قراءة جيو- سياسية للبعد الكردي في العلاقات بين العراق وتركي
::cck::2425::/cck::
::introtext::
شكل الكرد على الدوام عنصراً رئيسياً حدد طبيعة ومدى العلاقات القائمة بين العراق وتركيا منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921، وظهور الدولة الكمالية في تركيا قريباً من ذلك التاريخ، وساهمت اتفاقيات سايكس – بيكو سيئة الصيت في تمزيق شمل الكرد (مثلما فعلت مع العرب تماماً) وتوزيعهم على عدة دول. وطوال العقود الماضية خاض الكرد في الدولتين صراعاً سياسياً، وأحياناً عسكرياً دموياً ضد الحكومات التي تعاقبت على حكم البلدين. ففي كلتا الدولتين لم تتمكن الهيئة الحاكمة من البداية من إقامة الدولة – الأمة وبدلاً منها أقامت نوعاً من الدولة القومية ذات اللون الواحد، لم تستوعب التعددية للشعبين، واكتفت بدلاً من ذلك بموقف انعزالي ضيق من الهوية الوطنية والقومية للبلدين.
::/introtext::
::fulltext::
شكل الكرد على الدوام عنصراً رئيسياً حدد طبيعة ومدى العلاقات القائمة بين العراق وتركيا منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921، وظهور الدولة الكمالية في تركيا قريباً من ذلك التاريخ، وساهمت اتفاقيات سايكس – بيكو سيئة الصيت في تمزيق شمل الكرد (مثلما فعلت مع العرب تماماً) وتوزيعهم على عدة دول. وطوال العقود الماضية خاض الكرد في الدولتين صراعاً سياسياً، وأحياناً عسكرياً دموياً ضد الحكومات التي تعاقبت على حكم البلدين. ففي كلتا الدولتين لم تتمكن الهيئة الحاكمة من البداية من إقامة الدولة – الأمة وبدلاً منها أقامت نوعاً من الدولة القومية ذات اللون الواحد، لم تستوعب التعددية للشعبين، واكتفت بدلاً من ذلك بموقف انعزالي ضيق من الهوية الوطنية والقومية للبلدين.
لقد طرأت بعد حرب الخليج الثانية، وهي الحرب الأمريكية الأولى على العراق تغيرات غير مسبوقة على الوضع الكردي في العراق، وأحد المتغيرات الاستراتيجية في هذا المجال تمثل في قيام إدارة كردية ذاتية في الشمال، تمتعت بحماية دولية – أمريكية في الأساس. وبعد أن كانت هذه القضية لسنوات خلت إحدى مشكلات العراق المزمنة، غدت اليوم جزءاً فاعلاً من الكيان السياسي والاجتماعي العراقي، وعنصراً فاعلاً في تقرير السياسة العراقية الحالية بالاشتراك مع الأطراف الأخرى، كما أن الفيدرالية التي يؤكد عليها الكرد في العراق، وتضمنها قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، باتت تشكل جزءاً من المشهد السياسي العراقي، ومرشحة للتكرار لدى فئات أخرى في النسيج المجتمعي العراقي.
البعد الكردي توضح أكثر من انغماس الولايات المتحدة الأمريكية القوي في الشؤون الكردية أثناء الإعداد لحملة غزو العراق واحتلاله فيما بعد. فللمرة الأولى في تاريخ منطقة الشرق الأوسط السياسي والدبلوماسي تتدخل قوة عظمى لصالح الكرد، وتدشن مرحلة التعامل السياسي المباشر العلني مع الموضوع الكردي ولاسيما في كردستان العراق، على عكس ما كان يحدث سابقاً عندما كان هذا التعامل يسلك دروب الاتصالات السرية وغير المباشرة، وكان هذا التعامل المباشر قاعدة لتأسيس نوع جديد من العلاقة بين الكرد والولايات المتحدة.
وبالنسبة لتركيا فإن التشعبات الكامنة في القضية الكردية سببت لها، وما زالت، قلقاً مستديماً. فالتطورات في كردستان العراق منذ العام 1991 وحتى الآن، شكلت اعتبارا كبيرا ومهماً لصناع السياسة في أنقرة. فمستقبل الكرد فيها (تركيا) قد أصبح قضية أمنية تركية – دولية بالغة الحيوية إذ إن أكثر من نصف الكرد المنتشرين على المناطق الحدودية العراقية، والتركية، والإيرانية، والسورية، يعيشون في تركيا حيث قاتلت القوات التركية طيلة عقدين متواصلين حزب العمال الكردستاني (PKK)، واجتاحت القوات التركية خلال السنوات الماضية الحدود العراقية لمطاردة مقاتلي هذا الحزب، واحتفظت تركيا بقوات عسكرية في شمال العراق، وكثيراً ما استخدمتها لمطاردة مقاتلي الحزب، وتعاونت عدة مرات مع القوات الكردية العراقية لإنهاء وجود هذا الحزب في كردستان العراق.
ومن وجهة نظر أنقرة فإن الحكم الذاتي الكردي في العراق، يشكل تحدياً خطيراً لها، فهي تعاني من المشكلة نفسها في مناطقها الكردية المتململة. فإن الحكم الذاتي في العراق أصبح محرضاً ومشجعاً لهم بما فيه الكفاية، ويقدم الدعم المباشر لهم، ومن الممكن أن يجمعوا لهم تأييداً دولياً لفكرة إقامة دولة كردية كبرى مستقلة، وفي التفكير السياسي التركي فإن الاستقلال التام والسيادة هما الهدف النهائي للكرد على جانبي الحدود (العراقية – التركية). وفي معظم التحليلات التركية فإن التحرك باتجاه دولة كردية مستقلة قد يخلق توتراً شديداً لدى الكرد الذين يقطنون الدول المجاورة الأخرى، ومن الممكن أن يهدد استقرار المنطقة كلها ويدفع باتجاه تفتيتها.
وثمة أمر آخر يعزز من الهواجس التركية هو الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق. وفي ظل التغيرات الإقليمية والدولية الجديدة التي أعقبت الحرب على العراق فإن قدراً كبيراً من التوافق يظهر بوضوح بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومصالح الكرد في العراق، حتى في معظم الدول الأخرى التي يتوزع عليها الكرد والتي تتسم علاقاتها بقدر كبير من التنافر مع مواطنيها الكرد، وقد يصبح هذا الأمر عنصراً رئيسياً في تقرير السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي توظفها في إطار السياسات أو المواقف التي تتخذها تجاه تلك الحكومات.
إحدى أهم التداعيات للحرب على العراق بالنسبة لتركيا تمثل بتحول القضية الكردية، التي حاولت تركيا جاهدة جعلها شأناً داخلياً ثانوياً، ومجرد مشكلة مرتبطة بملف حقوق الانسان وحريات الفرد في تركيا، إلى قضية سياسية بدأت تأخذ أبعاداً دولية. وتركيا التي تضع عينها على الاتحاد الأوروبي تواجه ضغوطاً من الأخير الذي تخشى دوله من أبعاد وترسبات هذه القضية الشائكة التي ستتأثر خرائط ورسومات الاتحاد بها في المستقبل.
إن الانعكاس المهم الآخر لتلك الحرب تمثل في بعد تركيا عن التأثير المباشر في التوازنات الداخلية بعد أن أصبحت خارج المعادلة العراقية، بتأثير الصدع الذي أصاب علاقاتها مع الولايات المتحدة نتيجة موقفها الرافض لاستخدام أراضيها من قبل القوات الأمريكية خلال الحرب على العراق. هذا التراجع التركي قابله صعود لدور الكرد في العراق، مثلما هو للدور الشيعي بامتداداته المذهبية نحو إيران.
وقد حاولت تركيا أن تعوض دورها المفقود في العراق باستخدام ورقة الأقلية التركمانية في العراق أو إرسال إيماءات بالتدخل العسكري المباشر إذا ما تجاوز الكرد في العراق الخطوط الأمنية الحمراء التي تقررها تركيا لسقف المطالب الكردية. ولكن التدخل العسكري يكبحه الفيتو الكردي، المدعوم أمريكياً. ولعل موقف الحزم الذي اتخذه القادة الكرد في منع قدوم قوات تركية إلى العراق، كان قد نجح في دفع الحليف الأمريكي لصرف النظر نهائياً عن الاستعانة بتلك القوات لمساعدتها على حفظ الأمن في العراق.
بدورها فإن المؤسسة السياسية في تركيا اتخذت في ظل برنامج الإصلاحات الذي شرعت به حكومة رجب طيب أردوغان خطوات لا يخفى مغزاها على المراقبين. فللمرة الأولى، وفي تجاوز ملحوظ للثوابت التركية التي تحددها المؤسسة العسكرية في غالب الأحيان، تم تقديم مشروع إلى البرلمان يتضمن إلغاء أحد بنود قانون مكافحة الإرهاب، الذي كان يتضمن الملاحقة الجنائية للسياسيين والمعارضين بتهمة الانفصالية وتهديد وحدة التراب التركي، وكان موجهاً بالدرجة الرئيسية نحو السياسيين الكرد في تركيا، كما اقترحت الموافقة على استخدام اللغة الكردية في محطات التلفاز المحلية، والسماح بتدريس اللغة الكردية في عدد من المدارس في الولايات الكردية في تركيا. كذلك بدأت تصدر عن القادة الأتراك إشارات، وإن بدت خجولة، عن القبول التركي للمطالب الكردية في العراق شريطة الحفاظ على وحدة التراب العراقي.
إن هذه الخطوات على محدوديتها، ربما ستجعل من القضية الكردية في كل من العراق وتركيا، إذا ما استمرت الحكومة التركية بسياسة المصالحة مع مواطنيها الكرد إلى نهاية المطاف، واستقر الوضع في العراق، جسراً للتعاون المستقبلي بين البلدين. فالقادة الأتراك بدأوا يدركون أن الكرد في العراق قد يكونون بوابتهم الحقيقية إلى العراق، إلى جانب مصالحهم الأخرى، وقد يكون ذلك أيضا بوابتهم إلى منطقة الخليج العربي المهمة اقتصادياً واستراتيجياً للمصالح التركية. فتفعيل وتعظيم المصالح التجارية وتأمين النفط يعتمدان بدرجة أساسية على مقدار الأمن والاستقرار الذي ستنعم به المنطقة الكردية في كل من العراق وتركيا، فغالبية تجارة كردستان مع تركيا، ومعظم إمدادات النفط والتجارة العراقية – التركية تمر عبر البوابة الكردية. وإذا ما أخذنا في الاعتبار السيناريوهات التي تطرح حالياً حول إمكانية انضمام العراق إلى (حلف شمال الأطلسي) في ظل الامتداد الاستراتيجي للحلف في مناطق الشرق الأوسط الجنوبية، فإن معنى ذلك أن كردستان العراق ستكون الباب الذي تطل منه تركيا والغرب، عبر العراق على الفناء الخلفي للحلف الذي ينضم العلاقة الأمنية والعسكرية عبر ضفتي الأطلسي بين الحليف الأمريكي والشركاء الأوروبيين.
وبدورهم يدرك الكرد في العراق، كباقي أطياف الشعب العراقي أن بقاء العراق موحداً ومستقراً، وديمقراطياً هو المصلحة العليا للعراقيين، والطريق الأمثل لتسهيل خروج المحتل من العراق، ومثلما يكون ذلك في مصلحة جيران العراق أيضا وفي مقدمتهم تركيا، لأن دوائر الالتقاء بين تركيا والعراق، أكثر من نقاط الاختلاف. وهو ما أكدته دروس تجارب وخبرة السنوات الماضية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2425::/cck::
::introtext::
شكل الكرد على الدوام عنصراً رئيسياً حدد طبيعة ومدى العلاقات القائمة بين العراق وتركيا منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921، وظهور الدولة الكمالية في تركيا قريباً من ذلك التاريخ، وساهمت اتفاقيات سايكس – بيكو سيئة الصيت في تمزيق شمل الكرد (مثلما فعلت مع العرب تماماً) وتوزيعهم على عدة دول. وطوال العقود الماضية خاض الكرد في الدولتين صراعاً سياسياً، وأحياناً عسكرياً دموياً ضد الحكومات التي تعاقبت على حكم البلدين. ففي كلتا الدولتين لم تتمكن الهيئة الحاكمة من البداية من إقامة الدولة – الأمة وبدلاً منها أقامت نوعاً من الدولة القومية ذات اللون الواحد، لم تستوعب التعددية للشعبين، واكتفت بدلاً من ذلك بموقف انعزالي ضيق من الهوية الوطنية والقومية للبلدين.
::/introtext::
::fulltext::
شكل الكرد على الدوام عنصراً رئيسياً حدد طبيعة ومدى العلاقات القائمة بين العراق وتركيا منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921، وظهور الدولة الكمالية في تركيا قريباً من ذلك التاريخ، وساهمت اتفاقيات سايكس – بيكو سيئة الصيت في تمزيق شمل الكرد (مثلما فعلت مع العرب تماماً) وتوزيعهم على عدة دول. وطوال العقود الماضية خاض الكرد في الدولتين صراعاً سياسياً، وأحياناً عسكرياً دموياً ضد الحكومات التي تعاقبت على حكم البلدين. ففي كلتا الدولتين لم تتمكن الهيئة الحاكمة من البداية من إقامة الدولة – الأمة وبدلاً منها أقامت نوعاً من الدولة القومية ذات اللون الواحد، لم تستوعب التعددية للشعبين، واكتفت بدلاً من ذلك بموقف انعزالي ضيق من الهوية الوطنية والقومية للبلدين.
لقد طرأت بعد حرب الخليج الثانية، وهي الحرب الأمريكية الأولى على العراق تغيرات غير مسبوقة على الوضع الكردي في العراق، وأحد المتغيرات الاستراتيجية في هذا المجال تمثل في قيام إدارة كردية ذاتية في الشمال، تمتعت بحماية دولية – أمريكية في الأساس. وبعد أن كانت هذه القضية لسنوات خلت إحدى مشكلات العراق المزمنة، غدت اليوم جزءاً فاعلاً من الكيان السياسي والاجتماعي العراقي، وعنصراً فاعلاً في تقرير السياسة العراقية الحالية بالاشتراك مع الأطراف الأخرى، كما أن الفيدرالية التي يؤكد عليها الكرد في العراق، وتضمنها قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، باتت تشكل جزءاً من المشهد السياسي العراقي، ومرشحة للتكرار لدى فئات أخرى في النسيج المجتمعي العراقي.
البعد الكردي توضح أكثر من انغماس الولايات المتحدة الأمريكية القوي في الشؤون الكردية أثناء الإعداد لحملة غزو العراق واحتلاله فيما بعد. فللمرة الأولى في تاريخ منطقة الشرق الأوسط السياسي والدبلوماسي تتدخل قوة عظمى لصالح الكرد، وتدشن مرحلة التعامل السياسي المباشر العلني مع الموضوع الكردي ولاسيما في كردستان العراق، على عكس ما كان يحدث سابقاً عندما كان هذا التعامل يسلك دروب الاتصالات السرية وغير المباشرة، وكان هذا التعامل المباشر قاعدة لتأسيس نوع جديد من العلاقة بين الكرد والولايات المتحدة.
وبالنسبة لتركيا فإن التشعبات الكامنة في القضية الكردية سببت لها، وما زالت، قلقاً مستديماً. فالتطورات في كردستان العراق منذ العام 1991 وحتى الآن، شكلت اعتبارا كبيرا ومهماً لصناع السياسة في أنقرة. فمستقبل الكرد فيها (تركيا) قد أصبح قضية أمنية تركية – دولية بالغة الحيوية إذ إن أكثر من نصف الكرد المنتشرين على المناطق الحدودية العراقية، والتركية، والإيرانية، والسورية، يعيشون في تركيا حيث قاتلت القوات التركية طيلة عقدين متواصلين حزب العمال الكردستاني (PKK)، واجتاحت القوات التركية خلال السنوات الماضية الحدود العراقية لمطاردة مقاتلي هذا الحزب، واحتفظت تركيا بقوات عسكرية في شمال العراق، وكثيراً ما استخدمتها لمطاردة مقاتلي الحزب، وتعاونت عدة مرات مع القوات الكردية العراقية لإنهاء وجود هذا الحزب في كردستان العراق.
ومن وجهة نظر أنقرة فإن الحكم الذاتي الكردي في العراق، يشكل تحدياً خطيراً لها، فهي تعاني من المشكلة نفسها في مناطقها الكردية المتململة. فإن الحكم الذاتي في العراق أصبح محرضاً ومشجعاً لهم بما فيه الكفاية، ويقدم الدعم المباشر لهم، ومن الممكن أن يجمعوا لهم تأييداً دولياً لفكرة إقامة دولة كردية كبرى مستقلة، وفي التفكير السياسي التركي فإن الاستقلال التام والسيادة هما الهدف النهائي للكرد على جانبي الحدود (العراقية – التركية). وفي معظم التحليلات التركية فإن التحرك باتجاه دولة كردية مستقلة قد يخلق توتراً شديداً لدى الكرد الذين يقطنون الدول المجاورة الأخرى، ومن الممكن أن يهدد استقرار المنطقة كلها ويدفع باتجاه تفتيتها.
وثمة أمر آخر يعزز من الهواجس التركية هو الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق. وفي ظل التغيرات الإقليمية والدولية الجديدة التي أعقبت الحرب على العراق فإن قدراً كبيراً من التوافق يظهر بوضوح بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومصالح الكرد في العراق، حتى في معظم الدول الأخرى التي يتوزع عليها الكرد والتي تتسم علاقاتها بقدر كبير من التنافر مع مواطنيها الكرد، وقد يصبح هذا الأمر عنصراً رئيسياً في تقرير السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي توظفها في إطار السياسات أو المواقف التي تتخذها تجاه تلك الحكومات.
إحدى أهم التداعيات للحرب على العراق بالنسبة لتركيا تمثل بتحول القضية الكردية، التي حاولت تركيا جاهدة جعلها شأناً داخلياً ثانوياً، ومجرد مشكلة مرتبطة بملف حقوق الانسان وحريات الفرد في تركيا، إلى قضية سياسية بدأت تأخذ أبعاداً دولية. وتركيا التي تضع عينها على الاتحاد الأوروبي تواجه ضغوطاً من الأخير الذي تخشى دوله من أبعاد وترسبات هذه القضية الشائكة التي ستتأثر خرائط ورسومات الاتحاد بها في المستقبل.
إن الانعكاس المهم الآخر لتلك الحرب تمثل في بعد تركيا عن التأثير المباشر في التوازنات الداخلية بعد أن أصبحت خارج المعادلة العراقية، بتأثير الصدع الذي أصاب علاقاتها مع الولايات المتحدة نتيجة موقفها الرافض لاستخدام أراضيها من قبل القوات الأمريكية خلال الحرب على العراق. هذا التراجع التركي قابله صعود لدور الكرد في العراق، مثلما هو للدور الشيعي بامتداداته المذهبية نحو إيران.
وقد حاولت تركيا أن تعوض دورها المفقود في العراق باستخدام ورقة الأقلية التركمانية في العراق أو إرسال إيماءات بالتدخل العسكري المباشر إذا ما تجاوز الكرد في العراق الخطوط الأمنية الحمراء التي تقررها تركيا لسقف المطالب الكردية. ولكن التدخل العسكري يكبحه الفيتو الكردي، المدعوم أمريكياً. ولعل موقف الحزم الذي اتخذه القادة الكرد في منع قدوم قوات تركية إلى العراق، كان قد نجح في دفع الحليف الأمريكي لصرف النظر نهائياً عن الاستعانة بتلك القوات لمساعدتها على حفظ الأمن في العراق.
بدورها فإن المؤسسة السياسية في تركيا اتخذت في ظل برنامج الإصلاحات الذي شرعت به حكومة رجب طيب أردوغان خطوات لا يخفى مغزاها على المراقبين. فللمرة الأولى، وفي تجاوز ملحوظ للثوابت التركية التي تحددها المؤسسة العسكرية في غالب الأحيان، تم تقديم مشروع إلى البرلمان يتضمن إلغاء أحد بنود قانون مكافحة الإرهاب، الذي كان يتضمن الملاحقة الجنائية للسياسيين والمعارضين بتهمة الانفصالية وتهديد وحدة التراب التركي، وكان موجهاً بالدرجة الرئيسية نحو السياسيين الكرد في تركيا، كما اقترحت الموافقة على استخدام اللغة الكردية في محطات التلفاز المحلية، والسماح بتدريس اللغة الكردية في عدد من المدارس في الولايات الكردية في تركيا. كذلك بدأت تصدر عن القادة الأتراك إشارات، وإن بدت خجولة، عن القبول التركي للمطالب الكردية في العراق شريطة الحفاظ على وحدة التراب العراقي.
إن هذه الخطوات على محدوديتها، ربما ستجعل من القضية الكردية في كل من العراق وتركيا، إذا ما استمرت الحكومة التركية بسياسة المصالحة مع مواطنيها الكرد إلى نهاية المطاف، واستقر الوضع في العراق، جسراً للتعاون المستقبلي بين البلدين. فالقادة الأتراك بدأوا يدركون أن الكرد في العراق قد يكونون بوابتهم الحقيقية إلى العراق، إلى جانب مصالحهم الأخرى، وقد يكون ذلك أيضا بوابتهم إلى منطقة الخليج العربي المهمة اقتصادياً واستراتيجياً للمصالح التركية. فتفعيل وتعظيم المصالح التجارية وتأمين النفط يعتمدان بدرجة أساسية على مقدار الأمن والاستقرار الذي ستنعم به المنطقة الكردية في كل من العراق وتركيا، فغالبية تجارة كردستان مع تركيا، ومعظم إمدادات النفط والتجارة العراقية – التركية تمر عبر البوابة الكردية. وإذا ما أخذنا في الاعتبار السيناريوهات التي تطرح حالياً حول إمكانية انضمام العراق إلى (حلف شمال الأطلسي) في ظل الامتداد الاستراتيجي للحلف في مناطق الشرق الأوسط الجنوبية، فإن معنى ذلك أن كردستان العراق ستكون الباب الذي تطل منه تركيا والغرب، عبر العراق على الفناء الخلفي للحلف الذي ينضم العلاقة الأمنية والعسكرية عبر ضفتي الأطلسي بين الحليف الأمريكي والشركاء الأوروبيين.
وبدورهم يدرك الكرد في العراق، كباقي أطياف الشعب العراقي أن بقاء العراق موحداً ومستقراً، وديمقراطياً هو المصلحة العليا للعراقيين، والطريق الأمثل لتسهيل خروج المحتل من العراق، ومثلما يكون ذلك في مصلحة جيران العراق أيضا وفي مقدمتهم تركيا، لأن دوائر الالتقاء بين تركيا والعراق، أكثر من نقاط الاختلاف. وهو ما أكدته دروس تجارب وخبرة السنوات الماضية.
::/fulltext::
::cck::2425::/cck::
