مستقبل الأوضاع في العراق
::cck::2366::/cck::
::introtext::
ليس القول إن مستقبل العراق مفتوح على كل الاحتمالات من قبيل التهرب من وضع إجابة تقريبية وواضحة المعالم لمستقبل الأوضاع السياسية في العراق، ذلك لأن هناك غموضاً في الأهداف المعلنة والحقيقية لكل الأطراف المعنية بالعملية السياسية من قوى داخلية وخارجية، ولكثرة عدد اللاعبين، إضافة إلى سيولة الأحداث وتداعياتها المستمرة والمفاجئة. وبالتالي، فإن استنتاج أن هناك فرصة ما لهذا الاحتمال أو ذاك يبدو بالفعل مهمة شاقة على أي مختص بالشؤون العراقية مهما بلغت حصافته.
::/introtext::
::fulltext::
ليس القول إن مستقبل العراق مفتوح على كل الاحتمالات من قبيل التهرب من وضع إجابة تقريبية وواضحة المعالم لمستقبل الأوضاع السياسية في العراق، ذلك لأن هناك غموضاً في الأهداف المعلنة والحقيقية لكل الأطراف المعنية بالعملية السياسية من قوى داخلية وخارجية، ولكثرة عدد اللاعبين، إضافة إلى سيولة الأحداث وتداعياتها المستمرة والمفاجئة. وبالتالي، فإن استنتاج أن هناك فرصة ما لهذا الاحتمال أو ذاك يبدو بالفعل مهمة شاقة على أي مختص بالشؤون العراقية مهما بلغت حصافته.
وإنما لأغراض منهجية، ولكي لا يكون البحث في هذا الموضوع خالياً من أي ضوابط علمية، ومن واقع قراءة موضوعية للمعطيات الراهنة على الساحة العراقية، وبشيء من التعميم فإنه يمكن اعتبار أن هناك ثلاثة سيناريوهات أو مشاهد لمستقبل الوضع في العراق هي الأكثر احتمالاً من غيرها حسب اعتقادنا. وفي ما يلي مناقشة لأبعادها وشروط وفرص تحقق كل منها خلال المستقبل المنظور:
المشهد الأول: استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والانزلاق إلى الحرب الأهلية
لعله من قبيل التمني أن يفند العراقيون بمن فيهم كثير من الأكاديميين المعتبرين ورجال السياسة احتمال الاقتتال الداخلي ويستبعدون حدوثه على الإطلاق، ولذلك فإنهم يستشهدون بالوقائع التاريخية لعراق متماسك بنيوياً، والعلاقات الاجتماعية الحميمة بين مختلف أفراده، الأمر الذي بلور ـ كما يعتقدون ـ منهجا تسامحياً وعلاقات لا تقوم على أساس القبول بالآخر بغض النظر عن انتماءاته الفرعية والإثنية وحسب، وإنما تصل إلى حد الاندماج والانصهار بين المكونات الأساسية للمجتمع العراقي (ومن أبرزها الشيعة العرب، السنة العرب، الأكراد، المسيحيون، الصابئة، اليزيديون).
لكن ما يغيب عن هؤلاء من المختصين أو رجال السياسة هو أن العراق اليوم ليس ذاته عراق ما قبل 9 إبريل 2003. ذلك لأن احتلال العراق مثلما أطاح بكل المسلمات السابقة فإنه جعلنا وكأننا نشهد عراقاً جديداً غير ذلك الذي ألفناه. وبعد أن رفعت عنه الغلالة الهشة للاندماج المجتمعي، حيث أصبح العراقيون اليوم أكثر التصاقاً بمرجعياتهم الأولية الإثنية والدينية والطائفية والقبلية بعد تغييب الدولة بشكلها المركزي والسلطوي المعروف لديهم، وليس أدل على ذلك من أن الهيئات والأحزاب السياسية العراقية القوية الآن هي في معظمها إن لم تكن جميعها تعتمد في عضويتها على الولاءات الطائفية والاثنية والقبلية.
ثم إن الاستشهاد بالتاريخ عن التسامح الاجتماعي هو استشهاد انتقائي، لأن التاريخ العراقي لا يخلو من صراعات محلية، وتوترات شعبية كامنة، لكنها لم تكن خافية. ومن الـمُـلاحظ أن البيئة التي نشبت فيها هذه الصراعات تكاد تناظر الأوضاع الجارية حالياً في العراق، وهي تتمثل إما بضعف السلطة المركزية أو التدخل الخارجي عالي الحدة، كما أن هذه البيئة تُغذى بالتمايزات الطائفية والعصبوية. ولكن، من له مصلحة في خيار الحرب الأهلية؟
ومن المعروف أن من أبرز خصائص التوزيع الإثني في العراق أن الجماعات الإثنية تقطن بالقرب من مثيلاتها في دول الجوار. وفي ضوء ذلك، تشير تحليلات عديدة إلى أن بعض دول الجوار متى وجدت أن من مصلحتها تحريك الجماعة التي لها صلات معها على حساب الأخريات أو بإزاء السلطة المركزية فإنها تستطيع القيام بذلك، وحتى تمهد الطريق للحرب الأهلية، خصوصاً أنها توافرت على قناعة فرضتها الأحداث، مفادها أن مصلحتها الاستراتيجية تصب في إطار ابتداع حرب أهلية لزيادة الورطة الأمريكية بهدف تأجيل استهدافها وبخاصة إلى إيران وسوريا اللتين لم تُـخْـفِ الإدارة الأمريكية أن استهدافهما مؤجل أو معلق على نتائج الأوضاع في العراق.
وبناءً عليه، فإن بعض دول الجوار العراقي يمكنها تغذية الدفع باتجاه الحرب الأهلية، لأن الأدوات التي تمكِّنها من ذلك متيسرة، خصوصاً بالنسبة لإيران التي توجد في العراق أحزاب مهمة وقوية تشعر بالولاء العاطفي والعقائدي تجاهها، وتجمعها معها صلات قديمة وتحظى بدعمها المالي والسياسي، والتسليحي، والمخابراتي (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، حزب الدعوة، حزب الله، وإلى حد ما، حركة مقتدى الصدر، وحزب الفضيلة وغيرها من المجاميع السياسية الشيعية، ولا يقتصر نفوذ إيران على القوى السياسية، وإنما يمتد إلى الأوساط الشعبية من الشيعة.
أما سوريا، فإنها تستطيع دعم البعثيين بسبب الانتماء العقائدي والشعور الذي تملك البعثيين في العراق بأن مرجعيتهم الفكرية والسياسية أصبحت تتمثل في دمشق، خصوصاً أن الموقف السوري المناهض للاحتلال قد عزز من هذا الشعور. يُضاف إلى ذلك احتمال قيام تركيا بدعم التركمان وبالذات في كركوك حينما تشعر بأنهم مغبونون أو أن كركوك الغنية بالنفط قد يستحوذ عليها الأكراد، مما يضخم لديهم نزعة الانفصال. أما السنة العرب فإنهم يحظون بدعم واسع متعدد الأبعاد من هيئات دينية أصولية وأحزاب يسارية عربية تظهر تعاطفها معهم وتقدم الدعم للمقاومة المسلحة التي تنتشر بين صفوفهم. ولعل ما يجعل الاحتراب السياسي مرشحاً ليتحول إلى اقتتال داخلي من خلال حث خارجي هو أن معظم الفصائل السياسية ـ الإثنية لديها ميليشياتها المسلحة والمدربة.
وتبدو بوادر الحرب الأهلية في العراق ماثلة في مظاهر عديدة، منها: طغيان الشعور بالولاء الإثني مقابل انحسار الـهُـوية الوطنية، التي يتجلى أحد مظاهرها في ضعف وتشتت الأحزاب ذات الصبغة الوطنية والعلمانية لصالح الأحزاب القومية والطائفية، فضلاً عن موجة الاغتيالات وعمليات الانتقام المتبادلة التي شهدها العراق على مدى الفترة اللاحقة للاحتلال، والتي يتضح أنها ذات طبيعة عصبوية طائفية كاغتيال علماء هيئة علماء المسلمين السنة على أيدي متشددين شيعة وكذلك اغتيالات رموز المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة ومسؤولي الوقف الشيعي على يد متطرفين سنة، والذي يُشار إليه هنا هو أن أصابع الاتهام قد وُجهت في الأغلب إلى قوى خارجية محركة مثل جماعة أبو مصعب الزرقاوي أو قوى وشخصيات إيرانية متشددة، وبمعنى آخر، فإن العامل الخارجي هو المحفز الأهم.
وفي ظل الانفلات الأمني وغياب الرقابة على الحدود وضعف استجابة دول جوار العراق، فإن الأمر قد يكون مرشحاً للتفاقم. ومن المظاهر الأخرى تصاعد دعوات انفصالية أولية في جنوب العراق تطالب بإقامة دولة شيعية، وكذلك التظاهرات الواسعة التي شهدتها المناطق الكردية الشمالية المطالبة بالانفصال، فضلاً عن الاقتتال الداخلي البسيط ـ ولكن المعبر ـ الذي حدث في كركوك أكثر من مرة، وكذلك اغتيال شخصيات كردية مسؤولة في المناطق ذات التداخل الديموغرافي (الموصل وكركوك وديالى). وثمة تقارير تبدو مؤكدة عن تدخلات جدية في التركيبة المجتمعية للعراق من قبل دول الجوار وبالذات شكوى الحكومة العراقية من إيران التي تم توصيفها على لسان وزير الدفاع العراقي بأنها العدو الأول للعراق، وتصريح رئيس الجمهورية المؤقت بقيامها بعمليات اغتيال في صفوف ضباط المخابرات وإثارة النعرات الطائفية.
ولعل أكثر ما يتم الترويج له هو أن تخيل سيناريو خروج القوات متعددة الجنسيات من العراق تحت وطأة المقاومة أو عبر ضغط الاحتجاجات الشعبية أو الضغوط الدولية سيسهم إلى حد كبير في اشتعال حرب أهلية بسبب الفراغ الأمني الذي ستخلفه هذه القوات وعدم قدرة القوات الأمنية الحكومية المنكشفة على ضبط الأوضاع، مما يحفز المجموعات المسلحة إلى التمرد. ثم إنه قد يفضي إلى لملمة البعثيين شعثهم مجدداً، وبالذات في المناطق السنية، الأمر الذي سيثير حفيظة القوى السياسية الطائفية والقومية الأخرى وينذر باقتتال داخلي.
ومن حسن طالع العراقيين أن سيناريو الحرب الأهلية يصطدم بمعوقات عدة: أولها، غير إرادي وهو جغرافي، ذلك أن القوميات والاثنيات الفرعية تكاد تكون منعزلة إحداها عن الأخرى. فالأكراد في الشمال والسنة في الوسط والشيعة في الجنوب، الأمر الذي يقلل من الاحتكاك بينها، والذي يكاد يقتصر على المناطق ذات الطبيعة المتداخلة ديموغرافياً مثل بغداد وكركوك وإلى حد ما ديالى. وثانيها، أن القوة الخارجية الأهم في العراق، وهي الولايات المتحدة غير راغبة تحت أي ظرف في حصول هذا الاحتراب الداخلي، لأنه سيفشل خططها السياسية الرامية إلى بناء نموذج سياسي ديمقراطي يكون نموذجاً تحتذيه دول المنطقة. وثالثها، أن الإرث الاجتماعي المتمثل بالمصاهرة والنسب بين الإثنيات والطوائف وانقسام العشيرة الواحدة إلى أكثر من مذهب مع بقاء التراتبية “الهيراركية”، يقلل من فرص هذا السيناريو، ولكنه قطعاً لا ينهيه.
إن العنف الذي تصاعدت وتيرته في العراق بعد الاحتلال لا تزال أسبابه موجودة ولا يُنتظر أن ينتهي خلال المستقبل المنظور، فالاحتلال العسكري لا يزال يكتسب في كل يوم أعداداً مضافة من العراقيين الناقمين عليه حتى مع وجود العملية السياسية المرافقة له.
وأورثت العمليات العسكرية الهجومية ضد المدن المتمردة والقسوة المفرطة في التعامل مع السكان أحقاداً تدفع باتجاه المزيد من التمرد. ولم تشهد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية تحسناً ملحوظاً، مما أبقى أعداداً كبيرة بلا عمل، والأداء الحكومي في أدنى درجاته، كما أن الفساد أصبح مستشرياً على مستويات عديدة. أضف إلى ذلك أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لم يتحسن أداؤها ولم تشهد إلا زيادة غير محسوسة، ولذلك فهي غير قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية، ثم إن مظاهر الاحتلال ستبقى عاملاً مهماً في شحذ المخزون العاطفي الديني لاستقبال أعداد من المتطوعين الأصوليين العرب والمسلمين لمقارعة الأمريكان في العراق.أما العناصر المسلحة المناوئة للاحتلال فيبدو أن لديها القدرات اللوجستية والتنظيمية للمقارعة والمنازلة حتى مع انخفاض أدائها القتالي بسبب الضربات المؤثرة التي تتعرض لها. وينبئ استمرار كل هذه العناصر وغيرها بأن العنف من المحتمل أن يتزايد في العراق إذا لم تجرِ معالجة جدية لتلافي الأسباب المهيجة له.
المشهد الثاني: اتجاه الأوضاع السياسية والاقتصادية نحو الاستقرار وانتهاء العنف
هناك دلائل عديدة تشير إلى أن هذا المشهد محتمل خلال المستقبل المنظور، لأن القوى السياسية الأهم في العراق واللاعبين الرئيسيين يسعون إليه. فالإدارة الأمريكية تحاول إتمام العملية السياسية المتمثلة بانتقال السلطة إلى العراقيين، والتي بدأتها في 28 يونيو 2004، بغض النظر عن النتائج السلبية العرضية المصاحبة لها، والقوى السياسية العراقية المشاركة في الحكومة المؤقتة هي الأخرى تبدو حريصة على إنجاح العملية السياسية التي بدأت في نهاية يناير وتستمر على مدى عام 2005 لاختيار مجلس وطني ومن ثم اختيار حكومة منتخبة و هيئة لكتابة الدستور تمهيداً لإجراء انتخابات في نهاية عام 2005 أو مطلع عام 2006. وهكذا، سيبدو العراقيون مشغولين خلال العام المقبل بإتمام العملية السياسية، خصوصاً أن هنالك فتوى صدرت من آية الله علي السيستاني تلزم المواطنين الشيعة بالانتخاب، وهنالك كذلك حماسة لدى الأكراد لولوج العملية السياسية لتثبيت مطالبهم في الفيدرالية، حيث إن أي تلكؤ قد لا يكون في صالحهم.
صحيح أن هناك دعوات للمقاطعة من قبل بعض الأحزاب، وبالذات لبعض الاتجاهات اليسارية والقومية التي تضع شرط إنهاء الاحتلال قبل الموافقة على الاشتراك في اللعبة السياسية، وتحسين شروط الانتخابات، إلا أن هذه القوى تبقى محدودة التأثير ما عدا هيئة علماء المسلمين التي تهدد بإصدار فتوى المقاطعة فيما لو استمرت العمليات العسكرية ضد بعض المدن التي لا تزال تبدي مقاومة للقوات الأجنبية والحكومية، والحزب الإسلامي العراقي الذي أعلن انسحابه الرسمي من الانتخابات والحكومة. وقد تكون هناك مقاطعة للانتخابات وبالذات من قبل قطاع واسع من السنة العرب إلا أنه من غير المحتمل أنها ستعرقل العملية السياسية التي تجد صدى لدى معظم العراقيين الذين سئموا من حالة الانفلات الأمني والضحايا الكثر من المدنيين وهم في معظمهم راغبون في دعم العملية السياسية التي ستجري.
ومن المرجح أن الانتخابات المقبلة ستسفر عن استمرار التركيبة الحالية للحكومة المؤقتة. فكل الدلائل تشير إلى ذلك، خصوصاً أن النظام الانتخابي القائم على أساس اعتبار العراق منطقة انتخابية واحدة ونظام الترشيح بالقوائم يعطي الأحزاب السياسية المؤتلفة في الحكومة الحالية فرصة مثالية للفوز، فهي أقوى الأحزاب وأكثرها تنظيماً وتمويلاً، وهي تحظى بدعم خارجي واسع، فيما تبدو القوى الأخرى أضعف منها بكثير. لذا تبدو حكومة علاوي مطمئنة للنتائج، وها هي تتصرف كحكومة دائمة، وليست مؤقتة كما أشار إلى ذلك قرار مجلس الأمن أو قانون الدولة العراقية. كما لا تتصرف على أنها حكومة (تصريف أعمال) كما أسماها الأخضر الإبراهيمي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة.
وبالرغم من الملاحظات التي يبديها بعض العراقيين على أداء الحكومة الحالية وبالذات في موضوعي الارتباط بالسياسة الأمريكية واستشراء الفساد الإداري، فإنها على العموم تبدو بالنسبة لمعظمهم خياراً مقبولاً، على الأقل لأن البديل عنها هو الفوضى، واستمرارها المتوقع بالتركيبة ذاتها بعد الانتخابات يضمن قدرا من الاستقرار لها بسبب اشتراك طيف واسع من القوى والشخصيات السياسية والدينية فيها، ثم إنها تتصرف على نحو لا يُفهم منه وجود انحيازات مذهبية لديها، حيث إنها تعاملت مع قضايا التمرد في الفلوجة وسامراء (المدينتين السنيتين) بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع النجف ومدينة الصدر (الشيعيتين)، وهو أمر ربما يطمئن السنة إلى حد ما وهم الذين يشعرون بالتهميش.
وحتى بالنسبة للبعثيين فهم ربما يرون أن حكومة علاوي أكثر رأفة بهم مما لو أتيح الأمر لقوى أخرى استلام السلطة، فرئيس الحكومة من أكثر الذين وقفوا بمواجهة قرار اجتـثاث البعث، وضمت صفوف حزبه (الوفاق الوطني) عدداً منهم، فضلاً عن خلفيته الفكرية والتنظيمية كبعثي سابق. ويبدو العسكريون السابقون كذلك مرتاحين لتوجهات حكومة علاوي، فهو من أوائل الذين نبهوا إلى خطأ فكرة حل المؤسسة العسكرية، وما زال يسعى باتجاه احتواء العسكريين السابقين والقوى الأمنية المنحلة في المؤسسات الجديدة.
يُضاف إلى ذلك أن الإجراءات الحكومية التي تم اتخاذها وتلك التي من المتوقع اتخاذها في الفترة المقبلة ستقلص من أسباب العنف، مثل تحسين الوضع المعيشي لشريحة مهمة من العراقيين، وبالذات بالنسبة لموظفي الدولة الذين يُعتبرون القطاع الأوسع في العراق، وصرف رواتب مقبولة للمتقاعدين، واستيعاب أعداد من قوى الأمن والجيش في المؤسسات الجديدة، كما أنه من المرجح زيادة تدفق الأموال للمشاريع العمرانية، خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط عالمياً، مما يؤدي في حال استغلاله على نحو أمثل إلى توفير فرص العمل وتخفيف حدة مشكلة البطالة.
كما أن العملية السياسية ذاتها ـ على الرغم مما يكتنفها من مآخذ ـ ستسهم في تخفيف غلواء العنف، خصوصاً أن القسم الأعظم من العراقيين متحمسون لولوجها، وبالتالي فإن بؤر التوتر التي تقلصت كثيراً خلال الشهور الفائتة ستستمر بالتقلص خلال العام المقبل. وقطعاً سوف لن ينتهي العنف، والمقاومة ستستمر مادام الاحتلال موجوداً والقوات العسكرية الأجنبية تنتشر علناً في المدن الرئيسية، إلا أن ذلك لا يمنع من تبلور قناعات لدى العراقيين بأن تكلفة المقاومة باهظة ومن يدفع ثمنها هم العراقيون أنفسهم مما يقلص زخم التأييد لها. وهكذا يبدو هذا المشهد ـ وفق تصورنا ـ هو الأكثر احتمالاً من سواه.
انطلاقاً من المعطيات الراهنة التي تشهدها الساحة العراقية، فإن مستقبل الأوضاع في العراق يبدو مفتوحاً على جميع الاحتمالات. وعلى الرغم من صعوبة الاستشراف بهذا الخصوص، فإن المشهد الأكثر احتمالاً من غيره خلال المستقبل المنظور هو استمرار العملية السياسية مع اتجاه العنف نحو الانحسار تدريجياً، وهذا متوقف بالطبع على قدرة الأطراف المعنية، العراقية وغير العراقية، على توفير الشروط والمعطيات التي تعزز السير في هذا الاتجاه.
وسيعتمد استقرار الأوضاع الأمنية إلى حد كبير على مدى القدرة على استيعاب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الملحة من خلال المشاريع التنموية، وإعمار البنى التحتية، واستيعاب أعداد العاطلين، وتحسين القدرة الشرائية للموظفين، ورفع المستوى الصحي والتعليمي. ومن المتوقع أن تتصاعد المطالب بهذا الخصوص بعد الانتخابات، خصوصاً مع التحسن الكبير في أسعار النفط في السوق العالمية، ووجود وعود بتقديم المزيد من المنح والاستثمارات الأجنبية.
كما أن الرغبة في إرساء الأمن والاستقرار ليست رغبة عراقية فقط، وإنما هي أيضاً رغبة أطراف إقليمية ودولية عديدة، فالقوى الدولية ذات المصالح الحيوية في العراق والشرق الأوسط يهمها دعم السلام والاستقرار العراقي، لأنه بخلاف ذلك ستكون المنطقة مقبلة على تغييرات عنيفة، ليس من السهل السيطرة عليها. ثم إن هناك دولاً عربية مجاورة للعراق، ربما ما عدا سوريا حسبما تشير إلى ذلك بعض التحليلات والتقديرات، شغوفة برؤية عراق مستقر وآمن خشية انتقال عدوى العنف إليها وانتشار الحركات المتطرفة.
وهكذا، تلتقي رغبتان عراقية (شعبية ورسمية) ودولية لإنعاش العملية السياسية، وحتى بعض القوى الإقليمية (إيران والى حد ما سوريا) التي قد تحاول إثارة بعض التوترات الداخلية في العراق فإنه ليس من العسير ردعها، وبالذات من قبل الإدارة الأمريكية، خصوصاً أن هناك ملفات عديدة يمكن إثارتها حول كل منها، فيما لو أنها لم تلتزم بتعهداتها بعدم إرباك الوضع العراقي.
كما يعتمد هذا المشهد أيضاً على فكرة أن المباشرة بالانتخابات وترسيخ البنى المؤسساتية سيفضيان إلى تضاؤل مبررات مجموعات المقاومة العراقية التي قد لا تجد بعد ذلك هوى في نفوس العراقيين، وستفقد بريقها تدريجياً حتى تخبو إيثاراً للسلامة وطلباً للاستقرار. وقد يحوي هذا المشهد نوعاً من التفاؤل إلا أنه لا يعدم الواقعية بالقطع.
المشهد الثالث: إرساء العملية السياسية المصحوبة بدرجة محدودة من العنف
لما كانت الظروف، سواء منها المؤدية إلى استمرار العنف واحتمالات الحرب الأهلية غير مرشحة للانتهاء خلال العام المقبل، لأنها تستمد وجودها من نوازع وسياسات متأصلة ومتجذرة مجتمعياً وسلطوياً. ولما كانت أيضاً السياسات الداخلية والمصالح الدولية، وبالذات بالنسبة للإدارة الأمريكية من غير المتوقع لها أن تتغير على نحو دراماتيكي خلال العام المقبل، وبخاصة بعد انتخاب الرئيس الأمريكي جورج بوش لولاية ثانية، فإن المشهد الذي سيبدو أكثر احتمالاً من سواه هو الذي يجمع بين المشهدين السابقين في آن معاً، بمعنى المزاوجة بين استمرار العملية السياسية الدافعة باتجاه الاستقرار من جهة مع وجود العنف، ولكن الآخذ بالتقلص على نحو تدريجي من جهة أخرى.
فالعملية السياسية يبدو أنها سائرة في تكريس ما أثمرت عنه بعد الاحتلال من اعتماد نسب الحصص الطائفية والقومية على أسس التخمينات غير الدقيقة للواقع السكاني لكل مجموعة. وبذلك، فإن شعور السنة العرب بأنهم في طريقهم إلى التهميش والانزواء لن يتبدد، مما قد ينعكس على استمرار التوتر بينهم كمجموعة (هلامية) والقوى المجتمعية الأخرى، كما أن بقاء الاحتلال بهذا الوضع الذي هو عليه الآن في التمركز داخل المدن الرئيسية والعمليات العسكرية الانتقامية التي يقوم بها، ستبقي عوامل المقاومة الوطنية قائمة، التي تستمد استمراريتها من الأفكار الجهادية الإسلامية، والروح الوطنية المتمثلة بالكبرياء القومي الذي يأبى الاحتلال الأجنبي، إضافة إلى الدوافع العشائرية ونزعة الثأر إزاء الممارسات غير الإنسانية التي تقوم بها قوات الاحتلال ضد المدنيين، هذا فضلا ًعن الرغبة في الانتقام وإرباك الوضع الداخلي من قبل أعداد من الذين ارتبطت مصالحهم الشخصية ونفوذهم بنظام صدام.
وعلى الرغم من أن العوامل سالفة الذكر ستحفز ولا شك إلى بقاء العنف في العراق وتوليد حالة من الرفض للأمر الواقع، وهي مرشحة للاستمرار، إلا أن المقاومة يبدو أنها في سبيلها إلى الانحسار، بعد أن تحول بعضها إلى معارضة سياسية، كما هو بالنسبة إلى تيار مقتدى الصدر، الذي يمثل الشيعة الناقمين على الاحتلال، وبخاصة بعد أن سلم عدد كبير من عناصره أسلحتهم إلى الحكومة العراقية مقابل مبالغ مالية. كما أن مجموعات أخرى من القوى المنخرطة في المقاومة بدأت تفقد التعاطف الشعبي بفعل تزايد أعداد القتلى والجرحى في صفوف العراقيين الذين أصبحت تستهدفهم الأعمال العسكرية أكثر مما تستهدف القوات الأجنبية، الأمر الذي بدأ العراقيون ينظرون إليه بارتياب ويحاولون أن يلقوا بتبعاته على قوى دخيلة تسللت إليهم من الخارج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2366::/cck::
::introtext::
ليس القول إن مستقبل العراق مفتوح على كل الاحتمالات من قبيل التهرب من وضع إجابة تقريبية وواضحة المعالم لمستقبل الأوضاع السياسية في العراق، ذلك لأن هناك غموضاً في الأهداف المعلنة والحقيقية لكل الأطراف المعنية بالعملية السياسية من قوى داخلية وخارجية، ولكثرة عدد اللاعبين، إضافة إلى سيولة الأحداث وتداعياتها المستمرة والمفاجئة. وبالتالي، فإن استنتاج أن هناك فرصة ما لهذا الاحتمال أو ذاك يبدو بالفعل مهمة شاقة على أي مختص بالشؤون العراقية مهما بلغت حصافته.
::/introtext::
::fulltext::
ليس القول إن مستقبل العراق مفتوح على كل الاحتمالات من قبيل التهرب من وضع إجابة تقريبية وواضحة المعالم لمستقبل الأوضاع السياسية في العراق، ذلك لأن هناك غموضاً في الأهداف المعلنة والحقيقية لكل الأطراف المعنية بالعملية السياسية من قوى داخلية وخارجية، ولكثرة عدد اللاعبين، إضافة إلى سيولة الأحداث وتداعياتها المستمرة والمفاجئة. وبالتالي، فإن استنتاج أن هناك فرصة ما لهذا الاحتمال أو ذاك يبدو بالفعل مهمة شاقة على أي مختص بالشؤون العراقية مهما بلغت حصافته.
وإنما لأغراض منهجية، ولكي لا يكون البحث في هذا الموضوع خالياً من أي ضوابط علمية، ومن واقع قراءة موضوعية للمعطيات الراهنة على الساحة العراقية، وبشيء من التعميم فإنه يمكن اعتبار أن هناك ثلاثة سيناريوهات أو مشاهد لمستقبل الوضع في العراق هي الأكثر احتمالاً من غيرها حسب اعتقادنا. وفي ما يلي مناقشة لأبعادها وشروط وفرص تحقق كل منها خلال المستقبل المنظور:
المشهد الأول: استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والانزلاق إلى الحرب الأهلية
لعله من قبيل التمني أن يفند العراقيون بمن فيهم كثير من الأكاديميين المعتبرين ورجال السياسة احتمال الاقتتال الداخلي ويستبعدون حدوثه على الإطلاق، ولذلك فإنهم يستشهدون بالوقائع التاريخية لعراق متماسك بنيوياً، والعلاقات الاجتماعية الحميمة بين مختلف أفراده، الأمر الذي بلور ـ كما يعتقدون ـ منهجا تسامحياً وعلاقات لا تقوم على أساس القبول بالآخر بغض النظر عن انتماءاته الفرعية والإثنية وحسب، وإنما تصل إلى حد الاندماج والانصهار بين المكونات الأساسية للمجتمع العراقي (ومن أبرزها الشيعة العرب، السنة العرب، الأكراد، المسيحيون، الصابئة، اليزيديون).
لكن ما يغيب عن هؤلاء من المختصين أو رجال السياسة هو أن العراق اليوم ليس ذاته عراق ما قبل 9 إبريل 2003. ذلك لأن احتلال العراق مثلما أطاح بكل المسلمات السابقة فإنه جعلنا وكأننا نشهد عراقاً جديداً غير ذلك الذي ألفناه. وبعد أن رفعت عنه الغلالة الهشة للاندماج المجتمعي، حيث أصبح العراقيون اليوم أكثر التصاقاً بمرجعياتهم الأولية الإثنية والدينية والطائفية والقبلية بعد تغييب الدولة بشكلها المركزي والسلطوي المعروف لديهم، وليس أدل على ذلك من أن الهيئات والأحزاب السياسية العراقية القوية الآن هي في معظمها إن لم تكن جميعها تعتمد في عضويتها على الولاءات الطائفية والاثنية والقبلية.
ثم إن الاستشهاد بالتاريخ عن التسامح الاجتماعي هو استشهاد انتقائي، لأن التاريخ العراقي لا يخلو من صراعات محلية، وتوترات شعبية كامنة، لكنها لم تكن خافية. ومن الـمُـلاحظ أن البيئة التي نشبت فيها هذه الصراعات تكاد تناظر الأوضاع الجارية حالياً في العراق، وهي تتمثل إما بضعف السلطة المركزية أو التدخل الخارجي عالي الحدة، كما أن هذه البيئة تُغذى بالتمايزات الطائفية والعصبوية. ولكن، من له مصلحة في خيار الحرب الأهلية؟
ومن المعروف أن من أبرز خصائص التوزيع الإثني في العراق أن الجماعات الإثنية تقطن بالقرب من مثيلاتها في دول الجوار. وفي ضوء ذلك، تشير تحليلات عديدة إلى أن بعض دول الجوار متى وجدت أن من مصلحتها تحريك الجماعة التي لها صلات معها على حساب الأخريات أو بإزاء السلطة المركزية فإنها تستطيع القيام بذلك، وحتى تمهد الطريق للحرب الأهلية، خصوصاً أنها توافرت على قناعة فرضتها الأحداث، مفادها أن مصلحتها الاستراتيجية تصب في إطار ابتداع حرب أهلية لزيادة الورطة الأمريكية بهدف تأجيل استهدافها وبخاصة إلى إيران وسوريا اللتين لم تُـخْـفِ الإدارة الأمريكية أن استهدافهما مؤجل أو معلق على نتائج الأوضاع في العراق.
وبناءً عليه، فإن بعض دول الجوار العراقي يمكنها تغذية الدفع باتجاه الحرب الأهلية، لأن الأدوات التي تمكِّنها من ذلك متيسرة، خصوصاً بالنسبة لإيران التي توجد في العراق أحزاب مهمة وقوية تشعر بالولاء العاطفي والعقائدي تجاهها، وتجمعها معها صلات قديمة وتحظى بدعمها المالي والسياسي، والتسليحي، والمخابراتي (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، حزب الدعوة، حزب الله، وإلى حد ما، حركة مقتدى الصدر، وحزب الفضيلة وغيرها من المجاميع السياسية الشيعية، ولا يقتصر نفوذ إيران على القوى السياسية، وإنما يمتد إلى الأوساط الشعبية من الشيعة.
أما سوريا، فإنها تستطيع دعم البعثيين بسبب الانتماء العقائدي والشعور الذي تملك البعثيين في العراق بأن مرجعيتهم الفكرية والسياسية أصبحت تتمثل في دمشق، خصوصاً أن الموقف السوري المناهض للاحتلال قد عزز من هذا الشعور. يُضاف إلى ذلك احتمال قيام تركيا بدعم التركمان وبالذات في كركوك حينما تشعر بأنهم مغبونون أو أن كركوك الغنية بالنفط قد يستحوذ عليها الأكراد، مما يضخم لديهم نزعة الانفصال. أما السنة العرب فإنهم يحظون بدعم واسع متعدد الأبعاد من هيئات دينية أصولية وأحزاب يسارية عربية تظهر تعاطفها معهم وتقدم الدعم للمقاومة المسلحة التي تنتشر بين صفوفهم. ولعل ما يجعل الاحتراب السياسي مرشحاً ليتحول إلى اقتتال داخلي من خلال حث خارجي هو أن معظم الفصائل السياسية ـ الإثنية لديها ميليشياتها المسلحة والمدربة.
وتبدو بوادر الحرب الأهلية في العراق ماثلة في مظاهر عديدة، منها: طغيان الشعور بالولاء الإثني مقابل انحسار الـهُـوية الوطنية، التي يتجلى أحد مظاهرها في ضعف وتشتت الأحزاب ذات الصبغة الوطنية والعلمانية لصالح الأحزاب القومية والطائفية، فضلاً عن موجة الاغتيالات وعمليات الانتقام المتبادلة التي شهدها العراق على مدى الفترة اللاحقة للاحتلال، والتي يتضح أنها ذات طبيعة عصبوية طائفية كاغتيال علماء هيئة علماء المسلمين السنة على أيدي متشددين شيعة وكذلك اغتيالات رموز المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة ومسؤولي الوقف الشيعي على يد متطرفين سنة، والذي يُشار إليه هنا هو أن أصابع الاتهام قد وُجهت في الأغلب إلى قوى خارجية محركة مثل جماعة أبو مصعب الزرقاوي أو قوى وشخصيات إيرانية متشددة، وبمعنى آخر، فإن العامل الخارجي هو المحفز الأهم.
وفي ظل الانفلات الأمني وغياب الرقابة على الحدود وضعف استجابة دول جوار العراق، فإن الأمر قد يكون مرشحاً للتفاقم. ومن المظاهر الأخرى تصاعد دعوات انفصالية أولية في جنوب العراق تطالب بإقامة دولة شيعية، وكذلك التظاهرات الواسعة التي شهدتها المناطق الكردية الشمالية المطالبة بالانفصال، فضلاً عن الاقتتال الداخلي البسيط ـ ولكن المعبر ـ الذي حدث في كركوك أكثر من مرة، وكذلك اغتيال شخصيات كردية مسؤولة في المناطق ذات التداخل الديموغرافي (الموصل وكركوك وديالى). وثمة تقارير تبدو مؤكدة عن تدخلات جدية في التركيبة المجتمعية للعراق من قبل دول الجوار وبالذات شكوى الحكومة العراقية من إيران التي تم توصيفها على لسان وزير الدفاع العراقي بأنها العدو الأول للعراق، وتصريح رئيس الجمهورية المؤقت بقيامها بعمليات اغتيال في صفوف ضباط المخابرات وإثارة النعرات الطائفية.
ولعل أكثر ما يتم الترويج له هو أن تخيل سيناريو خروج القوات متعددة الجنسيات من العراق تحت وطأة المقاومة أو عبر ضغط الاحتجاجات الشعبية أو الضغوط الدولية سيسهم إلى حد كبير في اشتعال حرب أهلية بسبب الفراغ الأمني الذي ستخلفه هذه القوات وعدم قدرة القوات الأمنية الحكومية المنكشفة على ضبط الأوضاع، مما يحفز المجموعات المسلحة إلى التمرد. ثم إنه قد يفضي إلى لملمة البعثيين شعثهم مجدداً، وبالذات في المناطق السنية، الأمر الذي سيثير حفيظة القوى السياسية الطائفية والقومية الأخرى وينذر باقتتال داخلي.
ومن حسن طالع العراقيين أن سيناريو الحرب الأهلية يصطدم بمعوقات عدة: أولها، غير إرادي وهو جغرافي، ذلك أن القوميات والاثنيات الفرعية تكاد تكون منعزلة إحداها عن الأخرى. فالأكراد في الشمال والسنة في الوسط والشيعة في الجنوب، الأمر الذي يقلل من الاحتكاك بينها، والذي يكاد يقتصر على المناطق ذات الطبيعة المتداخلة ديموغرافياً مثل بغداد وكركوك وإلى حد ما ديالى. وثانيها، أن القوة الخارجية الأهم في العراق، وهي الولايات المتحدة غير راغبة تحت أي ظرف في حصول هذا الاحتراب الداخلي، لأنه سيفشل خططها السياسية الرامية إلى بناء نموذج سياسي ديمقراطي يكون نموذجاً تحتذيه دول المنطقة. وثالثها، أن الإرث الاجتماعي المتمثل بالمصاهرة والنسب بين الإثنيات والطوائف وانقسام العشيرة الواحدة إلى أكثر من مذهب مع بقاء التراتبية “الهيراركية”، يقلل من فرص هذا السيناريو، ولكنه قطعاً لا ينهيه.
إن العنف الذي تصاعدت وتيرته في العراق بعد الاحتلال لا تزال أسبابه موجودة ولا يُنتظر أن ينتهي خلال المستقبل المنظور، فالاحتلال العسكري لا يزال يكتسب في كل يوم أعداداً مضافة من العراقيين الناقمين عليه حتى مع وجود العملية السياسية المرافقة له.
وأورثت العمليات العسكرية الهجومية ضد المدن المتمردة والقسوة المفرطة في التعامل مع السكان أحقاداً تدفع باتجاه المزيد من التمرد. ولم تشهد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية تحسناً ملحوظاً، مما أبقى أعداداً كبيرة بلا عمل، والأداء الحكومي في أدنى درجاته، كما أن الفساد أصبح مستشرياً على مستويات عديدة. أضف إلى ذلك أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لم يتحسن أداؤها ولم تشهد إلا زيادة غير محسوسة، ولذلك فهي غير قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية، ثم إن مظاهر الاحتلال ستبقى عاملاً مهماً في شحذ المخزون العاطفي الديني لاستقبال أعداد من المتطوعين الأصوليين العرب والمسلمين لمقارعة الأمريكان في العراق.أما العناصر المسلحة المناوئة للاحتلال فيبدو أن لديها القدرات اللوجستية والتنظيمية للمقارعة والمنازلة حتى مع انخفاض أدائها القتالي بسبب الضربات المؤثرة التي تتعرض لها. وينبئ استمرار كل هذه العناصر وغيرها بأن العنف من المحتمل أن يتزايد في العراق إذا لم تجرِ معالجة جدية لتلافي الأسباب المهيجة له.
المشهد الثاني: اتجاه الأوضاع السياسية والاقتصادية نحو الاستقرار وانتهاء العنف
هناك دلائل عديدة تشير إلى أن هذا المشهد محتمل خلال المستقبل المنظور، لأن القوى السياسية الأهم في العراق واللاعبين الرئيسيين يسعون إليه. فالإدارة الأمريكية تحاول إتمام العملية السياسية المتمثلة بانتقال السلطة إلى العراقيين، والتي بدأتها في 28 يونيو 2004، بغض النظر عن النتائج السلبية العرضية المصاحبة لها، والقوى السياسية العراقية المشاركة في الحكومة المؤقتة هي الأخرى تبدو حريصة على إنجاح العملية السياسية التي بدأت في نهاية يناير وتستمر على مدى عام 2005 لاختيار مجلس وطني ومن ثم اختيار حكومة منتخبة و هيئة لكتابة الدستور تمهيداً لإجراء انتخابات في نهاية عام 2005 أو مطلع عام 2006. وهكذا، سيبدو العراقيون مشغولين خلال العام المقبل بإتمام العملية السياسية، خصوصاً أن هنالك فتوى صدرت من آية الله علي السيستاني تلزم المواطنين الشيعة بالانتخاب، وهنالك كذلك حماسة لدى الأكراد لولوج العملية السياسية لتثبيت مطالبهم في الفيدرالية، حيث إن أي تلكؤ قد لا يكون في صالحهم.
صحيح أن هناك دعوات للمقاطعة من قبل بعض الأحزاب، وبالذات لبعض الاتجاهات اليسارية والقومية التي تضع شرط إنهاء الاحتلال قبل الموافقة على الاشتراك في اللعبة السياسية، وتحسين شروط الانتخابات، إلا أن هذه القوى تبقى محدودة التأثير ما عدا هيئة علماء المسلمين التي تهدد بإصدار فتوى المقاطعة فيما لو استمرت العمليات العسكرية ضد بعض المدن التي لا تزال تبدي مقاومة للقوات الأجنبية والحكومية، والحزب الإسلامي العراقي الذي أعلن انسحابه الرسمي من الانتخابات والحكومة. وقد تكون هناك مقاطعة للانتخابات وبالذات من قبل قطاع واسع من السنة العرب إلا أنه من غير المحتمل أنها ستعرقل العملية السياسية التي تجد صدى لدى معظم العراقيين الذين سئموا من حالة الانفلات الأمني والضحايا الكثر من المدنيين وهم في معظمهم راغبون في دعم العملية السياسية التي ستجري.
ومن المرجح أن الانتخابات المقبلة ستسفر عن استمرار التركيبة الحالية للحكومة المؤقتة. فكل الدلائل تشير إلى ذلك، خصوصاً أن النظام الانتخابي القائم على أساس اعتبار العراق منطقة انتخابية واحدة ونظام الترشيح بالقوائم يعطي الأحزاب السياسية المؤتلفة في الحكومة الحالية فرصة مثالية للفوز، فهي أقوى الأحزاب وأكثرها تنظيماً وتمويلاً، وهي تحظى بدعم خارجي واسع، فيما تبدو القوى الأخرى أضعف منها بكثير. لذا تبدو حكومة علاوي مطمئنة للنتائج، وها هي تتصرف كحكومة دائمة، وليست مؤقتة كما أشار إلى ذلك قرار مجلس الأمن أو قانون الدولة العراقية. كما لا تتصرف على أنها حكومة (تصريف أعمال) كما أسماها الأخضر الإبراهيمي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة.
وبالرغم من الملاحظات التي يبديها بعض العراقيين على أداء الحكومة الحالية وبالذات في موضوعي الارتباط بالسياسة الأمريكية واستشراء الفساد الإداري، فإنها على العموم تبدو بالنسبة لمعظمهم خياراً مقبولاً، على الأقل لأن البديل عنها هو الفوضى، واستمرارها المتوقع بالتركيبة ذاتها بعد الانتخابات يضمن قدرا من الاستقرار لها بسبب اشتراك طيف واسع من القوى والشخصيات السياسية والدينية فيها، ثم إنها تتصرف على نحو لا يُفهم منه وجود انحيازات مذهبية لديها، حيث إنها تعاملت مع قضايا التمرد في الفلوجة وسامراء (المدينتين السنيتين) بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع النجف ومدينة الصدر (الشيعيتين)، وهو أمر ربما يطمئن السنة إلى حد ما وهم الذين يشعرون بالتهميش.
وحتى بالنسبة للبعثيين فهم ربما يرون أن حكومة علاوي أكثر رأفة بهم مما لو أتيح الأمر لقوى أخرى استلام السلطة، فرئيس الحكومة من أكثر الذين وقفوا بمواجهة قرار اجتـثاث البعث، وضمت صفوف حزبه (الوفاق الوطني) عدداً منهم، فضلاً عن خلفيته الفكرية والتنظيمية كبعثي سابق. ويبدو العسكريون السابقون كذلك مرتاحين لتوجهات حكومة علاوي، فهو من أوائل الذين نبهوا إلى خطأ فكرة حل المؤسسة العسكرية، وما زال يسعى باتجاه احتواء العسكريين السابقين والقوى الأمنية المنحلة في المؤسسات الجديدة.
يُضاف إلى ذلك أن الإجراءات الحكومية التي تم اتخاذها وتلك التي من المتوقع اتخاذها في الفترة المقبلة ستقلص من أسباب العنف، مثل تحسين الوضع المعيشي لشريحة مهمة من العراقيين، وبالذات بالنسبة لموظفي الدولة الذين يُعتبرون القطاع الأوسع في العراق، وصرف رواتب مقبولة للمتقاعدين، واستيعاب أعداد من قوى الأمن والجيش في المؤسسات الجديدة، كما أنه من المرجح زيادة تدفق الأموال للمشاريع العمرانية، خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط عالمياً، مما يؤدي في حال استغلاله على نحو أمثل إلى توفير فرص العمل وتخفيف حدة مشكلة البطالة.
كما أن العملية السياسية ذاتها ـ على الرغم مما يكتنفها من مآخذ ـ ستسهم في تخفيف غلواء العنف، خصوصاً أن القسم الأعظم من العراقيين متحمسون لولوجها، وبالتالي فإن بؤر التوتر التي تقلصت كثيراً خلال الشهور الفائتة ستستمر بالتقلص خلال العام المقبل. وقطعاً سوف لن ينتهي العنف، والمقاومة ستستمر مادام الاحتلال موجوداً والقوات العسكرية الأجنبية تنتشر علناً في المدن الرئيسية، إلا أن ذلك لا يمنع من تبلور قناعات لدى العراقيين بأن تكلفة المقاومة باهظة ومن يدفع ثمنها هم العراقيون أنفسهم مما يقلص زخم التأييد لها. وهكذا يبدو هذا المشهد ـ وفق تصورنا ـ هو الأكثر احتمالاً من سواه.
انطلاقاً من المعطيات الراهنة التي تشهدها الساحة العراقية، فإن مستقبل الأوضاع في العراق يبدو مفتوحاً على جميع الاحتمالات. وعلى الرغم من صعوبة الاستشراف بهذا الخصوص، فإن المشهد الأكثر احتمالاً من غيره خلال المستقبل المنظور هو استمرار العملية السياسية مع اتجاه العنف نحو الانحسار تدريجياً، وهذا متوقف بالطبع على قدرة الأطراف المعنية، العراقية وغير العراقية، على توفير الشروط والمعطيات التي تعزز السير في هذا الاتجاه.
وسيعتمد استقرار الأوضاع الأمنية إلى حد كبير على مدى القدرة على استيعاب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الملحة من خلال المشاريع التنموية، وإعمار البنى التحتية، واستيعاب أعداد العاطلين، وتحسين القدرة الشرائية للموظفين، ورفع المستوى الصحي والتعليمي. ومن المتوقع أن تتصاعد المطالب بهذا الخصوص بعد الانتخابات، خصوصاً مع التحسن الكبير في أسعار النفط في السوق العالمية، ووجود وعود بتقديم المزيد من المنح والاستثمارات الأجنبية.
كما أن الرغبة في إرساء الأمن والاستقرار ليست رغبة عراقية فقط، وإنما هي أيضاً رغبة أطراف إقليمية ودولية عديدة، فالقوى الدولية ذات المصالح الحيوية في العراق والشرق الأوسط يهمها دعم السلام والاستقرار العراقي، لأنه بخلاف ذلك ستكون المنطقة مقبلة على تغييرات عنيفة، ليس من السهل السيطرة عليها. ثم إن هناك دولاً عربية مجاورة للعراق، ربما ما عدا سوريا حسبما تشير إلى ذلك بعض التحليلات والتقديرات، شغوفة برؤية عراق مستقر وآمن خشية انتقال عدوى العنف إليها وانتشار الحركات المتطرفة.
وهكذا، تلتقي رغبتان عراقية (شعبية ورسمية) ودولية لإنعاش العملية السياسية، وحتى بعض القوى الإقليمية (إيران والى حد ما سوريا) التي قد تحاول إثارة بعض التوترات الداخلية في العراق فإنه ليس من العسير ردعها، وبالذات من قبل الإدارة الأمريكية، خصوصاً أن هناك ملفات عديدة يمكن إثارتها حول كل منها، فيما لو أنها لم تلتزم بتعهداتها بعدم إرباك الوضع العراقي.
كما يعتمد هذا المشهد أيضاً على فكرة أن المباشرة بالانتخابات وترسيخ البنى المؤسساتية سيفضيان إلى تضاؤل مبررات مجموعات المقاومة العراقية التي قد لا تجد بعد ذلك هوى في نفوس العراقيين، وستفقد بريقها تدريجياً حتى تخبو إيثاراً للسلامة وطلباً للاستقرار. وقد يحوي هذا المشهد نوعاً من التفاؤل إلا أنه لا يعدم الواقعية بالقطع.
المشهد الثالث: إرساء العملية السياسية المصحوبة بدرجة محدودة من العنف
لما كانت الظروف، سواء منها المؤدية إلى استمرار العنف واحتمالات الحرب الأهلية غير مرشحة للانتهاء خلال العام المقبل، لأنها تستمد وجودها من نوازع وسياسات متأصلة ومتجذرة مجتمعياً وسلطوياً. ولما كانت أيضاً السياسات الداخلية والمصالح الدولية، وبالذات بالنسبة للإدارة الأمريكية من غير المتوقع لها أن تتغير على نحو دراماتيكي خلال العام المقبل، وبخاصة بعد انتخاب الرئيس الأمريكي جورج بوش لولاية ثانية، فإن المشهد الذي سيبدو أكثر احتمالاً من سواه هو الذي يجمع بين المشهدين السابقين في آن معاً، بمعنى المزاوجة بين استمرار العملية السياسية الدافعة باتجاه الاستقرار من جهة مع وجود العنف، ولكن الآخذ بالتقلص على نحو تدريجي من جهة أخرى.
فالعملية السياسية يبدو أنها سائرة في تكريس ما أثمرت عنه بعد الاحتلال من اعتماد نسب الحصص الطائفية والقومية على أسس التخمينات غير الدقيقة للواقع السكاني لكل مجموعة. وبذلك، فإن شعور السنة العرب بأنهم في طريقهم إلى التهميش والانزواء لن يتبدد، مما قد ينعكس على استمرار التوتر بينهم كمجموعة (هلامية) والقوى المجتمعية الأخرى، كما أن بقاء الاحتلال بهذا الوضع الذي هو عليه الآن في التمركز داخل المدن الرئيسية والعمليات العسكرية الانتقامية التي يقوم بها، ستبقي عوامل المقاومة الوطنية قائمة، التي تستمد استمراريتها من الأفكار الجهادية الإسلامية، والروح الوطنية المتمثلة بالكبرياء القومي الذي يأبى الاحتلال الأجنبي، إضافة إلى الدوافع العشائرية ونزعة الثأر إزاء الممارسات غير الإنسانية التي تقوم بها قوات الاحتلال ضد المدنيين، هذا فضلا ًعن الرغبة في الانتقام وإرباك الوضع الداخلي من قبل أعداد من الذين ارتبطت مصالحهم الشخصية ونفوذهم بنظام صدام.
وعلى الرغم من أن العوامل سالفة الذكر ستحفز ولا شك إلى بقاء العنف في العراق وتوليد حالة من الرفض للأمر الواقع، وهي مرشحة للاستمرار، إلا أن المقاومة يبدو أنها في سبيلها إلى الانحسار، بعد أن تحول بعضها إلى معارضة سياسية، كما هو بالنسبة إلى تيار مقتدى الصدر، الذي يمثل الشيعة الناقمين على الاحتلال، وبخاصة بعد أن سلم عدد كبير من عناصره أسلحتهم إلى الحكومة العراقية مقابل مبالغ مالية. كما أن مجموعات أخرى من القوى المنخرطة في المقاومة بدأت تفقد التعاطف الشعبي بفعل تزايد أعداد القتلى والجرحى في صفوف العراقيين الذين أصبحت تستهدفهم الأعمال العسكرية أكثر مما تستهدف القوات الأجنبية، الأمر الذي بدأ العراقيون ينظرون إليه بارتياب ويحاولون أن يلقوا بتبعاته على قوى دخيلة تسللت إليهم من الخارج.
::/fulltext::
::cck::2366::/cck::
