بلاده للغزو الأجنبي، فقبل شروطا مخلة ومذلة ما كان يقبلها لو كان نظامه قائما على قاعدة سليمة في الداخل والخارج: قَبِل المفتشين وقبل وجود قوات أمريكية وبريطانية على الأراضي العراقية، فضلا عن قبوله عدم الدخول لمنطقتي الحظر الجوي. فمن أين أتى الغزاة؟ لقد أتوا من العراق الذي فتحه لهم صدام عندما داس الشيعة في الجنوب ومشى على رقاب الأكراد في الشمال. هل فعل صدام شيئاً لمقاومة الغزاة؟ بل من أجل البقاء في الحكم، كان مستعداً لتقديم التنازلات وفتح قصوره وجامعاته ومساجده بشكل مخل بالكرامة البشرية، وكان مستعدا لبيع النفط العراقي بأسعار متدنية للروس وغيرهم من الأمم، التي وعدته بالدفاع عنه في مجلس الأمن.
ولو كان حكيما، وصادقا، لتخلى عن السلطة وعاد إلى صفوف الشعب ليقاوم الغزاة ويذيقهم شيئا مما يذوقه شعبه، ولعل الناس كانوا سيتبعونه لو لم يقسُ عليهم، ولم يذلهم، ولم يغامر بدفعهم إلى الموت من أجل غزو ايران والكويت. فالناس يتبعون من يعيش مثلهم، ويتألم لآلامهم ويسر لسرورهم، لا من ينظر إلى عذابهم من عليائه، مهتماً بتحبير الروايات ونشرها باسم مستعار، متصابياً، عابثاً، وهو في قمة المسؤولية. ولا غرابة في الأمر، فالقطيعة بين صدام وشعبه سبقت وصول الأمريكيين بسنوات. لقد استمر الحصار على العراقيين أكثر من 12 سنة، وكان من الواضح أن ما يطلبه الأمريكيون – والمجتمع الدولي بأسره – فضلا عن العراقيين أنفسهم، هو أن يرحل صدام وينهي المشكلة، فتتم بذلك – وبغير استعمال وسائل أخرى للعنف والإكراه – إعادة الأمور إلى نصابها ورفع الحصار عن الملايين من العراقيين، بيد أن صدام رفض التنازل عن السلطة معتبرا ذلك “هدية” للأمريكيين لا يستحقونها، كأنه لم يقدم لهم أبدا هدايا، وزاد في الذكاء فنظم انتخابات لم ينافسه فيها أحد وخرج منها متفوقا بنسبة مائة في المائة. وانتهى الأمر بأن قدم العراق بأسره للأمريكيين، وجلس مختبئا في حفرة.
فهل ما يحدث منذ زوال حكمه أسوأ مما كان سيجري لو استمر؟ كم قتلت حروب صدام من الناس؟ وكم أحدثت مخابراته بينهم من مصيبة؟ وافرض أن الحصار رفع، بعد ربع قرن آخر أو لم يرفع قط، أوَلم يكن صدام مستعدا لإشعالها مرة أخرى، إما مع الكويت، أو مع السعودية، أو مع الأردن، أو مع الجميع، باعتبارهم جميعا يتآمرون عليه؟ في كل هذا، ألم تكن للرجل ميزات وفضائل؟ بالطبع، كانت له ميزة: الإنصات إلى الشعر، خاصة حين يكون في مدحه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2431::/cck::
::introtext::
سوف يتساءل المؤرخون في ما يأتي من أيام إن كان ينبغي تسمية هذه المرحلة التي يمر بها العراق منذ إسقاط نظام صدام حسين، “زمن إرساء الديمقراطية” أم “زمن القتل والإرهاب والأعمال الانتحارية”. وبالرغم من أنه ليس من الضروري أبدا أن تسبق الحكم الديمقراطي أعمال عنف وفوضى وإرهاب. ففي زمن الثورة الفرنسية – وما أدراك ما الثورة الفرنسية – كانت هذه الفظائع شائعة إلى حد أن زعماء الثورة جميعا انتهوا مقطوعي الرؤوس، وبعضهم قتل بطريقة أخرى. ولا نقول هذا للإيحاء بأن ما يقع في العراق يشبه ما وقع في فرنسا بعد 1789، فلكل بلاد ظروفها، ولكل ظرف مشكلاته الخاصة وحلولها، ولكن الهدف هو التذكير بأنه من الصعوبة بمكان أن تطوى صفحة عنيفة من التاريخ الحديث بطريقة غير عنيفة. حيث يمكن لمن يعيش تحت (الجزمة) وعنقه تحت السيف، أن يظل يتمنى التغيير والفرج مدى حياته، فذلك لا يحدث بالسحر، فقد كان حكم صدام من هذه الناحية نوعا من تنظيم الاستسلام العام للدولة التي هي لا شيء سوى شخص (السيد الرئيس مهيب الركن حفظه الله)، وكان ذلك احتكارا للعنف وترسيخا لأفضاله القبلية وانتهاكا باسم (الحداثة البعثية) لكل مبادئ الحداثة العربية منذ عصر النهضة.
::/introtext::
::fulltext::
سوف يتساءل المؤرخون في ما يأتي من أيام إن كان ينبغي تسمية هذه المرحلة التي يمر بها العراق منذ إسقاط نظام صدام حسين، “زمن إرساء الديمقراطية” أم “زمن القتل والإرهاب والأعمال الانتحارية”. وبالرغم من أنه ليس من الضروري أبدا أن تسبق الحكم الديمقراطي أعمال عنف وفوضى وإرهاب. ففي زمن الثورة الفرنسية – وما أدراك ما الثورة الفرنسية – كانت هذه الفظائع شائعة إلى حد أن زعماء الثورة جميعا انتهوا مقطوعي الرؤوس، وبعضهم قتل بطريقة أخرى. ولا نقول هذا للإيحاء بأن ما يقع في العراق يشبه ما وقع في فرنسا بعد 1789، فلكل بلاد ظروفها، ولكل ظرف مشكلاته الخاصة وحلولها، ولكن الهدف هو التذكير بأنه من الصعوبة بمكان أن تطوى صفحة عنيفة من التاريخ الحديث بطريقة غير عنيفة. حيث يمكن لمن يعيش تحت (الجزمة) وعنقه تحت السيف، أن يظل يتمنى التغيير والفرج مدى حياته، فذلك لا يحدث بالسحر، فقد كان حكم صدام من هذه الناحية نوعا من تنظيم الاستسلام العام للدولة التي هي لا شيء سوى شخص (السيد الرئيس مهيب الركن حفظه الله)، وكان ذلك احتكارا للعنف وترسيخا لأفضاله القبلية وانتهاكا باسم (الحداثة البعثية) لكل مبادئ الحداثة العربية منذ عصر النهضة.
كانت صور صدام التي تطلع من جوف الأرض في الصحراء العراقية لتطاول النخيل وناطحات السحب في أمكنة أخرى من العالم، إشارة إلى “نبوة” من غير هذا العصر. وهو كان بلا ريب سيحظى بنفس (التعاطف التعس) الذي هيأته له ظروف خاصة في عراق القرن العشرين. ومن الخطأ الظن أن ذلك التعاطف كان حكرا على العراقيين أو حتى على العرب، لا سيما بعد اندلاع الثورة الإيرانية وما حركته من حماس وما أثارته من غبار. فقد كان في مقدمة المتعاطفين بعض من هؤلاء الذين قادوا الحرب من مكاتبهم في لندن وواشنطن.. حرب تحرير العراق، كما قيل، أو حرب (تكسير رقبة صدام) كما هو الأقرب إلى الظن، وقد نجحوا إلى أبعد مما كانوا يأملون. ودعكم من قصة المقاومة التي تغلبت عليهم، فنحن جميعا نعلم أن هذه الفصائل لا تقاوم إلى حد الآن سوى الشعب العراقي، فهو الذي يتألم من غياب السلام والأمن والاستقرار، وهو الذي يعاني الأمرّين، لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يطمئن على أبنائه وزوجته حين يسير في الشارع لا يمكن أن يكون سعيدا في المكان الذي يعيش فيه. وكان هذا هو الوضع إبان نظام صدام، الذي عُرفت عن مخابراته ممارسة الاختطاف والعنف المساومات، وبشكل خاص إزاء النساء، كما سمعت من بعض العراقيين أنفسهم. وما نراه اليوم بعد أن قرر أبو مصعب الزرقاوي أن يعيد إدخال العراقيين إلى الإسلام مرة أخرى – مما يعني أن إسلامهم لم يكن صحيحا – هو نموذج آخر لاحتكار العنف، لا من طرف الدولة الأوتوقراطية هذه المرة، وإنما من طرف العصابات المسلحة.
إن العراقيين يحتاجون والحالة هذه إلى الصبر – الكثير من الصبر – وإلى التشاور، كان إقبالهم على صناديق الاقتراع يحمل بحد ذاته تحديا لهذا الظرف واستجابة لوعد المستقبل، فلو اكتفوا بالجلوس داخل بيوتهم، كما دعاهم البعض، لما حدث أي تقدم بأية حال. وبالرغم من أن ما تم تحصيله ليس أفضل ما يمكن الحصول عليه، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله، كما يقول المثل العربي.
يمكن لمن يملك الحلول السحرية لمعضلات اجتماعية تراكمت على مدى ثلاثين سنة، أن يعلن ما هي شروطه للعراقيين، فهم سيحسنون استقباله، إذ إنهم يعرفون الآن كيف ينبغي التعامل مع أصحاب الحكمة اللانهائية والمعرفة الشمولية: ألم يكن صدام حسين “يفهم” كل شيء – من السياسة إلى القانون، ومن الشعر إلى النثر، ومن الرسم إلى الغناء، ومن علم (السيبرنطيقا) إلى علم الصحون الطائرة -؟
ألم تكن له اضافات في جميع الميادين التي يقضي الناس العاديون أعمارهم فيها قبل أن يقال إنهم متخصصون؟ نعم، كان لصدام عقل من طراز خاص، جعله ينتصر حيث يرى الإنسان العادي هزيمة ماحقة. ولو كان إعلامه لا يزال قائما اليوم، لصوره منتصرا كذلك وهو يخرج من الحفرة، في حالة رثة، والعياذ بالله. وهذه من بعض النواحي مشكلة عربية، وليست فقط عراقية. العالم العربي في مجمله لم يدرك ما يحدث في العراق. لقد بدا الأمر، لمن يتابع مثلنا الإعلام العربي، وكأنه لا توجد قضية عراقية بتاتا، وإنما قضية اعتداء أجنبي على العراق فقط.
بالطبع كان هناك تدخل عسكري أمريكي – بريطاني، وهو شيء، بأية حال، غير مقبول من حيث المبدأ، ولكنني لا أرى أنه انطلق في إبريل 2003، وإنما قبل ذلك بكثير، واستهدف تدمير البنية التحتية العراقية، وكان صدام هو الذي مكن الآخرين منه، منذ اليوم الذي غزا فيه الكويت ضاربا عرض الحائط بمفاهيم التضامن التي عاش عليها العرب للفترة السابقة. ومن الخطأ تصوير المسألة وكأن الأمريكيين طرأوا فجأة واستفردوا بالعراق، وها هم اليوم يحتلونه، فلو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا، لرأينا أن صدام حسين هو نفسه الذي فتح بلاده للغزو الأجنبي، فقبل شروطا مخلة ومذلة ما كان يقبلها لو كان نظامه قائما على قاعدة سليمة في الداخل والخارج: قَبِل المفتشين وقبل وجود قوات أمريكية وبريطانية على الأراضي العراقية، فضلا عن قبوله عدم الدخول لمنطقتي الحظر الجوي. فمن أين أتى الغزاة؟ لقد أتوا من العراق الذي فتحه لهم صدام عندما داس الشيعة في الجنوب ومشى على رقاب الأكراد في الشمال. هل فعل صدام شيئاً لمقاومة الغزاة؟ بل من أجل البقاء في الحكم، كان مستعداً لتقديم التنازلات وفتح قصوره وجامعاته ومساجده بشكل مخل بالكرامة البشرية، وكان مستعدا لبيع النفط العراقي بأسعار متدنية للروس وغيرهم من الأمم، التي وعدته بالدفاع عنه في مجلس الأمن.
ولو كان حكيما، وصادقا، لتخلى عن السلطة وعاد إلى صفوف الشعب ليقاوم الغزاة ويذيقهم شيئا مما يذوقه شعبه، ولعل الناس كانوا سيتبعونه لو لم يقسُ عليهم، ولم يذلهم، ولم يغامر بدفعهم إلى الموت من أجل غزو ايران والكويت. فالناس يتبعون من يعيش مثلهم، ويتألم لآلامهم ويسر لسرورهم، لا من ينظر إلى عذابهم من عليائه، مهتماً بتحبير الروايات ونشرها باسم مستعار، متصابياً، عابثاً، وهو في قمة المسؤولية. ولا غرابة في الأمر، فالقطيعة بين صدام وشعبه سبقت وصول الأمريكيين بسنوات. لقد استمر الحصار على العراقيين أكثر من 12 سنة، وكان من الواضح أن ما يطلبه الأمريكيون – والمجتمع الدولي بأسره – فضلا عن العراقيين أنفسهم، هو أن يرحل صدام وينهي المشكلة، فتتم بذلك – وبغير استعمال وسائل أخرى للعنف والإكراه – إعادة الأمور إلى نصابها ورفع الحصار عن الملايين من العراقيين، بيد أن صدام رفض التنازل عن السلطة معتبرا ذلك “هدية” للأمريكيين لا يستحقونها، كأنه لم يقدم لهم أبدا هدايا، وزاد في الذكاء فنظم انتخابات لم ينافسه فيها أحد وخرج منها متفوقا بنسبة مائة في المائة. وانتهى الأمر بأن قدم العراق بأسره للأمريكيين، وجلس مختبئا في حفرة.
فهل ما يحدث منذ زوال حكمه أسوأ مما كان سيجري لو استمر؟ كم قتلت حروب صدام من الناس؟ وكم أحدثت مخابراته بينهم من مصيبة؟ وافرض أن الحصار رفع، بعد ربع قرن آخر أو لم يرفع قط، أوَلم يكن صدام مستعدا لإشعالها مرة أخرى، إما مع الكويت، أو مع السعودية، أو مع الأردن، أو مع الجميع، باعتبارهم جميعا يتآمرون عليه؟ في كل هذا، ألم تكن للرجل ميزات وفضائل؟ بالطبع، كانت له ميزة: الإنصات إلى الشعر، خاصة حين يكون في مدحه.
::/fulltext::
::cck::2431::/cck::
