قراءة في مستقبل العلاقات العراقية ـ الإيرانية
::cck::2363::/cck::
::introtext::
تفرض الجغرافيا السياسية أحياناً أنماطاً تكاد تكون ثابتة في العلاقات الدولية، ورغم تضاؤل قيمتها كمتغير حاسم مع التطور التكنولوجي إلا أنها تظل المتغير المعتبر لاسيما في العلاقات بين بلدان العالم الثالث. وعلاقة العراق مع جواره تأثرت ومازالت تتأثر بحقائق الجغرافيا السياسية، وأهمها أن العراق بحدوده البرية الواسعة والسهلة نسبياً لم يكن محصناً أمام التيارات والتأثيرات القادمة من محيطه، كما أن هذا المحيط لم يكن محصناً أمام التأثيرات والتيارات الخارجة من أرض ما يعرف اليوم بالعراق.
::/introtext::
::fulltext::
تفرض الجغرافيا السياسية أحياناً أنماطاً تكاد تكون ثابتة في العلاقات الدولية، ورغم تضاؤل قيمتها كمتغير حاسم مع التطور التكنولوجي إلا أنها تظل المتغير المعتبر لاسيما في العلاقات بين بلدان العالم الثالث. وعلاقة العراق مع جواره تأثرت ومازالت تتأثر بحقائق الجغرافيا السياسية، وأهمها أن العراق بحدوده البرية الواسعة والسهلة نسبياً لم يكن محصناً أمام التيارات والتأثيرات القادمة من محيطه، كما أن هذا المحيط لم يكن محصناً أمام التأثيرات والتيارات الخارجة من أرض ما يعرف اليوم بالعراق.
وهذه الحقيقة تتجلى بشكل خاص في علاقة العراق بشرقه “إيران الحالية”، حيث الدولة الأكثر جواراً للعراق بالمعنى الجغرافي بسبب طول الحدود المشتركة. إن التفاعل المكثف بين الطرفين يمتد إلى أقدم العصور متمثلاً بقصص طويلة عن الغزوات المتبادلة والإمبراطوريات الممتدة عبر ما نعتبره اليوم حدوداً فاصلة بين البلدين، فلقرون طويلة كان لـ “بلاد فارس” حدود تمتد إلى غرب العراق، ولقرون طويلة أخرى كان للدولة الإسلامية التي يحكمها العرب حدود تتجاوز أقصى شرق إيران، وهذه الحقائق خلقت ميراثاً مشتركاً ومعقداً لدى شعوب هذا الفضاء الجغرافي الحيوي الممتد بين آسيا الوسطى وشبه الجزيرة العربية، وهو ميراث يشكله خليط من التعاطف والكراهية، التجانس والاختلاف، الانتماء المشترك وتناقض الهويات، وبشكل واضح باتت العلاقة بين الجانبين من التعقيد، بحيث لا يمكن وسمها بصفة محددة جازمة، وأصبح مناخ هذه العلاقة متحركاً بحسب تحرك البيئات الداخلية وتمشكل بناء الدولة وخيارها الأيديولوجي وانتمائها المصلحي.
إن الجوار بطبيعته ليس خياراً، بل هو واقع ينبغي التكيف معه، وفي حالة الجوار العراقي ـ الإيراني لا تكون العلاقة في أي حال من الأحوال سطحية أو محايدة، بل هي نتاج لجملة الحقائق السياسية والاجتماعية القائمة على الأرض، ومن هنا تكون فلسفة نظام الحكم في أي من البلدين، منطوية صراحة أو ضمناً على خيار استراتيجي في التعامل مع الآخر القريب وتصنيفه كصديق أو عدو، بل حتى في عدم تصنيفه.
إن تفكيك بنية العلاقات العراقية – الإيرانية سيكشف لنا عن جملة عناصر تكمل العنصر الأساسي المتمثل بالجوار الجغرافي الواسع والممتد، وأهم هذه العناصر هو تلك المرتبطة بالعامل الديموغرافي وجوانبه الثقافية والاجتماعية، فهناك أولاً العامل الطائفي المتمثل بالانتماء الديني والمذهبي الواحد الذي يجمع غالبية الإيرانيين ( حوالي 85% ) بغالبية العراقيين ( حوالي 60% ) إلى درجة تجد معها أحياناً أن كلتا الغالبيتين تسترشدان بنفس الزعماء الدينيين، وإذا ما أدركنا الأهمية التي مازال الدين والمذهب يحتلهما في تشكيل الوعي لدى هذه الشعوب، لعلمنا أهمية هذا الامتداد الديني الطائفي عبر الحدود. ولكن في الوقت نفسه يواجه هذا الامتداد بعامل منفر يتمثل بداية بالتباين القومي بين غالبية شيعة العراق وغالبية الإيرانيين، وفي الأوقات التي تخبو خلالها النزعة الدينية تحاول النزعة القومية تشكيل النظرة إلى الآخر، وبالتالي التركيز على الاختلاف لا التشابه، وهذا ما كانت عليه الحال إبان الحكم الشاهنشاهي في إيران، والحكم البعثي في العراق، وما قد تؤول إليه الحال مع تصاعد ردود الفعل الاجتماعية الإيرانية المقاومة للتدين السياسي وتمشكلها فكرياً واجتماعياً، أو مع النزعة حديثة التبلور داخل العراق نحو تمثل هوية عراقية بالضد من الهويات التقليدية التي فرضت نفسها على العراق في السابق ومن بينها الهوية الإسلامية.
الجغرافيا والديموغرافيا المعقدتان يكملهما كما يتفاعل معهما العامل الإدراكي المتمثل بنظرة كل طرف إلى الآخر. هذه النظرة التي تصل لدى البعض أيضاً إلى حد التماهي مع الآخر واعتبارها جزءا من الـ “نحن”، وتصل لدى البعض أيضاً إلى حد اعتبار الآخر سبباً بكل المشكلات بل وقدراً مشؤوماً، تنتج فيما تنتج نمط السلوكيات المتبادلة محكومة بظرفها التاريخي وبجملة التأثيرات الخارجية والداخلية. ويمكن القول إن الحرب الطويلة بين العراق وإيران مازالت حتى اليوم عاملاً في تشكيل الوجدان الشعبي وحتى السلوك السياسي، فالكثير من الإيرانيين في مواقع السلطة والنفوذ من الذين خدموا في خطوط المجابهة مازالوا يتحدثون بمرارة عن سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية. “إنهم يلعنون صدام صراحة بسبب الضرر الذي تسبب به لبلادهم وعوائلهم، والإيرانيون عموماً يعتبرون الحرب السبب الأساسي لمشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية التي مازالوا يعانون منها حتى اليوم. والتكنوقراط الإيرانيون يجادلون عادة بأن الميراث الاجتماعي – الاقتصادي لمرحلة الثمانينات قد قوض محاولات الرئيسين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي لتحقيق الإصلاحات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية”. إن صدام في الذهنية الإيرانية هو ذكرى مزعجة، كما أن أمريكا التي دعمت صدام خلال الحرب ليست بالطيف المحبوب، وإن ازدواجية الرؤية الإيرانية لعراق ما بعد صدام مرتبطة نوعا ما بالمفارقة التي انطوت عليها علاقات صدام بأمريكا، فحليفا الأمس باتا عدوين لدودين لبعضهما، كما أنهما لإيران عدوان لدودان.
لو كان نظام صدام قد تهاوى من دون التدخل الأمريكي لكانت إيران قد تلقته بارتياح أكبر ولربما دعمت أي نظام بديل، لكن حقيقة سقوط العدو بيد عدو أقوى أربكت الموقف الإيراني، وعمقت من توهانه بين شعور الخلاص وشعور الخوف من القادم، ولذلك بدت إيران وكأنها تمد اليد أحيانا لـ “عراقيي أمريكا” ولكنها تتوجس كثيراً، بل وتتآمر على “أمريكا في العراق”.
إن العراق مازال لغزاً محيراً لصانع السياسة الإيرانية، لكنه لغز تنبغي الإجابة عنه، فحقائق الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا التي ذكرناها سالفاً تحتم ذلك، كما أن النمط المتغير للسياسة الدولية وإيقاعها المتسارع يجعل التمهل في الجواب تمهلاً في التكيف مع التغير.
يرى انوشروان احتشامي أن الاستراتيجيات الدفاعية التي تتبعها إيران لا تزال تضع العراق كعدو محتمل، وعلى الصعيدين النظري والعملي تعد إيران نفسها لمجابهة أخرى مع العراق. ومثل هذه النظرة قد تكون منشدة للقراءات التقليدية إلا أنها تنطوي على الصحة من حيث تعبيرها عن مجهولية العراق الجديد بالنسبة لإيران، فحتى لو كان عراقاً “مسالماً” ومنهكاً لسنوات طويلة إلا أنه خطير بسبب تغيره، فربما يكون العدو الذي نعرفه أسهل من الصديق الذي نجهله، وربما يكون عراق ما بعد صدام الذي يشهد انخراط الشيعة في إدارة أموره أخطر من عراق صدام الذي كان يتبنى أصلاً فكراً شوفينياً معادياً لـ “الفرس”.
إن شعور إيران بأنها ستكون الهدف التالي للولايات المتحدة بعد العراق، جعلها تعتبر العراق خطها الدفاعي الأول، وتسعى لمنع الولايات المتحدة من الحصول على الفرصة والوقت الكافيين لتأمين السيطرة الدفاعية على العراق. وأحد خياراتها في ذلك هو إبقاء واشنطن منشغلة بالعراق من خلال اللعب بالورقة الشيعية، لكن هذه الاستراتيجية ستكون خطيرة بالنسبة لإيران لعدة أسباب، منها أولاً أن انكشاف التدخل الإيراني في جنوب العراق سيعطي واشنطن مبرراً كافياً لاتهامها بالمروق، وثانياً أن استعراض إيران لعضلاتها في الجنوب لا يعني بالضرورة أن شيعة العراق سيصغون إليها وهم الذين اكتووا بنار الصراعات الماضية والذين يعتبرون نظام صدام خصمهم الأساسي الذي يجب أن يكون تجنب عودته بأي صورة من الصور هدفاً أساسياً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2363::/cck::
::introtext::
تفرض الجغرافيا السياسية أحياناً أنماطاً تكاد تكون ثابتة في العلاقات الدولية، ورغم تضاؤل قيمتها كمتغير حاسم مع التطور التكنولوجي إلا أنها تظل المتغير المعتبر لاسيما في العلاقات بين بلدان العالم الثالث. وعلاقة العراق مع جواره تأثرت ومازالت تتأثر بحقائق الجغرافيا السياسية، وأهمها أن العراق بحدوده البرية الواسعة والسهلة نسبياً لم يكن محصناً أمام التيارات والتأثيرات القادمة من محيطه، كما أن هذا المحيط لم يكن محصناً أمام التأثيرات والتيارات الخارجة من أرض ما يعرف اليوم بالعراق.
::/introtext::
::fulltext::
تفرض الجغرافيا السياسية أحياناً أنماطاً تكاد تكون ثابتة في العلاقات الدولية، ورغم تضاؤل قيمتها كمتغير حاسم مع التطور التكنولوجي إلا أنها تظل المتغير المعتبر لاسيما في العلاقات بين بلدان العالم الثالث. وعلاقة العراق مع جواره تأثرت ومازالت تتأثر بحقائق الجغرافيا السياسية، وأهمها أن العراق بحدوده البرية الواسعة والسهلة نسبياً لم يكن محصناً أمام التيارات والتأثيرات القادمة من محيطه، كما أن هذا المحيط لم يكن محصناً أمام التأثيرات والتيارات الخارجة من أرض ما يعرف اليوم بالعراق.
وهذه الحقيقة تتجلى بشكل خاص في علاقة العراق بشرقه “إيران الحالية”، حيث الدولة الأكثر جواراً للعراق بالمعنى الجغرافي بسبب طول الحدود المشتركة. إن التفاعل المكثف بين الطرفين يمتد إلى أقدم العصور متمثلاً بقصص طويلة عن الغزوات المتبادلة والإمبراطوريات الممتدة عبر ما نعتبره اليوم حدوداً فاصلة بين البلدين، فلقرون طويلة كان لـ “بلاد فارس” حدود تمتد إلى غرب العراق، ولقرون طويلة أخرى كان للدولة الإسلامية التي يحكمها العرب حدود تتجاوز أقصى شرق إيران، وهذه الحقائق خلقت ميراثاً مشتركاً ومعقداً لدى شعوب هذا الفضاء الجغرافي الحيوي الممتد بين آسيا الوسطى وشبه الجزيرة العربية، وهو ميراث يشكله خليط من التعاطف والكراهية، التجانس والاختلاف، الانتماء المشترك وتناقض الهويات، وبشكل واضح باتت العلاقة بين الجانبين من التعقيد، بحيث لا يمكن وسمها بصفة محددة جازمة، وأصبح مناخ هذه العلاقة متحركاً بحسب تحرك البيئات الداخلية وتمشكل بناء الدولة وخيارها الأيديولوجي وانتمائها المصلحي.
إن الجوار بطبيعته ليس خياراً، بل هو واقع ينبغي التكيف معه، وفي حالة الجوار العراقي ـ الإيراني لا تكون العلاقة في أي حال من الأحوال سطحية أو محايدة، بل هي نتاج لجملة الحقائق السياسية والاجتماعية القائمة على الأرض، ومن هنا تكون فلسفة نظام الحكم في أي من البلدين، منطوية صراحة أو ضمناً على خيار استراتيجي في التعامل مع الآخر القريب وتصنيفه كصديق أو عدو، بل حتى في عدم تصنيفه.
إن تفكيك بنية العلاقات العراقية – الإيرانية سيكشف لنا عن جملة عناصر تكمل العنصر الأساسي المتمثل بالجوار الجغرافي الواسع والممتد، وأهم هذه العناصر هو تلك المرتبطة بالعامل الديموغرافي وجوانبه الثقافية والاجتماعية، فهناك أولاً العامل الطائفي المتمثل بالانتماء الديني والمذهبي الواحد الذي يجمع غالبية الإيرانيين ( حوالي 85% ) بغالبية العراقيين ( حوالي 60% ) إلى درجة تجد معها أحياناً أن كلتا الغالبيتين تسترشدان بنفس الزعماء الدينيين، وإذا ما أدركنا الأهمية التي مازال الدين والمذهب يحتلهما في تشكيل الوعي لدى هذه الشعوب، لعلمنا أهمية هذا الامتداد الديني الطائفي عبر الحدود. ولكن في الوقت نفسه يواجه هذا الامتداد بعامل منفر يتمثل بداية بالتباين القومي بين غالبية شيعة العراق وغالبية الإيرانيين، وفي الأوقات التي تخبو خلالها النزعة الدينية تحاول النزعة القومية تشكيل النظرة إلى الآخر، وبالتالي التركيز على الاختلاف لا التشابه، وهذا ما كانت عليه الحال إبان الحكم الشاهنشاهي في إيران، والحكم البعثي في العراق، وما قد تؤول إليه الحال مع تصاعد ردود الفعل الاجتماعية الإيرانية المقاومة للتدين السياسي وتمشكلها فكرياً واجتماعياً، أو مع النزعة حديثة التبلور داخل العراق نحو تمثل هوية عراقية بالضد من الهويات التقليدية التي فرضت نفسها على العراق في السابق ومن بينها الهوية الإسلامية.
الجغرافيا والديموغرافيا المعقدتان يكملهما كما يتفاعل معهما العامل الإدراكي المتمثل بنظرة كل طرف إلى الآخر. هذه النظرة التي تصل لدى البعض أيضاً إلى حد التماهي مع الآخر واعتبارها جزءا من الـ “نحن”، وتصل لدى البعض أيضاً إلى حد اعتبار الآخر سبباً بكل المشكلات بل وقدراً مشؤوماً، تنتج فيما تنتج نمط السلوكيات المتبادلة محكومة بظرفها التاريخي وبجملة التأثيرات الخارجية والداخلية. ويمكن القول إن الحرب الطويلة بين العراق وإيران مازالت حتى اليوم عاملاً في تشكيل الوجدان الشعبي وحتى السلوك السياسي، فالكثير من الإيرانيين في مواقع السلطة والنفوذ من الذين خدموا في خطوط المجابهة مازالوا يتحدثون بمرارة عن سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية. “إنهم يلعنون صدام صراحة بسبب الضرر الذي تسبب به لبلادهم وعوائلهم، والإيرانيون عموماً يعتبرون الحرب السبب الأساسي لمشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية التي مازالوا يعانون منها حتى اليوم. والتكنوقراط الإيرانيون يجادلون عادة بأن الميراث الاجتماعي – الاقتصادي لمرحلة الثمانينات قد قوض محاولات الرئيسين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي لتحقيق الإصلاحات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية”. إن صدام في الذهنية الإيرانية هو ذكرى مزعجة، كما أن أمريكا التي دعمت صدام خلال الحرب ليست بالطيف المحبوب، وإن ازدواجية الرؤية الإيرانية لعراق ما بعد صدام مرتبطة نوعا ما بالمفارقة التي انطوت عليها علاقات صدام بأمريكا، فحليفا الأمس باتا عدوين لدودين لبعضهما، كما أنهما لإيران عدوان لدودان.
لو كان نظام صدام قد تهاوى من دون التدخل الأمريكي لكانت إيران قد تلقته بارتياح أكبر ولربما دعمت أي نظام بديل، لكن حقيقة سقوط العدو بيد عدو أقوى أربكت الموقف الإيراني، وعمقت من توهانه بين شعور الخلاص وشعور الخوف من القادم، ولذلك بدت إيران وكأنها تمد اليد أحيانا لـ “عراقيي أمريكا” ولكنها تتوجس كثيراً، بل وتتآمر على “أمريكا في العراق”.
إن العراق مازال لغزاً محيراً لصانع السياسة الإيرانية، لكنه لغز تنبغي الإجابة عنه، فحقائق الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا التي ذكرناها سالفاً تحتم ذلك، كما أن النمط المتغير للسياسة الدولية وإيقاعها المتسارع يجعل التمهل في الجواب تمهلاً في التكيف مع التغير.
يرى انوشروان احتشامي أن الاستراتيجيات الدفاعية التي تتبعها إيران لا تزال تضع العراق كعدو محتمل، وعلى الصعيدين النظري والعملي تعد إيران نفسها لمجابهة أخرى مع العراق. ومثل هذه النظرة قد تكون منشدة للقراءات التقليدية إلا أنها تنطوي على الصحة من حيث تعبيرها عن مجهولية العراق الجديد بالنسبة لإيران، فحتى لو كان عراقاً “مسالماً” ومنهكاً لسنوات طويلة إلا أنه خطير بسبب تغيره، فربما يكون العدو الذي نعرفه أسهل من الصديق الذي نجهله، وربما يكون عراق ما بعد صدام الذي يشهد انخراط الشيعة في إدارة أموره أخطر من عراق صدام الذي كان يتبنى أصلاً فكراً شوفينياً معادياً لـ “الفرس”.
إن شعور إيران بأنها ستكون الهدف التالي للولايات المتحدة بعد العراق، جعلها تعتبر العراق خطها الدفاعي الأول، وتسعى لمنع الولايات المتحدة من الحصول على الفرصة والوقت الكافيين لتأمين السيطرة الدفاعية على العراق. وأحد خياراتها في ذلك هو إبقاء واشنطن منشغلة بالعراق من خلال اللعب بالورقة الشيعية، لكن هذه الاستراتيجية ستكون خطيرة بالنسبة لإيران لعدة أسباب، منها أولاً أن انكشاف التدخل الإيراني في جنوب العراق سيعطي واشنطن مبرراً كافياً لاتهامها بالمروق، وثانياً أن استعراض إيران لعضلاتها في الجنوب لا يعني بالضرورة أن شيعة العراق سيصغون إليها وهم الذين اكتووا بنار الصراعات الماضية والذين يعتبرون نظام صدام خصمهم الأساسي الذي يجب أن يكون تجنب عودته بأي صورة من الصور هدفاً أساسياً.
::/fulltext::
::cck::2363::/cck::
